Share

6. داخل حدودهم

Author: Hope49
last update publish date: 2026-06-11 21:21:22

طوال طريق عودتها من منزل مارغريت، بقيت كلماتها تتردد في ذهنها.

“جاك لم يدخل حياتكِ صدفة.”

لم تكن جملة كافية لتفسير كل ما يحدث، لكنها كانت كافية لتجعل لونا تفكر أكثر مما أرادت. شعرت بانزعاج خفيف من نفسها لأنها لم تستطع تجاهل اسمه كما اعتادت مع أي أمر آخر. ولسبب لم تفهمه، تذكرت نبرة صوته الهادئة في آخر مرة تحدثا فيها.

منذ وفاة والدتها، كانت تحاول التعامل مع كل شيء خطوة بخطوة، دون أن تغرق في الأسئلة. لكن مؤخرًا، أصبحت الأسئلة تسبقها في كل مكان. والأسوأ أنها لم تعد ترفضها بنفس الحدة. أحيانًا، كانت تتخيل تعبيره الصامت وهو يستمع، وكأنه ينتظر منها أن تصل للإجابة بنفسها.

وفي مقدمتها سؤال واحد:

لماذا جاك؟

في صباح اليوم التالي، كانت منهمكة في مراجعة أحد الملفات عندما وصلها إشعار جديد.

توقفت عيناها عند الرسالة للحظات. أطالت النظر أكثر مما ينبغي، وكأنها تتوقع شيئًا محددًا دون أن تعترف بذلك.

دعوة رسمية للحضور إلى منزل عائلة بلاكويل.

مرة أخرى.

لكن هذه المرة كانت هناك عبارة إضافية:

“لأمر يخص الترتيبات القادمة.”

شعرت بانقباض خفيف في معدتها. لم يكن خوفًا خالصًا هذه المرة، بل مزيجًا غريبًا لم تستطع تسميته. شيء يشبه الترقب، أو ربما الفضول الذي لم تعتد عليه.

لم تكن بحاجة إلى كثير من التفكير لتفهم المقصود.

ومع ذلك، أغلقت الرسالة وأكملت عملها لبضع دقائق، وكأن تجاهل الأمر سيمنحه تفسيرًا مختلفًا. لكنها لاحظت أن تركيزها لم يعد كما كان، وأن أفكارها تعود إليه رغم محاولتها تجاهل ذلك.

في النهاية، وجدت نفسها أمام المنزل مجددًا.

استقبلتها مارغريت بابتسامتها الهادئة نفسها، وهي تميل برأسها قليلًا ترحيبًا.

“سعيدة لأنك جئتِ.” قالتها وهي تفتح ذراعيها قليلًا قبل أن تعود وتضم يديها أمامها بهدوء.

ابتسمت لونا بخفة، ورفعت كتفيها بشكل لا إرادي. ابتسامة بدت أكثر تلقائية مما توقعت.

“أشعر أنني لم أعد أملك خيارًا في كثير من الأمور.” قالتها وهي تزفر بهدوء وتنظر جانبًا للحظة.

ضحكت مارغريت برفق، ووضعت يدها على صدرها كأنها تهدئ الموقف.

“هذا ليس صحيحًا تمامًا.” هزت رأسها ببطء وهي تبتسم.

ثم قادتها إلى غرفة الجلوس.

هذه المرة كانت هناك أوراق مرتبة فوق الطاولة.

وعقد.

جلست لونا وهي تنظر إليه بصمت، وأصابعها تتحرك ببطء فوق حافة الطاولة. شعرت بثقل الفكرة، لكنها لم تشعر بالنفور الحاد الذي توقعته من نفسها.

“ما هذه؟” سألت وهي تميل قليلًا للأمام، عيناها تضيقان بتركيز.

أجابت مارغريت بهدوء، وهي تسحب أحد الأوراق وتضعه أمامها:

“خطوة تنظيمية.” قالتها بنبرة ثابتة، مع ابتسامة خفيفة لا تختفي.

رفعت لونا حاجبها، ومالت رأسها جانبًا.

