LOGINفتح الباب ببطء، صوت مفصلاته انساب كهمس ثقيل في القاعة المهيبة، رفعت إيزابيلا رأسها بثبات، كتفاها مستقيمان، ونظرتها متجهة إلى الأمام مباشرة، لا تهتز.
ضوء القاعة انعكس على فستانها الحريري، وكأنها تسير داخل ضوءها الخاص. وهناك... في نهاية الممر، وقف. ميخائيل مالكوف. بذلته السوداء تكاد تعانق جسده القوي كما لو أنها مفصلة لهيبته وحده، ذو القامة الطويلة، يقف بثبات يشبه الجبال. نظراته الذهبية الحادة، لم تتركها منذ لحظة دخولها، كأن القاعة لا تحوي سواها، وكأن هذا اليوم كُتب لها وحدها. وشوم عنقه تسللت من تحت ياقة قميصه الأبيض، تروي قصصًا من العنف والسيطرة، تلمح لما هو عليه دون أن تقول شيئًا. الحضور جميعًا وقفوا، لم ينبس أحد بكلمة. كانت هي، فقط هي، محط الأنظار، تمشي بخطوات ثابتة، تتشبث بذراع أبيها، لكن عينيها لم تتركاه… ذلك الرجل الذي ينتظرها في نهاية الدرب. لم يكن هناك موسيقى حين التقت نظراتهما. كان هناك فقط صمت… وصوت قلبها. اقتربت خطواتها شيئًا فشيئًا، وكلما تقدمت، اشتد وقع اللحظة في صدرها. قلبها ينبض بثبات لا تعرف إن كان قوّة أم إنذارًا… وعيناه لا تتحركان عنها، تتبع خطواتها كأنها هدفه الوحيد في هذا العالم. حين وصلت أمامه، توقفت. نظرت إلى الأعلى، التقت عينيه عن قرب… عن قرب شديد. كان أطول منها بكثير، لكنها لم تخفض عينيها، لم تهرب منها. وهو… لم يبتسم. لم يرحب. فقط نظر. بعمقٍ مخيف وثابت، كأنه يحاول أن يقرأها من الداخل. أدار والدها نظره نحوها، ثم نحو ميخائيل، ثم أمسك يدها ووضعها بهدوء في يد الرجل الذي سيصبح زوجها بعد دقائق. يد ميخائيل كانت دافئة، قوية، قبضته ثابتة، خشنة، وكأنها لا تحتمل التراجع، لا تسمح لهروب. نظرت إلى يدها الصغيرة المحاصرة بكفه… لم تكن يدًا تُمسك بعروس، بل يدًا تُغلق صفقة… ثم رفعت رأسها من جديد… وتنفست. وهكذا... بدأت مراسم الزفاف. ـ وقف الكاهن أمامهما، بين صمت الحضور وترقّبهم المشحون، وبدأ يتلو كلمات المراسم بصوته العميق الرتيب. ـ "نحن هنا اليوم، لنشهد على ارتباط اثنين، باختيار عائلتيهما... وبموافقتهما...". لم تكن عين ميخائيل تتركها، حتى وهي تستمع للكلمات التي يُفترض أن تكون مهيبة. كان يراقب ملامحها، ارتجاف رموشها الخفيف، وحركة أنفاسها البطيئة. ـ "هل تقبلين، إيزابيلا روستوف، أن تكوني زوجةً لهذا الرجل، في السراء والضراء، في الرخاء والشدة، ما حييتِ؟" صمت للحظة. صوت أمواج البحر بالخارج كان يتخلل خلفية المشهد، ناعمًا، هادئًا، كاذبًا... ثم أجابت بصوت ثابت، وإن كان منخفضًا: ـ "نعم، أقبل." التفت الكاهن نحو ميخائيل. ـ "وهل تقبل، ميخائيل مالكوف، أن تكون زوجًا لهذه المرأة، في السراء والضراء، في الرخاء والشدة، ما حييت؟" أجاب دون تردد، بصوته العميق الجاف: ـ "أقبل." ثم أشار الكاهن إلى الرجل الواقف جانبًا، والذي تقدم بخاتمين، أخذ ميخائيل الخاتم أولاً، وضعه في يدها ببطء، ثم نظرت إليه، وأخذت الخاتم الآخر، ومررته في إصبعه، ورجفت يدها لحظة لمست بشرته. ـ "والآن، وباسم هذا الاتحاد... أعلنكما زوجًا وزوجة." ضرب الكاهن الختم الأخير للكلمات، وأكمل بابتسامة صغيرة: ـ "يمكنك تقبيل العروس." وهنا... لحظة جديدة ومرعبة بدأت. نظرت إليه بحذر، عيناها تراقبانه بترقّبٍ مكشوف، وكأنها تحاول أن تفهم نواياه من طريقة اقترابه. لم يكن في نظراتها خوف... بل حذرٌ صامت، وشكٌ ناعم يخفيه اتزانها المعتاد. أما هو... فكان يحدق بها بتلك النظرة الذهبية الخبيثة، التي لا تُقرأ، ولا تُفك شيفرتها. اقترب خطوة، ثم أخرى، وكلما اقترب شعرت بأن المسافة التي تفصلها عن العالم تنكمش، وتضيق، كأن الغرفة كلها باتت أصغر. كان هادئًا، باردًا، لكن عينيه كانت تشتعلان بشيء ما... شيء لم تفهمه، لم تفسّره، لكنه جعل أنفاسها تتباطأ. وحين وقف أمامها مباشرة، على بُعد أنفاس، مال برأسه قليلًا، رفع يده بثقلٍ ليحيط جانب وجهها براحته، كأنّه يريد تثبيت اللحظة. همس بصوت منخفض، بالكاد سمعته: ـ "لا تخافي... لن أعضّك، اليوم." ولم يمهلها حتى ترد، أو حتى تغضب، بل انحنى نحوها ببطء، ببرود الواثق الذي لا يسأل، وقبّلها. لم تكن قبلة رومانسية ولا ناعمة، لكنها لم تكن قاسية أيضًا... كانت ثابتة، واضحة، كأنها توقيع أخير على صفقة كُتبت بدم قديم. تصاعد التصفيق من حولهم، وقف الحضور، لكن إيزابيلا لم تسمع منهم شيئًا. كل ما شعرت به في تلك اللحظة... أن هذا الرجل لم يلمس فقط شفتيها، بل أعلن بدء شيء أكبر، أعمق، وربما أخطر. انتهت مراسم الزفاف أخيرًا، وصوت الموسيقى الهادئة قادهم خارجًا إلى حيث تنتظرهم قاعة الاستقبال المفتوحة على امتداد البحر. النسيم البحري تسلل بخفة إلى طرحة إيزابيلا، يحركها برقة وهي تمشي بجانب الرجل الذي أصبح رسميًا زوجها الآن، ذراعها متشابكة