بيت / الرومانسية / ظل بارد / Chapter 21 -الفصل 30

جميع فصول : الفصل -الفصل 30

64 فصول

البارت الحادى والعشرون

انتفضت سمر واقفة من مجلسها كأنما أصابت أعصابها المقسية شرارة لاهبة، واستدارت بكامل جذعها لتُحدق في القطع الذهبية التي كانت تتلألأ في خيالها فوق جسد ليلى. لم تكن نظرتها تحمل دهشة الذهول بقدر ما كانت تقطر اتهامًا صريحًا ومقززًا؛ نظرة نهشت بريق المعدن الأصفر وكأنها تحاول تعريته من قيمته. شدّت سمر على أسنانها حتى كادت فكاكها تنفجر، وقالت بنبرة تهكمية لاذعة هزت أركان الغرفة - طمع.. ملوش أي تفسير تاني غير الطمع والجشع! عينه عينك كده؟ وافقت على طول أول ما شافت الذهب والقايمة هكذا أقنعت نفسها، وهكذا أرادت بوضوح جلي أن تُقنع كل من يحيط بها لتداري عورة هزيمتها أمام شروط ليلى الصارمة. في الجهة المقابلة من الغرفة، كانت فاطمة تنحني فوق الصغير يزن الذي لم يتوقف بكاؤه المستمر عن نخر السكون. كانت تُغير له ملابسه بثقلٍ ظاهر وجسد متيبس، وقد ارتسم الإرهاق على تقاطيع وجهها العجوز حد الضجر والضيق. رفعت رأسها قليلًا، ورمت سمر بنظرة متهالكة ثم ردت بفتور متعمَّد وصوت خاوٍ من الحماس - وجرى إيه يعني يا سمر؟ أي بنت في مكانها ومقامها كانت هتطلب شبكة ودهب.. البت لسه بنت بنوت وده حقها الأصولي، ولا كنا هنروح ن
last updateآخر تحديث : 2026-05-26
اقرأ المزيد

البارت الثانى والعشرون

جلست ليلى على حافة الانتظار الحادة، مصلوبةً في مسافة برزخية معتمة؛ فلا هي مطمئنة بما يكفي لتستكين، ولا هي قادرة على الهروب بعد أن أحرقت وراءها كل المراكب، كأن عقارب الزمن قد تيبّست عند هذه اللحظة بالذات، وتركتها معلّقة في الهشيم بين ماضٍ يرفض أن يمضي، ومستقبلٍ يزحف نحوها كشبحٍ غامض. لم يكن قرارها بالموافقة سهلًا أو عابرًا كما خُيّل للآخرين الذين رأوا فيه صفقة شروطٍ باردة، ولم تكن صلبة أو شجاعة كما ظنّ والدها ونادر؛ كانت فقط مُنهكة، منهكة إلى حدّ التيبس، حدّ الذي يجعلك تختار الطريق الأقل وجعًا لعائلتك ولروح أختك الراحلة… أو هكذا على الأقل أقنعت نفسها لتسوّغ انتحارها الاختياري. كان الخوف هو أول الحاضرين في خلوتها، خوفًا رصاصيًا هادئًا لا يصرخ ولا يولول، بل يتسلل في عتمة الليل ليجلس بكامل ثقله الجاثم فوق قفصها الصدري. خافت من القادم المجهول، من تفاصيل حياة لا تملك ملامحها، ومن رجلٍ لم تمنحه نبضة واحدة من قلبها لكنها سلمته بمحض إرادتها زمام مصيرها وسنوات شبابها الغض. خافت ذعرًا من تلك اللحظة التي تستيقظ فيها ذات صباح، لتجد نفسها كائنًا غريبًا في بيتٍ يحمل اسمها على لافتته، تؤدي فيه دور ا
last updateآخر تحديث : 2026-05-26
اقرأ المزيد