“تنظيم ماذا بالضبط؟” سألت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها.

ترددت مارغريت لثانية، ومررت يدها على طرف الطاولة قبل أن تقول:

“الزواج.” نظرت إليها مباشرة، دون أن تبتسم هذه المرة.

ساد الصمت بينهما.

لكن رد فعل لونا كان مختلفًا عن المرة الأولى التي سمعت فيها الفكرة.

لم تصرخ.

ولم تغضب.

فقط شعرت أن الأمر أصبح أكثر واقعية. وربما… أقل غرابة مما كان عليه سابقًا.

قالت بعد لحظة، وهي تبلع ريقها وتشيح بنظرها قليلًا:

“ما زلت لم أوافق على كل هذا.”

أومأت مارغريت بتفهم، ووضعت يدها برفق فوق الأوراق.

“أعرف.” قالتها بنبرة هادئة، مع نظرة مطمئنة.

ثم أضافت بلطف، وهي تميل قليلًا نحوها:

“ولهذا لم يطلب منك أحد التوقيع اليوم.”

رفعت لونا نظرها إليها باستغراب، وعيناها تتسعان قليلًا.

“إذًا لماذا أنا هنا؟” سألت وهي تفتح كفيها في حركة تعبيرية.

ابتسمت مارغريت ابتسامة صغيرة، ومالت رأسها جانبًا.

“لأنني لا أريدك أن تشعري أن الجميع يتخذ القرارات بدلًا عنك.” قالتها وهي تشير بيدها بخفة نحو الأوراق.

خفت التوتر قليلًا داخل لونا. شعرت براحة غير متوقعة، وكأن جزءًا منها كان ينتظر هذا النوع من التعامل.

لأول مرة شعرت أن أحدًا يشرح لها الأمور بدل أن يفرضها عليها.

نظرت إلى الأوراق مجددًا.

كانت كلها تفاصيل رسمية.

لا شيء فيها يشبه قصص الحب أو الأحلام الرومانسية.

كل شيء بدا عمليًا ومنظمًا أكثر مما يجب.

وكأن الأمر اتفاق طويل الأمد لا أكثر.

بعد لحظة سألت، وهي تمرر أصابعها على حافة الورقة:

“وأين جاك؟”

لمعت ابتسامة خفيفة في عيني مارغريت، ورفعت حاجبها قليلًا.

“في العمل على الأغلب.” قالتها وهي ترفع كتفيها بخفة.

تنهدت لونا، وأمالت رأسها للخلف قليلًا.

إجابة متوقعة.

في الوقت نفسه، كان جاك يجلس في قاعة اجتماعات واسعة في مقر الشركة.

أمامه ملفات وتقارير وأرقام لا تنتهي.

لكن تركيزه لم يكن كاملًا.

عندما اقترب مساعده بعد انتهاء الاجتماع قال، وهو يقف مستقيمًا ويعدل سترته:

“تم إرسال المستندات الخاصة بالترتيبات.”

أومأ جاك دون أن يرفع رأسه، وعيناه لا تزالان على الأوراق.

“جيد.” قالها بنبرة مقتضبة، وهو يقلب صفحة ببطء.

ثم أضاف بعد لحظة، وهو يتوقف عن الحركة ويرفع نظره قليلًا:

“لا أريد أي تعديلات إضافية.”

“مفهوم.” رد المساعد وهو يومئ سريعًا.

عاد الصمت مجددًا.

بالنسبة للآخرين، بدا الأمر وكأنه ملف عمل آخر.

أما بالنسبة له، فكان يعلم أنه أكثر من ذلك بقليل.

في منزل بلاكويل، انتهى اللقاء بعد وقت قصير.

وعندما خرجت لونا إلى الحديقة الخلفية، تباطأت خطواتها دون قصد، ويدها تنزلق على جانب الفستان.

نظرت حولها.

الأشجار.

الممر الحجري.

الأرجوحة القديمة في الزاوية.

كان هناك شيء مألوف في المكان. شعور خفيف بالراحة تسلل إليها دون استئذان.