بذراعه رغم التوتر الذي يسري في جسدها. كانت القاعة مزيّنة بالأضواء الناعمة المتدلية من الأعمدة البيضاء، والزهور البيضاء والزرقاء التي تعانق الطاولات والممرات. مزيج من الأناقة والهيبة، تمامًا كما أرادته خالتها... وكما وافق عليه أبيها دون اعتراض. حين وصلا إلى صدر القاعة، وقف الجميع احترامًا، قبل أن تبدأ الشخصيات من العائلتين بالتقدم، واحدًا تلو الآخر، للترحيب بالعروسين وتقديم أنفسهم. تقدمت أولاً خالته، الكبيرة في العمر، وهي تبارك للزوجين بكلمات روسية تقليدية، وتقبّل إيزابيلا بخفة، ثم تحدق إلى ميخائيل كمن يحاول قراءته. تبعتها وجوه عديدة، رجال من عائلة البراتفا، بوجوه متجهمة وقوة طاغية، واحدًا تلو الآخر، يحيّون العروس باحترام فاتر، ثم ينحنون أمام زعيمهم. كل واحد منهم بدا وكأنه خرج من كتاب مظلم عن السلطة والقوة، وجميعهم نظروا إلى إيزابيلا كما لو أنهم يقيسونها، يختبرونها، وربما يتساءلون ما إن كانت ستتحمّل هذا العالم. من خلفهم، تقدّم بعض من عائلة روستوف، شقيقها فرانسيسكو كان أولهم، وبعده شقيقها راؤول وزوجته وابنته، وقد حدق طويلًا في ميخائيل قبل أن يبتسم بهدوء وهو يحييه. أما كارمن وأنطونيا، فكانتا في الخلف، تلوّحان بمرح كأنهما في عرض مسرحي، تهمسان وتضحكان خلف إيزابيلا. وخلال كل ذلك... كان ميخائيل واقفًا، لا يحرك سوى نظراته، وابتسامة باهتة بالكاد تتشكل على شفتيه كلما مدّ أحدهم يده. وبينما الكلمات تُقال، والمجاملات تُلقى، كان في رأس إيزابيلا ضجيج مختلف... سؤال واحد يتردد: هل بدأت حياتها الجديدة... أم انتهت حياتها القديمة فقط؟ ـ تقدّم عمها بخطوات واثقة، بابتسامة عريضة مرسومة على وجهه وهو يمسك بذراع ابنته. "مبارك لكما... زواج سعيد،" قال وهو يصافح ميخائيل أولاً ثم ينحني لإيزابيلا، يطبع قبلة خفيفة على خدها. لكنّ نظراتها لم تكن عليه... بل على التي بجانبه. ابنة عمها، بنفس تلك الابتسامة المسمومة التي تتقنها منذ صغرها، كانت تحدق فيها كما لو أنها تقيّم فستانها أو تحصي عدد أنفاسها، قبل أن تدير رأسها فجأة نحو ميخائيل. نظرة واحدة فقط... ولكنها كانت كافية. نظرة طويلة، مغرية، تنمّ عن دافع خفيّ لا تخطئه النساء. إيزابيلا لم تُبدِ أي تعبير. فقط وقفت، صامتة، برأس مرفوع ونظرة هادئة كعادتها. لكن في داخلها... تذكرٌ مرير طفا على السطح. كيف كانت تحاول دائمًا أن تسرق كل ما لها؟ من صداقاتها، إلى كلماتها، حتى ملابسها في بعض المرات... وما إن بدأت الشائعات تسري بين الناس، شائعات مريضة وخبيثة مسيئة لسمعتها، اختلقتها تلك الفتاة وألصقتها بها، حتى تحمّلت إيزابيلا بصمت. ابتعدت، قطعت صلتها، واختارت الكرامة على المواجهة. لكنها لم تنسَ. ولم يكن وجه ميخائيل بعيدًا عن هذه اللحظة. فقد رأت ذلك الضيق في ملامحه، وتلك النظرة الجامدة التي وجهها نحو ابنة عمها حين تمادت قليلاً في إطالتها النظرة إليه. نظراته لم تتحرك، لم يتكلم... لكنه حدق فيها وكأن صمته تحذير لا يُقال بصوت. "إنه شرف كبير لنا، أن نكون جزءًا من هذا الاتحاد،" قالت ابنة عمها أخيرًا، بابتسامة مفرطة وهي تتقدم لتهنئة العروسين. ثم انحنت لتقبل إيزابيلا على خدها، همست بصوت منخفض وابتسامة خبيثة: "كان يمكن أن يكون لي مكانكِ، لو فقط..." لكنها لم تكمل، فقط انسحبت ببطء، تبتسم وكأنها فازت بشيء. وإيزابيلا... ما زالت واقفة، تشعر بنظرات ميخائيل تتفحصها من الجانب، وكأنه ينتظر رد فعلها. بعد انسحاب ابنة عمها، ساد لحظة صمت خفيف بينهما. هدوء ثقيل تخلله فقط صوت الموج المتكسر في الخلفية وضجيج الحضور في القاعة المفتوحة. ثم، بصوته العميق والخافت، قال بالروسية: «Ты её ненавидишь.» (أنتِ تكرهينها.) كأن كلماته لم تكن سؤالًا، بل ملاحظة واثقة. رفعت إيزابيلا عينيها ببطء نحوه، دون أن تُظهر دهشة لسؤاله ولا للغته. لقد كان من الواضح أنه يعرف... أنها تجيد لغته. أجابت بهدوء، بصوت ناعم وواثق، بلغته: «Она предательница. Лживое лицо с гнилой душой.» (إنها خائنة. وجه كاذب بروح فاسدة.) رفع ميخائيل حاجبًا خفيفًا وهو يحدق بها، وكأن شيئًا فيها أثار فضوله من جديد. ثم همس، وهو ينقل نظره للحضور: «Удивительно. Испанская принцесса, говорящая, как одна из нас.» (مذهل. أميرة إسبانية تتحدث كأنها واحدة منا.) ابتسمت إيزابيلا برقة متناهية، لكنها لم تكن ابتسامة حقيقية، بل واحدة من تلك الابتسامات التي تُقال فيها ألف كلمة بلا صوت: «Меня учили выживать, не впечатлять.» (تعلمت النجاة، لا الإبهار.) نظر إليها بصمت لثوانٍ، بعينين ذهبيتين لم تفصحا بشيء... ثم أدار وجهه بهدوء نحو الضيوف، وكأن الحوار لم يحدث. لكن في داخله، شيء ما تغيّر. ـ بينما كانت نسائم البحر تُداعب أطراف شعرها، تقدَّم رجل طويل القامة، بوجهٍ صلب