LOGINلكنه لم يسمعها، أو ربما لم يهتم، فقد تقدم خطوة واحدة وهو يراقبها كأن بقية العالم لم يعد موجودًا، فرفعت الخشبة أمامها، لكنه توقف حين خرج من خلفه ذلك المخلوق الذي كانت تراه للمرة الأولى بوضوح.
كان يشبه كلبًا أسود هائلًا، إلا أن جلده لم يكن مغطى بالفرو، بل بطبقة داكنة متشققة يتسرب من شقوقها وهج أحمر خافت، وعيناه كانتا بيضاوين تمامًا، أما فمه فامتلأ بأسنان طويلة انعكس عليها ضوء النار، فشعرت إيلارا بأن الهواء غادر رئتيها، ولم تتمكن حتى من الصراخ عندما اندفع المخلوق نحوها. تحرك الرجل قبله. لم ترَ كيف وصل إليها بهذه السرعة، لكنها وجدت نفسها فجأة خلفه، بينما اصطدمت السكين بجسد المخلوق وانطلق صوت صرير حاد جعلها تغطي أذنيها، ثم سقط الشيء على الأرض وبدأ جسده يتفتت أمام عينيها. لا دم، ولا عظام، ولا لحم، وإنما تحول بالكامل إلى مسحوق أسود انتشر فوق أرضية منزلها. رماد. حدقت فيه، ثم رفعت عينيها إلى الغريب. «ما... ما هذا؟» أدار الرجل وجهه نحوها، وكانت أنفاسه هادئة بصورة مستفزة مقارنة بالفوضى التي تحيط بهما، ثم انحنى وأمسك حفنة صغيرة من الرماد بين أصابعه، وما إن فعل حتى تحولت ذراته إلى لون رمادي باهت قبل أن تختفي. «شيء كان يجب ألا يجدك.» «يجدني؟ أنا لا أعرف ما الذي تتحدث عنه، ولا أعرف من أنت أصلًا.» وقف ببطء. «اسمي كايلان ڤير.» «هذا لا يفسر لماذا حطمت باب منزلي وقتلت...» نظرت إلى الرماد ثم أكملت بتردد: «أيًّا كان ذلك الشيء.» نظر إلى النار مرة أخرى وقال: «لو كنت فتاة عادية، لكان ذلك الشيء قد قتلك قبل أن أصل.» «أنا فتاة عادية.» عاد بعينيه إليها. «لا.» قال الكلمة ببساطة شديدة، وكأنها حقيقة لا تحتاج إلى نقاش، فاشتعل غضبها رغم خوفها وتقدمت نحوه خطوة. «لا تعرفني حتى.» «أعرف ما يكفي.» «إذن أخبرني.» صمت. «ما الذي كان يطاردني؟» لم يجب. «ولماذا لم تحرقني النار؟» بقي صامتًا. ازدادت حدة صوتها: «ولماذا تنظر إليّ وكأنك تعرفني؟» للمرة الأولى ظهرت في عينيه حيرة حقيقية، لكنه أخفاها بسرعة قبل أن يقول: «لأنني كنت متأكدًا حتى هذه الليلة أنك مت منذ عشرين عامًا.» توقفت أنفاسها. حدقت فيه غير قادرة على فهم الجملة، ثم ضحكت ضحكة قصيرة مرتبكة خرجت منها رغمًا عنها. «ماذا؟» وقبل أن يجيب، بدأت ذرات الرماد الموجودة على الأرض تتحرك. نظر كايلان إلى الأسفل. اختفت البرودة عن وجهه. ارتفعت ذرات الرماد واحدة بعد الأخرى، والتفت حول قدمي إيلارا في دوامة صغيرة، ثم صعدت ببطء حتى وصلت إلى كفها، بينما وقفت هي عاجزة عن الحركة، تراقبها تتجمع فوق جلدها دون أن تلمسه فعلًا. وفجأة تشكلت فوق معصمها علامة سوداء. دائرة يتوسطها خط يشبه شعلة مقلوبة. تراجع كايلان خطوة. لم تكن إيلارا تعرف الرجل، لكنها أدركت من وجهه أن ما حدث لم يكن أمرًا بسيطًا. «ما هذه؟» لم يرد. اقتربت منه بعصبية. «كايلان، ما هذه العلامة؟» رفع عينيه إليها أخيرًا، وكان شيء ثقيل قد استقر فيهما. «إن ظهرت هذه العلامة فعلًا، فلدينا مشكلة أكبر بكثير مما توقعت.» «أي مشكلة؟» نظر إلى الرماد الذي ما يزال يدور حولها، ثم قال ببطء: «لأن هذه ليست علامة ساحرة، ولا علامة بشر، ولا حتى علامة سلالة ما زالت موجودة.» شعرت ببرودة تزحف إلى جسدها رغم النار المحيطة بهما. «إذن علامة ماذا؟» طال صمته قبل أن تأتي الإجابة. «علامة الوريثة.»