LOGINكانت أبواب المطار الخاصة قد فُتحت على مصراعيها تحت وقع خطوات ميخائيل الثقيلة، وخلفه إيزابيلا تسير بهدوء، رأسها مرفوع ولكن عينيها تراقبان كل شيء.
الهواء الروسي كان قاسيًا، جافًا وباردًا. لفحتها أولى نسماته كصفعة، ومع ذلك لم تهتز. معطفها الثقيل بالكاد تصدى للبرد، لكنها وقفت بثبات. كان في انتظارهم صفٌ من الرجال... رجال البراتفا. جميعهم يرتدون الأسود، معاطف طويلة، وجوه صارمة ونظرات لا ترحم. كل رجل فيهم كان يحمل في ملامحه شيئًا من العنف المكبوت والانضباط العسكري. وحين اقترب ميخائيل، انقسم الصف إلى نصفين في حركة مدروسة، واصطفوا على الجانبين بانضباط جندي. ثم، وبحركة موحدة، انحنوا له انحناءة خفيفة. قال أحدهم بصوت جهوري: — "Добро пожаловать домой, Pakhan." — أهلاً بعودتك إلى المنزل، باخان. إيزابيلا لم تجهل الكلمة. باخان… تعني الزعيم. نقل الرجال أنظارهم نحوها، بفضول وحيطة، وبعض التوتر غير المعلن. كانت هي، "العروس الإسبانية"، "الهدنة المجسدة"، "التهديد المحتمل"، لكنهم جميعًا التزموا الصمت... فقط نظراتهم تحدثت. ثم تقدم رجل بدا أكبرهم سنًا بخطوات محسوبة، اقترب من ميخائيل، وانحنى قليلاً باحترام: — "سيد مالكوف، أعددنا كل شيء كما أمرت." ثم حوّل نظره إلى إيزابيلا، وانحنى بخفة دون أن يلمسها: — "سيدتي... يشرفنا وجودك." أومأت له إيزابيلا برأسها بصمت، بينما ميخائيل ألقى نظرة جانبية نحوها، وكأنّه يراقب رد فعلها. ثم التفت إلى رجاله وقال بحدة روسية: — "إلى القصر." وفي اللحظة التالية، اندفعت ثلاث سيارات سوداء فاخرة ببطء نحوهم. فتحت الأبواب الخلفية، ليدعوها ميخائيل للدخول أولاً. وحين جلست، شعرت أن الدفء الوحيد في هذا العالم الجليدي هو من نفسها… أو من نظرات ذلك الرجل بجانبها، التي ما زالت تحرق رغم صقيع روسيا. تقدّمت السيارات السوداء الفاخرة ببطء وثبات عبر طريق طويل تحيط به أشجار صنوبر كثيفة، يغطيها الثلج كما لو كانت مرسومة بريشة فنان صامت. هدير المحركات الخافت تردد في الأفق الأبيض، والطريق بدا وكأنه لا ينتهي، يخترق غابة متجمدة نحو عالم آخر... نحو القصر. داخل السيارة، كانت إيزابيلا تحدق من النافذة في المشهد الخارجي. روسيا... كانت باردة، صلبة، صامتة... تمامًا كنظرات الرجل الجالس إلى جوارها. لم ينطق ميخائيل بكلمة منذ صعودهم، لكنه لم يكن غائبًا، حضوره كان يملأ الفراغ. مرّت السيارات عبر بوابة حديدية سوداء ضخمة، فتحها حارسان دون أن يتحدثا. وكان القصر هناك… شامخًا، قاتمًا، مصنوعًا من الحجر الرمادي العتيق، بزواياه الحادة وشرفاته الواسعة كأنه خرج من زمن آخر. لا شيء فيه يوحي بالدفء أو الراحة… بل بالقوة والهيبة والخوف. توقفت السيارة الأولى أمام الدرج الحجري الكبير، نزل منها حارس بسرعة وفتح الباب لإيزابيلا. تأملت القصر للحظة. لم يكن هذا مجرد مكان… كان معقلًا، حصنًا، وعرشًا. ثم نزل ميخائيل، والتف حول السيارة وواقف بجانبها بصمت، عينيه تراقبان تحركات الحراس القلائل الذين اصطفوا أمام الباب، جميعهم يحيونه بهزة رأس محترمة وصارمة. قال بهدوء، بصوته العميق البارد: — "أهلاً بكِ... في منزلنا، سنيجكا." نظرت إليه بحدة، ثم عادت بعينيها إلى القصر. إن كان هذا منزلها الجديد… فعليها أن تعرف كيف تحمي نفسها بداخله. دلفت إيزابيلا إلى القصر الفخم بخطى هادئة، عيناها تتأملان الديكورات الداكنة والنقوش الروسية الكلاسيكية التي تعج بها الجدران العالية، في حين أنفاسها تسحب هواءً جديدًا، مليئًا برائحة الخشب العتيق والسلطة المتجذرة في المكان. كان القصر هادئًا بشكل غريب، رغم الأقدام التي تحركت في استقبالهما. تقدم ميخائيل بخطاه الثقيلة، يدها لا تزال على ذراعه. اقترب منهما رجل مسن ذو ملامح صارمة، كان يجلس على أحد الأرائك الجلدية برفقة امرأة خمسينية أنيقة بوجه بارد لا تشي ملامحه بشيء، وقد بدت مألوفة بشكل باهت. قال ميخائيل ببرود وهو ينظر إليهما: —" هذا عمي، بوريس، وزوجته، السيدة صوفيا." أومأت إيزابيلا برأسها بأدب، بينما راقبها بوريس بعينين ثاقبتين دون أن يبتسم. أما صوفيا فابتسمت ابتسامة واهنة وقالت بالإسبانية المتقنة: — "سمعنا كثيرًا عنكِ يا إيزابيلا." تجمدت عيناها لوهلة، لكنها أجابت بأدب وبصوت رصين: —" آمل أن تكون كل القصص جميلة، سيدة صوفيا." بجانبهم، وقفت شابة لم تكن قد تحدثت في الحفل، ذات شعر أسود مضفر بإحكام ونظرات حادة كالسكاكين. قال ميخائيل بصوته العميق: — "هذه ابنة عمي، داريا. هي تُدير بعض أعمال الأسرة هنا في سانت بطرسبورغ." ابتسمت داريا ابتسامة مشدودة، دون أن تمد يدها أو تقول شيئًا. فقط نظرات متفحصة وباردة بين النساء. كانت المنافسة تكتب نفسها في صمت. إيزابيلا لم تقل شيئًا، فقط اكتفت بابتسامة هادئة وتحية مهذبة. كانت تقرأ الوجوه، تقيس الأرض، وتعرف أنها دخلت ساحة جديدة، بعيدة عن وطنها… لكنها لم تكن غريبة على الحرب الصامتة خلف العيون. في الصالة الكبرى للقصر، كانت الأجواء مشبعة برائحة الخشب القديم والتبغ المعتق. الأضواء كانت خافتة، والظلال ترقص على الجدران المكسوة بلوحات كلاسيكية لأسلاف عائلة مالكوف. جلست إيزابيلا إلى جانب ميخائيل، على أريكة جلدية فاخرة، ظهرها مستقيم ونظراتها ثابتة، كأنها وُلدت لتكون في هذا المكان رغم غربتها عنه. أفراد عائلته تمركزوا حولهما في صمت مشحون. بوريس عمه، صاحب العينين الرماديتين والندبة القديمة على ذقنه، كان يحدق بها كما يحدق صياد في فريسة محتملة. وعلى الأريكة المقابلة، جلست صوفيا، زوجته، بفستان مخملي داكن وعينين متحفزتين خلف نظرة هادئة مزيفة. تتذكر هذه المرأة، لقد كانت المرأة نفسها التي نظرت لها باحتقار في حفل الزفاف منذ ساعات. همس بوريس بالروسية وهو يرفع فنجان القهوة إلى فمه: —" لا أثق بها، ابنة العدو نائمة في عريننا." ضحكت صوفيا بخفة، وردت: —" من يدري؟ قد تكون أكثر من مجرد عروس سياسية." تبادلوا الكلمات كأنها طعنات خفية، كأنهم متأكدين من جهلها بلغتهم. لم يتوقعوا أن تكون كل كلمة تُقال تنطبع في عقلها كأنها حبرٌ ساخن. تجاهلت إيزابيلا الحديث الظاهري الموجه لها عن الطقس و"روعة الحفل"واكتفت بابتسامة دبلوماسية. نظرت إليهم بصمت، ثم حولت نظرها إلى فنجانها دون أن ترد، وقلبت كلماتهم في رأسها. كانوا قلقين منها، كانوا خائفين... وكانوا محقين. من يثق بابنة العدو التي أصبحت فجأة فردًا من العائلة؟ في تلك اللحظة فقط، التقت عيناها بعيني ميخائيل. لم يقل شيئًا، لكنه كان يراقب بصمت. هو الوحيد الذي لم يقع في خطأ التحدث أمامها، لأنه يعرف... يعرف أن كل كلمة قيلت كانت تصلها بوضوح. ومع ذلك، لم ينبس بحرف. فقط رفع حاجبه قليلًا، وكأن في صمته اعتراف ضمني بقوتها… أو تحذير خفي. **** قادها ميخائيل بصمت عبر الممرات الواسعة للقصر، وقد علا صدى خطواتهما فوق الرخام البارد. كانت الجدران مزينة بصور قديمة لعائلة مالكوف، رجال ونساء بوجوه صارمة وعيون لا تبتسم. لم تقل إيزابيلا شيئًا، لكنها شعرت بثقل التاريخ فوق كتفيها… وكأن العيون في الصور تراقبها، تحكم عليها. توقف أمام باب ثقيل من الخشب الداكن، فتحه بهدوء، ثم أشار لها بالدخول. الجناح كان فسيحًا… ومهيبًا. أرضيات من الخشب المصقول، مدفأة حجرية موقدة، ستائر سميكة بلون العقيق، وسرير ضخم بأعمدة منقوشة يعلوه شراشف حريرية داكنة. غرفة جلوس صغيرة مرفقة، وخزانة كتب تملأ زاوية كاملة. في الزاوية الأخرى، مرآة طويلة وإلى جانبها منضدة طُرحت عليها بعض الزهور البيضاء. أغلق الباب خلفها ثم قال بنبرة هادئة لكنها قاطعة: — "هذا جناحك. ستقيمين هنا." استدارت إليه، عيناها تراقبان وجهه دون أن تُظهر شيئًا، لكنها ردّت بهدوء: — "وأنت؟" ابتسم، لكن ابتسامته لم تصل إلى عينيه: — "جناحي في الجهة المقابلة. نحن لسنا زوجين… بعد." ثم أضاف وهو يقترب ببطء، حتى وقف أمامها مباشرة: —" لكن تذكّري، سنيجكا، كل خطوة في هذا القصر تُراقَب، حتى من دون كاميرات." نظرت إليه مطولًا قبل أن ترد، بنبرة ناعمة لكن حادة: — "لا أحتاج إلى الكاميرات لأعرف من عدوي. يكفيني أن أسمع." توقف لثانية، ثم ضاقت عيناه قليلاً، قبل أن يستدير ويمضي بهدوء مغلقًا الباب وراءه. وقفت إيزابيلا وحدها، وسط جناحها الجديد، تشعر أنها دخلت إلى قلب العاصفة… ولم يكن هناك طريق للعودة. سكنت الغرفة من حولها بعد أن أغلق الباب، وبقي فقط صوت تنفّسها الثقيل يتردد بين الجدران العالية. تحركت بخطوات بطيئة، تنظر حولها وكأنها تحاول استيعاب أنها الآن… هنا. في هذا القصر البعيد، في قلب عائلة كانت يومًا عدوة لعائلتها. يداها مرّت فوق أطراف الأريكة الجلدية القريبة، ثم لمحت بابًا جانبيًا صغيرًا، فتحته بحذر فوجدت غرفة تغيير ملابسها، مرتّبة بعناية. لكنها لم تبقَ هناك طويلًا. عادت بخطوات بطيئة نحو السرير الكبير. جلست على طرفه، ووضعت يديها على ركبتيها، ظهرها منتصب، لكن عيناها كانتا فارغتين… تائهتين. شعور الغربة لم يكن في المكان فقط… بل في جلدها. هل هذه هي حياتها الجديدة؟ هل ستقضي أيامها بين جدران هذا القصر، تبتسم لمن يكرهونها وتراقب كل نظرة خوف أو شك؟ هل ستكون "العروس" التي يحاصرها الجميع بالشبهات، فقط لأنها ابنة عدوه؟ رفعت يديها ببطء، خلعت القرط من أذنيها، ثم خلعت بقية الحلي قطعةً قطعة، وكأنها تخلع طبقات من التعب، من الزيف، من اللحظات التي اضطرت فيها إلى التصرف وكأنها بخير. لكنها لم تكن بخير. كانت مرهقة، حتى أعماق عظامها. ليس من الرحلة… بل من المعركة الصامتة التي بدأت منذ لحظة وقّعت فيها على تلك الاتفاقية. اتكأت للخلف ببطء، وأسندت رأسها إلى الوسادة، بينما كانت تتساءل بهدوء: هل أنا مجرد رهينة ناعمة مغلّفة بالحرير؟ أم أنني سأنجو… بطريقتي؟ بقيت هناك، تنظر إلى سقف الغرفة، بينما الليل في الخارج بدأ يهبط بثقله على موسكو… ومعه، بدأت أول ليلة لإيزابيلا روستوف كزوجة جزار البراتفا. ________________________ في الطابق العلوي، خلف أبواب مزدوجة ثقيلة، جلس ميخائيل فولكوف في مكتبه الفخم الذي يغمره الظل والنور معًا. الجدران كانت مكسوة بخشب داكن، ورفوف الكتب الصامتة تحيط به من كل جانب، تفوح من المكان رائحة الجلد والتبغ والسلطة. جلس على مقعده الجلدي الكبير، ظهره مستقيم، عينيه الذهبيتين تحدقان في ملف مفتوح أمامه دون أن يتحرك عضلة واحدة في وجهه. لم يكن بحاجة للكلام لفرض وجوده. الصمت في حضرته… كان كافيًا. دلف بوريس، عمه، بخطوات ثقيلة تتبعه بضع لحظات لاحقة خطوات شقيقه الأصغر ديمتري. كلاهما جلس أمامه دون أن يطلب منهما. بوريس، الرجل الستيني ذو الشعر الرمادي، كان واضح التوتر، لكنه حاول إخفاءه بكأس الويسكي الذي حمله معه. أما ديمتري، بعينيه القلقتين، فقد ظل يراقب شقيقه بصمت. قال بوريس أخيرًا، بصوت خافت، كمن يسير على زجاج: — "ميشا… نحن لا نُعارض اتفاقك. لكن وجود ابنة روستوف هنا… تحت هذا السقف، يثير تساؤلات." رفع ميخائيل عينيه ببطء من على الملف. نظرة واحدة فقط. كانت كافية ليخرس بوريس. — "هل هي زوجتي؟" سؤال بسيط. حاد. أجاب بوريس، بعد صمت قصير: — "نعم، طبعًا..." فقال ميخائيل بنبرة هادئة، بطيئة، كمن ينطق حكماً: — "إذًا تُعامَل باحترام. من لا يستطيع، لا مكان له في هذا القصر." تحركت يد ديمتري بعصبية على ساقه، ثم قال بتردد: — "لكن بعض الرجال في العائلة… لا يثقون بها. يقولون إنها قد تنقل معلومات، أو تزرع الفتنة من الداخل." ضحك ميخائيل ضحكة باردة، قصيرة. — "من يخاف من امرأة، عليه أن يعيد التفكير برجولته." ثم مال للأمام قليلاً، نظر إلى شقيقه مباشرة وقال: — "وإذا ارتكب أحدهم هذا الخطأ… لن أكرر التنبيه. سيُعامل كخائن. أيًّا كان اسمه." ساد الصمت مرة أخرى. حتى بوريس، الذي كان لا يزال يقبض على الكأس بقوة، خفّ ضغط يده، وقال بعد لحظة: — "أفهم يا ميشا... وسأبلّغ الجميع. لكن فقط… احذر. البنات الذكيات لا يسلمن