وخطى واثقة، من بين الحضور. كان يرتدي بذلة قاتمة، وعلى صدره شارة عائلية صغيرة تشير إلى واحدة من العائلات الخمس الروسية الكبرى. ابتسم وهو يمدّ يده نحو إيزابيلا وقال بالأسبانية الثقيلة: «تشرفت بلقائك، آنسة روستوف. أنا سيرجي نيكولايف، أحد أصدقاء زوجك، وأحد الداعمين لتحالف هذا الزواج.» ثم أشار إلى الشابة التي بجانبه: «وهذه ابنتي، ليديا.» نظرت ليديا لإيزابيلا نظرة خالية من المجاملة، فيها خليط من التقييم والازدراء، وكأنها كانت تزنها بعينيها. ابتسمت إيزابيلا بأدب دون أن تمد يدها، واكتفت بانحناءة رأس خفيفة. قبل أن تقول الفتاة فجأة، وهي تلتفت نحو ميخائيل، بصوتٍ روسي ثقيل: «Маленькая шлюха красивая. Поздравляю.» (العاهرة الصغيرة جميلة. تهانينا.) ثانية صمت قاتلة. رفعت إيزابيلا حاجبها ببطء، وحدقت بها بثبات، كأنها تسألها هل هذا كل ما لديكِ؟ كانت ليديا شبه واثقة أن إيزابيلا لم تفهم شيئًا، حتى خرج صوت إيزابيلا ناعمًا وباردًا، بلغتها: «Спасибо. Я старалась выглядеть достойно.» (شكرًا. حاولت أن أبدو لائقة.) تجمدت ملامح ليديا تمامًا، وانسحب اللون من وجهها. تراجعت خطوة للوراء وقد اتسعت عيناها بصدمة. همّت أن تستدير للمغادرة في خجل وارتباك، لكن صوت إيزابيلا الجليدي أوقفها في منتصف الخطوة: «Стой.» (توقفي.) توقف الزمن لحظة، والتفتت ليديا ببطء، وعيناها تلمعان بالارتباك، بينما بدا والدها مرتبكًا أكثر منها. أشارت إيزابيلا برأسها بهدوء، وقالت بروسية نقية، بحزم بارد: «Ты не извинилась.» (لم تعتذري.) نظر سيرجي نيكولايف سريعًا إلى ابنته، وأشار لها بيده بحركة حاسمة. ترددت الفتاة لحظة، ثم انحنت برأسها، وقالت بصوتٍ خافت: «Извините.» (أعتذر.) ثم انسحبت برفقة والدها بسرعة، بينما وقفت إيزابيلا بثبات تام، نظراتها لا تزال تحترق صامتة. خلفها، وقفت ماريسا تشاهد المشهد، وقد علت وجهها ابتسامة صغيرة من الرضا والفخر. مرت لحظات قصيرة من الصمت بعد انسحاب ليديا ووالدها، فيما بقيت إيزابيلا واقفة بثبات، ملامحها هادئة وإن كانت عيناها لا تزالان متيقظتين. إلى جوارها، وقف ميخائيل، ساكناً كتمثال من الجليد، عيناه الذهبيتان تراقبان الضيوف المتناثرين بصمت، قبل أن تنتقل نظرته الحادة إلى إيزابيلا مرة أخرى. قطعت هي الصمت أولاً، بصوت منخفض، بينما تبتسم برقة مصطنعة لأحد الضيوف المارين أمامهما: «كم من الوقت كانت علاقتك بها؟» لم يلتفت فوراً. بل بقي يحدق بها لثانية طويلة قبل أن يرفع حاجبه، ببطء، وكأن سؤلها أزعجه، أو فاجأه. ثم قال بصوته الأجش البارد، دون أن يشي وجهه بأي شعور: «لم تكن هناك علاقة. كان من المفترض أن يكون بيني وبين ليديا عرض زواج.» ارتسمت لمحة فهم على وجه إيزابيلا وهي تهمس لنفسها تقريبًا: «آه… إذًا كانت تعتبرني سارقة لمكانها.» ابتسمت ابتسامة خفيفة، دون أن تلتفت إليه، ونظرت إلى كأس الشمبانيا في يدها وهي ترفعه قليلًا، ثم تمتمت: «ذلك يفسر نظرتها وكراهيتها، لكن للأسف، لا يمكنني إرجاع عرض الزواج السابق لها الآن.» نظرت نحوه، ونبرتها شبه ساخرة: «لكن سيكون من اللطيف أن تبلغها أن تلعب لعبتها بطريقة أكثر ذكاءً في المرة القادمة.» صمت ميخائيل للحظة، ثم قال بصوته المنخفض وكأنه يختبر ردة فعلها: «هل تغارين؟» نظرت إليه مباشرة، عيناها ثابتتان، ثم مالت برأسها قليلًا وقالت ببرود رقيق: «من المؤسف أن تكون إجابتي لا.» في تلك اللحظة، قُطع الحديث بينهما بصوت واضح قادم من ناحية المنصة الرئيسية، كان أحد منظمي الحفل يُعلن بالأسبانية والروسية معاً: «الآن، ندعو العروس والعريس إلى الرقصة الأولى.» ارتفعت همهمة خفيفة بين الضيوف، فيما تراجعت الموسيقى الخلفية لتحل محلها نغمة ناعمة كلاسيكية، بطيئة وراقية، تتسلل بهدوء إلى أرجاء القاعة المفتوحة على البحر، تلامس الهواء المالح والنسمات المسائية الخفيفة. انخفضت الأضواء قليلًا، وانطلقت نغمات ناعمة من آلة الكمان وسط الصمت البهيّ الذي لفّ المكان. رفعت إيزابيلا رأسها ببطء، ووجدته يقف أمامها، يمد يده نحوها بوقار. نظراته الذهبية لم تفارق وجهها. نظرات تثير الأعصاب… وتستفز العقل. وضعت يدها بيده، وتركته يقودها نحو منتصف المساحة المخصصة للرقص، بينما انقسمت العائلتين وتراجع الجميع ليفسحوا المجال. همس بصوته العميق القريب لأذنها، بالروسية: "هل تعرفين كيف ترقصين، سنيجكا؟" رفّت جفنها، نظرت إليه بثبات، وردّت بالمثل: "تعلمت كما تعلمت اللغات. كان ذلك ضمن واجبات العائلة، أليس كذلك؟" رفع زاوية فمه بابتسامة بالكاد تُرى، ووضع يده على خصرها بثبات، بينما كانت أصابعه تُمسك يدها الأخرى برقة تناقض صلابته. وبدأت الرقصة. كانت خطواته واثقة، يقودها بسهولة… ومع كل حركة، كان الحضور يراقب بصمت، بانبهار. بدت الصورة متقنة… وكأنها