البارت الثالث والعشرون

إن أُغلِق الباب الخشبي الثقيل خلف ليلى، حتى شعرت سعاد بأن جدران البيت قد تباعدت فجأة، وأن الفضاء اتّسع حدّ الفراغ الموحش. وقفت في منتصف الصالة واجمة، شاخصة ببصرها نحو تلك البقعة التي كانت تقف فيها ابنتها قبل دقائق معدودات، وكأن طيف ليلى وضفائرها ما زالا عالقين في الهواء، يرفضان المغادرة والالتحاق بجسدها الراحل. امتدّت كفها المرتعشة لا إراديًا نحو صدرها، فقبضت على أطراف عباءتها السوداء وتشبثت بها، محاولةً لملمة شتات قلبٍ بدأ يرتجف بعنف تحت وطأة خوفٍ قديمٍ متجدد؛ خوفٍ تعرف ملامحه وتفاصيله النخرة جيدًا منذ ذلك المساء المشؤوم، حين خرجت ندى من هذا الباب عذراء ضاحكة، ولم تعد إليه إلا جسدًا باردًا محمولًا فوق الأعناق ودثّرته أكفان الموت. حاولت سعاد، في صراعٍ مستميت مع عقلها، أن تُقنع نفسها بأن المآلات هذه المرة ستكون مختلفة، وبأن ليلى ليست ندى؛ فليلى تملك لسانًا حادًا وفولاذًا يغلف كبرياءها، والزمن -كما ترجو- لا يمكن أن يكون ساديًا إلى حد تكرار الفجيعة ذاتها وذات السيناريو وبنفس الشخوص. غير أن الذاكرة كانت أعتى وأقسى من كل محاولات التماسك الواهية؛ إذ انطبعت في مخيلتها صورة ابنتها وهي تهبط ا
last updateآخر تحديث : 2026-05-27
اقرأ المزيد

البارت الرابع والعشرون

تقف فاطمة في جوف المطبخ الضيق، يداها المتغضنتان تتحركان بعصبية مفرطة وهي تُقلب الطعام في الإناء المعدني الكبير، كأن الملعقة الحديدية في يدها تفرغ ما بصدرها من غيظٍ دفين أكثر مما تطهو. كانت رائحة البصل المحمر والتوابل النفاذة تملأ المكان وتخنق الهواء، لكنها لم تفلح في تهدئة النيران المستعرة بداخلها. وبجوارها مباشرة، كانت تقف سمر، مستندة بردفها إلى حافة الرخام البارد، تحتسي كوب الشاي ببطء متعمَّد، وعيناها الثعلبيتان تتراقصان ببريقٍ مزيج من الفضول والغيرة والشماتة المؤجلة. قطعت سمر حبل الصمت المشحون بنبرةٍ متهكمة، تقطر سخرية لاذعة - وهيّ البت اللي فوق دي لسه منزلتش لحد دلوقتي؟… إيه، فاكرة نفسها عروسة بجد والا ايه تجمدت يد فاطمة في الهواء للحظة خاطفة، وانقبضت أسارير وجهها، ثم ضربت الإناء بالملعقة بعنفٍ مباغت على الموقد، ليرتجّ المعدن ويصدر رنينًا حادًا يعكس اضطرابها، وقالت بحدّة مكبوتة وفحيحٍ غاضب - قولي أخوكي الخايب هو اللي من يوم جوازه منها منزلش ورجليه عتبت هنا… عشر أيام بحالهم مقفول عليهم باب الشقة ومخرجشى خالص… البت لحست عقله لتكون عاملاله عمل غمست طرف الملعقة في المرق الساخن
last updateآخر تحديث : 2026-05-27
اقرأ المزيد

البارت الخامس والعشرون

لم يكن يعلم، وهو يقف بمفرده في ردهة الشقة الموحشة، أنها كانت تسمع كل شيء من عمق الداخل؛ تلتقط عبر ثقب الباب المخفي نبرة السخط الحارقة في صوت حماتها، وتزن حروف الكلمات المسمومة كما تُرتصد الإشارات الأولى الخفية التي تسبق العواصف الكاسرة. وقفت خلف الباب الخشبي ساكنة الجسد كتمثال من مرمر، لكنها كانت يقظة الروح حد الشحذ، ترتسم على ثغرها ابتسامة جانبية خفيفة، غامضة، لا سخرية طفولية فيها ولا وجل يشوبها، بل وعي عميق وفهم سابر لطباع الخصم. لقد قاد خيال فاطمة المريض، كعادتها الراسخة، إلى تلك المقارنة الأزلية الظالمة… ندى. دائمًا ندى. وكأن الأقدار قد كتبت على جدران هذه الشقة الصامتة ألا ترى امرأة من لحم ودم، إلا من خلال المنظور الضبابي لشبح أختها الراحلة التي دُفنت تحت ثراها. لم تدرك العجوز، في غمرة صلفها، أن ليلى لا تحمل في تركيبتها الجينية أو الروحية قابية للانكسار، ولا تنوي تحت أي ظرف أن تعيش دور الضحية المستسلمة، أو تُقاد لتُستنسخ على مقاس رغبات أحد. تحركت ليلى بهدوء أفعى ناعمة، أغلقت الباب خلفها دون أن تُصدر نبضة صوت واحدة، وتوجهت صوب المطبخ. كانت خطواتها المتزنة واثقة، تضرب البلاط كأنه
last updateآخر تحديث : 2026-05-28
اقرأ المزيد

