تسجيل الدخولطوال طريق عودتها من منزل مارغريت، بقيت كلماتها تتردد في ذهنها.
“جاك لم يدخل حياتكِ صدفة.” لم تكن جملة كافية لتفسير كل ما يحدث، لكنها كانت كافية لتجعل لونا تفكر أكثر مما أرادت. شعرت بانزعاج خفيف من نفسها لأنها لم تستطع تجاهل اسمه كما اعتادت مع أي أمر آخر. ولسبب لم تفهمه، تذكرت نبرة صوته الهادئة في آخر مرة تحدثا فيها. منذ وفاة والدتها، كانت تحاول التعامل مع كل شيء خطوة بخطوة، دون أن تغرق في الأسئلة. لكن مؤخرًا، أصبحت الأسئلة تسبقها في كل مكان. والأسوأ أنها لم تعد ترفضها بنفس الحدة. أحيانًا، كانت تتخيل تعبيره الصامت وهو يستمع، وكأنه ينتظر منها أن تصل للإجابة بنفسها. وفي مقدمتها سؤال واحد: لماذا جاك؟ في صباح اليوم التالي، كانت منهمكة في مراجعة أحد الملفات عندما وصلها إشعار جديد. توقفت عيناها عند الرسالة للحظات. أطالت النظر أكثر مما ينبغي، وكأنها تتوقع شيئًا محددًا دون أن تعترف بذلك. دعوة رسمية للحضور إلى منزل عائلة بلاكويل. مرة أخرى. لكن هذه المرة كانت هناك عبارة إضافية: “لأمر يخص الترتيبات القادمة.” شعرت بانقباض خفيف في معدتها. لم يكن خوفًا خالصًا هذه المرة، بل مزيجًا غريبًا لم تستطع تسميته. شيء يشبه الترقب، أو ربما الفضول الذي لم تعتد عليه. لم تكن بحاجة إلى كثير من التفكير لتفهم المقصود. ومع ذلك، أغلقت الرسالة وأكملت عملها لبضع دقائق، وكأن تجاهل الأمر سيمنحه تفسيرًا مختلفًا. لكنها لاحظت أن تركيزها لم يعد كما كان، وأن أفكارها تعود إليه رغم محاولتها تجاهل ذلك. في النهاية، وجدت نفسها أمام المنزل مجددًا. استقبلتها مارغريت بابتسامتها الهادئة نفسها، وهي تميل برأسها قليلًا ترحيبًا. “سعيدة لأنك جئتِ.” قالتها وهي تفتح ذراعيها قليلًا قبل أن تعود وتضم يديها أمامها بهدوء. ابتسمت لونا بخفة، ورفعت كتفيها بشكل لا إرادي. ابتسامة بدت أكثر تلقائية مما توقعت. “أشعر أنني لم أعد أملك خيارًا في كثير من الأمور.” قالتها وهي تزفر بهدوء وتنظر جانبًا للحظة. ضحكت مارغريت برفق، ووضعت يدها على صدرها كأنها تهدئ الموقف. “هذا ليس صحيحًا تمامًا.” هزت رأسها ببطء وهي تبتسم. ثم قادتها إلى غرفة الجلوس. هذه المرة كانت هناك أوراق مرتبة فوق الطاولة. وعقد. جلست لونا وهي تنظر إليه بصمت، وأصابعها تتحرك ببطء فوق حافة الطاولة. شعرت بثقل الفكرة، لكنها لم تشعر بالنفور الحاد الذي توقعته من نفسها. “ما هذه؟” سألت وهي تميل قليلًا للأمام، عيناها تضيقان بتركيز. أجابت مارغريت بهدوء، وهي تسحب أحد الأوراق وتضعه أمامها: “خطوة تنظيمية.” قالتها بنبرة ثابتة، مع ابتسامة خفيفة لا تختفي. رفعت لونا