ليست زفافًا مدبّرًا بل قصة حب قديمة وهادئة. لكن بينهما، كان الصمت مشحونًا. قالت بهدوء، بينما تدور معه: "هل تنادي كل النساء بهذا اللقب؟" همس وقد اقترب منها أكثر: "لا، فقط واحدة… التي تذوب ببطء." شعرت بقشعريرة تمر في عمودها الفقري… لا تدري إن كان ذلك من صوته، أم من كلماته، أم من تلك النظرة التي اخترقتها بثقة لا تهتز. واستمرت الرقصة، ببطء… بتوتر خفي… وبرقصة أولى لا تُنسى. انتهت النغمة الأخيرة للقطعة الموسيقية، وتوقفت قدماها تلقائيًا مع توقف خطواته. أبقت عينيها عليه للحظة، ثم أفلتت أنفاسها التي لم تدري أنها كانت تحبسها طوال الوقت. صفق الحضور بحرارة. العائلتان، الضيوف، الجميع كانوا واقفين يبتسمون… لكن بالنسبة لإيزابيلا، كان كل شيء مشوشًا، كأنها كانت في مشهد سينمائي بعيد عن الواقع. أبعد ميخائيل يده عن خصرها ببطء، لكن نظراته لم تفارقها، ثم انحنى قليلًا أمامها كتحية تقليدية أنهى بها الرقصة، فقالت بخفوت ساخر دون أن تبتسم: "أداء جيد." همس دون أن يبتعد: "قلت لك، سنيجكا… أنا لا أخسر." ثم استدار تاركًا إياها، وذهب ليتحدث مع أحد الرجال من الطرف الروسي. وقفت لحظة، وهي تستعيد هدوءها، ثم شعرت بماريسا تصل بجانبها، تقول وقد طبعت قبلة سريعة على خدها: "لقد أذهلتِ الجميع. حتى ميخائيل لم يرفع عينيه عنك." اكتفت إيزابيلا بنظرة جانبية إلى خالتها، وقالت بهدوء: "دعينا نأمل ألا تكون نظرات افتراس." ضحكت ماريسا بسخرية خافتة: "إذا كانت كذلك، فكوني اللبؤة لا الفريسة." ثم اقتادتها إلى إحدى الطاولات للجلوس واستعادة أنفاسها قليلاً. الليلة لم تنتهِ بعد. لكنها بالتأكيد بدأت تتشكل على نحو لا يمكن التنبؤ به. الموسيقى تغيّرت، وبدأت الألحان تُصبح أكثر بهجة وحيوية، بينما تناثرت أضواء الزينة فوق الحديقة الكبيرة التي أُعدت بعناية لحفل الزفاف. أعمدة النور المتلألئة، الزهور البيضاء والحمراء المعلقة في السقف، الطاولات الطويلة التي وُضعت خصيصًا لكبار الشخصيات… كل شيء كان أشبه بمشهد مأخوذ من أسطورة قديمة. جلست إيزابيلا إلى الطاولة الرئيسية، فستانها الأبيض يتألق تحت الأضواء الناعمة، والكأس بين أناملها لم تُرفع إلى شفتيها، لكنها كانت تتظاهر بالمشاركة. كانت ترقب الحاضرين بعين يقظة، تُراقب من يقترب من ميخائيل ومن يتهامس في الزوايا. ميخائيل كان على بُعد كرسيين منها، يحدّث أحد الرجال المسنين من الجانب الروسي بنبرة هادئة، بينما عيناه تمرّان بين الحين والآخر ناحيتها، دون أن يتحدث معها. لم يبتسم. لم يقترب. لكن حضوره كان طاغيًا كظلٍ ثقيل. فجأة، اقترب رجل إسباني ثلاثيني، طويل القامة، ذو لحية خفيفة وابتسامة واثقة، وانحنى أمامها قليلًا: "هل لي بهذه الرقصة، سنيورا روستوف؟" رفعت حاجبها، وفي داخلها تساؤل واضح: هل هو مجرد ضيف؟ أم اختبار؟ قبل أن تُجيب، لاحظت أن عيني ميخائيل التفتت فورًا، ثم تجمدت على وجه الرجل. ابتسمت إيزابيلا، وحدقت في الغريب ببرود: "أخشى أن قدميَّ لا تحتملان رقصة أخرى." ضحك الرجل: "عذر جميل، لكن مرفوض." تقدّم بخطوة وكاد يمد يده، إلا أن ظلًا ظهر خلفه فجأة. صوت منخفض وبارد قال بالروسية: "ابتعد." استدار الغريب ليواجه ميخائيل، فقط يقف، طويلًا، عابسًا، وكل من في الطاولة شعر فجأة بأن الهواء تغيّر. همهم الرجل بكلمات إسبانية وابتعد وهو يرفع يده اعتذارًا. أما ميخائيل، فاكتفى بالنظر إليها، ثم قال بالروسية: "واحدة تكفي." فأجابت دون أن تنظر إليه: "كنت سأرفض، لا تقلق." اقترب منها قليلًا وقال بصوت منخفض، دون أن يبتعد نظره: "لست قلقًا. فقط أُذكرك." "بماذا؟" سألت، بصوت أكثر هدوءًا. "أنكِ أصبحتِ زوجتي." لم تُجبه. فقط رفعت الكأس أخيرًا، وارتشفت رشفة خفيفة… بينما شعرت أن الكلمات تلك لم تكن وعدًا، بل تحذيرًا. **** بينما كانت الأنوار الخافتة تغمر الحديقة الخارجية وتتابع ألحان الموسيقى في الخلفية، بدأت إيزابيلا تشعر بالتعب يسري في جسدها. كانت قد مرّت ساعات طويلة منذ بدء الاحتفال، والضيوف بدأوا يتناقصون تدريجيًا. لم ترد البقاء في الزفاف أكثر من ذلك، خصوصًا مع تلك الأعين التي لا تنفك تراقبها من كل زاوية، ولحظات الراحة التي كانت تنقلب إلى مجاملة أو حديث عابر لا يتوقف. إشارة بسيطة من يدها لأحد الخدم كانت كافية، وقد فهم فورًا أنها ترغب في العودة إلى الداخل. تسللت بخفة عبر البوابات المؤدية إلى القصر، حيث أضواء الديكور الداخلي بدت أكثر دفئًا، والجو داخل المكان الهادئ كان مختلفًا عن تلك الأجواء الصاخبة في الخارج. توجهت مباشرة إلى الجناح المخصص لها، وفي قلبها نوع من الراحة غير الملموسة. فستان الزفاف الثقيل الذي ارتدته طوال اليوم بدأ يُثقل على خطواتها، وعقلها كان مشتتًا بين أفكار عديدة. كانت بحاجة لتغيير، لكنها لم تكن بحاجة فقط إلى