Share

2

last update publish date: 2026-06-04 11:35:39

سادت لحظة صمت طويلة بينهما، لم تُقاطعها خطوات الخدم ولا أصوات الحرس. كأن كل شيء انكمش في الخلفية، ليبقى فقط هذا الثنائي، الغريب والمتشابه في آنٍ معًا، واقفًا وجهًا لوجه.

أشار والدها بإيماءة صغيرة، ففتح أحدهم باب الجناح الشرقي، المخصص عادة لكبار الزوار. دون كلمة، التفتت إيزابيلا واتجهت بخطى هادئة نحو الداخل، وعرفت أنه سيتبعها. لم تنتظره. ولم تتعمد تجاهله. كانت تتحرك وكأنها تقود المشهد.

دخلت الغرفة ذات الأثاث الكلاسيكي الثقيل، نوافذها الواسعة تطل على باحة القصر، وستائرها المخملية تسكنها رائحة قديمة من عصور السلطة. تقدمت حتى جلست على طرف الأريكة، مستقيمة الظهر، متزنة، كأنها اعتادت هذا النوع من اللقاءات.

دقائق قليلة، ودخل هو.

أغلق الباب خلفه بنفسه. بلا صوت.

تقدم بخطى بطيئة، تأمل الغرفة لحظة، ثم التفت نحوها وجلس على المقعد المقابل. لا يوجد بينهما طاولة، ولا دروع.

"هل تعرفين لماذا أنا هنا، إيزابيلا؟" سأل، بصوته العميق كالرصاص المُغلف بالقطن.

نظرت إليه بهدوء، أجابت:

"أعرف تمامًا. ولست متأكدة إن كنتَ تعتبر هذا عقوبة... أم مكافأة."

رفع حاجبه قليلاً، كأنها أثارت فضوله. لم يبتسم، لكنه لم يغضب. قال بنبرة منخفضة:

"الزواج بيننا... كان من المفترض أن يكون وسيلة لوقف نزيف الدم. ولكن كلينا يعلم... أن السلام لا يُبنى بالحلقات الذهبية."

نظرت إليه نظرة ثابتة، فيها شيء من السخرية المهذبة.

"ولا بالحروب، يا ميخائيل. الدم يُغرق الجميع في النهاية، حتى المنتصر."

مال إلى الخلف، راقبها بعينين لا تطرفان.

"تبدين كأنك مستعدة لهذا أكثر مما توقعت."

"وهل كنت تتوقع أن تجدني باكية؟ خائفة؟"

"لا..." قالها، ثم أضاف ببطء، "كنت أتوقع أن أجد فتاةً مدللة، غاضبة لأنها سُلّمت لرجل غريب كهدية حرب."

هزت رأسها قليلاً، بنظرة تمزج بين المرارة والاعتراف:

"أنا لست هدية. أنا... شرط."

صمته كان إقرارًا ضمنيًا. ثم قال:

"وأنا لست رجلاً سهلاً."

ردت على الفور، بنبرة ساكنة:

"ولا أنا امرأة قابلة للكسر."

سادت لحظة صامتة أخرى. طويلة. لكنها لم تكن محرجة. كانت مشحونة.

أخرج سيجارة، وأشعلها دون أن يسألها إذا كانت تنزعج. نفث الدخان للأعلى، وسأل:

"ما الذي تريدينه من هذا الزواج؟"

نظرت مباشرة في عينيه، ثم قالت ببساطة:

"أن أبقى حية. أن أحمي من تبقى من عائلتي. وأن لا أنتمي لك... إلا على الورق."

ارتفع نظره قليلًا، أغمض عينيه لوهلة، ثم قال بهدوء:

"اتفاق واضح. أعجبني."

نظرت إليه مجددًا، وفي عينيها بريق هادئ:

"وأنت، ميخائيل؟ ما الذي تريده مني؟"

ابتسم أخيرًا. ببطء. لكنها لم تكن ابتسامة سعادة، بل شيء أكثر غموضًا.

"أن تظلي كما أنتِ الآن... ثابتة. واضحة. لا تتظاهري بشيء، ولا تنكري حقيقتك."

قالها كأنه يوقّع بداية شيء جديد. شيء لا علاقة له بالحب، ولا بالسلام، بل بنوعٍ نادر من الاحترام.

ساد الصمت من جديد، قبل أن تميل إيزابيلا قليلاً للأمام، تثبّت نظرها في عينيه وقالت بنبرة منخفضة لكنها واضحة:

"هل توافق على شروطي، ميخائيل؟"

بدا كأنه كان يتوقع السؤال. لم يتردد. لم يساوم.

"نعم." قالها ببساطة، كأنه يوقّع معاهدة لا رجعة فيها.

أراحت ظهرها على الأريكة ببطء، كأنها تأخذ أول نفس منذ دخولها الغرفة. ثم بعد لحظة صمت أخرى، رفعت عينيها إليه من جديد، وسألت بهدوء:

"قل لي فقط... من هو الرجل الذي قتل شقيقي؟"

السؤال لم يكن مفاجئًا له. لكنه حمل وزنًا ثقيلًا، كأنه حجر أُلقي في بحيرة ساكنة.

لم يُغيّر ملامحه، لم يتوتر. فقط أنهى نفسًا من سيجارته، ونظر إليها نظرة مباشرة، وقال:

"أليكسي دراغونوف"

ساد صمت جديد، أعمق هذه المرة.

هي لم تُظهر صدمة، ولا غضبًا. فقط أغلقت عينيها للحظة، كأنها تحفظ الاسم في مكان ما في ذاكرتها.

"أخوك من حاول تدنيس شرف زوجته." ردّ ميخائيل بهدوء يشبه السكين.

فتحت عينيها ونظرت إليه. لا دموع. لا ندم. فقط حقيقة ثقيلة تتدلى بينهما.

"أنا لا أبحث عن انتقام. فقط عن وضوح."

"وهذا ما سأعطيكِ إياه دائماً، إن حافظتِ على صدقك معي."

نهضت ببطء، وألقت نظرة أخيرة عليه قبل أن تقول:

"سيكون زواجًا غير تقليدي... ولكنني أعتقد أننا سننجو."

ابتسم بخفة وهو يطفئ السيجارة:

"أو نحكم من طرفين مختلفين."

ثم فتحت الباب، وخرجت. بهدوء. تمامًا كما دخلت.

وتركته مع أبيها ربما ليتم الإتفاق على ترتيبات الزواج.

___________________________

بعد مغادرتها من مقابلة ميخائيل، لم تتوجه إلى جناحها مباشرة. مرّت بخطوات واثقة نحو الجزء الخلفي من القصر، حيث تمتد الحديقة الهادئة مثل واحة منعزلة عن كل صخب الحياة المليئة بالدماء والقرارات الصعبة.

في طرف الحديقة، بين أشجار البرتقال والياسمين، يقع مرسمها. مبنى صغير بجدران حجرية ونوافذ زجاجية عريضة، تطل على المساحات الخضراء. المكان الذي صنعه والدها لها منذ كانت طفلة، بعد أن اكتشف تلك الموهبة الفطرية في يدها الصغيرة.

دخلت بهدوء، وأغلقت الباب خلفها. خلعت معطفها، علّقته بجانب الباب، ثم تقدّمت إلى حامل اللوحة الخشبي. كل شيء هنا كما تركته: أنابيب الألوان، فرش الرسم، روائح الزيت والورنيش، ولوحات غير مكتملة مستندة إلى الجدران كأسرار تنتظر اكتمالها.

سحبت لوحة جديدة، وبدأت ترسم.

لم يكن الرسم مجرد هواية بالنسبة لها، كان تنفّسًا، هروبًا من عالم لا يرحم. كان ملاذًا لا يجرؤ أحد على اقتحامه. تلك اللحظة التي تنسى فيها أنها إيزابيلا روستوف، ابنة زعيم المافيا الإسبانية.

هنا، هي مجرد فنانة، تحمل اسمًا مستعارًا لا يعرفه سوى ثلاثة أشخاص: مدير أعمالها، ووالدها، ومدير والدها المالي.