حاجبها، ومالت رأسها جانبًا. “تنظيم ماذا بالضبط؟” سألت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها. ترددت مارغريت لثانية، ومررت يدها على طرف الطاولة قبل أن تقول: “الزواج.” نظرت إليها مباشرة، دون أن تبتسم هذه المرة. ساد الصمت بينهما. لكن رد فعل لونا كان مختلفًا عن المرة الأولى التي سمعت فيها الفكرة. لم تصرخ. ولم تغضب. فقط شعرت أن الأمر أصبح أكثر واقعية. وربما… أقل غرابة مما كان عليه سابقًا. قالت بعد لحظة، وهي تبلع ريقها وتشيح بنظرها قليلًا: “ما زلت لم أوافق على كل هذا.” أومأت مارغريت بتفهم، ووضعت يدها برفق فوق الأوراق. “أعرف.” قالتها بنبرة هادئة، مع نظرة مطمئنة. ثم أضافت بلطف، وهي تميل قليلًا نحوها: “ولهذا لم يطلب منك أحد التوقيع اليوم.” رفعت لونا نظرها إليها باستغراب، وعيناها تتسعان قليلًا. “إذًا لماذا أنا هنا؟” سألت وهي تفتح كفيها في حركة تعبيرية. ابتسمت مارغريت ابتسامة صغيرة، ومالت رأسها جانبًا. “لأنني لا أريدك أن تشعري أن الجميع يتخذ القرارات بدلًا عنك.” قالتها وهي تشير بيدها بخفة نحو الأوراق. خفت التوتر قليلًا داخل لونا. شعرت براحة غير متوقعة، وكأن جزءًا منها كان ينتظر هذا النوع من التعامل. لأول مرة شعرت أن أحدًا يشرح لها الأمور بدل أن يفرضها عليها. نظرت إلى الأوراق مجددًا. كانت كلها تفاصيل رسمية. لا شيء فيها يشبه قصص الحب أو الأحلام الرومانسية. كل شيء بدا عمليًا ومنظمًا أكثر مما يجب. وكأن الأمر اتفاق طويل الأمد لا أكثر. بعد لحظة سألت، وهي تمرر أصابعها على حافة الورقة: “وأين جاك؟” لمعت ابتسامة خفيفة في عيني مارغريت، ورفعت حاجبها قليلًا. “في العمل على الأغلب.” قالتها وهي ترفع كتفيها بخفة. تنهدت لونا، وأمالت رأسها للخلف قليلًا. إجابة متوقعة. في الوقت نفسه، كان جاك يجلس في قاعة اجتماعات واسعة في مقر الشركة. أمامه ملفات وتقارير وأرقام لا تنتهي. لكن تركيزه لم يكن كاملًا. عندما اقترب مساعده بعد انتهاء الاجتماع قال، وهو يقف مستقيمًا ويعدل سترته: “تم إرسال المستندات الخاصة بالترتيبات.” أومأ جاك دون أن يرفع رأسه، وعيناه لا تزالان على الأوراق. “جيد.” قالها بنبرة مقتضبة، وهو يقلب صفحة ببطء. ثم أضاف بعد لحظة، وهو يتوقف عن الحركة ويرفع نظره قليلًا: “لا أريد أي تعديلات إضافية.” “مفهوم.” رد المساعد وهو يومئ سريعًا. عاد الصمت مجددًا. بالنسبة للآخرين، بدا الأمر وكأنه ملف عمل آخر. أما بالنسبة له، فكان يعلم أنه أكثر من ذلك بقليل. في منزل بلاكويل، انتهى اللقاء بعد وقت قصير. وعندما خرجت لونا إلى الحديقة الخلفية، تباطأت خطواتها دون قصد، ويدها تنزلق على جانب