بسهولة." رفع ميخائيل حاجباً واحدًا، ثم تمتم وهو يعود للجلوس باستقامة: — "هي أذكى مما تتخيل. ولهذا اخترتها." ثم فتح الدرج ببطء، وأخرج سيجارًا داكنًا، أشعله بنار هادئة. نهاية الحديث كانت واضحة. منذ لحظة دخلوا مكتبه، لم يكن هناك أي شك لمن يملك القرار هنا. كان صمت المكتب يملأ المكان كثقل الحديد، لا يُكسر إلا بصوت الأوراق التي يقلبها ديميتري ببطء. وقف أمام خريطة موسعة لحدود العمليات، يشير بإصبعه إلى منطقة قرب بولندا: – "التحركات هنا زادت يا ميخا. لدينا تقرير من فيكتور يقول إن رجال "الغراب الأسود" بدأوا يظهرون في السوق مجددًا." رفع ميخائيل عينيه إليه، وقال دون أن يغيّر نبرة صوته: –" فليظهروا. هذا البحر واسع... لكنهم نسوا من هو من يقف على الضفة بسكين في يده." قال بوريس وهو يتقدم خطوة: – " لا نريد حربًا جديدة الآن، خاصة بعد زواجك. الأنظار علينا من كل الجهات. الإسبان يراقبون، والإيطاليون صامتون أكثر من اللازم." ميخائيل: – "ومنذ متى كنا نحتاج إذنًا لنُخرس الجرذان؟" ثم اعتدل في جلسته، وضع يده على الطاولة وقال ببطء: –" ديميتري، جهّز اجتماعًا مع رجال الحدود. أريد كل ممر مراقبًا، كل شحنة مصفاة ثلاث مرات. لا مجال للأخطاء." أومأ ديميتري بثقة، ثم قال: – "وبالنسبة لشحنة الأسلحة القادمة من أوكرانيا؟" قال بوريس وهو يفتح ملفًا: – " فيها بعض القطع الثقيلة... صواريخ كتف، قنابل موقوتة. نقلها في هذا الوقت قد يلفت الانتباه." رد ميخائيل بنبرة أكثر جمودًا: – " كل ما نملكه يلفت الانتباه يا بوريس... نحن لا نبيع ألعاب أطفال. إن تحركت الشحنة، فلتتحرك تحت حراسة كاملة. وإن أوقفها أحد، أريد رؤوسهم على موائدنا، لا تقاريرهم." ساد الصمت مجددًا. ثم تنحنح ديميتري وقال وهو ينظر إلى ميخائيل بابتسامة جانبية: – "الكل يتحدث عن زواجك. حتى في الشوارع، الكلمة وصلت. بعض الحلفاء يرونه ضعفًا... وبعض الأعداء يرونه فُرجة." رفع ميخائيل كأس الماء، ارتشف منه القليل ثم وضعه بهدوء: –" الزواج كان سكينًا في خاصرة الحرب. وأنا من أمسك المقبض. أما من يظن أني خففت قبضتي... فليقترب. سأريه كيف تُقطع الأيادي." ضحك ديميتري، بينما أطرق بوريس رأسه بتنهيدة. قال بوريس أخيرًا: – " هل تفكر بإشراكها في العمل؟ زوجتك..." ساد صمت ثقيل بعد سؤال بوريس، وكأن الزمن توقف لوهلة داخل مكتب ميخائيل فولكوف. كانت أنفاس الرجال في الغرفة محسوبة، وكأن كل واحد منهم ينتظر قنبلة تنفجر أو حُكمًا يُلقى. رفع ميخائيل بصره إلى بوريس ببطء. نظراته كانت كالثلج، صلبة، حادة، لا ترحم. – "إيزابيلا لن تكون جزءًا من العمل. ليس لعدم ثقتي بها… بل لأني وعدت أباها بشيء واحد فقط قبل أن أضع الخاتم في إصبعها." انحنت حافة فمه بتعبير بارد، لا يشبه الابتسامة، بل شيء أشبه بالتحذير. – " أن أحميها... من كل شيء. بما في ذلك منّا." خفض بوريس رأسه قليلًا بإيماءة خفيفة، لكن ظلت نظراته قلقة، وكأن الأمر لم يرضِه تمامًا. حدق فيه ميخائيل لثوانٍ طويلة بصمت. كان الصمت كافياً ليغرق الغرفة في توتر خانق. ثم قال بصوت منخفض، مشبع بالتحذير: –" وأيضًا، كفّ عن مناداتي بميشا." توقف بوريس عن التنفس لوهلة، ثم عدّل وقفته بسرعة وأجاب دون جدال: – " مفهوم... باخان." أومأ له ميخائيل إيماءة بالكاد تُرى، قبل أن يشيح بنظره نحو الأوراق أمامه. قال بنبرة نهائية: –" الاجتماع انتهى." ديمتري لم يقل شيئًا، اكتفى بنظرة قصيرة لأخيه فهم منها كل ما يلزم. أما بوريس، فقد استدار مغادرًا، خطواته أبطأ مما كانت عليه حين دخل، كأنه يحمل على كتفيه ثقلًا لا يُرى. بقي ميخائيل وحده في المكتب. الجو عاد هادئًا، لكن هدوءًا لا يشبه الراحة… بل يشبه ما يسبق العاصفة. ـ هدأ المكتب بعد رحيلهم… وسكن كل شيء. تسللت خيوط الضوء الباهتة من بين ستائر النوافذ الطويلة، وانسكبت على مكتب خشب الأبنوس حيث جلس ميخائيل، ساكنًا، كجبل لم تمسه رياح. أصابعه تقبض على كأس نصف ممتلئ، لكن الشراب بدا أبعد ما يكون عن اهتمامه. عينيه، الذهبيتين، لا تزالان مشدودتين إلى نقطة في الفراغ… وكأنه يرى شيئًا لا يراه سواه. صمت. ثقيل. مرّ كحد السكين. في عقله، لم تعد أرقام الشحنات أو أسماء العملاء تحتل الصدارة، بل وجهها… تلك العينان الخضراوتان، الهادئتان، التي تخفي وراءهما نيرانًا من نوع مختلف. سنيجكا… قالها داخله، لا بصوت، بل بإحساس. لقب اخترعه لها… لا لضعف فيها، بل لما رآه خلف صمتها. تلك البرودة الظاهرة التي تخدع. ذلك الثلج الناعم الذي يخفي تحت بياضه شقوقًا حادة، عميقة. كانت تشبه الثلج في صلابته وجماله… وهدوئه الذي يسبق الانهيار. لكنه يعرف… أن الثلج يمكن أن يبتلع من يستهين به. تنفس ببطء، وأغلق عينيه للحظة، كمن يلتقط أنفاسه في معركة طويلة لا يعرف فيها من العدو بعد. لم يكن يخشاها… لكنه لم يطمئن لها أيضًا. كانت زوجته الآن.. وبينهما صمت… صمت يليق بالعروش القديمة التي لا يعتليها إلا الملوك. وهو… لم يكن يومًا مجرد رجل. كان سكينًا في الظلام. وكانت… الثلج الذي لا يذوب. فتح عينيه مجددًا، وبصوت لا يسمعه أحد سوى الجدران: – "أنتِ مشكلة، سنيجكا… مشكلة جميلة." ثم ارتشف من كأسه، وأعاد ظهره إلى الكرسي، بينما ارتسمت على فمه ابتسامة ضئيلة، باردة، كأنها وعد… أو تهديد. ______________________ مضت ساعة… وربما أكثر. ظلت جالسة كما كانت، ممدودة فوق السرير بملابسها، تنظر نحو السقف العالي وقد التصقت أفكارها بالجدران، لا تعرف من أين تبدأ تفكيكها. لم تكن خائفة، بل متيقظة… وكأن روحها بأكملها قد دخلت حالة من الصمت الدفاعي. تنفّست بعمق أخيرًا، وكأنها تقرر أن تنهض… لا لأجل شيء معين، بل فقط لاستعادة السيطرة على جسدها. خطت إلى خزانة الملابس الصغيرة المجاورة، وأضاءت المصباح برفق. لم تكن ضخمة، لكنها نظيفة، منظمة، وقد نُقلت ملابسها بالفعل بعناية. مرّت أناملها على الأقمشة المعلقة، مترددة لثوانٍ قبل أن تختار بنطالًا حريريًا أسود