شيء لم تستطع تفسيره.

خرجت مارغريت خلفها بهدوء، ووقفت بجانبها دون أن تقترب كثيرًا.

“أخبرتكِ من قبل أنكِ كنتِ تأتين إلى هنا.” قالتها وهي تنظر إلى الحديقة.

التفتت إليها لونا، وعيناها تحملان حيرة واضحة.

“ما زلت لا أتذكر.” قالتها وهي تهز رأسها ببطء.

اقتربت مارغريت منها قليلًا، ووضعت يدها خلف ظهرها.

“لا بأس.” قالتها بنبرة مطمئنة.

ثم أضافت بابتسامة دافئة، وهي تميل نحوها قليلًا:

“ليس من الضروري أن تتذكري كل شيء الآن.”

بقيت لونا تنظر إلى الحديقة، وذراعاها متشابكتان أمامها.

“أشعر وكأن الجميع يعرف شيئًا لا أعرفه.” قالتها بصوت منخفض، وعيناها تبتعدان عن مارغريت.

ربتت مارغريت على كتفها برفق، وضغطت عليه بخفة.

“ربما.” قالتها بهدوء.

ثم تابعت بلطف، وهي تنظر إليها مباشرة:

“لكن هذا لا يعني أن أحدًا يحاول إخفاء الحقيقة عنك.”

نظرت إليها لونا بصمت، وعيناها تبحثان عن شيء غير واضح.

فأكملت مارغريت، وهي تبتسم ابتسامة خفيفة:

“أحيانًا تحتاج بعض الأمور إلى الوقت المناسب فقط.”

لم يكن جوابًا كاملًا.

لكنه كان كافيًا ليجعل لونا تتوقف عن البحث عن إجابة فورية.

عندما عادت إلى شقتها في المساء، كانت مرهقة أكثر من المعتاد.

فتحت الباب ودخلت.

وقبل أن تضع حقيبتها، اهتز هاتفها.

رسالة جديدة.

رقم غير مسجل.

فتحتها.

“لا تتأخري غدًا.”

كلمتان فقط.

لا اسم.

لا توقيع.

لكنها عرفت فورًا صاحب الرسالة.

جاك.

حدقت بالشاشة للحظات، وشفتيها تنفرجان قليلًا دون وعي.

ثم وجدت نفسها تبتسم دون أن تشعر، وهي تهز رأسها بخفة.

ابتسامة صغيرة جدًا اختفت بسرعة.

لكنها كانت موجودة.

وفي مكان آخر من المدينة، كان جاك ينظر إلى هاتفه للحظة قصيرة قبل أن يضعه جانبًا، وأصابعه تتوقف فوق الشاشة لثانية إضافية.

لم ينتظر ردًا.

ولم يتوقع واحدًا.

لكنه شعر بشيء من الارتياح عندما عرف أن الرسالة وصلت، وزفر بهدوء وهو يسند ظهره إلى الكرسي.

حتى لو بقي كل شيء بينهما داخل الحدود التي رسمها منذ البداية.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وعد لم يُكسر   295. الميثاق الأبدي - النهاية

    مرت ستة أشهر كاملة على تلك الليلة الفاصلة التي أعادت ترتيب أقدارهم ومحت أوهام الخوف. كانت تلك الأشهر كفيلة بمسح بقايا الغبار الأسود الذي خلفته القضايا القديمة والماضي المظلم. استعاد القصر العتيق ألقه ونوره الذي لم يشهده منذ عقود، وتغيرت هويته كلياً؛ لم يعد قلعة للمكائد والتحفظ والوجوم، بل أصبح بيتاً دافئاً تملأ جنباته ضحكات طفل صغير، وأصوات الحياة المتجددة، ونسمات الطمأنينة التي غابت طويلاً.في حديقة القصر الخلفية الممتدة، حيث تتفتح زهور الياسمين الأبيض وتهمس أشجار الجوز العتيقة مع نسيم الربيع الدافئ، كانت الطاولة المستديرة المزينة بالأقمشة البيضاء الناعمة تجمع العائلة. تجلس السيدة مارغريت، أُم جاك، برداء أنيق وبسمة صافية لم تفارق وجهها وهي تتابع بنظرات حنونة تفاصيل هذه اللحظة التي طالما حلمت بها ورجتها بعد سنوات طويلة من الجفاف العاطفي والخوف على ولدها.كان جاك يقف عند حافة الحديقة المطلة على بحيرة القصر الصافية، يراقب انعكاس أشعة الشمس الذهبية على سطح الماء. كان يرتدي قميصاً كتانياً أبيض ناصعاً بأكمام مطوية، ومظهر هادئ تجرد كلياً من أي أثر للحزن، أو التجهم، أو ثقل الذنب القديم الذي