البارت السادس والعشرون

انتظرت فاطمة… مرّت ساعةٌ أولى، وتلتها ثانية، ثم ثالثة، وعيناها الحرباويتان لم تفارقا عقارب الساعة الجدارية كأنما تستجديانها أن تتحرك أسرع، بينما أذنها بقيت مشدودة ومصلوبة لالتقاط أي حركة فوق السلم الحجري، لأي فحيحٍ لثوب، لأي صوت باب يُفتح في الأعلى، لأي خطوة تهمّ بالهبوط… لكن، لم يكن ثمة شيء سوى سكون قاتل. لا طيف لليلى يلوح، ولا حتى صدىً باهت لخطواتها المدللة. اندفع قرعٌ على الباب أخيرًا، فقفز قلب العجوز من بين ضلوعها ظنًّا منها أن المتمردة قد أعلنت استسلامها وجاءت تطرق باب الطاعة، وأن هذا الانتظار المهين قد انقضى، وأن هيبتها ستُسترد. فتحت الباب بلهفة مباغتة… فانطفأ بريق الترقب في عينيها في جزء من الثانية؛ كانت سمر… وخلفها أطفالها يجرون بضجيجهم وصراخهم المعتاد الذي يثقب الرأس. - إيه يا أمّا عاملة إيه؟ مالك واقفة ورا الباب كده؟ دخلت سمر برعونتها المعهودة، ولم تكن بحاجة لذكاء خارق لتفهم ما يدور تحت السقف؛ فقد كان وجه فاطمة محتقنًا بدم الغيظ، وعيناها تضيقان بشرٍ مستطير، وفكّها السفلي مشدودًا كأنها تطحن به عظام كلمات وعتاب لم يُقَل بعد. - مالك يا أمّا؟ في إيه؟ وشّك قالب ألوان ليه كد
last updateآخر تحديث : 2026-05-28
اقرأ المزيد

البارت السابع والعشرون

أوصد أيمن باب الغرفة عليهما، ليتلاشى العالم الخارجي تمامًا وراء عتبة مملكتهما الخاصة. كانت الغرفة أشبه بمحراب دافئ غارق في عتمة خافتة، لا تضيئها سوى جمرات الشموع الراقصة التي عكست ظلال جسديهما على الجدران بإيقاع متثاقل ومثير. تداخل عبير العود الملكي بأنفاس الحرير، وفاح في الأرجاء عطر ليلى النفاذ، ذلك العبق الأنثوي الذي بات يسري في دمه كخمرٍ مُسكر يستبيح حصونه. كانت ليلى تقف في منتصف الغرفة، تتألق بقميص نوم قصير من الحرير الأسود الشفاف، ينساب فوق تضاريس جسدها الممشوق كأنه ماء يتدفق، كاشفًا عن تفاصيل بشرتها العاجية الفاتنة ونعومة قوامها الذي ينبض بالجاذبية. ترك شعرها الفاحم الغجري منساباً بغزارة، يتطاير مع حركتها الرقيقة ليلامس خصرها النحيل، ملقيًا بظلال الشغف على عينيها الكحيلتين اللامعتين بدعوة لاهبة لا تعرف التراجع. خطا أيمن نحوها مغيبًا، مدفوعًا برغبة عارمة واشتعال لم يختبره طوال سنوات عمره. انعدمت المسافات بينهما حتى التصفق الصدر بالصدر، وشعر بلفح أنفاسها الساخنة المتسارعة تضرب عنقه. رفعت ليلى يديها الناعمتين ببطء، وتغلغلت أصابعها العاجية الدافئة بين خصلات شعره، جاذبة رأسه نحوها
last updateآخر تحديث : 2026-05-29
اقرأ المزيد

البارت الثامن والعشرون

عقب انصراف فاطمة وإغلاق الباب خلف إعصارها، عاد الصمت لينسدل على أرجاء الشقة كستارٍ مسرحي ثقيل ومخملي بعد فوضى عاصفة هوجاء. جلست ليلى على حافة الأريكة بتمهلٍ مقصود، ورجعت بجسدها إلى الخلف مسترخية، ثم وضعت ساقًا فوق الأخرى بزهوٍ وثقةٍ أنثوية مستفزة، وكأنها تعلن في خلوتها عن نصرٍ سيادي صامت. لم تكن عيناها المتسعتان عاديتين في تلك اللحظة؛ بل كان يمتزج في حدقتيهما بريق غامض ولزج، لا يُعرف كنهه أهو مكرٌ ثعلبي يُحسن التخفي وراء براءة الملامح، أم هي نشوة انتصارٍ مبكر تذوقت حلاوته لتوّها، أم مزيج خبيث ومقطر منهما معًا. مالت برأسها قليلًا نحو كتفها، وأسندت ظهرها بالكامل إلى وسائد الأريكة الوثيرة، بينما ارتسمت على شفتيها الكرزيتين ابتسامة باهتة ومخيفة؛ ابتسامة ساحر يعرف جيدًا أنه ألقى تعويذته وأشعل عود الثقاب، ثم انسحب خطوة ذكية إلى الخلف ليشاهد النيران وهي تلتهم الحقل من بعيد. مدّت يدها ببطء شديد، والتقطت هاتفها المحمول من فوق الطاولة الزجاجية، وراحت تقلب في شاشته دون أي استعجال، كأنها تستمتع بكل ثانية من ثواني السيطرة المطلقة على خيوط اللعبة. توقفت حدقتاها عند اسمٍ محفوظ في قائمة جهات الاتصا
last updateآخر تحديث : 2026-05-29
اقرأ المزيد