تغيير الفستان. كان ذلك الحفل بأكمله يستهلكها أكثر من أي شيء آخر. وصلت إلى غرفتها، حيث كانت الخادمات قد أعدن بالفعل كل شيء، بما في ذلك فستانها الجديد الذي اختارته مسبقًا. فستان بسيط لكن أنيق، لن يكون إلا مناسبًا للسفر إلى روسيا. على الرغم من أنها شعرت بتعب جسدي، إلا أن عقلها كان في حالة تأهب دائم. زواجها كان مجرد بداية لما سيأتي. ورغم كل ما حدث، كانت لا تزال تسير في هذا الطريق المجهول بقدميها، وعقلها يرفض الاستسلام للفكرة بسهولة. "إيزابيلا، هل تحتاجين مساعدة؟" قالت الخادمة وهي تقف عند الباب، عينيها تحملان شيئًا من الحذر. "لا، أحتاج لبعض الوقت فقط." أجابت إيزابيلا بصوت هادئ، مشيرة إلى الفستان. "يمكنكم الذهاب، سأرتدي هذا الآن." أغلقت الباب خلفها بحذر، وجلست نفسها أمام المرآة في الغرفة. لم تكن تشعر بفرحة عروسٍ حديثة، بل شعرت بشيء أكبر من ذلك: تعبير عن مسؤولية جديدة. انتهت زينتها الخارجية لكن الشكوك الداخلية كانت تُنذر بما سيحدث بعد هذا اليوم. شعرت بشيء غير قابل للتفسير. لكنها لم تجد أي وقت للتحليل. حان وقت الرحيل الآن. ****** بينما كانت إيزابيلا تُنهي تصفيف شعرها من جديد، هذه المرة بشكل بسيط ومريح، وتزيل بقايا المكياج عن وجهها بهدوء، شعرت بنوع من الراحة يعود إليها تدريجيًا. أصبح وجهها خاليًا من تلك المساحيق التي أخفت ملامحها المعتادة، وعادت عيناها الهادئتان تتأملان نفسها في المرآة بصفاء. لم تكن تلك العروس المتألقة منذ قليل، بل الفتاة ذاتها التي لطالما احتفظت بجزء من العالم لنفسها، مهما بدا الآخرون قريبين. كان الصمت يملأ الغرفة حتى قُطع بخفة صوت الباب وهو يُفتح ببطء، ودخل أحدهم دون أن يطرق. التفتت إيزابيلا برأسها قليلاً، فقط لتراه. ميخائيل. كان واقفًا عند الباب، بملابسه الرسمية لا تزال كما هي، لكنها فقدت شيئًا من صلابتها، كما لو أن الليل قد أرخى ظلاله عليه أيضًا. نظر إليها لثوانٍ دون أن يتحدث، قبل أن يتقدم بهدوء، يغلق الباب خلفه. نظرت إليه من خلال المرآة، ولم تُظهر ارتباكًا، لكنها أيضاً لم تبتسم. قال بصوته العميق بعد لحظة من الصمت: "تبدين أكثر... أنتِ، هكذا." لم ترد فورًا، فقط التقطت منشفة صغيرة ومررتها على خدها، كأنها تتأكد من أن آخر بقايا المكياج قد اختفت. ثم نظرت إليه من فوق كتفها وسألته بهدوء: "هل كنت تفضل العروس أم هذه؟" رفع حاجبًا ببطء، ثم اقترب خطوة وقال: "سنيجكا... لم أعد أميز بينهما." ثم نظر إلى عينيها عبر المرآة وأضاف: "لكن هذه لا تخدعني." تجمد شيء خفي في صدرها عند سماع اللقب من جديد، تلك الكلمة التي اختارها لها دون أن يشرحها بعد. قالت أخيرًا: "هل أتيت لتخبرني أننا سنسافر الآن؟" اقترب خطوة أخرى، حتى بات خلفها تمامًا، لكنها لم تبتعد. عكس صورتهما انعكاس المرآة، هو يقف كظل، وهي تتأمله دون أن تُظهر انفعالًا. "جواز السفر والوثائق جاهزة الآن. الرحلة بعد ساعة ونصف." ثم أضاف بنبرة خفيفة لم تتوقعها منه: "أردت فقط أن أراكِ... قبل أن نصعد على نفس الطائرة." رفعت نظرها إلى عينيه في المرآة وقالت بهدوء: "أراك الآن... سنيج." ***** خرجت من غرفة تبديل الملابس بهدوء وقد تركها منذ قليلا ليعطيها بعض الحرية لتغيير ملابسها، بدّلت فستان زفافها الأبيض بفستان أنيق بسيط ناعم، من قماش قطني حريري، بأكمام طويلة وعنق مفتوح قليلًا، يليق برحلة طيران طويلة وبوداع ثقيل. شعرها تركته منسدل بأناقة ناعمة، والمكياج الذي غطى وجهها في الحفل تم مسحه، فبدا وجهها صافيًا، بعينين هادئتين تُخفيان كل العاصفة تحت السطح. دلفت إلى الردهة، فوجدته واقفًا هناك، مرتديًا معطفًا أسود فوق بدلته، يراجع شيئًا في هاتفه قبل أن يرفع عينيه إليها. نظرته كانت فاحصة، من رأسها حتى قدميها، قبل أن يرفع حاجبه قليلًا ويتمتم: — "جاهزة، سنيجكا؟" لم تجبه مباشرة. تقدمت نحوه بخطوات هادئة، ثم وقفت بجانبه دون أن ترد. فقط نظرت نحوه، ثم نحو باب القصر المفتوح خلفه على الليل البارد والطائرة التي تنتظر على المدرج القريب. تمتمت أخيرًا، بصوت خافت وهي تُعيد تأكيد ما تعرفه: — "من اليوم… كل شيء يتغير." رد بخفوت، بنبرة لا تحمل لا سخرية ولا تعاطف: — "بالفعل… كل شيء سيتغير." ثم تقدّم خطوة، فتبعته، ومعها عبرت عتبة القصر، تودّع المكان الذي احتواها منذ طفولتها، في صمت. الهواء البارد لفح وجنتيها، والطائرة السوداء تقف هناك بانتظارهم، كأنها بوابة إلى حياة جديدة… مختلفة، مظلمة، وغامضة. وقفت إيزابيلا عند الدرج الحجري للقصر، والهواء الليلي يُداعب خصلات شعرها المرفوعة، وعيناها تتنقلان على وجوه عائلتها الواقفة أمامها. كانت تلك لحظة وداع ثقيلة، أعمق من الكلمات، وأثقل من الصمت. ماريسا، بخصلاتها الرمادية المنسدلة وابتسامتها المائلة، كانت أول من تقدمت