وقميصًا بلون العاج، بسيطًا، ناعمًا… يشبهها. تحركت بخطى ثابتة نحو الحمام المجاور، ودلفت بهدوء. أغلقت الباب خلفها، وأوقفت أمام المرآة. هناك… رفعت عينيها نحو انعكاسها. المرأة التي كانت تحدّق بها الآن ليست العروس التي صفق لها الجميع في الزفاف قبل ساعات. لم يكن هناك أثر للمكياج، ولا لتسريحة الشعر اللامعة. كانت وجهها الحقيقي… العاري من كل شيء، إلا من التعب، والسكون، ونظرة لا تنكسر. فتحت الماء على المغسلة، وبللت وجهها براحة. لم يكن الماء دافئًا بما يكفي، لكنه كان صافيًا… وكان هذا كافيًا الآن. تأملت نفسها مرة أخرى، وهذه المرة… رفعت حاجبها بخفة، كما لو أنها تتحدث لنفسها: – "هذا ليس قصرهم فقط بعد الآن…" ثم استدارت، وبدأت بتبديل ملابسها بهدوء. في الخارج… الليل الروسي كان يتربص بالنوافذ. وفي الداخل… بدأت إيزابيلا روستوف تتحرك. __________________________________ ـ في الطابق الثاني من الجناح الشرقي، خلف أبواب مزدوجة من الخشب الداكن تعلوها زخارف روسية قديمة، كان الهدوء ثقيلًا… ليس راحة، بل هدوء ما قبل العاصفة. جلس بوريس على الكرسي الجلدي أمام المدفأة، يعبث بكأس من الفودكا لم يلمسه، عيناه معلقتان باللهب المتراقص أمامه، لكن أفكاره كانت في مكان آخر تمامًا… خلف باب غرفة ميخائيل… خلف وجه إيزابيلا روستوف. – "إنها ليست مثل ما ظننتها،" تمتم، دون أن ينظر إلى زوجته. صوفيا كانت تجلس مقابله، على الكنبة المخملية، ساقاها متقاطعتان، ورداءها الليلي الثقيل ينساب على الأرض كذيل ثعبان. رفعت حاجبها الرقيق، وعينيها الضيقتين تلمعان بدهاء قديم: – "ألم أخبرك؟ تلك الفتاة ليست عادية. ليست مجرد ابنة عدو… إنها أذكى مما تبدو عليه." داريا، ابنتهم، كانت متكئة على حافة النافذة، ساكنة كقط، نظراتها في الظلام، وأظافرها الطويلة تداعب إطار الزجاج. – "لقد فهمت الروسية" قالت فجأة، دون أن تستدير. – "في الحفل، حين باركت لها بالروسية، ردّت علي بلغتي… دون تردد، دون ارتباك." صمت. شعور بارد اجتاح الغرفة. ومعه قلق خفي من أنها فهمت ما قالوه عنها بالأسفل. – "ميخائيل يعلم أنها تتحدث الروسية." قالت صوفيا، وهي تنقر بأظافرها على ذراع الكنبة. ـ "ولم يخبر أحدًا. يحتفظ بها كسلاح صامت…" بوريس زمّ شفتيه. بدا متضايقًا من فكرة أنه لم يُحسب له حساب في هذا القرار. – "إنها هنا… في بيتنا. وسط رجالنا. باسم السلام، لكنها قد تكون قنبلة زمنية. فتاة تراقب، تحلل، تفهم كل كلمة… وتنتظر اللحظة المناسبة." داريا ضحكت، ضحكة خافتة باردة: – "والمشكلة أنها جميلة جدًا… هذا بحد ذاته خطر." التفتت صوفيا نحو ابنتها، عينها تمتلئ بنظرة لا رحمة فيها: – "علينا أن نكون أذكى منها… لا نُظهر لها خوفنا… ولا احترامنا." – "وإذا اقتربت أكثر من ميخائيل؟" سأل بوريس أخيرًا. فابتسمت صوفيا، ببطء شديد، كأنها تمضغ نية قديمة: – "عندها… سيكون علينا أن نُذكرها أنها ضيفة… وضيوفنا لا ينسون أبدًا من أصحاب المنزل." تسللت ضحكة داريا مرة أخرى، قصيرة هذه المرة، أقرب للهمس. وخارج النافذة… استمر الثلج بالهطول، بصمت، كما لو كان يستمع هو الآخر لما يُقال. ________________________________ كان الصباح الروسي مختلفًا. ضوء باهت تسرّب ببطء من بين ستائر الغرفة الثقيلة، رماديّ اللون، كما لو أن الشمس ما تزال مترددة في اختراق جدران هذا القصر. استيقظت إيزابيلا بهدوء، جفونها تثقلها بقايا الليل الطويل. لم تكن قد نامت بعمق، بل كان نومها متقطعًا… مزيجًا من الغربة والتفكير والقلق. هذا السرير ليس سريرها. هذا البيت ليس بيتها. وهذه الحياة ليست حياتها. ارتفع جسدها ببطء، وهي تجلس على طرف السرير، كأنها تتحسس المكان من جديد. الهواء كان باردًا، وجدران الغرفة ما تزال تحتفظ بصمت القصر. أخذت نفسًا عميقًا، ثم قامت، وقد انزلق الرداء الحريري على جسدها بخفة. تقدمت نحو النافذة، وفتحت الستائر بثقل. ما إن انكشفت الزجاجات حتى غمر الضوء الرمادي الغرفة، وكشف عن ساحة القصر المغطاة بطبقة ناعمة من الثلج الأبيض، لم تُمس بعد. لا آثار أقدام. لا صوت. راقبت الخارج بصمت، لحظة طويلة. شيء ما في هذا الصقيع يعكس ما بداخلها. عالم جليدي جديد، صلب، بارد… ويجب أن تتعلم كيف تنجو فيه. استدارت، توجهت إلى خزانة الملابس، واختارت شيئًا بسيطًا ودافئًا، بنمط أنيق لا يصرخ بالترف. ثم جلست أمام المرآة، تمشط شعرها ببطء، كما لو أن ترتيب الخصل هو ترتيب لأفكارها. فكّرت في هذا اليوم… في الأشخاص الذين ستقابلهم، في داريا ذات العينين المليئتين بالسم، وفي ميخائيل الذي لا زال صمته أثقل من كلماته. في عمه وزوجة عمه الذين يظنونها حمقاء. ارتدت معطفها، وربطت حزامه بإحكام، ثم وقفت لحظة أمام الباب… يدها على المقبض، تتنفس بثبات. "صباح جديد"، همست لنفسها. بهدوء حذر، فتحت إيزابيلا باب جناحها، لتجد خادمة شابة تقف بهدوء في الممر، يداها متشابكتان أمامها، وعيناها تنظران للأرض بخضوع. رفعت رأسها فور رؤية السيدة الجديدة وقالت بروسية واضحة: "السيد ميخائيل طلب مني أن أرافقكِ، سيدتي، إلى غرفة الإفطار. ينتظركِ هناك." وقفت إيزابيلا لحظة، تحدق في وجه الفتاة، قبل أن تجيبها بالروسية الهادئة التي فاجأت الخادمة قليلًا: "هل هناك مواعيد محددة لتناول الطعام هنا؟ أم أن كل شيء يسير حسب مزاج سيد هذا القصر؟" ترددت الخادمة لحظة، مرتبكة من لهجتها السليمة، ثم أجابت بهدوء: "عادةً هناك أوقات محددة، لكن السيد ميخائيل لا يلتزم بها دومًا. البعض يتناول الإفطار في الطابق السفلي، والبعض الآخر يُرسل له الطعام إلى غرفته." أومأت إيزابيلا ببطء، لكن داخلها كان يدور كدوامة. قواعد مبهمة، تفاصيل عائمة... نظرت إلى الممر الطويل، الجدران الحجرية، السجاد الثقيل، والظلال التي تخترقها أشعة الشمس الرمادية. لا تستطيع أن تعيش في مكان لا تفهم قواعده. ليس من طبيعتها. ليس في عالم كهذا. ابتسمت إيزابيلا ابتسامة صغيرة وهي تتبع الخادمة، وفي عقلها فكرة واحدة: ستعرف كل شيء. من ينام ومن يستيقظ. من يحكم ومن يراقب. من يصمت ومن يوشي. لأن الجهل في هذا القصر… قاتل. تقدمت إيزابيلا ببطء عبر الممرات الواسعة، خطواتها تنبع بصوت خافت فوق السجاد الثقيل، بينما كانت الخادمة تمشي أمامها بصمت. لم تكن تشعر بالتوتر بقدر ما كانت متيقظة. الحذر صار جزءًا من تنفسها منذ أن وطأت هذا القصر. وعندما توقفت الخادمة عند باب ضخم خشبي مزخرف، فتحته بخفة، وأشارت لها أن تتفضل بالدخول. دلفت إيزابيلا إلى غرفة الطعام الفسيحة بخطوات هادئة، لكن عيناها كانتا في حالة ترقب حاد. لم تكن بحاجة إلى الكثير لتدرك أن كل شيء في هذا القصر مرسوم بدقة، حتى ترتيب الكراسي حول الطاولة. كانت الطاولة الطويلة تهيمن على الغرفة، خشبها الداكن يشع هيبة، يتوسطها ميخائيل، يجلس بصلابة كأنه جزء من المكان نفسه. على يمينه جلس رجل بملامح حادة وعينين ثاقبتين… كان ديمتري، شقيقه ومستشاره. وعلى يساره مباشرة جلس بوريس، ضخم الجسد، تتدلى شفته السفلى قليلًا كأنها على وشك قول شيء دوماً. بجانبه جلست زوجته صوفيا، ذات النظرة المتعالية والابتسامة المرسومة. ثم كانت داريا، تلك الشابة التي لا تستطيع أن تخفي استياءها، مهما حاولت. إلى الطرف المقابل من الطاولة، جلست امرأة مهيبة، ذات شعر رمادي أنيق ونظرات تحمل سنوات من التجربة… كانت خالته التي رأتها خلال الزفاف. وبجانبها جلست شابتان، كلتاهما تملكان حضورًا خاصًا وإن بدت إحداهما أكثر تحفظًا من الأخرى. ما إن تقدمت إيزابيلا خطوة حتى رفعت المرأة الكبيرة رأسها وقالت بالروسية: "صباح الخير يا إيزابيلا، أنا ناديا فولكوف، خالة ميخائيل… وهذه ابنتاي، كاترينا وآنا." أومأت إيزابيلا برأسها باحترام، ونظراتها مرّت بهدوء على الوجوه. ثم توقفت عند ميخائيل… وكأنها تسأله بعينيها: أين من المفترض أن أجلس؟ وبدون أن تنطق بحرف، بدا أن ميخائيل فهم سؤالها. حدق للحظة في المقعد الذي كان بوريس يحتله بجانبه الأيسر، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة: "بوريس… تحرك إلى مقعد آخر. هذا المقعد الآن لزوجتي." ساد الصمت المكان، صمت ثقيل كأنه قطع الهواء. بوريس تجمد في مكانه، وبدت صوفيا وكأنها ابتلعت لسانها، بينما رفعت داريا يديها وصرخت فجأة بالروسية بانفعال: "هذا المقعد لأبي! هو يجلس هنا دائمًا، إنه المقعد المخصص له منذ سنوات!" كانت كلماتها مشبعة بالغضب، بل بالوقاحة… وكأنها نسيت أمام من تتحدث. تقلصت عضلات وجه إيزابيلا للحظة، لكنها لم تحرك شفتيها، فقط عقدت حاجبيها وهي تراقب الفتاة التي فقدت السيطرة على نفسها. كانت تعلم أن هذه اللحظة ليست لها لتتدخل فيها… بل لتمتحن. لم يكن هناك سوى ثانية صمت… قبل أن يرتفع صوت ميخائيل، هادئًا… لكنه كان كفيلًا بجعل الدم يتجمد في العروق: "داريا..." توقفت الفتاة عن الكلام، وارتجفت قليلاً. "اعتذري. فوراً." ابتلعت ريقها، وعيناها اتسعتا بالخوف. لم تعد ترى رجل العائلة، بل الباخان. قالت بصوت مرتجف: "أنا… آسفة، سيدي… لم أقصد…" أومأ لها دون أن ينظر حتى، ثم التفت إلى بوريس، الذي وقف وتحرك دون كلمة، ليجلس في مقعد أبعد إلى يمين ديمتري. أشار ميخائيل بعدها برأسه بهدوء لإيزابيلا، كمن يقول: هذا مقعدك. فتقدمت وجلست بجانبه لأول مرة على الطاولة… وهي تدرك تمامًا أنه لم يكن مجرد مقعد فارغ… بل إعلان صريح لمكانتها. جلست إيزابيلا بهدوء على المقعد الجديد، نظراتها ثابتة وهادئة، لكن بداخلها كانت تدرك تمامًا ما يعنيه هذا المقعد. لم يكن مجرد مكان للطعام… بل كان إعلانًا صريحًا.. ساد الصمت لثوانٍ بعد جلوسها، لكن سرعان ما كسرت خالته ناديا الجو المشحون بصوتها الهادئ: "أرجو أن تكون رحلتك من إسبانيا لم تكن مرهقة، عزيزتي." أجابت إيزابيلا بالروسية بإتقان واضح: "كانت طويلة، لكن مريحة. الطائرة كانت هادئة… مثل القصر تماماً." نظرت صوفيا إليها نظرة جانبية حادة لكنها لم تعلق. أما داريا، فكانت تلوذ بالصمت، تراقبها من طرف عينيها كأنها تزن كل حركة تقوم بها. قال ديمتري وهو يضع كوب القهوة أمامه: " أنك تتحدثين الروسية بطلاقة. هذا جيد." ابتسمت إيزابيلا بخفة، وقالت: "تعلمت بعض اللغات منذ كنت صغيرة. لم أكن أعلم أنها ستفيدني إلى هذا الحد." علت ضحكة قصيرة من ديمتري، لكن صوته عاد جديًا وهو يتحدث إلى ميخائيل: "وصلتني أخبار عن شحنة فلاديمير. هناك تأخير في الحدود، يقال إن التفتيش أصبح أكثر صرامة." أومأ ميخائيل دون أن يلتفت، وصوته جاء حازمًا: "سنتعامل مع الأمر بعد الإفطار." ثم نظر إلى إيزابيلا وقال بهدوء: "إن كنتِ تودين معرفة القواعد… فليس لدينا الكثير منها هنا. لكن إن كنتِ تفضلين الجلوس معنا في هذا الوقت من اليوم، فهذا مقعدك دائماً." شعرت إيزابيلا بنظرات الجميع تتسلل إليها، لكنها لم تبدِ ارتباكًا. نظرت إليه مباشرة وقالت: "أفضّل أن أعرف كل شيء… فأنا لا أحب أن أكون ضيفًا مجهولًا في بيت يُفترض أن أعيش فيه." تبادل ديمتري وبوريس نظرة سريعة، أما ناديا فهزّت رأسها بإعجاب خافت. فجأة قالت ناديا، وكأنها تقطع التيار الثقيل: "حسنًا، أظن أن القصر لن يكون هادئًا بعد اليوم." ابتسمت إيزابيلا، لكنها لم ترد. كانت تعرف أن الهدوء ليس سمة هذا المكان… ولا سمة حياتها القادمة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قادها ميخائيل بصمت عبر الممرات الطويلة للقصر، خطواته ثابتة وصوته غائب، لكن نظراته كانت تسبق كلماته. لم يتحدث حتى وصلا إلى باب خشبي ضخم في الطابق العلوي، فتحه وأشار لها بالدخول. كانت الغرفة فسيحة، يغمرها ضوء خافت يتسلل من النوافذ ذات الستائر الثقيلة. المكتب أنيق، رائحة الجلود والأوراق القديمة تملأ الأجواء، ورغم بساطته، إلا أن للمكان هيبة لا يمكن تجاهلها. دخلت إيزابيلا بهدوء، تأملت المكان بنظرة متفحصة ثم استدارت نحوه حين أغلق الباب خلفه. التفت إليها وقال بنبرة منخفضة: "أردت بعض الخصوصية… الحديث بيننا لا يخص الآخرين." جلست على المقعد المقابل لمكتبه، وضعت يديها فوق بعضها على حجرها، نظرتها حيادية لكنها متيقظة. قال ميخائيل بعد لحظة من الصمت وهو يتقدم ويجلس خلف مكتبه: "أعرف أنهم ليسوا ودودين… ولا أتوقع أن يفتحوا لك قلوبهم. لكن ما يحدث هنا، في هذا القصر، لا علاقة له بكِ… إن التزمتِ بالمسافة." رفعت حاجبها قليلًا وقالت بهدوء: "المسافة؟" أومأ ببطء، عيناه على وجهها: "نعم. لا أريدكِ أن تشتبكي مع أحد… لا داريا، لا صوفيا، ولا حتى بوريس. أنتِ زوجتي، وهذا يكفي. وعدت والدك بأن أحميك، وسأفعل. لكن إن دخلتِ في صراعات داخلية… فلن يرحمك أحد." لم ترد مباشرة، بل تأملته لثوانٍ قبل أن تقول: "وأنت؟ هل ستكون دائمًا على هذه المسافة أيضاً؟" توقفت كلماته لحظة، كأنه لم يتوقع السؤال، لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه وقال: "أنا لستُ جزءًا من هذه المعادلة… أنا من يصنعها." ساد الصمت من جديد، نظرت إليه ثم قالت: "ما دمتَ وضعتني في هذا المكان، سأحتاج أن أفهم قواعده بوضوح." رد بنبرة جافة لكنها ليست قاسية: "ستفهمينها… بسرعة. فقط كوني ذكية كفاية لتعيشي، لا لتثبتي شيئاً لأحد." قالت بنبرة هادئة لكنها واضحة: "أريد أن أعرف القواعد هنا، ميخائيل." حدق بها ببطء، رفع حاجبًا قليلاً: "قواعد؟ ولماذا؟" أجابته وهي تمسك بيديها أمامها بتماسك حذر: "أنا شخص لا يعرف الراحة وسط الفوضى. لا أستطيع أن أعيش في مكان لا أعرف قوانينه، ولا كيف يفكر من فيه. إن كنت سأمكث هنا، أحتاج أن أفهم." سكت لثوانٍ طويلة، يحدق في عينيها كأنه يختبر صدقها. أومأ ميخائيل برأسه ببطء، وقد بدا عليه الاهتمام بما قالته. وقف خلف مكتبه يراقبها لوهلة، ثم تحرك وجلس على حافة الطاولة، أقرب إليها، يطوي ذراعيه فوق صدره وقال: "تحبين الالتزام بالقواعد؟ هذا أمر نادر في هذا العالم، سنيجكا." لم تعلق، فقط نظرت إليه تنتظر. فتنهّد وقال: "قواعد البراتفا ليست مكتوبة على الورق… لكنها محفورة في الدم." ثم بدأ يسرد، نبرة صوته هادئة لكنها عميقة، كأن كل كلمة تحمل وزناً ثقيلاً: "أولاً… الولاء. لا أحد فوق الولاء… لا الأب، لا الأخ، لا الزوج. من يخون العائلة يُمحى. بلا أعذار." "ثانياً… الأسرار. ما يُقال في الداخل لا يخرج. ليس للغرباء، ولا حتى لأقرب الناس." "ثالثاً… الأدوار. الجميع يعرف مكانه. من يحاول أن يصعد فوق ما خُصص له… يسقط سريعاً، وغالباً يسقط ميتاً." "رابعاً… لا مكان للضعف. الضعف يُشمّ مثل الدم… ويجذب الذئاب." ثم نظر إليها وقال بنبرة أهدأ: "أما هنا، داخل القصر، فهناك قواعد صغرى لكنها لا تقل أهمية." اقترب بخطوات بطيئة، واستمر: "لا أحد يدخل جناح أحد دون إذن. لا أحد يتحدث بلسان غيره. والاحترام… حتى لو كان مزيفًا، فهو واجب." ثم توقف أمامها مباشرة، وقال: "وأنتِ… لكِ حصانة من الجميع لأنك زوجتي. لكن حصانتك مرتبطة بي فقط. إن انهارت ثقتي بكِ… لن تبقي هنا يومًا واحدًا." ثم مال قليلاً للأمام، نظر مباشرة إلى عينيها وقال: "أما الخامسة… فهي لي وحدي. زوجتي لا تُمس، ولا يُسأل عنها، ولا يُقترب منها دون إذن." تجمدت لوهلة، ثم سألت بهدوء: "ومن وضع هذه القاعدة؟" ابتسم ابتسامة خافتة، لكنها لم تكن دافئة: "أنا." تبادلا الصمت لحظة، قبل أن تضيف بنبرة هادئة لكنها مليئة بالإصرار: "حسنًا، شكراً على توضيحك. لكن لي قاعدة كذلك… إن لم يُحترم وجودي، فلن أحترم النظام." قهقه بخفّة، ثم قال: "أعتقد أنني سأستمتع بوجودك هنا أكثر مما توقعت." ثم اعتدل في جلسته، وقال بنبرة أخف قليلًا: "أي أسئلة أخرى، سنيجكا؟" لم تجبه، فقط اكتفت بنظرة صامتة… طويلة… حادة، لكنها لم تكن تحديًا، بل وعدًا. تقدّمت إيزابيلا نحو باب المكتب بخطى ثابتة، تفكر بكل كلمة قالها. قواعده كانت واضحة، صارمة... تشبهه تمامًا. وضعت يدها على مقبض الباب، ثم توقفت فجأة. استدارت بنصف جسدها، وقالت دون أن تنظر إليه مباشرة: "أين أدوات الرسم الخاصة بي؟ لم أرها بين أشيائي." كان قد فتح ملفًا على مكتبه، يقلب صفحاته بعناية، دون أن يرفع عينيه، أجابها ببساطة قاتلة: "لم أنسها." صمتت تنتظر المزيد… لكنه لم يقل شيئًا. استدارت نحوه كليًا هذه المرة، وقالت: "وهل أُخفيت عمداً؟" رفع عينيه أخيرًا، نظراته ثابتة، لا تحوي ندمًا أو استهزاء، فقط… تلك اللامبالاة المدروسة التي تحرق ببطء. قال: "بل احتُفِظ بها في مكان آمن… حتى أعرف كيف ستستخدمينها." حدقت فيه بدهشة: "إنها أدوات رسم، وليست سلاحاً." أغلق الملف أمامه بهدوء، ثم انحنى قليلاً للأمام، وقال بنبرة أخفض لكن أكثر خطورة: "كل ما تملكه يداكِ يمكن أن يصبح سلاحاً، إذا كنتِ من عائلة روستوف." شعرت بقشعريرة تزحف على عمودها الفقري. ثم أضاف، بنبرة خافتة لا تخلو من الغموض: "لكن لا تقلقي، سنيجكا… أعددت لكِ غرفة خاصة للرسم في الطابق العلوي، تطل على الحديقة الخلفية. ستجدين أدواتك هناك، و… بعضها جديد. رأيت اللوحات التي تركتها خلفك، كنتِ بحاجة لألوان أفضل." تجمدت للحظة. هل قال إنه رأى لوحاتها؟ كيف؟ متى؟ وكيف لاحظ نوع الألوان التي تستخدمها؟ لكنه لم يمنحها فرصة للسؤال. نهض من مقعده، وتقدم بخطوات بطيئة حتى وقف أمامها مباشرة. "أنا لا أمنعك من الرسم يا إيزابيلا… لكنني أراقب كل ما ترسمينه." همسها المرتبك خرج رغماً عنها: "ولماذا؟" "لأن الفن أحيانًا يقول ما لا تجرؤين على قوله… وأنا أريد أن أعرف كل شيء تفكرين فيه." حدقت فيه، عاجزة عن الرد. لا بسبب الخوف، بل بسبب الغموض الذي يغلفه بالكامل… كأنها كلما اقتربت منه خطوة، وجدت خلفها متاهة أخرى. أومأ ميخائيل برأسه نحو الباب خلفها وقال بهدوء: "الخادمة تقف خلف الباب، ستأخذكِ إلى الغرفة التي خصصتها لكِ." رمشت مرتين بدهشة، وكأن صوته أعادها إلى الواقع. "أعددت غرفة فعلًا؟" تسللت ابتسامة باهتة إلى زاوية فمه، بالكاد ملحوظة. "أنا لا أقول ما لا أنفذه يا سنيجكا." نظرت إليه لحظة أطول مما يجب، ثم التفتت وفتحت الباب ببطء، لتجد الخادمة بانتظارها، تقف مستقيمة بهدوء لا يخلو من التوتر. "تفضلي سيدتي، من هنا." قالتها الخادمة، فابتسمت إيزابيلا بخفة وأومأت لها، ثم نظرت للمرة الأخيرة إلى الغرفة خلفها. كان لا يزال واقفًا في مكانه، يراقبها بنظرته الثابتة، كأنه يزن كل خطوة تخطوها. لم تقل شيئًا، لكنها شعرت أن هناك الكثير الذي لم يُقَل بعد. ثم خرجت. وسارت خلف الخادمة عبر الممرات الواسعة، المزينة بأعمال فنية قاتمة، وجدران سميكة تخفي وراءها أسرارًا لا تُعد. سارت إيزابيلا خلف الخادمة عبر الممرات الطويلة التي يغلفها صمت ثقيل، لا يقطعه سوى وقع خطواتهما فوق الأرضية الخشبية اللامعة. كانت الجدران مزينة بلوحات قديمة ذات طابع روسي قاتم، بعضها يحمل مشاهد من المعارك، وبعضها بورتريهات لرجال ونساء يحدقون في العابر كأنهم يراقبونه من عالم آخر. الخادمة لم تتحدث، فقط كانت تتقدم بخطى ثابتة، وكأنها تعرف تمامًا أن السيدة الجديدة لا تحب ثرثرة الخدم. صعدتا السلالم العريضة التي تؤدي إلى الطابق العلوي، وكانت النوافذ العالية تسمح لضوء باهت بالتسلل عبر الستائر الثقيلة، يزيد من الشعور بالفخامة… والغموض. توقفت الخادمة أخيرًا أمام باب خشبي مزدوج بلون داكن، فتحته بهدوء، وانحنت قليلًا: "هذه هي، سيدتي." دخلت إيزابيلا ببطء… كانت الغرفة فسيحة، ذات نوافذ واسعة تطل على ساحة خلفية تغطيها الثلوج. الضوء الطبيعي يغمر المساحة، والجدران مطلية بدرجات رمادية هادئة. على الجانب الأيسر، وُضع رف طويل يحوي أدوات رسم جديدة تمامًا — ألوان زيتية، فحم، أقلام، دفاتر، وأسطوانات خشبية جاهزة. وفي الوسط، منصة للرسم تطل مباشرة نحو النافذة. تقدمت بخطوات بطيئة، تمر بأناملها فوق سطح الطاولة، فوق أنابيب الألوان، حتى وقفت أمام اللوحة البيضاء كليًا التي تنتظر أول لمسة منها. أغمضت عينيها للحظة، ثم همست وكأنها تكلم نفسها: "يعرف تمامًا كيف يربكني…" ثم التفتت إلى الخادمة التي لا تزال تنتظر: "يمكنكِ الانصراف." أومأت الخادمة باحترام وخرجت، تاركة إيزابيلا وحدها وسط الغرفة المغمورة بالضوء… والاحتمالات. وقفت إيزابيلا أمام اللوحة البيضاء طويلاً. لم تلمس شيئًا بعد. كانت تراقب الفراغ الممتد أمامها، لكن رأسها لم يكن كذلك — في داخلها، كانت فوضى كاملة. ألوان مشوشة، ضربات فرشاة لا تنتهي، عيون تراقبها، وابتسامة ميخائيل الباردة تطل من الزوايا الخفية لعقلها. أخيرًا، رفعت قلم الفحم ببطء… يدها مرتعشة قليلاً — ليس من الخوف، بل من شيء أعمق… من التحدي. أول خط كان داكنًا، مستقيمًا، خشنًا… ثم آخر، ثم دائرة نصف مكتملة، ثم عيون واسعة — لم تكن تعرف بعد ما ترسمه، لكنها كانت تفرغ مشاعرها لا أكثر. غضب. استسلام. دهشة. فضول. توقفت للحظة، ثم ابتسمت ببطء. "ربما لن أكون حبيسة في هذا المكان كما ظننت." جلست على الكرسي الخشبي أمام المنصة، وانحنت قليلًا نحو اللوحة، وبدأت تضيف تفاصيل أكثر — وجه رجل… نصفه مظلم كأنه مغطى بالظل، ونصفه الآخر مضاء بضوء بارد. العينان كانتا واضحتين تمامًا. قويت ضربات فرشاتها، واللوحة بدأت تأخذ شكلاً… واقعيًا أكثر مما توقعت. كأنها تستخرج ملامح من عقلها… ملامح مألوفة. ميخائيل. لكنها لم تتوقف، بل واصلت الرسم، تفاصيل الشعر، الخط القاسي للفك، والحدة في النظرة. لكن الغريب أنها حين انتهت من الجزء العلوي، لم تُكمل الجسد. تركته مائعًا، ضائعًا، كأنها لا تعرف بعد أي نوع من الرجال هو. نهضت من مكانها، وتقدمت نحو النافذة. الثلج بالخارج كان يتساقط ببطء. همست وهي تتأمل اللوحة: "لن أدعه يربكني دائمًا." أدارت إيزابيلا ظهرها للوحة بهدوء، تنفست بعمق ثم خرجت من غرفة الرسم بخطى ثابتة. لم تكن تعرف إلى أين ستذهب تمامًا، لكنها شعرت بحاجة إلى التحرك… إلى استكشاف هذا القصر الذي أصبح، رغماً عنها، منزلها. نزلت الدرجات الرخامية ببطء، تتأمل النقوش على الجدران، السجاد الروسي الثقيل تحت قدميها، والصمت الذي كان يلف الممرات وكأن القصر يراقبها. كل شيء هنا كان فخمًا، باردًا، جامدًا… مثل صاحبه. اقتربت من إحدى النوافذ الكبيرة، ورأت الحديقة الخلفية — الأشجار العارية من أوراقها، والثلج الذي بدأ يتراكم على المقاعد الحجرية. أرادت الخروج، أن تشم الهواء… أن تهرب ولو لساعة من هذا الجو المغلق. كانت على وشك فتح الباب المؤدي إلى الحديقة عندما سمعت خطوات خلفها. استدارت فورًا، وجدت إحدى الخادمات — شابة صغيرة ذات شعر أشقر مضفّر، وقفت باحترام وقالت: "السيد ميخائيل أرسلني لأرافقك إن رغبتِ بالخروج، سيدة إيزابيلا." رفعت إيزابيلا حاجبها بدهشة طفيفة. بالطبع. هو لا يترك شيئًا للصدفة. أجابت بهدوء وهي تفتح الباب بنفسها: "سأخرج قليلاً… لا حاجة لمرافقة." لكن الخادمة لم تتحرك من مكانها، فقالت بتوتر: "لقد... أمرني أن لا تخرجي وحدك." توقفت إيزابيلا لثوانٍ، ثم ابتسمت بسخرية ناعمة، وقالت بصوت منخفض: "أفترض أنني لست سجينة… فقط تحت الحراسة، أليس كذلك؟" ثم تابعت سيرها نحو الحديقة، تاركة الباب مفتوحًا خلفها. الهواء البارد ضرب وجهها بقسوة، لكن الشعور كان منعشًا. مشت على الممر الحجري الطويل، تحت تساقط الثلج الخفيف، وبين الأشجار الجرداء. وفي تلك اللحظة، شعرت كأنها تسير داخل رواية قديمة… رواية لا تعرف نهايتها بعد. وقفت عند شجرة كبيرة في نهاية الحديقة، ثم رفعت نظرها إلى السماء الرمادية. "إما أن أتكيف مع هذا الجليد… أو أذوب تحته." همست. ------------------------------------------------- ** توضيح للقارئ** كلمة "ميشا" هي تصغير أو تدليل لاسم ميخائيل في اللغة الروسية، وتُستخدم غالبًا بين أفراد العائلة أو المقربين. استخدام بوريس لها يدل على صلة قرابة قريبة أو علاقة شخصية طويلة، وغالبًا يكون فيها شيء من الألفة أو الحميمية، حتى لو جاءت في سياق حوار متوتر.كانت أبواب المطار الخاصة قد فُتحت على مصراعيها تحت وقع خطوات ميخائيل الثقيلة، وخلفه إيزابيلا تسير بهدوء، رأسها مرفوع ولكن عينيها تراقبان كل شيء.