لوحاتها تُباع في أشهر المعارض الفنية في مدريد وبرشلونة، توقيعها الغامض يثير الفضول، أما هي فتبقى في الظل، تراقب عن بعد. المال يُحول إلى حسابها البنكي الخاص، بعد أن يخصم مدير أعمالها نسبته، وتتم مراجعة كل التفاصيل من قبل المدير المالي التابع لوالدها—رغبةً منه في حماية ابنته، أو ربما فقط لمراقبتها، كعادة الملوك حين يراقبون أمراءهم.

أما هي، فقررت منذ سنوات أن تكون مستقلة. لا تستخدم أموال والدها. لا تريد شيئًا من هذا الإرث الثقيل. لم تستعمل يومًا الحساب الذي أصر على فتحه باسمها، والذي يودع فيه "مصروفها" الشهري كما اعتاد عندما كانت مراهقة.

هذا العصيان الصامت كان أحد أسباب خلافها مع والدها.

لكنه لم يستطع كسر إرادتها.

ولن يفعل أحد.

فرشت اللون الأول على اللوحة. لم تكن تفكر بما ترسم. تركت يدها تتكلم بدلًا عنها.

وربما، للمرة الأولى... كانت تفكر في عيني الذهبية، كيف بحق الله تكون هناك أعين شخص ذهبية تلمع بشر. بدت كأعين ذئب.

وفي الاسم الذي لفظه: أليكسي دراغونوف.

جاء اللون أغمق مما اعتادت.

لكنها لم تُصلحه.

ربما لم يكن هذا مجرد لون.

ربما كانت هذه بداية لوحة مختلفة تمامًا.

-  كانت الشمس تميل نحو المغيب، وقد بدأت الأشعة الذهبية تتسلل عبر زجاج المرسم، تُلامس أطراف شعرها وتنعكس على ألوان لوحتها الجديدة. فرشتها ما زالت في يدها، لكن أناملها توقفت عن الحركة منذ دقائق، منذ أن سمعت صوت الطائرة الخاصة وهي تُحلّق بعيدًا، من خلف الأشجار.

غادر.

لم تشعر بشيء محدد. لا ارتياح... ولا قلق.

مجرد هدوء ثقيل يشبه ما يسبق العاصفة.

لم تمضِ سوى لحظات حتى فُتح باب المرسم بهدوء. لم تلتفت، كانت تعرف الخطى.

أليخاندرو روستوف. والدها.

رجل لم يعرف الضعف يومًا، إلا أمامها.

تقدّم منها ببطء، يراقب اللوحة للحظة، ثم قال بصوته العميق، دون مقدمات:

"سيكون الزفاف في الأسبوع القادم."

لم ترد، فقط وضعت الفرشاة على الطاولة بهدوء، ومسحت يديها بمنديل صغير.

تابع:

"سيُقام هنا، في إسبانيا، كما طلبتِ. وافق على ذلك."

ثم أردف بنظرة طويلة نحوها:

"وسيرافقك بعدها إلى موسكو... كزوجته."

نظرت إليه أخيرًا، في عينيه مباشرة. لم تهرب من المواجهة.

"والاتفاقية؟" سألت بهدوء.

أومأ.

"كما كتبتِها، لم يُغيّر شيئًا. ستوقّعان عليها قبل الزفاف."

تنهّدت، خفيفة، لكنها لم تكن تنهيدة راحة... كانت أقرب لقبول ما لا مفر منه.

جلس والدها على المقعد الجانبي، ونظر حوله في المرسم.

"لا تزالين ترسمين وكأنك لم تكبري." قال بابتسامة صغيرة.

أجابته بصوت خافت:

"هنا لا أحد يحاسبني على الدم الذي يجري في عروقي."

صمته كان أطول من اللازم. ثم قال أخيرًا:

"أعلم أنك تظنين أني أقحمتك في هذا الزواج... لكنك لا تعرفين ما الذي كنا على وشك خسارته."

ردت بهدوء، بعينين ثابتتين:

"أنا لا أظن... وأنا أعرف. وأتحمل قراري."

أومأ مرة أخرى، ببطء، ثم وقف.

"ستكونين بخير، إيزابيلا." قالها وكأنه يُقنع نفسه.

وعندما خرج، وبقي الباب مفتوحًا خلفه... شعرت لوهلة أن العالم أكبر من المرسم، وأنه لم يعد ملاذًا كما كان.

لكنها كانت مستعدة.

ستدخل عالمهم بشروطها.

____________________________________

             ـ   ' قبل 7 أيام من موعد الزفاف. '

كان الصباح لا يزال يزحف على نوافذ القصر حين فتحت جيني الباب بهدوء، لكنها لم تجرؤ على الدخول فورًا.

"آنسة إيزابيلا..." همست، تتردد.

لكنها تابعت عندما رأت أن السيدة لم تستيقظ بعد،

"هناك سيدة في الأسفل... مصممة أزياء، تنتظرك."

تحركت إيزابيلا قليلًا في الفراش، دون أن تفتح عينيها، وتمتمت بنعاس ثقيل:

"مصممة أزياء؟ ماذا تفعل هنا؟ ومن طلبها؟ وماذا تريد مني في هذا الوقت تحديدًا؟"

أجابت جيني بصوت خافت، وكأنها تخشى من رد الفعل:

"قالت إن السيد ميخائيل مالكوف أرسلها... لتصميم فستان زفافك."

فتحت إيزابيلا عينيها ببطء، وجلست في الفراش وهي تحدق بجيني كأنها رأت للتو شبحًا.

"أرسل من؟"

قالتها ببطء، دون انفعال، لكنها كانت كافية لتجعل جيني تبتلع ريقها.

لم تقل شيئًا آخر. نهضت إيزابيلا من السرير بهدوء، كما تفعل حين تقرر أنها لن تنفعل.

غسلت وجهها، نظفت أسنانها، ولم تُفكر حتى في تغيير ملابس النوم.

ثم نزلت.

ببطء، خطوة بعد خطوة، وعلى وجهها ملامح من لم يغفر لأحد أنه أُيقظ قبل أن يناديه الضوء.

في منتصف الصالة، كانت تقف امرأة أنيقة، في الأربعينات من عمرها، محاطة بامرأتين أصغر سنًا، تحملان علبًا وأقمشة، وشرائط قياس، وكتيبات فيها رسومات أولية.

تقدّمت المصممة فور أن رأت إيزابيلا، بابتسامة كبيرة.

"أنسة روستوف! يا له من شرف! أنا كلارا باريينتي، المصممة الخاصة بالسيد مالكوف. شرف كبير لي أن أعمل على فستان زفافك!"

نظرت إليها إيزابيلا للحظة طويلة، بعينين ساكنتين، ثم قالت وهي تشير إلى بيجامتها:

"كما ترين... أنا في قمة الاستعداد لهذا النوع من الاجتماعات."

ابتلعت كلارا ابتسامتها للحظة، لكنها استعادتها بسرعة وهي تفتح دفترها،

"لدينا عدة تصاميم مبدئية، لكن السيد مالكوف شدد على أن تختاري ما يناسب ذوقك فقط. قال بالحرف: اجعليها تشعر أنها تختار، لا تُجبريها على شيء."

رفعت إيزابيلا حاجبًا، لا تدري إن كانت قد أعجبت بالكلمات أم أزعجتها أكثر.

اقتربت ببطء وجلست على الأريكة، وضعت قدمًا فوق الأخرى، ثم قالت:

"لنبدأ إذًا... بما أكرهه أولًا."

ضحكت جيني بهدوء من الخلف، وهي تتراجع لتتركهم وحدهم.

فتحت كلارا دفترها، وبدأت بعرض أول رسم، وهو فستان أبيض طويل، مزين بالجواهر عند الصدر، وذيله ممتد كذيل طاووس ملكي. لكن قبل أن تنطق بكلمة، رفعت إيزابيلا يدها لتوقفها.

"أولًا... أكره الجواهر المرصعة، خاصة على الفساتين. لا أحب أن أبدو كأنني دخلت في شجار مع محل مجوهرات وخرجت خاسرة."

توقفت كلارا، وقلبت الصفحة بهدوء، لكنها كانت أكثر حذرًا هذه المرة.

أشارت إلى فستان آخر، يحمل زخارف دقيقة على الحواف، ونقوشًا ذهبية تزين منطقة الخصر والأكمام.