  • وعد لم يُكسر   294. الغفران فوق الحطام

    انسحب الهواء من الصالة الكبيرة كأنما أُفرغت في لحظة واحدة من كل مظهر من مظاهر الحياة. كانت تلك النظرة الباردة، الشفافة، والجافة في عيني لونا تبدو للوهلة الأولى كصخرة صماء تحطمت عليها كل محاولات جاك في الفهم أو التوسل. وقف جاك عند الباب الخارجي للصالة، يده مسمرة على المقبض النحاسي البارد، وجسده يتنفس بصعوبة كمن يتنشق رماداً حارقاً. كانت كل خلية فيه تستعد للنهاية؛ للنفي الأبدي، للكلمات القاطعة التي ستطرده من عالمها إلى الأبد.لكن الصمت لم يدم طويلاً.تزلزلت تلك الصلابة الظاهرية في عيني لونا فجأة، وانكسرت بحدّة مرعبة. غابت البرودة لتفسح المجال لسيلٍ جارف من الدموع الحارقة التي انشقت لها أنفاسها. اهتز جسدها النحيف بالكامل، وسقطت الأوراق الصفراء والملف الأسود من بين أصابعها ليتناثرا على السجادة الفاخرة دون أن تعيرها أي اهتمام. بدأت تشهق بصوت يجرح المدى، صوت نابع من أعمق نقطة في روحها المجهدة، صوت يختزل كل أشهر الخوف، والتعب، والانتظار، والشكوك التي نهكتها.لم تكن تبكي بسبب صوت الشريط المحمل بالخراب، ولا بسبب الجريمة القادمة من الماضي لتلطخ اسم العائلة؛ بل كانت تبكي لرؤيتها ذاك الانكسار الم

  • وعد لم يُكسر   293. ذهول الحقيقة وجفاف الروح

    ساد الصمت في الصالة الكبيرة، صمت ثقيل يكتم الأنفاس ويتداعى كالجبال فوق صدر لونا. كانت تنظر إلى الصندوق الخشبي الأسود المستقر على الطاولة، ثم ترتفع بعينيها نحو جاك، تحاول قراءة ملامحه التي انطفأ منها كل دفء وتبقى منها حزن مظلم وانكسار لم تره فيه من قبل. خطت لونا خطوة بطيئة نحو الطاولة، وشعرت ببرودة مفاجئة تسري في أطرافها رغم دفء المكان. وقفت أمامه، ونطقت بصوت خافت يحاول التماسك: "عائلتي؟ جاك.. عن أي سر تتحدث؟ بلاكورد هو من دمر كل شيء، والشرطة أغلقت القضايا.. ماذا يحوي هذا الصندوق؟" أغمض جاك عينيه بقوة، وجر نفساً مكسوراً كأنه يجذب خناجر إلى رئتيه. وضع المفتاح الصغير في قفل الصندوق وأداره ببطء، ليسمع صوت الانغلاق المعدني يتلاشى، مفسحاً المجال لأوراق قديمة وشريط تسجيل أسود ينبض بالخراب. رفع جاك رأسه ونظر في عينيها الصافيتين، وقال بصوت خافت ومجهد: "بلاكورد لم يكن سوى الأداة يا لونا.. العقل المدبر، واليد التي وقعت على صفقات الإبادة وتمويل القضاء على عائلتكِ وتجريدهم من أملاكهم.. كان والدي." توقفت حركة الهواء في المكان. لم تصرخ لونا، ولم تخرج منها أي ردة فعل غاضبة؛ بل تجمدت في مكانها ت