الفستان. نظرت حولها. الأشجار. الممر الحجري. الأرجوحة القديمة في الزاوية. كان هناك شيء مألوف في المكان. شعور خفيف بالراحة تسلل إليها دون استئذان. شيء لم تستطع تفسيره. خرجت مارغريت خلفها بهدوء، ووقفت بجانبها دون أن تقترب كثيرًا. “أخبرتكِ من قبل أنكِ كنتِ تأتين إلى هنا.” قالتها وهي تنظر إلى الحديقة. التفتت إليها لونا، وعيناها تحملان حيرة واضحة. “ما زلت لا أتذكر.” قالتها وهي تهز رأسها ببطء. اقتربت مارغريت منها قليلًا، ووضعت يدها خلف ظهرها. “لا بأس.” قالتها بنبرة مطمئنة. ثم أضافت بابتسامة دافئة، وهي تميل نحوها قليلًا: “ليس من الضروري أن تتذكري كل شيء الآن.” بقيت لونا تنظر إلى الحديقة، وذراعاها متشابكتان أمامها. “أشعر وكأن الجميع يعرف شيئًا لا أعرفه.” قالتها بصوت منخفض، وعيناها تبتعدان عن مارغريت. ربتت مارغريت على كتفها برفق، وضغطت عليه بخفة. “ربما.” قالتها بهدوء. ثم تابعت بلطف، وهي تنظر إليها مباشرة: “لكن هذا لا يعني أن أحدًا يحاول إخفاء الحقيقة عنك.” نظرت إليها لونا بصمت، وعيناها تبحثان عن شيء غير واضح. فأكملت مارغريت، وهي تبتسم ابتسامة خفيفة: “أحيانًا تحتاج بعض الأمور إلى الوقت المناسب فقط.” لم يكن جوابًا كاملًا. لكنه كان كافيًا ليجعل لونا تتوقف عن البحث عن إجابة فورية. عندما عادت إلى شقتها في المساء، كانت مرهقة أكثر من المعتاد. فتحت الباب ودخلت. وقبل أن تضع حقيبتها، اهتز هاتفها. رسالة جديدة. رقم غير مسجل. فتحتها. “لا تتأخري غدًا.” كلمتان فقط. لا اسم. لا توقيع. لكنها عرفت فورًا صاحب الرسالة. جاك. حدقت بالشاشة للحظات، وشفتيها تنفرجان قليلًا دون وعي. ثم وجدت نفسها تبتسم دون أن تشعر، وهي تهز رأسها بخفة. ابتسامة صغيرة جدًا اختفت بسرعة. لكنها كانت موجودة. وفي مكان آخر من المدينة، كان جاك ينظر إلى هاتفه للحظة قصيرة قبل أن يضعه جانبًا، وأصابعه تتوقف فوق الشاشة لثانية إضافية. لم ينتظر ردًا. ولم يتوقع واحدًا. لكنه شعر بشيء من الارتياح عندما عرف أن الرسالة وصلت، وزفر بهدوء وهو يسند ظهره إلى الكرسي. حتى لو بقي كل شيء بينهما داخل الحدود التي رسمها منذ البداية.مرّ الصباح ببطء.أبطأ مما اعتاد جاك.دخل الشركة كعادته قبل الجميع، يحمل كوب قهوته الأسود وملف اجتماع الشراكة مع شركة ماكس.لكن شيئًا واحدًا فقط كان يرافقه منذ استيقظ.“إذا أعجبتك… فقل لها.”زفر بضيق.أغلق باب مكتبه.وحاول أن يدفن نفسه بين الملفات.⸻طرقت لونا الباب.“تفضل.”دخلت وهي تحمل عدة ملفات.“صباح الخير.”رفع رأسه.للحظة…نسي تمامًا ما كان يقرأه.كانت ترتدي بدلة عمل بسيطة بلون كحلي، جمعت شعرها إلى الخلف كعادتها، ولم تضع سوى زينة خفيفة.