بيت / الرومانسية / ظل بارد / البارت الثامن والعشرون

مشاركة

البارت الثامن والعشرون

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-05-29 15:06:47

عقب انصراف فاطمة وإغلاق الباب خلف إعصارها، عاد الصمت لينسدل على أرجاء الشقة كستارٍ مسرحي ثقيل ومخملي بعد فوضى عاصفة هوجاء.

جلست ليلى على حافة الأريكة بتمهلٍ مقصود، ورجعت بجسدها إلى الخلف مسترخية، ثم وضعت ساقًا فوق الأخرى بزهوٍ وثقةٍ أنثوية مستفزة، وكأنها تعلن في خلوتها عن نصرٍ سيادي صامت. لم تكن عيناها المتسعتان عاديتين في تلك اللحظة؛ بل كان يمتزج في حدقتيهما بريق غامض ولزج، لا يُعرف كنهه أهو مكرٌ ثعلبي يُحسن التخفي وراء براءة الملامح، أم هي نشوة انتصارٍ مبكر تذوقت حلاوته لتوّها، أم مزيج خبيث ومقطر منهما معًا. مالت برأسها قليلًا نحو كتفها، وأسندت ظهرها بالكامل إلى وسائد الأريكة الوثيرة، بينما ارتسمت على شفتيها الكرزيتين ابتسامة باهتة ومخيفة؛ ابتسامة ساحر يعرف جيدًا أنه ألقى تعويذته وأشعل عود الثقاب، ثم انسحب خطوة ذكية إلى الخلف ليشاهد النيران وهي تلتهم الحقل من بعيد.

مدّت يدها ببطء شديد، والتقطت هاتفها المحمول من فوق الطاولة الزجاجية، وراحت تقلب في شاشته دون أي استعجال، كأنها تستمتع بكل ثانية من ثواني السيطرة المطلقة على خيوط اللعبة. توقفت حدقتاها عند اسمٍ محفوظ في قائمة جهات الاتصال، وضغطت على زر الاتصال بثبات لا يشوبه ارتعاش. وضعت الهاتف على أذنها، وما هي إلا ثوانٍ حتى قالت بنبرة هادئة، ملساء كالحرير، تخلو تمامًا من أي أثر للتوتر أو الفزع

- أيوه يا سلمى…

صمتت لحظة واحدة، تستمع بإنصات وثقة لطرف الحديث الآخر، ثم أضافت وابتسامتها تتسع لتكشف عن نواجذ الثقة

- كل حاجة ماشية زي ما أنا رسمت وعاوزة بالظبط…

نهضت من مكانها بخفة، وبدأت تتحرك في ردهة الغرفة بخطوات واثقة، تضرب البلاط بنعلها الناعم وهي تتأمل زوايا الشقة وأثاثها بنظرات فاحصة، كأنها تملك هذا المكان بأكمله صكًا ورسمًا، لا أنها مجرد زوجة تسكنه بحكم الظروف. تابعت حديثها قائلة

- يلا بينا نجهّز للخطوة اللي بعدها…

ثم انطلقت من بين شفتيها ضحكة قصيرة، خفيفة لكنها كانت محمّلة بمعانٍ مبهمة تقطر مكرًا، واستطردت تطمئن صديقتها

- لا، لا… متقلقيش عليّا خالص، أنا تمام والوضع تحت السيطرة.

توقفت عند حافة النافذة الكبيرة، تشخص ببصرها نحو الشارع بالخارج بلا تركيز حقيقي، وعادت تقول بنبرة ساخرة تهكمت فيها من سطوة حماتها

- العجوزة طلعتلي النهارده الشقة… وقال إيه، جاية تزعق وعاوزاني أنزل من النجمة أخدمها هي وبنتها المسهوكة

هزّت رأسها بازدراء شديد وهي تتذكر ملامح فاطمة المحتقنة، ثم قالت

- بس على مين؟ هي فاكرة إني ندى الله يرحمها؟

تغيرت نبرة صوتها قليلًا في هذه اللحظة؛ صارت أهدأ، وأعمق، وأشد خطورة كأنها تفصح عن خبايا عقلها المدبر

- هي أكيد كتمت غيظها دلوقتي ومستنية الشملول ابنها لما يرجع من الشغل عشان تشحنه وتمليه عليّا…

ثم أردفت بثقةٍ شبه متعالية ويقين ميت

- لا يا بنتي، مش قلقانة من أيمن خالص… أنا مظبطه دماغه وعارفة بالملي هو هيعمل إيه وهيقول إيه أول ما يدخل من الباب، متقلقيش وماتشغليش بالك بيه.