الهواء الروسي كان قاسيًا، جافًا وباردًا. لفحتها أولى نسماته كصفعة، ومع ذلك لم تهتز. معطفها الثقيل بالكاد تصدى للبرد، لكنها وقفت بثبات.كان في انتظارهم صفٌ من الرجال... رجال البراتفا. جميعهم يرتدون الأسود، معاطف طويلة، وجوه صارمة ونظرات لا ترحم. كل رجل فيهم كان يحمل في ملامحه شيئًا من العنف المكبوت والانضباط العسكري.وحين اقترب ميخائيل، انقسم الصف إلى نصفين في حركة مدروسة، واصطفوا على الجانبين بانضباط جندي. ثم، وبحركة موحدة، انحنوا له انحناءة خفيفة.قال أحدهم بصوت جهوري:— "Добро пожаловать домой, Pakhan."— أهلاً بعودتك إلى المنزل، باخان.إيزابيلا لم تجهل الكلمة. باخان… تعني الزعيم.نقل الرجال أنظارهم نحوها، بفضول وحيطة، وبعض التوتر غير المعلن. كانت هي، "العروس الإسبانية"، "الهدنة المجسدة"، "التهديد المحتمل"، لكنهم جميعًا التزموا الصمت... فقط نظراتهم تحدثت.ثم تقدم رجل بدا أكبرهم سنًا بخطوات محسوبة، اقترب من ميخائيل، وانحنى قليلاً باحترام:—
فتح الباب ببطء، صوت مفصلاته انساب كهمس ثقيل في القاعة المهيبة، رفعت إيزابيلا رأسها بثبات، كتفاها مستقيمان، ونظرتها متجهة إلى الأمام مباشرة، لا تهتز.ضوء القاعة انعكس على فستانها الحريري، وكأنها تسير داخل ضوءها الخاص.وهناك... في نهاية الممر، وقف.ميخائيل مالكوف.بذلته السوداء تكاد تعانق جسده القوي كما لو أنها مفصلة لهيبته وحده، ذو القامة الطويلة، يقف بثبات يشبه الجبال.نظراته الذهبية الحادة، لم تتركها منذ لحظة دخولها، كأن القاعة لا تحوي سواها، وكأن هذا اليوم كُتب لها وحدها.وشوم عنقه تسللت من تحت ياقة قميصه الأبيض، تروي قصصًا من العنف والسيطرة، تلمح لما هو عليه دون أن تقول شيئًا.الحضور جميعًا وقفوا، لم ينبس أحد بكلمة.كانت هي، فقط هي، محط الأنظار، تمشي بخطوات ثابتة، تتشبث بذراع أبيها، لكن عينيها لم تتركاه… ذلك الرجل الذي ينتظرها في نهاية الدرب.لم يكن هناك موسيقى حين التقت نظراتهما.كان هناك فقط صمت… وصوت قلبها.اقتربت خطواتها شيئًا فشيئًا، وكلما تقدمت، اشتد وقع اللحظة في صدرها.قلبها ينبض بثبات لا تعرف إن كان قوّة أم إنذارًا…وعيناه لا تتحركان عنها، تتبع خطواتها كأنها هدفه الوحيد في
كان اليوم التالي مشرقًا بشكل يبعث على الاستفزاز، وإيزابيلا تقف أمام المتجر البراق والفاخر في إحدى زوايا مدريد، تنظر للافتة المزينة بزهور وردية ودانتيل أبيض وكأنها أمام ساحة إعدام."لن أدخل." قالتها بصرامة، ويدها معقودة فوق صدرها.لكن ماريسا كانت قد عبرت الباب بالفعل دون أن تلتفت.أما أنطونيا، فربتت على كتفها هامسة بخبث:"هيا يا عروس، العالم بحاجة لرؤية وجهك حين ترين ما بداخل هذا المتجر."دخلت إيزابيلا أخيرًا، بخطوات بطيئة وكأنها تمشي إلى قدر لا مفر منه. وما إن دخلت حتى استقبلتها ألوان الباستيل، الدانتيل، والحرير الناعم المتدلي من كل رف، وكأن المكان كله صُمم خصيصًا لاستفزازها.ماريسا أمسكت أول قميص نوم وردي، شفاف، مزين بشريط دانتيل عند الحافة."هذا لطيف، ما رأيك؟"إيزابيلا: "أعتقد أن قطة في مزاج سيء سترتديه، لا أنا."كارمن وضعت يدها على فمها تخفي ضحكتها، بينما أنطونيا انفجرت ضاحكة:"ماريسا، لو أحضرتِ شيئًا أكثر تحفظًا قد تفقدي وعيك."ماريسا، بهدوء لا يشبه فوضى المكان، التفتت نحو إيزابيلا وقالت:"هذه الليلة الأولى، يجب أن تكوني أنثى. لا جندية."إيزابيلا التقطت قميصًا أسودًا بسيطًا دون د
سادت لحظة صمت طويلة بينهما، لم تُقاطعها خطوات الخدم ولا أصوات الحرس. كأن كل شيء انكمش في الخلفية، ليبقى فقط هذا الثنائي، الغريب والمتشابه في آنٍ معًا، واقفًا وجهًا لوجه.أشار والدها بإيماءة صغيرة، ففتح أحدهم باب الجناح الشرقي، المخصص عادة لكبار الزوار. دون كلمة، التفتت إيزابيلا واتجهت بخطى هادئة نحو الداخل، وعرفت أنه سيتبعها. لم تنتظره. ولم تتعمد تجاهله. كانت تتحرك وكأنها تقود المشهد.دخلت الغرفة ذات الأثاث الكلاسيكي الثقيل، نوافذها الواسعة تطل على باحة القصر، وستائرها المخملية تسكنها رائحة قديمة من عصور السلطة. تقدمت حتى جلست على طرف الأريكة، مستقيمة الظهر، متزنة، كأنها اعتادت هذا النوع من اللقاءات.دقائق قليلة، ودخل هو.أغلق الباب خلفه بنفسه. بلا صوت.تقدم بخطى بطيئة، تأمل الغرفة لحظة، ثم التفت نحوها وجلس على المقعد المقابل. لا يوجد بينهما طاولة، ولا دروع."هل تعرفين لماذا أنا هنا، إيزابيلا؟" سأل، بصوته العميق كالرصاص المُغلف بالقطن.نظرت إليه بهدوء، أجابت:"أعرف تمامًا. ولست متأكدة إن كنتَ تعتبر هذا عقوبة... أم مكافأة."رفع حاجبه قليلاً، كأنها أثارت فضوله. لم يبتسم، لكنه لم يغضب. ق
المقابر كانت هادئة بشكلٍ يثير الريبة، كأن الأرض نفسها تتهيأ لابتلاع المزيد من الأسرار.وقفت إيزابيلا روستوف بجانب شقيقها فرانسيسكو أمام القبر الرخامي الأسود.عليه اسم واحد فقط:أوسكار روستوف1996- 2024ابنٌ أضاع كل شيء.كانت الريح تداعب خصلات شعرها البني الفاتح، فيما عيناها ثابتتان على الحروف المنحوتة، دون دمعة، دون ارتعاش.مرّ عامٌ على وفاته، ومع ذلك، الألم لم يَخمد، لكنّه تغيّر.تحوّل من حزنٍ إلى خيبة. من فقدٍ إلى لعنة.قال فرانسيسكو بصوتٍ خفيضٍ، يكاد يُبتلع مع أنفاس الريح:"أتعلمين؟ لا أحد يزور هذا القبر غيرنا... حتى أبي لا يأتي."ردّت، دون أن تنظر إليه:"لأنه يعرف... أن أوسكار كان الخطأ الذي كلّفنا نصف العائلة."من بين كل نساء إسبانيا، قرر أوسكار أن يقترب من المرأة الوحيدة التي لا يجوز لمس ظلها حتى. زوجة أحد رجال البراتفا الروسية.وفي عالمهم، النساء خطٌ أحمر، مقدسات. من يمسّهن... يُمحى.في الليلة التي قُتل فيها أوسكار، لم تكن رصاصةً واحدة فقط.كانت شرارةً أشعلت حربًا استمرت عامًا كاملاً، خُرست فيها الأرض من دويّ الانفجارات، وامتلأت شوارع المدن بجثث لا هوية لها.الحرب التي خافها ا