قالت إيزابيلا بهدوء:

"ثانيًا، النقوش المبالغ بها تجعلني أشعر أنني لوحة جدارية، لا عروس."

ثم أضافت وهي تميل قليلًا إلى الأمام:

"أنا إنسانة، لا قماشًا تُعرض عليه تصاميم الآخرين."

ابتسمت كلارا بتوتر، وأشارت إلى تصميم ثالث، بسيط وناعم، لكنّه كان بظهر مكشوف وفتحة صدر واسعة.

تأملته إيزابيلا للحظة، ثم قالت:

"وثالثًا، لا أرتدي فساتين عارية. لا أجد سببًا يجعلني أُظهر جسدي لأشخاص غرباء في قاعة مكتظة... هذا ليس ذوقي."

ثم تابعت بنبرة أكثر نعومة، دون أن تفقد وقارها:

"أريد شيئًا هادئًا... بسيطًا... لا ضجيج فيه. أريد أن أبدو كأنني خرجت من لوحة، لا من عرض أزياء."

هزّت كلارا رأسها باحترام واضح هذه المرة. ثم جلست قربها وبدأت ترسم شيئًا جديدًا بناءً على توجيهاتها، وهي تسألها عن نوع القماش المفضل، والألوان التي تميل إليها، وعن إذا كانت تفضل الطرحة الطويلة أم القصيرة، عن الذيل، الأكمام، وحتى تفاصيل الكورسيه الداخلي.

مرت الساعات التالية في هدوء، امتزج فيها صوت أقلام الرصاص بورق التصميم، بأحاديث ناعمة، وابتسامات خفيفة، وحتى ضحكة عابرة من إيزابيلا حين علّقت كلارا بأن "هذا هو أول فستان زفاف تصممه لا يتضمن قطعة دانتيل واحدة."

في نهاية الجلسة، كان على الطاولة تصميم أولي لفستان خفيف الظل، أنيق، بأكمام طويلة من حرير ناعم، تنساب ببساطة دون زينة، مع ذيل بسيط، وقصة خصر ضيقة تبرز رشاقتها دون تكلف. كان أشبه بلوحة صامتة، تهمس بالجمال دون أن تصرخ.

وقبل أن تغادر، قالت كلارا وهي تجمع أوراقها:

"السيد مالكوف قال لي: ستكره كل شيء.. ويبدو أنه كان محقًا."

رفعت إيزابيلا حاجبًا باستهجان مصطنع، لكنها لم تعلق. فقط قالت:

"أخبره أنني سأرتدي ما يليق بي... وليس ما يناسب ذوقه."

ثم نهضت من مكانها، وأردفت بابتسامة صغيرة وهي تعود للطابق العلوي:

"ولا ترسلو أحدًا آخر في الصباح مجددًا. أنا أقدّس النوم أكثر من أي تحالف سياسي."

***

كان الوقت يقترب من العصر، وكانت إيزابيلا قد عادت للتو من نزهة قصيرة بين أزهار الحديقة، حافية القدمين، تحمل كوب قهوة بيد، وسكّينًا صغيرًا من أدوات الرسم بيدها الأخرى، تستخدمه لقص أوراق ذابلة نبتت فوق أحد جذوع الأشجار القديمة في الحديقة الخلفية.

دخلت إلى بهو القصر بكسل، وما إن صعدت درجة واحدة على الدرج الرخامي حتى ظهرت جيني، بخطوات مترددة.

"سيدتي..."

توقفت.

"هناك... خبيرة مكياج في الأسفل. تنتظرك."

توقفت إيزابيلا في منتصف الدرج، التفتت إليها ببطء، وحدّقت بها كما لو أن عقلها يحاول فهم جملة معقدة باللغة الصينية.

"خبيرة ماذا؟"

قالتها ببرود، ورفع حاجبها بخفة.

"مكياج، سيدتي... قالت إنها جاءت بناءً على طلب من السيد ميخائيل مالكوف."

هنا رمشت مرتين، ثم سألت بنبرة غارقة في الهدوء:

"هل أبدو كأنني بحاجة إلى مكياج؟"

ثم أكملت، وهي تشير إلى وجهها بإصبعها دون أن تبتسم:

"أنا لم أضع شيئًا على وجهي، ولم ينهار العالم بعد، أليس كذلك؟"

جيني ابتلعت ضحكتها بصعوبة:

"أعتقد... إنها فقط تريد إجراء اختبار لألوان الزفاف."

صمتت إيزابيلا للحظة، ثم همست وهي تواصل صعود الدرج:

"هل ينوي ميخائيل أن يرسل لي كل قائمة فريق الزفاف كل ساعتين؟ هل سينتهي بي الأمر بمصفف أظافر عند منتصف الليل؟"

قالت جيني بسرعة:

"هل ترغبين أن أطلب منها العودة لاحقًا؟"

لكن إيزابيلا توقفت عند أعلى الدرج، ورفعت يدها بلا مبالاة:

"لا... سأراها. لكن إن حاولت أن تضع على وجهي أكثر من لمسة خفيفة، سأستخدم أدوات الرسم الخاصة بي بدلاً من أدواتها."

بعد دقائق، كانت تجلس على الكرسي في غرفة الجلوس، مرتدية قميصًا قطنيًا بسيطًا، وشعرها مرفوعًا بعشوائية. دخلت خبيرة التجميل – امرأة شابة أنيقة بملابس سوداء ونظرة محترفة.

"آنسة روستوف، شرف لي العمل معك."

ردّت إيزابيلا دون أن تبتسم:

"سأقولها بصراحة. لا أحب طبقات المكياج. لا أحب أن أبدو كتمثال من الشمع. لا أحب الرموش المزيفة، ولا كريمات الأساس التي تخنق البشرة."

أومأت الخبيرة فورًا باحترام:

"أفهم تمامًا، سأحافظ على ملامحك طبيعية، فقط لمسات خفيفة توحي بالصفاء، دون أن تطغى."

قالت إيزابيلا بصوت ناعم:

"جيد، لأنني لا أريد أن يظن أحدهم أنني أخفي شيئًا خلف الألوان."

استغرق اللقاء ساعة فقط. في نهايته، نظرت إيزابيلا إلى المرآة، ورأت وجهًا مألوفًا... لكن بنعومة أكثر، بعيون مظللة بخفة، وشفاه وردية طبيعية.

قالت بهدوء وهي تتأمل نفسها:

"هذا... مقبول."

ثم نظرت إلى الخبيرة وأضافت:

"أخبري ميخائيل أنني لا أحتاج أدوات تجميل لأبدو قوية ... لكن لا بأس بالقليل من الفن على وجهي... من حين لآخر."

***

كان المساء قد بدأ يزحف ببطء فوق قصر آل روستوف، ونسيم الربيع يمرّ عبر النوافذ المفتوحة، محمّلاً برائحة الليمون والياسمين.

كانت إيزابيلا تجلس في ركن هادئ من الصالة، تراجع بعض رسوماتها القديمة التي وجدت طريقها من مرسمها إلى طاولة القهوة، حين دوّى صوت كعبٍ عالٍ يضرب الأرضية الرخامية بثقة واضحة.

رفعت نظرها، لتجد أمامها امرأة خمسينية، أنيقة بشكل مبالغ، شعرها مصفف بدقة، وشفاهها مرسومة بلون عنابي قاتم. تمسك بيدها اليمنى دفتراً فاخراً يفيض منه بعض الأوراق، وفي يدها اليسرى نظارة شمسية لم تكن ترتديها رغم أن الشمس قد غابت منذ ساعة.

"إيزابيلا!"

قالتها بنبرة درامية، وكأنها وصلت لإنقاذ الموقف في اللحظة الأخيرة.

تنهّدت إيزابيلا بخفة، ووضعت الرسمة جانباً.

"مرحبًا خالتي ماريسا... كنت أعلم أنك ستظهرين في وقت ما."

تقدّمت المرأة بخطوات ثابتة، قبل أن تقبّل إيزابيلا من خدّها قبلة سريعة، ثم جلست دون أن تُدعَى، وضربت الدفتر أمامها على الطاولة.

"سمعت الخبر."

قالتها وهي تفتح صفحاته واحدة تلو الأخرى.