التاسع والعشرون

صعد أيمن الدرج ببطءٍ أليم وغير معتاد، كأن درج السلم الإسمنتي يمتلك أصابع خفية تشده إلى الأسفل، أو كأن عتبة الشقة في الأعلى تخبئ وراءها مقصلةً يعرف نتائجها مسبقًا. كان صدره مكدسًا بهواءٍ ثقيل، أنفاسه لاهثة متقطعة، وكل درجة يخطوها بقدميه المرهقتين تُعيد إلى خلايا ذاكرته فحيح نبرة أمه، ونظراتها المسمومة، وجلستها المتصلبة التي يدرك جيدًا أنها النذير الأزلي للعاصفة التي ستقتلع هدوء حياته. هو يعرف هذا السيناريو الغاضب، عاشه مئات المرات في ماضيه؛ يعرف مقدماته القاسية كما يعرف نهاياته المليئة بالنكد. مرر كفه العريضة على وجهه بتعبٍ طحن عظامه، وهمس ساخرًا من حظه العاثر - يوم هيبقى أسود وعكننة... ثم أضاف بصوتٍ خافت، أجش، يقطر استسلامًا مرًّا لواقع يفرِض نفسه عليه - أنا حافظ كلام أمي وعمايلها، وما بترحمش... وليلى أكيد قاعدة ومستنياني عشان تشتكى، وهينقلب البيت جحيم وعكننة توقف لثوانٍ دهور أمام الباب الخشبي، استجمع فيها كل ما تبقى في جعبته من صبرٍ ومقاومة، وزفر نفسًا طويلًا وحارقًا، ثم أدار المفتاح وفتح الباب وهو متأهب نفسيًا ليتلقى صفعة المواجهة الأولى؛ عتاب طويل، دموع مدرارة، واتهامات جارحة
last updateآخر تحديث : 2026-05-30
اقرأ المزيد

البارت الثلاثون

تنقضي الأيام بطيئة، لزجة، ومثقلة بالترقب، كأنها تتعمد أن تُرهق أعصاب الجميع وتمتص عافيتهم، وفاطمة لا تيأس، ولا تمل، ولا تنطفئ النيران في جوفها. صار كل صباحٍ في هذا البيت بمثابة معركة حامية الوطيس، وكل مساء جولة جديدة من حرب استنزافٍ لا ترحم. كانت العجوز تتشاجر مع أيمن بمناسبة وبلا مناسبة، تصرخ في وجهه حتى تبح حنجرتها، تُذكّره ببرّها، وبحقها، وبلقمتها التي أطعمتها إياه، وبأنه «ابنها حتة من بطنها قبل أي حاجة في الدنيا»، ثم تلتفت فجأة نحو ليلى كأنها العدو الحقيقي والمحرك الخفي لكل هذا الخراب. لكن ليلى… كانت تقابل ذلك الطوفان ببرودٍ مُربك، صمتٍ مستفز حد الجنون، ونظراتٍ زجاجية خالية من أي انفعال بشرى، كأن تلك الكلمات السامة لا تعنيها، أو كأنها تمر من جوار جسدها الرشيق دون أن تمس شعرة واحدة من كبريائها. تارةً تعنفها فاطمة بصوتٍ أجش يرتج له المناور - إنتِ فاكرة نفسك مين يا بت سعاد؟ ده أنتِ حتة بديلة جبتك تلمى لحم اختك.... وتخدمينا بلقمتك. وتارةً تُلقي عليها من شرفتها أقسى العبارات وأحطها * حرباية… خطفتي ابني من حضني ودخلتي بيتي مسهوكه تسرقي شقايا! وتارةً أخرى تنقلب نبرتها العنيفة إلى
last updateآخر تحديث : 2026-05-30
اقرأ المزيد
السابق
1234567
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status