ساد صمت قصير بينهما، كأن الطرف الآخر على الهاتف يستفسر بذهول عن سر هذه الثقة، فابتسمت ليلى ابتسامة جانبية خبيثة، وقالت بصوتٍ منخفض، يقطر تلذذًا بنصرها

- أنا عملت فيها وفي ابنها حاجة وربطتهم برباط يا بنتي.. خليهم يلفوا حوالين نفسهم.

توقفت عن الكلام فجأة، عاضة على شفتيها، تاركة الجملة معلقة في الهواء كطعنة نصل مسموم لم تُسحب من الجسد بعد، ثم أردفت بخفة وهي تنهي المكالمة

- لما أقابلك بقى هحكيلك على كل حاجة.. يلا سلام دلوقتي.

أنهت المكالمة، وألقت الهاتف بإهمال وثقة فوق الأريكة بجوارها. وقفت لحظة ساكنة في منتصف الغرفة كقائد عسكري يستعرض رقعة شطرنج رتب قطعها بذكاء، ثم عادت لتجلس في مجلسها الأول، والابتسامة تطفو على وجهها بوضوح كامل هذه المرة؛ ابتسامة باردة، صلبة كالفولاذ، واثقة، ولا تعرف طريقًا للندم أو التراجع.

كان في عينيها وعدٌ خفيّ بالانتقام وكسر السطوة... والمشهد بأكمله كان يهمس في عتمة الشقة بأن ما حدث في الأيام الماضية لم يكن سوى الفصل الأول وبداية اللعبة الكبرى؛ لعبة معقدة تعرف ليلى جيدًا كيف تُمسك بخيوطها، وكيف تدير دفتها بذكاء أنثوي حاد.. حتى تبلغ بها النهاية التي خططت لها.

✨✨✨✨✨✨✨✨

عاد أيمن من عمله مثقل الخطوات، يجرّ خلفه بقايا نهارٍ لزج مجهد، كأن ساعات عمله لم تنتهِ بعد بل تكدست ثقلاً فوق عاتقه. وما إن وطئت قدماه عتبة شقة والدته في الطابق الأرضي، حتى تجمد الدم في عروقه؛ وقعت عيناه على فاطمة الجالسة في صدر الصالة، في انتظاره بوضعيةٍ يعرفها جيدًا، وضعية لا تبشر إلا بالخراب.

كان ظهر العجوز مستقيمًا أكثر من اللازم، يداها المتغضنتان مشبوكتان فوق ركبتيها بقسوة، وعيناها تقدحان ببريق حاد ونظرة مسمومة لا تخطئها عين مجرب. تنهد أيمن داخليًا، واهتزت قلاع رجولته الهشة؛ أدرك فورًا أنه في هذه اللحظة لم يعد مجرد ابنٍ عائد يترقب الراحة، بل بات طرفًا مصلوبًا على حافة معركة مؤجلة أُعدت مقصلتها بعناية.

ضربت فاطمة على فخذها بقوة أحدثت صدىً مدويًا في أركان المكان، وسرعان ما سبق صوت الضربة كلماتها الفاحشة، وقالت بغيظٍ مكتوم نضح به وجهها المحتقن

- جيت يا سبع البرومبة؟ جيت يا عريس الغفلة؟

لف أيمن رأسه إلى الجهة الأخرى يفرك صدغيه، وراحت شفتاه تتمتمان بكلمات غير مسموعة، كأنه يستجدي الصبر أو يحاول جمع شتات روحه الممزقة قبل الانخراط في المواجهة الحتمية. ثم عاد ينظر إليها، مرغمًا، محاولًا أن يكسو صوته ببرود مصطنع ليبدو هادئًا

- خير يا أما… في إيه على المساء؟ حصل إيه لكل ده؟

نهضت فاطمة من مجلسها بسرعة وجسدها الضخم يتحرك بغضب، واقتربت منه خطوة خطوة بتهديد صريح، حتى باتت في مواجهته تمامًا، تلوح بسبابتها وصوتها الأجش يعلو شاقًا صمت البيت