"زفاف؟! خلال أسبوع؟ من المفترض أن يُعلَن الحداد لا الاحتفال!"

رفعت إيزابيلا حاجبًا بهدوء.

"أعتقد أنكِ من القلائل الذين سيجعلون من الحداد احتفالاً إذا طلبوا منكِ تنسيقه."

ضحكت ماريسا بخفة وهي تلوّح بيدها:

"أوه، عزيزتي... الزواج من زعيم البراتفا؟! يجب أن يكون الزفاف أسطوريًا. لقد بدأت بالفعل في إعداد قائمة بفريق الزفاف."

قالت ذلك بينما بدأت تسرد الأسماء دون توقف:

"مصمم الزهور من إشبيلية، عازف البيانو من فلورنسا، خباز الحلويات الذي صمم كعكة زفاف ابنة أحد الدوقات الإسبان..."

قاطعتها إيزابيلا وهي ترفع يدها بهدوء:

"خالتي... أريد شيئًا بسيطًا. صغير. أنيق. ليس عرضًا في دار الأوبرا."

توقّفت ماريسا، ونظرت إليها كما لو أن إيزابيلا طلبت إقامة الزفاف في مزرعة دواجن.

"بسيط؟ عزيزتي، أنتِ تتزوجين وحشًا روسيًا! يجب أن نثبت أننا لسنا أقل منهم في شيء!"

ضحكت إيزابيلا بخفة، ثم ردّت ببرود هادئ:

"الزواج ليس حربًا. على الأقل ليس بعد."

تأملت ماريسا إبنة شقيقتها للحظة، ثم أغلقت دفترها ببطء:

"حسنًا... سأخفف من الفخامة. لكن فقط لأنكِ العروس، ولأنكِ تبدين كمن يمكنه خنقي بخيط تطريز من فستان زفافك."

قالت إيزابيلا وهي تبتسم دون أن تظهر أسنانها:

"سأرتدي الأبيض فقط، لكن هذا لا يعني أنني ملائكية."

ماريسا ضحكت هذه المرة بصدق، ثم وقفت.

"أحب هذه النغمة فيكِ. تذكّرني بأختي... أمكِ كانت مثلك تمامًا."

سكن المكان للحظة، قبل أن تهمس إيزابيلا بصوت خافت:

"أتمنى لو كانت هنا الآن..."

ماريسا لم تقل شيئًا. فقط لمست كتفها بلطف، ثم قالت:

"ستكونين بخير. فقط دعي لي الأمور التنظيمية، وسأحرص أن يظهر هذا الزفاف كأنه تهديد ناعم لكل من يفكر بالعبث معكِ."

جلست ماريسا من جديد على الأريكة مقابلة لإيزابيلا، وفتحت دفترها مرة أخرى وقد أمسكت قلماً ذهبياً صغيراً وأخذت تتحدث بنبرة حاسمة:

"إذًا، علينا البدء بالأساسيات. سنذهب غدًا للصالون، نبدأ بعناية البشرة، جلسة تنظيف عميق، ثم ماسك الذهب، بعده حجزنا للمساج السويدي... وطبعاً جلسات إزالة الشعر، تبييض الأسنان، والعناية بالأظافر. ثم نختار عطرك المميز، أنتِ تحتاجين إلى عطر يسبقكِ بخطوتين."

حدّقت بها إيزابيلا بملامح شبه فارغة، ثم تمتمت:

"عطر يسبقني؟ لأُخيف به الأرواح قبل دخولي؟"

لم تلتقط ماريسا السخرية واستمرت دون توقف:

"وبعدها نقيس فستان الزفاف، نجربه مرة، مرتين، وثلاث إن احتجنا. ثم تسريحة الشعر، سيكون معنا خبيرة من باريس. والماكياج؟ لدينا موعد مع خبيرة روسية مشهورة اختارها العريس بنفسه... يا له من رجل ذو ذوق."

وضعت إيزابيلا وسادتها خلف ظهرها ببطء وقالت:

"ماريسا... أكره المساج. وأكره أن يلمسني غرباء. ولا أحتاج تنظيف بشرة لأنني بالكاد أخرج من المنزل."

توقفت ماريسا ونظرت إليها ببطء.

"لكن هذا زفافكِ يا فتاة! يجب أن تظهري كأنكِ خرجت من لوحة فنية."

تنهدت إيزابيلا، ثم رفعت يدها باستسلام.

"ضعي أنتِ القائمة، لأنني لا أعرف في الواقع. لكن… لا تلمسي شعري."

رفعت ماريسا حاجبيها:

"ممنوع قص الشعر، مسموح فقط تلميعه وتصفيفه؟"

"ممنوع حتى التفكير في قصه."

ردت إيزابيلا بجديّة، ثم أضافت:

"واختاري ما تريدينه لكن تذكري... لن أتحوّل إلى دمية باربي روسية."

ضحكت ماريسا وهي تكتب الملاحظة، ثم قالت:

"لا دمية، مفهوم. لكن عروس؟ نعم. وسأجعلهم يكتبون في الصحف: الروستوفية التي أسرت قلب الجزار الروسي."

تأملت إيزابيلا الجملة لوهلة قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة:

"بل اكتبي: العروس التي جعلت الجزار يعيد النظر في حدّة سكّينه."

ضحكت ماريسا ضحكة حقيقية هذه المرة، وقالت:

"أوه، سيكون زفافاً لا يُنسى... لدي شعور بذلك."

____________________________________

               ـ"قبل 6 أيام من موعد الزفاف.”

دخلت إيزابيلا الصالون برفقة ماريسا، خطواتها مترددة وعيناها تتجولان في المكان المليء بالروائح الغريبة والضحكات العالية وألوان الزهور الصناعية المعلقة في الزوايا. كانت ترتدي نظارتها الشمسية رغم أن الداخل معتم، وكأنها تحاول الاختباء من كل هذا.

"أزلِي تلك النظارات، لا تبدين عروساً، بل زعيمة عصابة جاءت لتصفية حساب قديم."

همست ماريسا بجانبها، وهي تلوّح بيدها للعاملات.

ردت إيزابيلا ببرود وهي تزيح النظارات قليلاً لتظهر عينيها الخضراء:

"زعيمة عصابة؟ هذا أقرب للواقع من فكرة أنني عروس."

قادت ماريسا الطريق بثقة، وجلست إلى جانبها في منطقة خاصة تم تجهيزها مسبقًا لهما. اقتربت منهن سيدة أنيقة بابتسامة احترافية، وسألت بلطف:

"سيدتي، لدينا جلسة تنظيف بشرة، عناية أظافر، وقناع الذهب كما طلبتم، هل نبدأ؟"

نظرت إيزابيلا نحو ماريسا، ثم قالت بهدوء:

"ليس هناك جلسة تجاهل العالم والنوم بهدوء لثلاث ساعات؟"

ضحكت ماريسا، ولوّحت بيدها:

"ابدأن معها، ولا تلتفتن إلى تذمرها، هذه عاداتها."

جلست إيزابيلا على الكرسي، واستسلمت حين شعرت بأن النقاش بلا فائدة. سمحت لهم بتنظيف وجهها، وضع القناع، وحتى العناية بأظافر يديها—لكنها رفضت طلاء الأظافر بشدة.

"طلاء أحمر؟ لماذا لا تطلبن مني ارتداء قفازات ملاكمة دامية؟"

قالتها وهي ترفع يدها متأملة.

"حسنًا، لون طبيعي إذًا."

قالتها العاملة برقة.

بعد ساعة ونصف، كانت مستلقية على كرسي المساج، ووجهها مغطى بمنشفة دافئة، بينما تسمع ماريسا تهمس لإحدى العاملات:

"تحتاج فقط لتنعيم الحواف الحادة فيها، وستبدو كأميرة حقيقية."

ردت إيزابيلا بصوت خافت من تحت المنشفة:

"أنا لست أميرة، بل ورقة حادة طويت بحذر حتى لا تجرح أحدهم... لكنها لا تزال حادة."

ضحكت ماريسا من جديد، وأجابت:

"وهذا ما يجعل الجميع يحسب لك ألف حساب."