لكنها…بدت هادئة أكثر من اللازم.وضعت الملفات أمامه.“هذه النسخة الأخيرة من العقد.”ظل ينظر إليها.دون أن يجيب.رفعت رأسها.“جاك؟”انتبه أخيرًا.“نعم.”“هل هناك تعديل آخر؟”فتح فمه.كان يريد أن يقول شيئًا آخر.أي شيء.لكن الكلمات خانته.فقال أخيرًا:“أرسلي نسخة إلى القسم القانوني.”أومأت.“حسنًا.”استدارت لتخرج.“لونا.”توقفت عند الباب.التفتت إليه.“نعم؟”نظر إليها ثانية كاملة.ثم قال:“…لا شيء.”ابتسمت ابتسامة صغيرة مجاملة.“إذن أراك في الاجتماع.”وأغلقت الباب.بقي جاك يحدق في الباب المغلق.ثم أسند رأسه إلى الكرسي وأغمض عينيه.“ممتاز…”قالها سا
كان صباح المنزل هادئًا على غير عادته.وكان في جلستها شيء من التردد الخفي، كأنها تختار المسافة بعناية لا تُفهم بسهولة.دخل جاك إلى المطبخ وهو يراجع رسالة على هاتفه تتعلق باجتماع شركة ماكس.رفع رأسه تلقائيًا…فتوقف.كانت لونا تجلس عند الطرف الآخر من الطاولة.أمامها فنجان قهوتها، وهاتفها، وملف صغير كانت تقلب صفحاته بهدوء.اعتادت، خلال الأيام الماضية، أن تجلس إلى جواره.أما اليوم…فاختارت أبعد مقعد.عقد حاجبيه دون شعور.“صباح الخير.”رفعت رأسها إليه.ابتسمت ابتسامة هادئة.“صباح النور.”ظل واقفًا لحظة.ثم نظر إلى الكرسي الفارغ المجاور له.وعاد ينظر إليها.“لماذا تجلسين هناك؟”رفعت حاجبها باستغراب خفيف.ثم نظرت إلى المكان الذي تجلس فيه.“هنا؟”“نعم.”ابتسمت ابتسامة صغيرة.“أعجبني هذا المكان اليوم.”قال مباشرة:“لكن مقعدك هناك.”وأشار إلى الكرسي المجاور له.تبادلتا هي ووالدته النظرات.ثم قالت لونا بهدوء:“لا بأس.”“أنا مرتاحة هنا.”ساد صمت قصير.نظر إليها جاك ثانية، وكأنه يريد أن يقول شيئًا آخر.لكنه جلس في مكانه بصمت.راقبته والدته من فوق فنجان القهوة…دون أن تعلق.⸻بعد دقائق…أنهت لونا قه
انتهت السهرة أخيرًا.كانت ليلة هادئة ودافئة ومليئة بالضحكات.تعرفت لونا إلى جميع أفراد عائلة جاك، وحفظت أسماء معظمهم، بينما أصرت الجدة أن تلتقط معها أكثر من صورة، حتى إن صديقاتها بدأن يمزحن بأن حفيدتها الجديدة سرقت الأضواء.أما جاك…فلم يبتعد عنها طوال الأمسية.كلما تحركت كان يظهر بجانبها، يسحب لها الكرسي ويفسح لها الطريق، ويناديها إذا ابتعدت، ويضع يده خلف ظهرها كلما اقترب أحد لالتقاط صورة.حتى إن لونا، وهي في طريق العودة، لم تعد تعرف…هل كان كل ذلك من أجل إقناع العائلة…أم أنه أصبح يتصرف معها بهذه العفوية فعلًا.لكن شيئًا واحدًا بقي عالقًا في قلبها.رغم كل ما فعله…لم يقل لها إنها بدت جميلة.ولا مرة.⸻بعد عودتهما إلى المنزل…دخل جاك الغرفة أولًا.خلع سترته، ثم فتح حاسوبه المحمول كعادته.وصلته عدة رسائل تتعلق باجتماع الشراكة القادم، فانشغل بها مباشرة.أما لونا…فاكتفت بإلقاء حقيبتها على الأريكة الصغيرة، وخلعت أقراطها أمام المرآة، ثم أخذت ملابس النوم ودخلت الحمام.خرجت بعد دقائق.كانت ترتدي ملابس مريحة، وشعرها لا يزال رطبًا.مرت بجانب جاك دون أن تقول كلمة.لاحظ ذلك.رفع عينيه عن الشاش