- الغندورة مراتك.... الست ليلى اللي بليتنا بيها وبقوامها اطلعلها من شوية أقولها تنزل تنظف وتمسح وتعمل الأكل وتخدمنى، تقوم تقف في وشي بكل قلة أدب وتقول إيه؟ مش هخدم حد وكفاية عليا الواد يزن وتربيته.... البت طردتني من شقتك يا خايب.... طردتنى من بيتى

توقفت فاطمة فجأة، تحدق في حدقتيه بنهم، تنتظر منه الانفجار… الصراخ… ثورة ذكورية عارمة تطيح برأس ليلى، أو أي رد فعل عنيف يُرضي كبرياءها الجريح...... لكن أيمن ظل ساكنًا كتمثال من شمع. كانت عيناه مثبتتين عليها بوجوم، وملامحه متصلبة جامدة على غير العادة، وكأن الكلمات السامة عبرت من حول جسده لا من خلال روحه؛ فقد كان جسده مشحونًا بآثار تلك الليلة الرومانسية اللاهبة مع ليلى، وعطر الحرير الأسود لا يزال يربط عنقه بطوع ساحر.

ذلك السكون البارد والتردد الواضح زاد العجوز اشتعالاً وجنونًا، فصاحت به بسخرية لاذعة تقطر احتقارًا

- عاجبك كده يا سبع البرومبة؟ الهانم ممشياك على عجين متلخبطوش؟

ثم أردفت بفحيح يملؤه الوعيد

- البت دي قادرة وعينها قوية ، ولازم الليلة دي تجيبها من شعرها من فوق وتطير وراها السلم وتعلمها الأدب عشان تعرف مقامها ومقام أسيادها

هنا، انحنت ركبتا أيمن وجلس ببطء على أقرب مقعد، وكأن قدميه خانتاه فجأة تحت وطأة الحمل الثقيل. مرر كفه العريضة على وجهه في محاولة لطرد ملامح الخزي، وأنفاسه صارت متقطعة حارة، وصدره يعلو ويهبط في إيقاع مضطرب، صاخب، وغير منتظم.

داخل دهاليز رأسه، كانت الأصوات تتصارع في حرب دموية طاحنة؛ صوت الأم الغاضبة التي تطالبه بالسطوة والطاعة العمياء، وصوت الزوجة الفاتنة، ليلى، بنعومتها ودلالها الأخّاذ وحضنها الدافئ الذي احتواه بالأمس ووعده بالسلام، وصوت آخر خافت، صوته هو، رجل تائه، ممزق، وضائع في المسافة البرزخية بين الواجب العائلي والخوف من خسارة أنثاه.

نظر إلى البلاط، ثم أشاح ببصره نحو الحائط، ثم عاد يتلفت بقلة حيلة، كأن جدران المكان تضيق وتطبق على أنفاسه لتخنقه. كان يدرك يقينًا أن أي كلمة سيقذف بها لسان الآن قد تشعل النيران أكثر، أو تحرقه هو وحده وتجعله الضحية الأولى في هذه الحرب. تنحنح مشروخًا، وقال أخيرًا بصوت خرج مهزوزًا، مرتعشًا، لا هو بالحاسم ولا بالواثق

- ما هي يا أما… لسه صغيرة برضه وماتعرفش طبع البيت هنا…

وتوقف لحظة، ابتلع ريقه المر بصعوبة، ثم أكمل مدافعًا بضعف

- والواد يزن صغير وتعبها.. وهي لسه يدوب داخلة البيت جديد.