جلست ماريسا على الأريكة البيضاء الواسعة وهي تسحب ساقًا فوق الأخرى بأناقة، تحدق في ابنة أختها وكأنها تقيّم تحفة فنية غامضة.

"حسنًا، الآن وقد نُعّمتِ وفُركتِ ووُضعتِ تحت البخار، أشعر أنني أستطيع التحدث معك كعروس حقيقية، لا قاتلة محترفة."

رفعت إيزابيلا حاجبًا، تحتسي قهوتها ببطء:

"كل هذا الجهد لتبدين مرتاحة وأنا ما زلت أفكر بالهرب."

قهقهت ماريسا بخفة وهي تميل نحوها:

"الآن فقط بدأتِ تتصرفين مثل أي فتاة عادية تُجبر على الزواج برجل لا تعرفه."

نظرت إليها إيزابيلا بنظرة طويلة، ثم تمتمت:

"هو ليس غريباً تمامًا… فقط... غريب بما يكفي ليبدو ككابوس نبيل."

هزت ماريسا رأسها وضربت ساقها بلطف:

"إنه رجل قوي، وهذا ما تحتاجينه. الرجال الضعفاء لا يحتملونك. وبصراحة؟ لا أحد يحتملكِ إلا إذا كان نصفه نار."

صمتت إيزابيلا قليلاً، ثم قالت بنبرة منخفضة:

"أنا لا أبحث عن من يحتملني. أريد من يراني، لا من يقيدني."

رفعت ماريسا حاجبيها بدهشة، ثم ابتسمت، ابتسامة دافئة هذه المرة، خالية من المزاح:

"ربما... هو سيفعل. لا أحد يرسل لك مصممة فساتين ومصففة شعر وخبيرة مكياج ويطلب تفاصيل فستانك دون أن يهتم."

نظرت إيزابيلا إلى فنجانها الفارغ، ثم تمتمت بهدوء:

"أو ربما يحاول فقط ترويضي... كأي غريب في عالمنا."

ردت ماريسا بابتسامة خفيفة:

"ميخائيل ليس غريباً، بل ذئب مثلنا. والسؤال الحقيقي هو... هل سيلتهمك، أم ستروضينه؟"

****

كانت الشمس تميل نحو المغيب حين توقفت السيارة أمام القصر، نزلت ماريسا أولًا وهي تنزع نظارتها الشمسية بعناية، تلتها إيزابيلا بخطوات أبطأ، مرهقة قليلًا من ساعات العناية التي لا تحتملها عادة.

ما إن دخلتا بهو القصر حتى رفعت جيني عينيها من اللوحة الإلكترونية بيدها، واقتربت سريعًا.

"سيدتي... كلارا في الصالة. قالت إنها أحضرت الرسومات الأولية للفستان."

تنهّدت إيزابيلا بعمق، ثم رمقت ماريسا بنظرة جانبية:

"تذكير بسيط... أنا أكره المفاجآت."

ضحكت ماريسا بخفة:

"وأنا أحب الفساتين، فلنعتبرها تسوية."

دخلتا معًا إلى الصالة الواسعة، حيث كانت كلارا تقف بانتظارها، مرتدية بذلتها البيضاء الأنيقة، تمسك ملفًا جلديًا أنيقًا، وبجانبها مساعدتها ترتب الأقمشة على الطاولة.

ابتسمت كلارا بلطف حين رأت إيزابيلا:

"سيدتي، أحضرت معايَنات أولية مبنية على ملاحظاتك."

أشارت بيدها نحو اللوحات والرسومات التي فتحتها مساعدتها، وتقدّمت لتشرح:

"ابتعدنا تمامًا عن التطريز الثقيل، لا أحجار، لا ترتر. اخترت خامات راقية، ناعمة، لا تكشف شيئًا، ولكنها تُظهر القوة في البساطة."

اقتربت إيزابيلا بهدوء، تمرّ عينها على التصاميم بتأنٍ. وقفت عند واحد معين، رسمٌ لفستان أبيض حريري، بأكمام طويلة وعنق مرتفع، تنورة واسعة قليلاً لكنها بلا أي مبالغة.

"هذا." قالت بهدوء، وهي تشير له.

رفعت كلارا حاجبًا:

"كنت أتوقع اختيارك له، وقد بدأت بالفعل بترتيب الخياطة الأولى. هل تودين تجربته خلال اليومين القادمين؟"

أومأت إيزابيلا.

"أجل... وسأراك بعدها."

أغلقت كلارا الملف بابتسامة محترفة:

"سأجعل هذا الفستان يليق بامرأة لا يمكن لأحد أن يروّضها."

رمقتها ماريسا بنظرة ذات مغزى، بينما قالت إيزابيلا بهدوء، وهي تستدير للمغادرة:

"بل فستان يليق بامرأة اختارت أن لا تروّض أحدًا."

___________________________________

                  ' قبل 5 أيام من موعد الزفاف. '

كان صباحًا هادئًا مشرقًا في القصر، لكنّه لم يكن هادئًا داخل جناح إيزابيلا، حيث كانت ماريسا تجول فيه كإعصار أنيق، تحمل ملفات وأكياس صغيرة وتلقي التعليمات واحدة تلو الأخرى.

"إيزابيلا، نحتاج إلى تحديد الورود مع منسقة الزهور خلال ساعة، ثم المصور سيصل بعد الظهر لتحديد الزوايا، وهناك تجريب مبدئي لتسريحة شعرك غدًا، والمجوهرات تحتاج إلى مراجعتك."

كانت إيزابيلا جالسة على طرف أريكتها، ترتشف القهوة بهدوء، وتحدق من النافذة المفتوحة على الحديقة، كأن كل ذلك لا يعنيها.

"ماريسا..." قالت بهدوء وهي ترفع عينيها نحو خالتها.

"هل يجب أن يحدث كل هذا؟"

توقفت ماريسا لحظة، وضعت الملف على الطاولة وتنهدت بعمق:

"إيزابيلا، حبيبتي، أنت تتزوجين أحد أكثر رجال العالم خطورة، في حفل زفاف سيراه الجميع، أعداء وأصدقاء، ولا مجال للتهاون في التفاصيل. لا نريد فقط أن تكوني جميلة... بل مُهابة، لا تُنسى."

صمتت إيزابيلا للحظة، ثم ردت بنبرة منخفضة لكنها حادة:

"أنا لا أمانع أن أتزوج... فقط لا أحب أن أُجبر على تمثيل دور لا يشبهني."

ابتسمت ماريسا، واقتربت منها بهدوء وجلست إلى جانبها.

"أنت لا تمثلين، إيزا... لكن العالم سينظر، وسيحكم، ولهذا نرسم نحن الصورة التي نريدها، لا التي يظنها الآخرون."

أدارت إيزابيلا وجهها نحوها، وعيناها تلمعان بقوة خافتة.

"إذًا دعيهم يرون امرأة لا تنحني… حتى في الزفاف."

ضحكت ماريسا بخفة، ثم نهضت وهي تصفّق بيديها:

"رائع! إذاً سنُبقي على الكعب المنخفض، لكن التسريحة المرفوعة ما زالت ضمن الخطة."

هزّت إيزابيلا رأسها بابتسامة صغيرة، وسألت:

"كم شخصًا سيحضر الزفاف؟"

ردت ماريسا وهي تفتح الملف من جديد:

"مئتان وخمسون. نصفهم أصدقاء العائلتين، والنصف الآخر... أشخاص لا نثق بهم أبدًا."

"رائع." همست إيزابيلا، وهي تنهض بدورها.

"ليكن عرضًا إذًا... وسأكون البطلة الباردة."

ـ  كانت الصالة الكبرى في القصر قد تحوّلت إلى مركز تحكم فوضوي للزفاف. موظفون، ومنسقو حفلات، وخبراء زينة، وناقلو معدات يتنقلون بين الأبواب، وكل واحد يحمل جدولاً، هاتفاً، أو عينة من أقمشة. وكلارا، مصممة الأزياء، كانت تجلس على أحد الأرائك الكبيرة، تنتظر إيزابيلا لإجراء تجربة أولى للفستان المعدّل حسب ملاحظاتها.