  • وعد لم يُكسر   292. "آرلو".. الوعد والحقيقة

    مرت خمسة أيام على الولادة، واستعاد القصر بعضاً من الحياة والدفء. كانت لونا تستلقي في فراشها المشمس، ورداء دافئ يلتف حول كتفيها، بينما كانت عيناها تتأملان بذهول أمومي ملامح طفلها الصغير النائم بجانبها. تعافى جسدها تدريجياً، وأشرق وجهها بابتسامة ناعمة تُنسيها كل ما مرت به من آلام ومخاوف.كان جاك يدخل الغرفة بخطوات خفيفة، يقف عند طرف السرير ليدقق في أدق تفاصيل مشهدهما معاً؛ لونا بثرائها العاطفي ورقتها، والصغير بملامحه البريئة الهادئة. كان يراهما كلوحة دافئة يعلم أنه قد لا يملك حق البقاء داخلها لطويل الوقت. انحنى بحذر رفيع وحمل طفله بساعديه الضخمين، يضمه إلى صدره بقوة خفيفة، يستنشق رائحته ويعصر عينيه كي لا تسقط دموعه.تأملته لونا بابتسامة حنونة، ثم قالت بصوت رقيق:"جاك.. مرت خمسة أيام ولم نستقر بعد على اسم له. كلما اقترحتُ اسماً هززت رأسك وصمتّ.. بِمَ تفكر؟"جلس جاك على طرف السرير، وعيناه مسمرتان على وجه الصغير:"أريد له اسماً يحمله نحو المستقبل فقط يا لونا.. لا يحمل أوزار الماضي، ولا يذكره بأي ألم عاشه أجداده. أريده أن يبدأ ناصعاً تماماً."ابتسمت لونا بفضول وأمسكت بيده الممسكة ببطانية ال

  • وعد لم يُكسر   291. ولادة وحقيقة معلقة

    استمرت الساعات تتسرب ببطء شديد كأنها سنين، وصراخ لونا الخافت يتردد بين جدران الغرفة. كان جاك يشد على يدها المرتجفة بكل ما أوتي من قوة، والدموع المحبوسة تجرح عينيه وهو يرى تعبها وشحوب وجهها. كانت تجربة الولادة معركة حقيقية بين الحياة والموت، وفي كل لحظة ألم تخوضها لونا، كان جاك يصلي في سرّه أن ينتقل الألم إليه وحده. "تنفسي يا لونا.. اقتربنا، فقط القليل بعد،" همست الطبيبة وهي تتابع العملية بتركيز حذر. عصرت لونا يد جاك بكل طاقتها، ونظرت في عينيه بدموع تتساقط بغزارة على وجنتيها: "جاك.. طفلنا.. عدني أن تحميه دائماً.." انحنى جاك ومسح قطرات العرق عن جبينها بشفتيه المرتجفتين، وقال بنبرة مكسورة يحاول جعلها قوية: "أعدكِ بحياتي يا لونا.. سأحميكِ وأحميه حتى آخر نفس في صدري. لا تستسلمي الآن." وفجأة، وبعد انقباضة حادة وأخيرة، شق صمت الغرفة المطبك صوت صراخ نقي وواضح! بكاء طفل صغير أعلن قدومه إلى هذا العالم، ليوقف الزمن لثوانٍ في أرجاء القصر. استكان جسد لونا على السرير بتعب شديد، وهبطت أنفاسها المجهدة وهي تغمض عينيها ببطء، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة راحة لا تُوصف. ابتسمت الطبيبة،