لم تنتظر لترى ما هو، فقد صرخت بالسائق أن يدخل أول شارع على اليمين، فانحرف بعنف حتى كادت السيارة تصطدم بالرصيف، ثم انطلق داخل منطقة تجارية مزدحمة، وهناك بدأت السيارات والمارة يشكلون حاجزًا بينهم وبين مطارديهم، فاستغل السائق الفرصة واندفع عبر مخرج جانبي قبل أن يوقف السيارة فجأة قرب صف من المتاجر ويطلب منها النزول، موضحًا أنه لن يواصل هذه المطاردة مهما دفعت له.لم تجادله.فتحت الباب وخرجت مسرعة، ثم دخلت بين الناس قبل أن تتمكن من التفكير في وجهتها، وكانت تتحرك بلا خطة سوى الابتعاد عن الشارع الرئيسي، تمر بين المارة وتلتفت خلفها كل عدة خطوات، حتى اختلطت عليها الوجوه ولم تعد تعرف إن كان الخطر خلفها أم أمامها، لكنها حين وصلت إلى ممر جانبي أقل ازدحامًا سمعت صوت باب سيارة يغلق في مكان قريب.توقفت.كان عليها العودة إلى الشارع المزدحم.استدارت، لكن رجلًا ظهر عند مدخل الممر.لم تره من قبل.كان طويلًا، يرتدي ملابس داكنة، ولم يكن في ملامحه شيء يلفت الانتباه لولا أنه لم يتحرك مثل شخص ضل طريقه، بل وقف بهدوء ونظر إليها مباشرة، وكأنه كان يعرف بالضبط من ينتظر.تراجعت خطوة.فتقدم خطوة.لم تسأله من يكون.ر
لم تستطع أن تحدد اللحظة التي تحول فيها ذلك الشعور الثقيل الذي لازمها منذ الصباح إلى يقين حقيقي بأن شيئًا ما يراقبها، فقد حاولت طوال الطريق أن تقنع نفسها بأن ما حدث خلال الأيام الماضية جعل أعصابها أكثر حساسية من المعتاد، وأن نظراتها المتكررة خلفها ليست سوى نتيجة طبيعية للخوف الذي لم يمنحها فرصة واحدة كي تستعيد هدوءها، إلا أن السيارة السوداء التي ظهرت للمرة الثالثة في المرآة الجانبية جعلت كل تلك المحاولات تنهار دفعة واحدة، لأنها لم تكن تسير خلفها مصادفة، ولم تكن المسافة الثابتة التي تفصل بينهما طبيعية، والأسوأ من ذلك كله أن زجاجها الداكن منعها من رؤية وجه السائق أو معرفة عدد الأشخاص الموجودين بداخلها.شدت أصابعها حول حقيبتها الموضوعة فوق ساقيها، وحاولت ألا تلتفت مرة أخرى حتى لا تكشف أنها انتبهت إليهم، بينما كان قلبها يزداد اضطرابًا كلما انعطفت السيارة التي تقلها إلى شارع جديد لتجد تلك السيارة تنعطف خلفها بعد ثوان، وعندما وصل السائق إلى تقاطع مزدحم وتوقف بسبب الإشارة الحمراء، رفعت عينيها ببطء نحو المرآة الصغيرة أمامه، فرأت السيارة السوداء تتوقف خلفهم على مسافة سيارتين فقط، وحينها شعرت بب
أو قريبًا منه إلى درجة يستحيل معها اعتبار الأمر مصادفة.شعرت إيلارا ببرودة تزحف إلى أطرافها، فأغلقت الهاتف ثم فتحته مجددًا كأنها تتوقع أن يتغير ما رأته، إلا أن العلامتين بقيتا أمامها متشابهتين: الدائرة غير المكتملة، الخط العمودي الذي يخترق منتصفها، والانحناءات الصغيرة حول أطرافها كأنها ألسنة نار تتجه إلى الداخل بدل الخارج.همست لنفسها:«من أنت يا كايل؟»لم تحصل على إجابة، لكن صوتًا خافتًا جاء من خارج غرفتها في اللحظة نفسها.خطوة.ثم أخرى.توقفت إيلارا عن الحركة تمامًا.كان المنزل هادئًا، والساعة تجاوزت منتصف الليل، ولم يكن من المفترض أن يكون أحد مستيقظًا، لذلك أعادت الأشياء إلى الصندوق بسرعة وأغلقته، ثم دفعته أسفل الوسادة قبل أن تتجه نحو الباب، ولم تفتحه مباشرة، بل وضعت أذنها عليه وانتظرت.لا شيء.مدت يدها إلى المقبض، وقبل أن تديره سمعت صوت احتكاك خفيف من الجهة الأخرى، كأن شخصًا كان واقفًا أمام غرفتها ثم تحرك مبتعدًا حين شعر باقترابها.فتحت الباب فجأة.كان الممر فارغًا.لكن النافذة الموجودة في نهايته كانت مفتوحة.تحرك الستار الأبيض مع الهواء البارد، وبالقرب منه لمع شيء صغير على الأرض،