في زاوية بعيدة، جلست إيزابيلا على كرسي خشبي مكسو بالمخمل الأزرق، تراقبهم بصمت. كان العالم كله يدور حولها، لكنها بدت كأنها تراقبه من خلف زجاج سميك، بعينين هادئتين خاليتين من الانفعال.

ماريسا، بطاقتها التي لا تنفد، كانت تدير كل شيء بتوجيهات واضحة.

"هذا اللون لا يُستخدم في الزينة. نريد درجات خافتة من الأبيض والعاجي، لا نيون. والزجاج الكريستالي يجب أن يُعاد ترتيبه حسب الخطة الثالثة، لا الثانية!"

ثم استدارت نحو إيزابيلا، تصفق مرتين لجذب انتباهها:

"هيا، تعالي لتجريب الفستان. كلارا ستُجري التعديلات النهائية بعد هذا."

وقفت إيزابيلا ببطء، وسارت بخطى هادئة نحو كلارا، التي نهضت فوراً بابتسامة مهنية:

"هل أنتِ مستعدة؟ لقد جلبنا القماش الذي طلبته، بلا نقوش، بلا ترصيع. نظيف وبسيط كما أردتِ تماماً."

وقفت إيزابيلا أمام المرآة الكبيرة، تتأمل نفسها لبرهة.

قالت كلارا:

"صُمّم ليناسب قوتك، لا ليغطيها. إنه هادئ... لكنه حاضر."

رفعت إيزابيلا نظرها إليها، وأومأت بهدوء:

"جميل."

ضحكت كلارا بخفة، بينما بدأت تعد الملاحظات الأخيرة.

أما ماريسا فدخلت بعد لحظة، وتوقفت لتتأملها بفخر صامت.

"ستكونين كما يجب، إيزابيلا. لا أحد سينساكِ بعد ذلك اليوم."

ابتسمت إيزابيلا برقة باهتة، ثم همست وكأنها تتحدث لنفسها:

"ليتني أستطيع نسيانه أنا."

خرجت من غرفة القياس بعد أن ساعدتها المساعدتان على خلع الفستان، وارتدت فستانهًا مجددًا. مشت بخطوات رتيبة إلى الحديقة، تريد استنشاق بعض الهواء بعيدًا عن كل هذه الفوضى. لكن ماريسا لحقت بها سريعًا، تمسك بيدها دفترًا صغيرًا مليئًا بالملاحظات، وخلفها ثلاث نساء يحملن عينات من الزهور والبطاقات والإضاءة.

"إيزابيلا، لدينا ثلاث شركات إضاءة مقترحة. نحتاج قرارك الآن."

نظرت إليها إيزابيلا بصمت، ثم إلى العينات التي أُحضرت أمامها، وسألت ببساطة:

"أيّهم يستخدم أقل عدد من الأضواء؟"

"الشركة الثالثة، لكن إضاءتهم دافئة بعض الشيء..." ردت إحدى المنسقات.

أومأت إيزابيلا:

"إذن الثالثة. لا أريد المكان أن يبدو كمسرح."

تابعت ماريسا بحماس وهي تشير إلى البطاقات:

"وهذه بطاقات الدعوة. اخترنا ثلاث تصاميم أيضًا... كلها فاخرة، لكن لا يوجد ترصيع. أعرف أنكِ تكرهين ذلك."

أخذت إيزابيلا إحدى البطاقات، تأملتها لحظة ثم وضعتها جانبًا:

"هذه. بلا زخرفة زائدة. والباقي لكِ."

"رائع!" ماريسا صفّقت مرة واحدة، ثم استدارت لتتابع مع النساء.

جلست إيزابيلا على المقعد الحجري أسفل شجرة التين في زاوية الحديقة. أغمضت عينيها لدقيقة، محاوِلة طرد الثقل من صدرها. كل شيء يُنظّم حولها، لأجلها، لكنها لا تملك شعورًا حقيقيًا بأنها العروس. فقط طرف في اتفاق.

بعد دقائق، جاءت جيني تمسك بجهازها اللوحي:

"أخبروني أن فريق التصوير يريد تحديد الزوايا مسبقًا ليوم الحفل. هل ترغبين في مقابلتهم؟"

فتحت إيزابيلا عينيها، ونظرت إلى السماء، ثم قالت دون أن تتحرك:

"حددي معهم ما تشائين... فقط لا تتركيهم يدخلون المرسم."

"تم!" قالت جيني باحترافية.

في تلك اللحظة، وصل اتصال إلى هاتف ماريسا، التي نادت إيزابيلا على الفور:

"ابنة أختي، لدينا مفاجأة!"

رفعت إيزابيلا حاجبًا ببطء.

"مفاجأة؟ لا أحب المفاجآت."

"ستحبين هذه. قاعة الزفاف... وافق والدك على استخدام القصر القديم المطل على البحر."

نظرت إليها إيزابيلا بدهشة حقيقية هذه المرة،

"القصر؟"

"نعم، والدك قال إنه الوقت المناسب لإعادة الحياة إليه، وبمناسبة هذا الزفاف..."

تنهدت إيزابيلا ببطء، ثم قالت:

"على الأقل سيكون المكان مفتوحًا، والبحر سيمنحني بعض الهواء."

____________________________________.             .     ' قبل 4 أيام من موعد الزفاف'

كان الصباح هادئًا بشكل غير معتاد، سكون لطيف يملأ المكان بعد أن انتقلت الفوضى أخيرًا إلى القصر القديم. أزاحت إيزابيلا الغطاء عن جسدها ببطء، تتنفس براحة نادرة وهي تشعر للمرة الأولى منذ أيام أنها لن تُستدعى فور استيقاظها لاختيار باقة أو لون شمعة أو تذوق نوع حلوى.

لم تكن هناك أصوات، ولا طرق على الباب، ولا ماريسا تصرخ باسمها، ولا مصممة تصر على أخذ مقاس آخر.

فكرت وهي تدفن وجهها في الوسادة: "أخيرًا... راحة."

لكن الراحة لم تدم طويلاً.

دُق الباب ثلاث مرات حازمة. تبعتها طرقات متتالية. ثم فُتح الباب بسرعة قبل أن تأذن.

"أخيرًا استيقظتِ!"

قالها صوت مألوف مليء بالاستياء.

رفعت إيزابيلا رأسها ببطء، لترى أمامها صديقتها الأولى، كارمن، بذراعيها المتشابكتين، تقف بجوار أنطونيا، التي رفعت حاجبها بحدة.

تمتمت إيزابيلا، بصوت مبحوح من النوم:

"لماذا... تبدوان وكأنكما قادمتان لشنق أحد؟"

كارمن ألقت الحقيبة الصغيرة التي بيدها على الأرض، واقتربت بخطى غاضبة:

"هل تظنين أن بطاقة دعوة تُرسل بالبريد مساء الأمس تكفي؟! زفافك؟! أنتِ؟! ولم تخبرينا؟!"

أنطونيا أضافت، بصوت بارد:

"في روسيا؟ تتزوجين زعيم مافيا روسي؟ ومن كل البشر، لم نسمع منكِ كلمة واحدة."

جلست إيزابيلا على حافة السرير، تفرك عينيها ببطء، ثم نظرت إليهما وقالت بهدوء:

"كنت سأخبركما... في وقت ما. لكن لم أقرر متى."

كارمن زفرت، ثم اقتربت وجلست بجانبها:

"إيزا، نحن صديقتاك منذ الطفولة. كيف تفعلين هذا بنا؟"

أجابت إيزابيلا بهدوء عميق، ناظرة إلى يديها:

"لأنني بالكاد أخبرت نفسي، كارمن. الزفاف ليس قراري. ليس قصتي... إنه قرار العائلة. صفقة. هدنة. سمهِ ما شئتِ."

ساد الصمت لثوانٍ، تبادلت فيه كارمن وأنطونيا نظرة طويلة، قبل أن تقول أنطونيا:

"هل أنتِ بخير؟"

رفعت إيزابيلا عينيها إليهما، نظرة صافية، فقط قبول هادئ:

"أنا هادئة. ولست حزينة. فقط... أحاول فهم فصول القصة التي كُتبت لي."

جلست أنطونيا على الجانب الآخر من السرير، وأمسكت بيدها:

"لن نسمح لكِ بخوضها وحدك. نحن هنا. وسنكون معكِ في كل لحظة."