نحوها. احتضنتها بقوة غير معهودة، وهمست لها: — "أظهري لهم من تكونين، إيزابيلا… لا أحد يصنع من النار ماء." ابتسمت إيزابيلا بهدوء، ثم التفتت نحو أختها غير الشقيقة، التي لم تقل الكثير، لكنها مدت يدها واحتضنتها بهدوء مربك. ثم جاء والدها… اقترب منها ببطء، ونظر في عينيها طويلاً قبل أن يضمها لصدره بقوة لا تليق برجل مثله. — "أنت ابنتي… لا تنسي من أين أتيتِ، ولا إلى من تنتمين." ردّت بصوت خافت وهي تضم ذراعيه أكثر: — "أبدًا يا أبي." ثم جاء فرانسيسكو، شقيقها الأقرب، عانقها بيد قوية على كتفها، وقال وهو يغمز بعينه: — "لو ضايقك، فقط قولي اسمه وسأأتي." ضحكت بخفة رغم ضيق صدرها: — "ربما سأرسل رسالة في منتصف الليل." واحدًا تلو الآخر، ودّعتهم جميعًا، نظرات حنونة، وابتسامات باهتة، ولمسة يد صغيرة من ابنة أخيها راؤول على طرف فستانها وهي تهمس: "ستعودين؟" فانحنت إيزابيلا أمامها وهمست: — "دائمًا." ثم التفتت نحوه، حيث كان يقف بجانب الطائرة، يراقب بصمت، وكأنه لا ينتمي إلى هذا المشهد. نظرت لعائلتها مرة أخيرة، بابتسامة قوية، ثم مشت نحوه. صعدت إيزابيلا السلم المعدني للطائرة الخاصة بخطوات هادئة وثابتة، تحمل بين طياتها آخر خيط من الماضي الذي خلفته للتوّ عند الدرج الحجري للقصر. كان الليل قد أرخى سدوله، والهواء باردًا يحمل نكهة بداية لا تعرف إن كانت تستحق الترقب أو الحذر. ما إن وضعت قدمها على أرضية الطائرة الفاخرة حتى شعرت بذبذبة خفيفة تحت قدميها، وكأن المعدن ذاته يعرف ثقل ما تحمله في قلبها. نظرت من حولها، المقاعد الجلدية الفخمة، الإضاءة الدافئة، الطابع الروسي الصارم في كل تفصيلة… الطائرة لم تكن وسيلة نقل، بل كانت إعلانًا آخر عن سلطته. كان هو يجلس بالفعل، مسترخٍ على أحد المقاعد، بذراعه الممتدة على ظهر المقعد المجاور وكأنه يملك الأرض والسماء. لم ينظر إليها فور دخولها، بل رفع نظره بهدوء بعد ثوانٍ طويلة، عينيه الذهبيتين ترصدا خطواتها بتمعّن. — "اجلسي." لم ترد، لكنها مشت بصمت وجلست على المقعد المقابل، تحفظها واضح في طريقة جلوسها. لم تنزع وشاحها الحريري بعد، ولا أراحت جسدها، وكأنها لم تدخل طائرة… بل عالماً غريباً عليها. صمت ثقيل خيّم بينهما لثوانٍ، لا تقطعه إلا أصوات الطاقم وهو يجهّز للإقلاع. ثم سألها فجأة: — "هل ودّعتِهم جيدًا؟" نظرت من النافذة للحظة، ثم أجابت دون أن تنظر إليه: — "ودّعتهم بما يكفي لئلا أعود نادمة." قال، بنبرة هادئة لكنها تحمل شيئاً من السخرية: — "وهل تفترضين أنك ستعودين قريبًا؟" نظرت إليه هذه المرة، عيناها تلمعان بثبات غريب: — "سأعود فقط إذا أردت… لا إن سمحت لي." ابتسم بخفة، ابتسامة من لا يخاف التحدي. بدأت الطائرة بالتحرك ببطء على المدرج، واهتزت قليلاً تحت قوة المحركات التي بدأت تزداد في سرعة دورانها. كان الجو هادئًا، ولكن الصمت بينهما كان ثقيلًا كما لو أن الأجواء المحيطة بهما أيضًا كانت تشعر بترقب ما سيحدث بعد الإقلاع. إيزابيلا نظرت من نافذة الطائرة، على الرغم من أنها كانت لا تزال تملك ذلك الاحساس الغريب بالاغتراب، كأن العالم قد بدأ يبتعد عنها تدريجيًا. شعرت بيدها التي ارتكزت على المقعد أمامها، وكأنها تحاول التمسك بشيء ثابت وسط هذا التحول الكبير. في المقابل، كان ميخائيل جالسًا على المقعد المقابل، عينيه مركّزتين عليها بين الحين والآخر. كانت تلك النظرات مليئة بالغموض، كأنما يحاول استقراء كل تفصيل فيها، في ما تعنيه في تلك اللحظة، أو في ما ستكون عليه مستقبلاً. ثم، ببطء، بدأ الصوت الناعم للمحركات يزداد في الخلف، واختفى كل شيء حولهما سوى الهمسات الخفيفة التي يحملها الهواء على أطراف الطائرة. بدأ الجناح يرفرف في الهواء، وتلك اللحظة التي تصبح فيها الطائرة في السماء، حرة من كل ما كان على الأرض. توقف الزمن لفترة، ولكن لم يكن هدوء هذه اللحظة خاليًا من التفكير. كان كل شيء ينطلق بهم إلى ما هو غير معروف، إلى الحياة التي ستكون هناك، في روسيا، في عالمهما المختلف تمامًا عن كل ما عرفته إيزابيلا. في تلك اللحظة، وكأن الطائرة نفسها كانت تخوض معركة ضد الزمن، ردت إيزابيلا أخيرًا بنبرة هادئة، لكنها حازمة: — "لا أستطيع أن أقول إني سعيدة بهذا، لكنني سأعيش فيه." أجاب بهدوء، صوته منخفضًا كعادته، لكن هناك شيء في نبرته يوحي بأنه استوعب ما تعنيه كلمتها: — "لن تجدي شيئًا هناك يشبه ما كنتِ تعرفينه هنا، لكنك ستكتشفين شيئًا مختلفًا." كان الوقت قد مر بهدوء ثقيل داخل الطائرة. بعد لحظة الإقلاع، عمّ الصمت بينهما، لم يتبادلا كلمة واحدة. جلست إيزابيلا قرب النافذة، عيناها على الغيوم التي تفرش نفسها تحت الطائرة كستار من الهدوء البارد. أحضرت لها المضيفة بهدوء مشروبًا ساخنًا وبعض الفاكهة الطازجة، ولكنها لم تمس شيئًا. كانت لا تزال تشعر بأن بطنها معقودًا على شيء لا تستطيع تحديده. من حين لآخر، كانت تلمح نظرات ميخائيل وهو يتابع شيئًا على جهازه اللوحي أو يقلب في أوراق لا تعرف محتواها. بدا مرتاحًا تمامًا في هذه الأجواء، كأنه في بيته، لا توتر ولا ارتباك، وكأن كل ما يحيط به تحت سيطرته—حتى السماء نفسها. في لحظة ما، نظر إليها بهدوء وسأل بنبرة منخفضة: — "هل تتوترين من الطيران؟" أجابت دون أن تلتفت إليه: — "أتوتر من أنني لا أعلم ما ينتظرني بعد الهبوط." ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى، ثم أعاد نظره إلى الجهاز أمامه. لكن شيئًا في وجهه بدا وكأنه احترم صراحتها. مرت ساعة أخرى، ثم ساعتان. بدأت الشمس تغرب، وبدأ ضوء البرتقال والذهبي ينسكب عبر النوافذ، ليمنح مقصورتهم هالة ساحرة من السكون. حين نظرت إيزابيلا إلى الساعة، عرفت أن الوصول بات قريبًا. في تلك اللحظة، قالت المضيفة بلطف: — "سيدي، سيدتي، سنبدأ بالهبوط بعد عشرين دقيقة. يُرجى ربط الأحزمة." تبادلت إيزابيلا نظرة سريعة مع ميخائيل. هذه المرة، لم تكن نظرة عداء أو توجس. بل كانت اعترافًا صامتًا بأن الرحلة الأولى بينهما قد انتهت… وأن كل ما يليها، هو الرحلة الحقيقية. **** هبطت الطائرة بهدوء على مدرج خاص تغمره الإضاءة الخافتة في المطار الروسي، كان الليل قد غلف المكان بسكون بارد، وندف الثلج بدأت تتساقط خفيفة، تتراقص تحت أضواء المهبط. جلست إيزابيلا مستقيمة في مقعدها، تنظر من النافذة بصمت، تتأمل كيف تغير العالم خارجها. كل شيء يبدو أكثر جدية، أكثر غموضًا. حين توقفت الطائرة أخيرًا، فكّت حزامها، ونهضت ببطء. كان ميخائيل يسبقها بخطوات ثابتة، ثم توقف بجوار باب الخروج، واستدار ينظر إليها بعينين هادئتين. قال بصوته العميق: — "هل أنتِ مستعدة، سنيجكا؟" توقفت خطواتها وحدّقت به. لأول مرة لم تتجاهل اللقب. — "سنيجكا؟" نطقت الكلمة ببطء، ثم أكملت: "لقد ناديتني بهذا اللقب. ما معناه؟ ولماذا تناديني به؟" لم يبتسم، لكنه لم يتجاهلها أيضًا. نظر إلى عينيها مباشرة، وصوته جاء هادئًا، عميقًا: — "سنيجكا… تصغير روسي لكلمة سنيج، وتعني 'ثلج'." صمت للحظة قبل أن يكمل: — "أناديكِ بهذا لأنك تذكرينني بالثلج… جميلة، هادئة، وخطيرة إذا حاول أحدهم لمس جوهرك بطيش." ارتفعت حاجباها قليلًا بدهشة، لم تكن تتوقع هذا الوصف... ولا الصراحة. لم ترد، فقط نظرت إليه نظرة طويلة، كأنها تحاول أن تفك شيفرة الرجل الواقف أمامها، ثم تمتمت بهدوء: — "ثلج إذن…" أومأ برأسه، ثم أشار لها بالتحرك: — "هيا، روسيا بانتظار عروسها الجديدة." وخرج أولاً، يسبقها إلى العالم الجديد، بينما سارت خلفه بهدوء، كأن كل ندفة ثلج تهمس لها أن حياتها على وشك أن تبدأ من جديد. ********ــــــ ” توضيح مهم للقارئ" ـــ اللقب "سنيجكا" يعني "فتاة الثلج":- يُستخدم كلقب دلع لوصف امرأة جميلة، باردة المشاعر أو غامضة أو رزينة، تشبه الثلج في برودتها أو صفائها. باستخدام ميخائيل لهذا اللقب، من المرجّح أنه يشير إلى: برود إيزابيلا الظاهري تجاهه. هدوئها وجمالها "البارد". ببساطة كلقب يحمل طابعًا روسيًا شخصيًا، يعطيه نوعًا من التملّك أو السيطرة. ------------------ ـــ اللقب الذي نادته به إيزابيلا : اللقب "سنيج" (Снег) هو كلمة روسية تعني "الثلج". حين نادته إيزابيلا بـ "سنيج"، فهي ببساطة اختارت أن تجيب على لقبه لها "سنيجكا" لقب يدل على شيء بارد، ساكن، وربما خفي المشاعر مثله. "سنيج" يحمل معاني القوة والجمود، لكنه أيضًا نقاء وجمال خطر، تمامًا كما هي شخصيته.كانت أبواب المطار الخاصة قد فُتحت على مصراعيها تحت وقع خطوات ميخائيل الثقيلة، وخلفه إيزابيلا تسير بهدوء، رأسها مرفوع ولكن عينيها تراقبان كل شيء.الهواء الروسي كان قاسيًا، جافًا وباردًا. لفحتها أولى نسماته كصفعة، ومع ذلك لم تهتز. معطفها الثقيل بالكاد تصدى للبرد، لكنها وقفت بثبات.كان في انتظارهم صفٌ من الرجال... رجال البراتفا. جميعهم يرتدون الأسود، معاطف طويلة، وجوه صارمة ونظرات لا ترحم. كل رجل فيهم كان يحمل في ملامحه شيئًا من العنف المكبوت والانضباط العسكري.وحين اقترب ميخائيل، انقسم الصف إلى نصفين في حركة مدروسة، واصطفوا على الجانبين بانضباط جندي. ثم، وبحركة موحدة، انحنوا له انحناءة خفيفة.قال أحدهم بصوت جهوري:— "Добро пожаловать домой, Pakhan."— أهلاً بعودتك إلى المنزل، باخان.إيزابيلا لم تجهل الكلمة. باخان… تعني الزعيم.نقل الرجال أنظارهم نحوها، بفضول وحيطة، وبعض التوتر غير المعلن. كانت هي، "العروس الإسبانية"، "الهدنة المجسدة"، "التهديد المحتمل"، لكنهم جميعًا التزموا الصمت... فقط نظراتهم تحدثت.ثم تقدم رجل بدا أكبرهم سنًا بخطوات محسوبة، اقترب من ميخائيل، وانحنى قليلاً باحترام:—
