Masukتنقضي الأيام بطيئة، لزجة، ومثقلة بالترقب، كأنها تتعمد أن تُرهق أعصاب الجميع وتمتص عافيتهم، وفاطمة لا تيأس، ولا تمل، ولا تنطفئ النيران في جوفها. صار كل صباحٍ في هذا البيت بمثابة معركة حامية الوطيس، وكل مساء جولة جديدة من حرب استنزافٍ لا ترحم.
كانت العجوز تتشاجر مع أيمن بمناسبة وبلا مناسبة، تصرخ في وجهه حتى تبح حنجرتها، تُذكّره ببرّها، وبحقها، وبلقمتها التي أطعمتها إياه، وبأنه «ابنها حتة من بطنها قبل أي حاجة في الدنيا»، ثم تلتفت فجأة نحو ليلى كأنها العدو الحقيقي والمحرك الخفي لكل هذا الخراب. لكن ليلى… كانت تقابل ذلك الطوفان ببرودٍ مُربك، صمتٍ مستفز حد الجنون، ونظراتٍ زجاجية خالية من أي انفعال بشرى، كأن تلك الكلمات السامة لا تعنيها، أو كأنها تمر من جوار جسدها الرشيق دون أن تمس شعرة واحدة من كبريائها. تارةً تعنفها فاطمة بصوتٍ أجش يرتج له المناور - إنتِ فاكرة نفسك مين يا بت سعاد؟ ده أنتِ حتة بديلة جبتك تلمى لحم اختك.... وتخدمينا بلقمتك. وتارةً تُلقي عليها من شرفتها أقسى العبارات وأحطها * حرباية… خطفتي ابني من حضني ودخلتي بيتي مسهوكه تسرقي شقايا! وتارةً أخرى تنقلب نبرتها العنيفة إلى استعطاف مكسور، لئيم، تستجدي به عطف ابنها المستسلم - كده يا أيمن تاكل فى طبق بعيد عنى وتقفل باب عليك؟ تاخدي ابني مني بعد العمر ده كله وتعملي بيني وبينه سد؟ والله ما هرحمك يا ليلى لكن ليلى… لا تصرخ، لا تُدافع عن نفسها، ولا تدخل في مجادلات عقيمة. كانت تُشيح بوجهها الفاتن في برود، أو ترد بكلمة واحدة مقتضبة كالنصل، أو لا ترد أصلًا، وتكتفي بابتسامتها الغامضة؛ وكأنها تعلم علم اليقين أن الصدام المباشر والصراخ الرديء هو ما تتمناه فاطمة وتنتظره لتلعب دور الضحية، وهي أذكى وأنبل من أن تمنحها هذه المتعة التافهة. إلا أن هذا اليوم تحديدًا كان مختلفًا، وحمل في طياته القشة التي قصمت ظهر الاحتمال. عادات ليلى من السوق مثقلة بالأكياس الثقيلة، وذهنها منشغل بترتيب أولويات بيتها وقائمة لا تنتهي من المهام، فما إن وضعت قدمها على العتبة الأولى لمدخل البناية، حتى باغتتها فاطمة كالأفعى الحريصة، وصبّت فوق رأسها سيلًا من الكلمات الجارحة والاتهامات الخبيثة؛ بلا مقدمات، وبلا سبب واضح، كأن وجود ليلى في الحياة وحريتها وبهاءها بات جريمة لا تُغتفر. طعنتها الكلمات في موضعٍ حساس، وتجاوزت حدود الصبر لتلمس كرامتها بعمق. لم ترد ليلى… التزمت الصمت القاتل، لكن شيئًا ما انكسر، وتصلب بداخلها إلى الأبد. صعدت درجات السلم بخطواتٍ سريعة، متلاحقة، أغلقت باب شقتها خلفها بإحكام أحدث رنينًا قويًا، وأسندت ظهرها المشدود إليه للحظة خاطفة؛ كانت تتنفس بصعوبة كأنها تحتمي بتلك الجدران الخشبية من قبح العالم في الأسفل. تقدمت نحو الصالة وجلست على حافة الأريكة، وألقت بالأكياس أرضًا دون اكتراث بمحتوياتها. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف تائه، أنفاسها متسارعة وحارة، وعيناها المتسعتان تلمعان بغضبٍ مكتوم، كبركانٍ يغلي تحت طبقات من الجليد. شعرت بالضيق يطوق عنقها كقيدٍ حديدي يزداد ضيقًا كلما تنفست؛ غضب صامت، خانق، لا ولولة فيه لكنه ينهش الروح ويفترس الطمأنينة. أحست في تلك اللحظة أن هذا البيت، الذي ظنته ملاذًا حرًا تبني فيه مملكتها، بدأ يضيق عليها جدارًا جدارًا، وأن خطواتها باتت محسوبة، وخروجها ودخولها تحت مجهر مراقبة دنيئة، وكأنها ليست زوجة ملكة في بيتها، بل سجينة تنتظر الإذن لتتنفس. تمتمت وهي تضغط على قبضتها الرقيقة حتى ابيضت مفاصلها - لازم أشوف حل للولية الحرباية دى… ميبقاش اسمي ليلى لو سكتّ. ثم أضافت بنبرة حاسمة، وعروق عنقها العاجي تنبض بالثورة - ده متبقاش عيشة… ده كده سجن، وأنا مليش بقى فى عيشة المساجين دى نهضت من مكانها بنفضة قوية، وأخذت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا بخطوات سريعة ومنتظمة؛ أفكارها تتصادم في رأسها كشظايا البرق، تُفكّر، ترفض الحلول التقليدية، وتُعيد التفكير بذكاء أشد. هي لا تريد صدامًا مباشرًا يظهرها بمظهر المخطئة أمام أيمن، ولا تريد خضوعًا يكسر أنفتها، وبالتأكيد لا تنوي الانسحاب وتركت الساحة للحية العجوز. هي تريد حلًا ذكيًا، نظيفًا، ومبتكرًا؛ حلًا يضع حدًا نهائيًا لكل هذا الطغيان دون أن تخسر قطعة واحدة من رقعة معركتها. توقفت فجأة في منتصف الصالة… كأن مصباحًا سحريًا أُشعل في دهاليز عقلها دفعة واحدة. اتسعت حدقتاها الكحيلتان، وارتسمت ابتسامة بطيئة، خبيثة وساحرة على شفتيها؛ لم تكن ابتسامة بريئة على الإطلاق، بل كانت تلك الابتسامة الشيطانية الداهية التي تولد فقط حين تكتمل ملامح الخطة الجهنمية في رأس العباقرة. قفزت من مكانها بفرحة صامتة، وصفّقت بكفيها الناعمتين بخفة لنفسها تمدح دهاءها - برافو يا لولا… برافو عليكي. ثم ضحكت بخفوت يقطر تلذذًا بالانتقام المؤجل وأضافت - أيوه كده… هي دي الدماغ، دماغ ألماظ مبيصدأش. اندفعت نحو هاتفها الملقى على الطاولة كأنها تخشى أن تهرب الفكرة العبقرية من مخيلتها، ضغطت الأزرار بسرعة وثبات، وانتظرت لثوانٍ معدودات حتى جاءها الرد من الطرف الآخر. رفعت الهاتف إلى أذنها، وفي جزء من الثانية، تغيرت نبرة صوتها تمامًا؛ تلاشت منه آثار الغضب والاضطراب، وصار ثابتًا، واثقًا، وقويًا يخلو من أي تردد - أيوه يا نادر… ركّز معايا كويس أوي. توقفت للحظة، لتضمن انتباه أخيها الكامل، ثم قالت بنبرة جادة، حاسمة لا تقبل مناقشة أو تراجعًا - ركّز في كل كلمة هقولهالك دلوقتي يا نادر… واعمل اللي هطلبه منك بالظبط ومن غير ما حد يحس، سامعني؟ وفي عينيها… لمع ذلك البريق الحاد، البريق الخطير الذي لا يُخطئه أبدًا من يعرف ليلى عن قرب؛ كانت تلك بداية خطوة جديدة على رقعة الشطرنج، وخطة مباغتة، لن يكون أحد في هذا البيت… مستعدًا لنتائجها الزلزالية.يا بنتي هو السحر ده بالساهل؟ دا أنا عشان أوصل للقمة دي وأخليه يمضي على بياض، خدت علقة موت من أخته لسه معلمة ومزرّقة جسمي كله.. بس كله بثمنه، والشقة بقت تمليك وبإسمي لمحت سلمى خيال والدتها يقترب، فمالت نحو ليلى بسرعة ودحرجت عينيها حذرًا - اخرسي بقى واقطعي السيرة.. أمّك هتاخد بالها في تلك اللحظة عادت والدة سلمى وهي تحمل مفاتيح المعاينة، فاستقامت ليلى في وقفتها متمثلة الأدب والوجع، ورافقت السيدة في صمت مطبق باتجاه الطابق العلوي. كانت ليلى تخطو فوق درجات السلم بثباتٍ طاغٍ، وكأن كل خطوة يطأها حذاؤها تقربها أكثر فأكثر من غايتها في سحق عائلة فاطمة. ✨✨✨✨✨✨✨ في الجانب الآخر من المدينة، وفي تلك الشقة الكالحة، تفتح فاطمة وسمر الباب بعد عودتهما من جولة مضنية عند مكاتب المحامين. سبق دخولهما صرير حاد، موحش للباب الخشبي، كأنه نذير يعلن عن ثِقلٍ جديد وهمّ جاثم دخل البيت. ما إن أغلقته فاطمة ودفعت الترباس بعنف خلفها، حتى ألقت سمر بجسدها المنهك فوق الأريكة بتثاقل؛ كانت أنفاسها المتلاحقة تتناثر في الفراغ كالمحترقة، ومدت قدميها المتورمتين بلا وعي، كمن خاضت للتو معركة حاسمة وخرجت منها مجرورة بأذي
بعد فصول تلك الليلة المخملية، وفي غمرة لحظتهما الرومانسية التي جاهدت ليلى بكل ما تملك من دلالٍ وأنوثة طاغية أن تجعلها مُرضية لأيمن ومُذيبة لآخر حصون عقله، استكانت بين أحضانه كقطة وادعة. استرسلت بأنفاسٍ هادئة، منتظمة، دافئة فوق صدره العاري، قبل أن ترفع وجهها الكحيل وتهمس برقة تقطر عسلًا مسمومًا - بقولك إيه يا حبيبي… يا نور عيني… طبع أيمن قبلة رضا وشغف طويل على جبينها، وخرج صوته دافئاً، مأخوذاً بسحرها – إيه يا قلب وروح أيمن من جوة؟ تمنى وأنا أنفذ. ابتسمت ليلى ابتسامة ساحرة، ومالت لتطبع قبلة خفيفة، مموهة على وجنته، ثم قالت بنعومةٍ مقصودة، مغلفة بالحذر والخوف المصطنع – اشترِي الشقة التمليك الجديدة دي بإسمي أنا… أنا خايفة من أمك بصراحة يا أيمن، وقلبي مش مطمن. إنت طيب ونيتك صافية، وشايف بنفسك الحية بنتها ممكن يأثروا عليك في أي وقت بكلمتين ودموع تماسيح ويخلوك تبيعها، عشان يعني يقولوا لك الفلوس دي ورثنا ولينا حق فيها هي وسمر… تضعف إنت قدامهم بحنيتك دى، ونرجع إحنا تاني لدوامة الهم والنكد شرد أيمن قليلًا في عتمة الغرفة، وكأن الفكرة الثقيلة قد وقعت على رأسه بغتة لتكشف عن وهد سحيق، قبل أن
كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف
يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق
كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج
لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.