توقفت السيارة أمام منزل الجدة.كانت الحديقة مضاءة بعشرات الأضواء الدافئة المتدلية بين الأغصان كنجوم صغيرة، تنعكس على أوراق الأشجار الندية فتمنحها بريقًا ناعمًا، بينما امتدت الطاولات بين الأشجار المغطاة بظلال خفيفة، وتراقصت ألسنة الشموع فوقها مع نسيم المساء اللطيف، وملأ صوت الضحكات المكان ممزوجًا برنين الكؤوس وهمسات الأحاديث، تتخلله أحيانًا نغمات موسيقى هادئة تنساب في الخلفية، ورائحة الزهور والياسمين تعبق في الهواء مع لمسة خفيفة من عطر الطعام الطازج.أطفأ جاك المحرك.وقبل أن تمد لونا يدها نحو الباب…قال بهدوء:“لحظة.”التفتت إليه.نزل أولًا.ثم دار حول السيارة وفتح الباب لها بنفسه.ابتسمت بخفة.“تعرف أنني أستطيع فتح الباب وحدي.”أجاب وهو يمد ذراعه إليها:“أعرف.”“إذن؟”نظر نحو الحديقة حيث بدأت بعض الوجوه تلتفت إليهما.ثم قال بهدوء:“العائلة.”فهمت ما يقصده.وضعت يدها على ذراعه.لكنها تفاجأت عندما قرب ذراعه منها أكثر، حتى أصبحت تسير ملاصقة له تقريبًا.نظرت إليه باستغراب.همست:“أليست هذه مبالغة قليلًا؟”أجاب دون أن ينظر إليها:“لا.”“لكننا…”“اقتربي.”قالها بهدوء، لكنه لم يترك لها فرصة
حلّ مساء اليوم التالي بهدوئه المعتاد.لكن المنزل لم يكن هادئًا.كانت والدة جاك تتنقل بين الغرف للمرة الأخيرة، تتأكد من الهدية، ومن باقة الزهور، ومن أن كل شيء في مكانه.أما جاك…فكان قد انتهى من ارتداء بدلته السوداء قبل الجميع.وقف قرب باب المنزل، يعدل أزرار سترته وينظر إلى ساعته للمرة الثالثة خلال أقل من خمس دقائق.رفعت والدته رأسها نحوه.ثم ابتسمت.“لو نظرت إلى ساعتك مرة أخرى…”“فستتوقف عن العمل من الخوف.”لم يرفع عينيه.“تبقى عشرون دقيقة.”ضحكت.“وأمامنا نصف ساعة للوصول.”“إذن لسنا متأخرين.”أجاب بهدوء:“أفضل أن نصل قبل الجميع.”هزت رأسها مبتسمة.“أعرف.”ثم نظرت نحو الدرج.“لكن دعها تأخذ وقتها.”لم يعلق.رفع عينيه تلقائيًا نحو الأعلى.وفي اللحظة نفسها…ظهرت لونا.كانت تنزل الدرج ببطء، تمسك طرف الفستان العاجي برفق حتى لا يلامس الدرج.انسدل شعرها على كتفيها، بينما اكتفت بزينة خفيفة أبرزت ملامحها الطبيعية أكثر.رفع جاك رأسه.وتوقف.لم تكن نظرة عابرة.بل بقي يتابعها وهي تنزل درجة…ثم أخرى…ثم ثالثة.عيناه انتقلتا بهدوء من الفستان…إلى شعرها…ثم إلى وجهها.حتى ابتسامتها الصغيرة عندما وقع