فتح الباب ببطء، صوت مفصلاته انساب كهمس ثقيل في القاعة المهيبة، رفعت إيزابيلا رأسها بثبات، كتفاها مستقيمان، ونظرتها متجهة إلى الأمام مباشرة، لا تهتز.ضوء القاعة انعكس على فستانها الحريري، وكأنها تسير داخل ضوءها الخاص.وهناك... في نهاية الممر، وقف.ميخائيل مالكوف.بذلته السوداء تكاد تعانق جسده القوي كما لو أنها مفصلة لهيبته وحده، ذو القامة الطويلة، يقف بثبات يشبه الجبال.نظراته الذهبية الحادة، لم تتركها منذ لحظة دخولها، كأن القاعة لا تحوي سواها، وكأن هذا اليوم كُتب لها وحدها.وشوم عنقه تسللت من تحت ياقة قميصه الأبيض، تروي قصصًا من العنف والسيطرة، تلمح لما هو عليه دون أن تقول شيئًا.الحضور جميعًا وقفوا، لم ينبس أحد بكلمة.كانت هي، فقط هي، محط الأنظار، تمشي بخطوات ثابتة، تتشبث بذراع أبيها، لكن عينيها لم تتركاه… ذلك الرجل الذي ينتظرها في نهاية الدرب.لم يكن هناك موسيقى حين التقت نظراتهما.كان هناك فقط صمت… وصوت قلبها.اقتربت خطواتها شيئًا فشيئًا، وكلما تقدمت، اشتد وقع اللحظة في صدرها.قلبها ينبض بثبات لا تعرف إن كان قوّة أم إنذارًا…وعيناه لا تتحركان عنها، تتبع خطواتها كأنها هدفه الوحيد في
كان اليوم التالي مشرقًا بشكل يبعث على الاستفزاز، وإيزابيلا تقف أمام المتجر البراق والفاخر في إحدى زوايا مدريد، تنظر للافتة المزينة بزهور وردية ودانتيل أبيض وكأنها أمام ساحة إعدام."لن أدخل." قالتها بصرامة، ويدها معقودة فوق صدرها.لكن ماريسا كانت قد عبرت الباب بالفعل دون أن تلتفت.أما أنطونيا، فربتت على كتفها هامسة بخبث:"هيا يا عروس، العالم بحاجة لرؤية وجهك حين ترين ما بداخل هذا المتجر."دخلت إيزابيلا أخيرًا، بخطوات بطيئة وكأنها تمشي إلى قدر لا مفر منه. وما إن دخلت حتى استقبلتها ألوان الباستيل، الدانتيل، والحرير الناعم المتدلي من كل رف، وكأن المكان كله صُمم خصيصًا لاستفزازها.ماريسا أمسكت أول قميص نوم وردي، شفاف، مزين بشريط دانتيل عند الحافة."هذا لطيف، ما رأيك؟"إيزابيلا: "أعتقد أن قطة في مزاج سيء سترتديه، لا أنا."كارمن وضعت يدها على فمها تخفي ضحكتها، بينما أنطونيا انفجرت ضاحكة:"ماريسا، لو أحضرتِ شيئًا أكثر تحفظًا قد تفقدي وعيك."ماريسا، بهدوء لا يشبه فوضى المكان، التفتت نحو إيزابيلا وقالت:"هذه الليلة الأولى، يجب أن تكوني أنثى. لا جندية."إيزابيلا التقطت قميصًا أسودًا بسيطًا دون د
سادت لحظة صمت طويلة بينهما، لم تُقاطعها خطوات الخدم ولا أصوات الحرس. كأن كل شيء انكمش في الخلفية، ليبقى فقط هذا الثنائي، الغريب والمتشابه في آنٍ معًا، واقفًا وجهًا لوجه.أشار والدها بإيماءة صغيرة، ففتح أحدهم باب الجناح الشرقي، المخصص عادة لكبار الزوار. دون كلمة، التفتت إيزابيلا واتجهت بخطى هادئة نحو الداخل، وعرفت أنه سيتبعها. لم تنتظره. ولم تتعمد تجاهله. كانت تتحرك وكأنها تقود المشهد.دخلت الغرفة ذات الأثاث الكلاسيكي الثقيل، نوافذها الواسعة تطل على باحة القصر، وستائرها المخملية تسكنها رائحة قديمة من عصور السلطة. تقدمت حتى جلست على طرف الأريكة، مستقيمة الظهر، متزنة، كأنها اعتادت هذا النوع من اللقاءات.دقائق قليلة، ودخل هو.أغلق الباب خلفه بنفسه. بلا صوت.تقدم بخطى بطيئة، تأمل الغرفة لحظة، ثم التفت نحوها وجلس على المقعد المقابل. لا يوجد بينهما طاولة، ولا دروع."هل تعرفين لماذا أنا هنا، إيزابيلا؟" سأل، بصوته العميق كالرصاص المُغلف بالقطن.نظرت إليه بهدوء، أجابت:"أعرف تمامًا. ولست متأكدة إن كنتَ تعتبر هذا عقوبة... أم مكافأة."رفع حاجبه قليلاً، كأنها أثارت فضوله. لم يبتسم، لكنه لم يغضب. ق
المقابر كانت هادئة بشكلٍ يثير الريبة، كأن الأرض نفسها تتهيأ لابتلاع المزيد من الأسرار.وقفت إيزابيلا روستوف بجانب شقيقها فرانسيسكو أمام القبر الرخامي الأسود.عليه اسم واحد فقط:أوسكار روستوف1996- 2024ابنٌ أضاع كل شيء.كانت الريح تداعب خصلات شعرها البني الفاتح، فيما عيناها ثابتتان على الحروف المنحوتة، دون دمعة، دون ارتعاش.مرّ عامٌ على وفاته، ومع ذلك، الألم لم يَخمد، لكنّه تغيّر.تحوّل من حزنٍ إلى خيبة. من فقدٍ إلى لعنة.قال فرانسيسكو بصوتٍ خفيضٍ، يكاد يُبتلع مع أنفاس الريح:"أتعلمين؟ لا أحد يزور هذا القبر غيرنا... حتى أبي لا يأتي."ردّت، دون أن تنظر إليه:"لأنه يعرف... أن أوسكار كان الخطأ الذي كلّفنا نصف العائلة."من بين كل نساء إسبانيا، قرر أوسكار أن يقترب من المرأة الوحيدة التي لا يجوز لمس ظلها حتى. زوجة أحد رجال البراتفا الروسية.وفي عالمهم، النساء خطٌ أحمر، مقدسات. من يمسّهن... يُمحى.في الليلة التي قُتل فيها أوسكار، لم تكن رصاصةً واحدة فقط.كانت شرارةً أشعلت حربًا استمرت عامًا كاملاً، خُرست فيها الأرض من دويّ الانفجارات، وامتلأت شوارع المدن بجثث لا هوية لها.الحرب التي خافها ا