ابتسمت إيزابيلا بخفة، ابتسامة صغيرة متعبة لكنها صادقة:

"كنت أعرف أنكما ستأتيان."

كارمن رفعت حاجبها مجددًا، وقالت ساخرة:

"طبعًا. ولو تطلب الأمر اقتحام المطار الروسي بأنفسنا."

ضحكت إيزابيلا أخيرًا، لأول مرة منذ أيام، ضحكة قصيرة، حقيقية.

"إذن، هل ستساعدانني في النجاة من الزفاف؟"

ردّت أنطونيا بابتسامة واثقة:

"بل سنجعل منه قصة تُروى."

ـ وقفت الثلاثة أمام مدخل المول التجاري الضخم، الواجهة الزجاجية تعكس وجوههن بينما تدور الأبواب ببطء أمام الداخلين.

كانت الشمس خلفهن، وإيزابيلا في المنتصف، ذراعاها معقودتان بإحكام، وجهها جامد لا يُقرأ بسهولة، لكن عينيها كانتا تتقدان بغضب صامت.

"ماذا نفعل هنا؟"

سألتها بنبرة باردة، بلا التفاتة، وعيناها تحدقان في اللاشيء أمامها.

كارمن كانت تحاول كتم ضحكتها، أما أنطونيا فقد تنفست بعمق وكأنها تستعد لخوض معركة:

"جئنا لنشتري لكِ ملابس نسائية. أنتِ عروس الآن، يا عزيزتي، وحقيبتك لا تحتوي إلا على ملابس سوداء، وبذلات رسمية، وحذاء قتالي واحد على الأقل."

أجابت إيزابيلا دون أن تحرك رأسها:

"وهذا بالضبط ما أحتاجه."

كارمن، التي كانت تحب رؤية إيزابيلا في مواقف خارجة عن سيطرتها، أضافت بابتسامة واسعة:

"العالم ينتظر أن يرى إيزابيلا روستوف بثوب من الدانتيل الوردي، تخيلي فقط."

نظرت إليهما أخيرًا، ببطء شديد، وحدقت فيهما للحظة طويلة قبل أن تقول بهدوء، كمن ينطق حُكمًا:

"تخيلتا؟ الآن انْسَيا."

لكن أنطونيا لم تستسلم، أمسكت بذراعها برقة، وقالت بصوت أكثر نعومة:

"إيزا... الأمر لا يتعلق فقط بالملابس. نحن نعلم أن الزواج ليس قرارك، لكن هذا لا يعني أن تتركي الجميع يقررون كل شيء. تحكّمي بما يمكنك التحكم فيه. اتركي لنا هذه المساحة الصغيرة لنذكّرك بأنك لستِ مجرد بيادق في لعبة أبيك وميخائيل."

تنهّدت إيزابيلا بصوت منخفض، ثم نظرت إلى المول وكأنه ساحة معركة.

"حسنًا... لكن سأختار أنا. ولا دانتيل. ولا وردي. ولا شيء فيه ترتر أو لماع أو يجعلني أشبه بمرآة عيد الميلاد."

قهقهت كارمن وهي تسير بخطى سريعة نحو الباب الدوّار:

"صفقة مقبولة، يا روستوف. هيا قبل أن تغيري رأيك."

همست إيزابيلا وهي تتبعهن ببطء:

"لقد خُدعت. ظننت أنني سأنام اليوم... أيها اليوم اللعين."

--- دخلن أول متجر، وكان من النوع الفاخر الذي تفوح منه روائح العطور الممزوجة بالجلد الجديد والخشب المصقول.

الموظفات وقفن باستعداد، الابتسامات الهادئة على وجوههن، بينما أنطونيا تعطيهن نظرة سريعة وتقول:

"نحتاج ملابس لما بعد الزفاف. شيء مريح، أنيق، لكن ليس مبالغًا فيه. وتجنبوا كل ما يشبه زينة الكعك."

إيزابيلا كانت تمشي خلفهما بخطى بطيئة، تجرّ قدميها كأنها في طابور إعدام، تراقب الملابس المعلقة بنظرات قاتلة.

"هذا فستان؟" سألت وهي تمسك بثوب صغير جدًا، بالكاد يصل طوله إلى منتصف الفخذ.

"هذا منديل، وليس حتى من النوع الجيد."

ضحكت كارمن بصوت مرتفع جذب انتباه الحاضرين، ثم قالت وهي تسحب فستانًا آخر:

"وهذا؟ انظري، أسود، وبسيط."

رفعت إيزابيلا حاجبًا، ثم أومأت ببطء:

"مقبول… لن أرتديه، لكن مقبول."

مر الوقت ببطء، وكانت كل واحدة منهن تختار شيئًا، تقترح شيئًا، تضحك على شيء.

أما إيزابيلا، فكانت تختار بعين ناقدة: سراويل قماشية مريحة، قمصان بسيطة بألوان خافتة، فساتين طويلة بلمسات كلاسيكية، لا شيء يصرخ “أنا عروس”، بل كل شيء يهمس “أنا امرأة تعرف تمامًا من تكون”.

حين وصلن لمتجر الأحذية، توقفت فجأة وقالت بجفاف:

"لن أشتري كعبًا عالياً، لا فائدة منه إذا كنت سأركض من البراتفا يومًا ما."

علّقت أنطونيا:

"أنتِ لن تركضي، بل ستأمرينهم بالتوقف."

أجابت ببطء، وكأنها تتذوق الكلمات:

"أحب هذا السيناريو أكثر."

مع غروب الشمس، وخروجهن محمّلات بأكياس أنيقة، كانت كارمن تتأمل إيزابيلا التي تمشي أخيرًا بجانبهن، التعب على ملامحها لكن دون اعتراض.

"هل تعلمين؟ أنتِ لا تشبهين العرائس…"

نظرت إليها إيزابيلا، ثم قالت بابتسامة صغيرة، بالكاد تُرى:

"لأني لست عروسًا… أنا معاهدة سلام متنقلة."

ـ في ردهة القصر، كانت ماريسا تقف بأناقتها المعتادة، ذراعاها مشبوكتان وصبرها معلّق بخيط رفيع من الفضول والترقّب. وما إن رأت السيارة تتوقف حتى أسرعت نحو الباب، وعيناها تتلألأ شوقًا لاكتشاف ما اختارته "العروس" خلال جولتها التسوّقية.

"أخيرًا!" قالت وهي تفتح ذراعيها، "دعوني أرى ما اشترته عروسنا الجميلة!"

لكن إيزابيلا، التي خرجت من السيارة تمسك بكيس واحد وكأنها تحمله كدرع، همست لأنطونيا دون أن تنظر إليها:

"سوف تصرخ…"

ضحكت أنطونيا بصوت خافت، بينما كارمن صفّقت بحماسة متظاهرة بالفرح.

"لنرَ العرض!"

وما إن فتحت ماريسا أول كيس حتى تجمّدت.

سحبت منه سروالًا قطنيًا رمادي اللون، بسيط، خالٍ من أي لمعة أو دانتيل.

رفعت حاجبًا، نظرت لإيزابيلا، ثم أخرجت قميصًا أبيضًا واسعًا، مطبوع عليه زهرة صغيرة بالكاد تُرى.

ثم سحبت فستانًا أسودًا طويلًا، خالٍ من أي تفصيل عرائسي، خفيف كأنه صُمّم للعزاء لا لليلة الزفاف.

ثم، بصوت بدا كأنه صادر من شخص على وشك الانهيار، تمتمت ماريسا:

"ما… هذا؟!"

إيزابيلا أجابت بهدوء وهي تعبر نحو الداخل:

"ملابس."

"ملابس؟! هذا هراء! أين الفساتين الحريرية؟ أين الألوان؟ أين… أين الحياة؟!"

وقفت ماريسا تحدّق في الأكياس كما لو أنها كانت تتوقع أن تخرج منها هالة من الأنوار والزينة، لا هذا الموكب الجنائزي من الأقمشة الهادئة.

ثم وضعت يدها على صدرها، ونظرت إلى كارمن:

"أخبِريني أن هناك خطأ ما."

كارمن ابتسمت وقالت:

"آه… لا، هذا اختيارها بالكامل."