في مساء اليوم التالي…عاد جاك إلى المنزل بعد انتهاء اجتماعاته الأخيرة.ما إن دخل حتى خلع سترته ووضع مفاتيحه فوق الطاولة، قبل أن يتجه نحو غرفة الجلوس.لكن والدته كانت بانتظاره.وما إن رأته حتى أغلقت المجلة التي كانت تقرؤها وقالت بابتسامة واسعة:“جئت في الوقت المناسب.”نظر إليها باستغراب.“لأي شيء؟”“سنخرج.”تنهد بخفة.“إلى أين؟”وقبل أن تجيب…سمعا خطوات لونا وهي تنزل الدرج.ابتسمت لهما.“مساء الخير.”بادلتها والدة جاك الابتسامة، ثم قالت بحماس:“أحضري حقيبتك.”رمشت لونا.“لماذا؟”“سنشتري فستان عيد ميلاد الجدة.”ابتسمت لونا بخجل.“لكن لدي أكثر من فستان مناسب.”هزت والدة جاك رأسها.“أعرف.”“لكن هذه ليست مناسبة عادية.”ثم أمسكت بيدها برفق.“ستكمل عامها الثمانين.”“وستكونين زوجة حفيدها الأكبر أمام العائلة كلها.”ابتسمت بحنان.“أريدك أن تكوني مميزة.”احمر وجه لونا قليلًا.أما جاك…فاكتفى بالقول وهو يخلع ساعة يده:“أي فستان مناسب يكفي.”استدارت والدته نحوه مباشرة.“حقًا؟”“نعم.”ابتسمت ابتسامة صغيرة.“إذن لن تتدخل.”رفع حاجبه.“ولماذا سأتدخل؟”ضحكت وهي تتجه نحو الباب.“هذا ما سنعرفه بعد قليل.
في صباح ذلك اليوماستيقظت لونا في غرفة غير غرفتها.للحظات قصيرة بقيت تحدّق في السقف بصمت، كأن عقلها يحاول أن يعيد ترتيب المكان قبل أن يسمح لها بالوعي الكامل.ثم تذكّرت.منزل عائلة بلاكويل.والليلة السابقة حين أصرّ جاك أن تبقى هنا.جلست ببطء على طرف السرير، تشعر بثقل خفيف في صدرها، ليس تعبًا جسديًا،
في صباح اليوم التاليلم تكن لونا مرتاحة تمامًا، رغم أن جسدها كان أفضل بكثير من الأيام السابقة. لكن شيئًا خفيفًا من القلق بقي عالقًا في الخلفية، كأنه ينتظر لحظة مناسبة ليظهر من جديد.حاولت تجاهله وهي تغادر شقتها.“أنا بخير… هذا يكفي.”لكنها لم تكن تصدق نفسها بالكامل.⸻في الشركةكان اليوم يسير بشكل
مرّ أسبوع كامل على وتيرة مختلفة تمامًا عمّا اعتادته لونا.لم يكن التغيير صاخبًا أو مفاجئًا، بل كان هادئًا إلى درجة مزعجة قليلًا في بدايته، ثم بدأ يصبح جزءًا من يومها دون أن تنتبه.الأدوية لم تعد مسؤوليتها وحدها. كل يوم كانت تصلها بانتظام، أحيانًا في الشركة، وأحيانًا عبر رسالة قصيرة تخبرها فقط أن تأ
في صباح اليوم التالياستيقظت لونا على تحسن طفيف في جسدها، لكن الصداع لم يختفِ بالكامل. كان أخف من الأمس، إلا أن التعب ما زال حاضرًا في خلفية حركتها، كظلّ لا يبتعد بسهولة.نهضت ببطء وهي ترتدي ملابسها للعمل، محاولة إقناع نفسها أن ما حدث في منزل عائلة بلاكويل لم يكن أكثر من إرهاق عابر.“سيمر…”تمتمت و