  • وعد لم يُكسر   290. صمت يسبق العاصفة

    مرت الأسابيع سريعة وثقيلة داخل القصر. كان الهدوء الظاهري يملأ المكان، لكن جاك كان يعيش في نار خفية. أتقن دوره ببراعة؛ يحضر لها الأعشاب الدافئة، ويجلس بجانبها يستمع إلى حركة الجنين، لكنه كان يتحاشى النظر الطويل في عينيها. كانت كل لمسة منه ممتلئة بالندم والحذر، وكأنه يلمس زجاجاً يخاف أن يكسره قبل الأوان. في صباح أحد الأيام، كانت لونا تتجول ببطء في الممر العلوي وهي تمسك ببطنها التي أصبحت بارزة جداً في أواخر شهرها التاسع. وقفت عند الشرفة المطلة على المكتب السفلي، ورأت جاك يمسك بملف أسود وهو يتحدث مع دان بصوت خافت. وما إن لمحها جاك حتى أغلق الملف بسرعة وأدخله في الدرج، ثم نظر بنظرة حادة إلى دان الذي انسحب فوراً. نزلت لونا السلالم بخطوات متعبة، ودخلت المكتب دون أن تطرق الباب. توقف جاك في مكانه، وحاول أن يبتسم بتهدئة وهو يقترب منها: "لونا.. لماذا نزلتي وحدكِ؟ ألم تنبهكِ الطبيبة إلى ضرورة الراحة في هذه الأيام الأخيرة؟" وقفت لونا أمامه مباشرة، وعلى وجهها ملامح جادة امتزجت بحزن خفي: "جاك.. إلى متى ستستمر في هذا التظاهر؟" تصلب وجه جاك، ومد يده ليمسكها برفق، لكنها أبعدت يده ببطء ونظر

  • وعد لم يُكسر   12. أشياء لا تمر مرور الكرام

    .لم يكن هناك منبه يلاحقها، ولا ملفات تنتظرها، ولا اجتماعات تبدأ بعد ساعة.لأول مرة منذ أسابيع شعرت أن اليوم يخصها وحدها.لكن رغم ذلك، لم يكن عقلها هادئًا.كلما حاولت التركيز في شيء آخر، عادت صورة فيكتوريا إلى رأسها.طريقة حديثها.ثقتها.وكأنها تعرف مكانها داخل حياة جاك منذ سنوات.تنهدت وهي تضع كوب

  • وعد لم يُكسر   11. أشياء لا تُقال

    في صباح اليوم التالي، وصلت لونا إلى الشركة وهي ما تزال تفكر في حديث الأمس.لم يكن الحوار طويلًا.لكن بعض الجمل بقيت عالقة في رأسها بطريقة مزعجة.“أنتِ لا تفعلين.”كلما تذكرتها شعرت أن خلفها معنى لم تستطع الإمساك به بالكامل.حاولت تجاهل الأمر والتركيز على العمل، لكن ما إن وصلت إلى مكتبها حتى وجدت مج

  • وعد لم يُكسر   10. أسئلة لا تبحث عن إجابة

    بقيت لونا واقفة داخل الغرفة للحظات بعد أن أغلق جاك الباب خلفها.كانت غرفة بسيطة مقارنة ببقية المنزل. لا شيء مبالغ فيه، لا ديكورات فاخرة بشكل مستفز، فقط مكان مرتب وهادئ.استدارت نحوه.“هل كل شيء عندكم يحمل معنى خفي؟”رفع حاجبه قليلًا.“ماذا تقصدين؟”“كلما سألت سؤالًا أحصل على نصف إجابة.”نظر إليها ل

  • وعد لم يُكسر   9. بيت لا يُشبه الهدوء

    وقفت لونا أمام بوابة المنزل الكبير لثوانٍ قبل أن يفتح الحارس لها الطريق.البيت بدا أكثر هدوءًا مما توقعت، لكن هذا الهدوء لم يكن مريحًا. كان ثقيلًا، كأنه مبني على أشياء لم تُقال بعد.⸻داخل المنزلاستقبلتها مارغريت عند المدخل بابتسامة هادئة، لكنها كانت أعمق من مجرد ترحيب رسمي.قالت “أخيرًا وصلتِ”أج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status