لم تكن هذه الجملة الدفاعية الهشة سوى عود ثقاب أُلقي في مستودع بارود؛ فاشتعلت فاطمة ثورةً عارمة وهي تسمع ابنها يبرر للمتمردة، وتعالت أنفاسها اللاهثة، واحمر وجهها المتغضن بالدم، وارتفعت يداها في الهواء وهي تصب لعنات غضبها في أرجاء الصالة وتصرخ من قهرها، لكن أيمن لم يملك الطاقة لانتظار اكتمال العاصفة وسماع بقية الحجج

نهض سريعًا بخطى واجفة، وتراجع خطوة نحو الباب، ثم أخرى، وانسحب بصمتٍ مدروس هاربًا إلى الأعلى؛ فرارًا لا ينم عن جبن مجرد… بل نابع من معرفة تامة بأن المواجهة الآن ستسحقه. كان يعلم جيدًا وهو يصعد الدرج نحو ليلى أن ما حدث في الأسفل ليس سوى القشرة الخارجية، وأن عاصفة المعركة الحقيقية والمصيرية… لم تبدأ فصولها بعد.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ظل بارد    البارت الثانى والخمسون

    يا بنتي هو السحر ده بالساهل؟ دا أنا عشان أوصل للقمة دي وأخليه يمضي على بياض، خدت علقة موت من أخته لسه معلمة ومزرّقة جسمي كله.. بس كله بثمنه، والشقة بقت تمليك وبإسمي لمحت سلمى خيال والدتها يقترب، فمالت نحو ليلى بسرعة ودحرجت عينيها حذرًا - اخرسي بقى واقطعي السيرة.. أمّك هتاخد بالها في تلك اللحظة عادت والدة سلمى وهي تحمل مفاتيح المعاينة، فاستقامت ليلى في وقفتها متمثلة الأدب والوجع، ورافقت السيدة في صمت مطبق باتجاه الطابق العلوي. كانت ليلى تخطو فوق درجات السلم بثباتٍ طاغٍ، وكأن كل خطوة يطأها حذاؤها تقربها أكثر فأكثر من غايتها في سحق عائلة فاطمة. ✨✨✨✨✨✨✨ في الجانب الآخر من المدينة، وفي تلك الشقة الكالحة، تفتح فاطمة وسمر الباب بعد عودتهما من جولة مضنية عند مكاتب المحامين. سبق دخولهما صرير حاد، موحش للباب الخشبي، كأنه نذير يعلن عن ثِقلٍ جديد وهمّ جاثم دخل البيت. ما إن أغلقته فاطمة ودفعت الترباس بعنف خلفها، حتى ألقت سمر بجسدها المنهك فوق الأريكة بتثاقل؛ كانت أنفاسها المتلاحقة تتناثر في الفراغ كالمحترقة، ومدت قدميها المتورمتين بلا وعي، كمن خاضت للتو معركة حاسمة وخرجت منها مجرورة بأذي

  • ظل بارد    البارت الحادى والخمسون

    بعد فصول تلك الليلة المخملية، وفي غمرة لحظتهما الرومانسية التي جاهدت ليلى بكل ما تملك من دلالٍ وأنوثة طاغية أن تجعلها مُرضية لأيمن ومُذيبة لآخر حصون عقله، استكانت بين أحضانه كقطة وادعة. استرسلت بأنفاسٍ هادئة، منتظمة، دافئة فوق صدره العاري، قبل أن ترفع وجهها الكحيل وتهمس برقة تقطر عسلًا مسمومًا - بقولك إيه يا حبيبي… يا نور عيني… طبع أيمن قبلة رضا وشغف طويل على جبينها، وخرج صوته دافئاً، مأخوذاً بسحرها – إيه يا قلب وروح أيمن من جوة؟ تمنى وأنا أنفذ. ابتسمت ليلى ابتسامة ساحرة، ومالت لتطبع قبلة خفيفة، مموهة على وجنته، ثم قالت بنعومةٍ مقصودة، مغلفة بالحذر والخوف المصطنع – اشترِي الشقة التمليك الجديدة دي بإسمي أنا… أنا خايفة من أمك بصراحة يا أيمن، وقلبي مش مطمن. إنت طيب ونيتك صافية، وشايف بنفسك الحية بنتها ممكن يأثروا عليك في أي وقت بكلمتين ودموع تماسيح ويخلوك تبيعها، عشان يعني يقولوا لك الفلوس دي ورثنا ولينا حق فيها هي وسمر… تضعف إنت قدامهم بحنيتك دى، ونرجع إحنا تاني لدوامة الهم والنكد شرد أيمن قليلًا في عتمة الغرفة، وكأن الفكرة الثقيلة قد وقعت على رأسه بغتة لتكشف عن وهد سحيق، قبل أن

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status