قالت ماريسا بصوت حادّ:

"هذا لا يليق بعروس، هذا… يليق بأرملة في عطلتها الصيفية!"

توقفت إيزابيلا عند أول درجة من الدرج، ثم استدارت نحو خالتها وقالت ببرود:

"جيد، لأنني أشعر وكأنني أرملة لاتفاق سياسي… لا عروس."

سادت لحظة من الصمت، حتى أنطونيا توقفت عن الضحك، ثم التفتت ماريسا إلى جيني التي كانت تمرّ صدفة، وقالت وكأنها تعطي أمرًا عسكريًا:

"خذي الأكياس… وامنعيها من ارتداء هذا السخف ليلة الزفاف، مفهوم؟"

ردّت جيني بابتسامة هادئة:

"سأفعل ما تطلبين… لكن لا أحد يمنع إيزابيلا من شيء إلا إيزابيلا نفسها."

رمت ماريسا الأكياس على الأريكة القريبة وكأنها تتخلص من خطيئة كبرى، ثم التفتت بعنف نحو إيزابيلا التي كادت تختفي عند زاوية الدرج.

"هذا يكفي!" صرخت، وقد ارتفع صوتها في أرجاء القصر، "غدًا سنذهب سويًا، وسأشرف بنفسي على كل قطعة ملابس ستشتريها، مفهوم؟!"

توقفت إيزابيلا في منتصف الدرج، استدارت ببطء، وعيناها نصف مغمضتين ببرود.

"ماريسا، لا أريد—"

"لا!" قاطعتها ماريسا وهي تلوّح بيدها بإشارة صارمة.

"أنتِ عروس. والزفاف بعد أربعة أيام فقط، وهذا ما قررتِ أن تشتريه؟! لا. لا أسمح بذلك. غدًا نخرج معًا، وانتهى الموضوع."

همست كارمن لأنطونيا:

"لقد وقّعت على حكم مؤبد الآن."

أما أنطونيا، فلم تستطع منع نفسها من الضحك، وقالت:

"وداعًا للراحة النفسية."

أما إيزابيلا، فكانت تعرف تمامًا ما يعنيه صوت خالتها حين يتحول إلى تلك النبرة الآمرة.

قرار اتُخذ، ولا مجال للتراجع.

تنهدت ببطء ثم تابعت صعود الدرج وهي تهمس:

"حسنًا… سأرتدي الأسود حتى داخل المتجر، فقط لأزعجها."

ضحكت أنطونيا خلفها، بينما ماريسا كانت تفتح مفكرتها الجلدية السوداء وتدون فيها شيئًا بحماس:

"سنبدأ من المتجر، ثم الصالون، وبعده جلسة مجوهرات… آه، سأعيدكِ فتاة حقيقية قبل هذا الزواج شاءت إيزابيلا أم أبت."

وهمست كارمن:

"لقد فتحت على نفسها أبواب الجحيم، لكن بلون وردي هذه المرة."

_____________________

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تحت جناح الجزار    3

    كان اليوم التالي مشرقًا بشكل يبعث على الاستفزاز، وإيزابيلا تقف أمام المتجر البراق والفاخر في إحدى زوايا مدريد، تنظر للافتة المزينة بزهور وردية ودانتيل أبيض وكأنها أمام ساحة إعدام."لن أدخل." قالتها بصرامة، ويدها معقودة فوق صدرها.لكن ماريسا كانت قد عبرت الباب بالفعل دون أن تلتفت.أما أنطونيا، فربتت على كتفها هامسة بخبث:"هيا يا عروس، العالم بحاجة لرؤية وجهك حين ترين ما بداخل هذا المتجر."دخلت إيزابيلا أخيرًا، بخطوات بطيئة وكأنها تمشي إلى قدر لا مفر منه. وما إن دخلت حتى استقبلتها ألوان الباستيل، الدانتيل، والحرير الناعم المتدلي من كل رف، وكأن المكان كله صُمم خصيصًا لاستفزازها.ماريسا أمسكت أول قميص نوم وردي، شفاف، مزين بشريط دانتيل عند الحافة."هذا لطيف، ما رأيك؟"إيزابيلا: "أعتقد أن قطة في مزاج سيء سترتديه، لا أنا."كارمن وضعت يدها على فمها تخفي ضحكتها، بينما أنطونيا انفجرت ضاحكة:"ماريسا، لو أحضرتِ شيئًا أكثر تحفظًا قد تفقدي وعيك."ماريسا، بهدوء لا يشبه فوضى المكان، التفتت نحو إيزابيلا وقالت:"هذه الليلة الأولى، يجب أن تكوني أنثى. لا جندية."إيزابيلا التقطت قميصًا أسودًا بسيطًا دون د

  • تحت جناح الجزار    2

    سادت لحظة صمت طويلة بينهما، لم تُقاطعها خطوات الخدم ولا أصوات الحرس. كأن كل شيء انكمش في الخلفية، ليبقى فقط هذا الثنائي، الغريب والمتشابه في آنٍ معًا، واقفًا وجهًا لوجه.أشار والدها بإيماءة صغيرة، ففتح أحدهم باب الجناح الشرقي، المخصص عادة لكبار الزوار. دون كلمة، التفتت إيزابيلا واتجهت بخطى هادئة نحو الداخل، وعرفت أنه سيتبعها. لم تنتظره. ولم تتعمد تجاهله. كانت تتحرك وكأنها تقود المشهد.دخلت الغرفة ذات الأثاث الكلاسيكي الثقيل، نوافذها الواسعة تطل على باحة القصر، وستائرها المخملية تسكنها رائحة قديمة من عصور السلطة. تقدمت حتى جلست على طرف الأريكة، مستقيمة الظهر، متزنة، كأنها اعتادت هذا النوع من اللقاءات.دقائق قليلة، ودخل هو.أغلق الباب خلفه بنفسه. بلا صوت.تقدم بخطى بطيئة، تأمل الغرفة لحظة، ثم التفت نحوها وجلس على المقعد المقابل. لا يوجد بينهما طاولة، ولا دروع."هل تعرفين لماذا أنا هنا، إيزابيلا؟" سأل، بصوته العميق كالرصاص المُغلف بالقطن.نظرت إليه بهدوء، أجابت:"أعرف تمامًا. ولست متأكدة إن كنتَ تعتبر هذا عقوبة... أم مكافأة."رفع حاجبه قليلاً، كأنها أثارت فضوله. لم يبتسم، لكنه لم يغضب. ق

  • تحت جناح الجزار    1

    المقابر كانت هادئة بشكلٍ يثير الريبة، كأن الأرض نفسها تتهيأ لابتلاع المزيد من الأسرار.وقفت إيزابيلا روستوف بجانب شقيقها فرانسيسكو أمام القبر الرخامي الأسود.عليه اسم واحد فقط:أوسكار روستوف1996- 2024ابنٌ أضاع كل شيء.كانت الريح تداعب خصلات شعرها البني الفاتح، فيما عيناها ثابتتان على الحروف المنحوتة، دون دمعة، دون ارتعاش.مرّ عامٌ على وفاته، ومع ذلك، الألم لم يَخمد، لكنّه تغيّر.تحوّل من حزنٍ إلى خيبة. من فقدٍ إلى لعنة.قال فرانسيسكو بصوتٍ خفيضٍ، يكاد يُبتلع مع أنفاس الريح:"أتعلمين؟ لا أحد يزور هذا القبر غيرنا... حتى أبي لا يأتي."ردّت، دون أن تنظر إليه:"لأنه يعرف... أن أوسكار كان الخطأ الذي كلّفنا نصف العائلة."من بين كل نساء إسبانيا، قرر أوسكار أن يقترب من المرأة الوحيدة التي لا يجوز لمس ظلها حتى. زوجة أحد رجال البراتفا الروسية.وفي عالمهم، النساء خطٌ أحمر، مقدسات. من يمسّهن... يُمحى.في الليلة التي قُتل فيها أوسكار، لم تكن رصاصةً واحدة فقط.كانت شرارةً أشعلت حربًا استمرت عامًا كاملاً، خُرست فيها الأرض من دويّ الانفجارات، وامتلأت شوارع المدن بجثث لا هوية لها.الحرب التي خافها ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status