لكنه وقف.«يكفي الليلة.»نهضت هي الأخرى بغضب.«لا، لا يكفي! أنت الذي جئت إلي، وأنت الذي أخذتني من منزلي، والآن تخبرني أن أشخاصًا لا أعرفهم يريدونني بسبب شيء لا أعرفه ثم تقول يكفي؟»استدار إليها.كانت المسافة بينهما قصيرة، أقصر مما انتبهت إليه في البداية، فتوقفت كلماتها للحظة حين وجدت نفسها مضطرة إلى رفع رأسها لتنظر إليه، بينما ظل كايل ساكنًا أمامها.«هناك أشياء إذا عرفتها الآن لن تستطيعي نسيانها.»قالت بعناد:«ربما لا أريد نسيانها.»ثبت نظره عليها طويلًا، وكأنه يقرر إن كان سيقول شيئًا أم لا، ثم اقترب قليلًا وهمس:«حين تعرفين الحقيقة، قد تتمنين لو بقيت جاهلة بها.»لم تعرف لماذا جعلتها كلماته تشعر بالخوف أكثر من كل ما حدث في الغابة.ابتعد عنها وأشار إلى الدرج.«الغرفة الثانية على اليمين لك، والباب يغلق من الداخل إذا كان وجودي يخيفك.»نظرت إليه للحظات ثم قالت:«لا أخاف منك.»ظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة بالكاد ولدت قبل أن تختفي.«يجب أن تفعلي.»ثم تركها وصعد الدرج.بقيت إيلارا في مكانها تحدق في ظهره حتى اختفى، وبعدها أنزلت عينيها إلى معصمها ببطء.كانت العلامة لا تزال هناك.لكن شيئًا تغير
هذه المرة لم تجادله. دخلت السيارة وأغلقت الباب، وظلت تراقب من خلف الزجاج بينما اختفى كايل للحظات داخل الظلام، وكانت أنفاسها تتسارع مع كل ثانية تمر، إلى أن ظهر مجددًا وفتح باب السائق وجلس خلف المقود، ولم يوقفها الدم الجديد الذي لطخ يده. انطلقت السيارة بسرعة. ابتعدت الأشجار خلفهما، وبقيت إيلارا صامتة وهي تضغط أصابعها بعضها ببعض، إلا أن الأسئلة داخل رأسها كانت أكثر ضجيجًا من أن تتحملها، وبعد دقائق التفتت إليه قائلة: «ما الذي كان هناك؟» «شيء لا تريدين معرفته.» «توقف عن فعل ذلك.» نظر إليها سريعًا. «فعل ماذا؟» «التصرف وكأنك تعرف كل شيء بينما يفترض بي أن أتبعك دون سؤال، أنت تعرف اسمي، تعرف العلامة الموجودة على جسدي، وهناك شيء كان يلاحقنا منذ قليل، ومع ذلك تتوقع مني أن أجلس هنا بصمت؟» عاد ببصره إلى الطريق. «نعم.» حدقت فيه بغيظ. «أنت مستفز.» «قيل لي ذلك من قبل.» كان من المفترض أن تزيدها إجابته غضبًا، لكنها وجدت نفسها تصمت للحظة، ثم انتبهت إلى الدم الذي بدأ يتسرب من أسفل كم قميصه، فأشارت إليه قائلة: «أنت مصاب.» «خدش.» «الخدوش لا تنزف بهذه الطريقة.» «وهل أصبحت طبيبة الآن؟» «ل
لم تكن إيلارا من النوع الذي يثق بالغرباء، وبالتأكيد لم تكن من النوع الذي يترك المكان الذي اعتادت الاحتماء به في منتصف الليل برفقة رجل يحمل سكينًا ملطخة بالدماء ويعرف اسمها دون أن تكون قد أخبرته به، لكن المشكلة أن حياتها منذ تلك الليلة لم تعد تسير وفق الأشياء التي تؤمن بها أو القواعد التي وضعتها لنفسها، فكل ما حدث منذ اللحظة التي ظهرت فيها تلك العلامة الغريبة على جلدها، وحتى اللحظة التي وجدت فيها هذا الرجل واقفًا أمامها بنظرات باردة وكأنه يعرف عنها أكثر مما تعرفه هي عن نفسها، كان يدفعها إلى حقيقة واحدة لم تكن مستعدة للاعتراف بها: أن العالم الذي عاشت فيه طوال سنوات لم يكن العالم الحقيقي كله.تراجعت إيلارا خطوة وهي تراقبه بحذر، ولم تفارق عيناها السكين التي استقرت بين أصابعه بثبات غريب، بينما كان هو واقفًا أمامها دون أن يبدو عليه أي توتر، وكأن وجوده في هذا المكان المظلم وفي هذه الساعة المتأخرة أمر طبيعي تمامًا، ثم رفع عينيه إليها وقال بصوت منخفض:«إذا أردت البقاء حية، عليك أن تأتي معي.»حدقت فيه لثوان طويلة قبل أن تسأله بحدة حاولت من خلالها إخفاء ارتجاف صوتها:«ومن قال إني أثق بك؟»لم يجب







