LOGINفي الحديقة الخلفية للقصر، كان النسيم البارد يلامس وجنتيها بخفة، وعبق الأرض الروسية يختلط بعبير الزهور المزروعة بعناية على طول الممرات. جلست إيزابيلا على مقعد خشبي مطل على بركة ماء ساكنة، وقد وضعت دفتر رسم على ركبتيها، وأمسكت قلم الفحم بين أصابعها النحيلة.
كانت صامتة، تحدق في صفحة بيضاء لم ترسم فيها بعد. لم تكن تعرف ما الذي ترغب في رسمه، لكنها كانت بحاجة إلى هذه العزلة، إلى هذه المساحة من الصمت داخل هذا العالم المليء بالعيون المراقبة والقلوب المشحونة. رفعت رأسها ببطء، عينيها تتفحصان أطراف الحديقة، الجدران العالية، والأشجار الصنوبرية التي تلامس السماء الرمادية. كل شيء بدا غريبًا عنها، كأنها ضيفة مؤقتة في مسرح صامت. صوت خطوات خفيفة جعلها تنتبه. استدارت ببطء، لتجد ديمتري واقفًا على بُعد خطوات منها، يضع يديه في جيبيه، وعيناه تراقبانها بفضول خافت. لم يكن عدائيًا، لكنه لم يكن ودودًا أيضًا. قال بالروسية وهو يميل برأسه قليلاً: «لم أكن أعلم أن زوجة الباخان ترسم.» أجابت دون أن تبتسم، وهي تغلق دفتر الرسم: «هناك أشياء كثيرة لا تعرفونها عني بعد.» اقترب قليلاً، ونظر إلى دفترها المغلق، ثم قال: «هل تخططين للبقاء هنا طويلًا؟» نظرت إليه بحدة، لكن نبرة صوتها بقيت هادئة: «حسب الاتفاق… أطول مما تظن.» سكت للحظة، ثم قال ببرود: «آمل أن تكوني مستعدة لكل ما يعنيه هذا المكان.» ثم استدار وغادر. وبقيت هي تحدق في طريقه، لا لأنها خافت، بل لأنها بدأت تدرك أن هذا القصر… ليس مجرد منزل. بل متاهة من الولاءات، والأسرار… والمخاطر. أغمضت إيزابيلا عينيها للحظة طويلة بعد رحيل ديمتري. تنفّست ببطء، محاولة أن تُعيد اتزانها، لكن داخليًا، كانت تدرك شيئًا… هذه الكلمات لم تكن مجرد فضول عابر، بل اختبار، تذكير مبطن بأنها لا تزال غريبة هنا، مهما حملت من ألقاب. فتحت دفترها من جديد، لكن هذه المرة، لم يكن الفراغ أمامها عبثيًا. بدأت يدها تتحرك فوق الصفحة، ترسم بخطوط سريعة وقوية. لم تكن ترسم زهورًا، ولا مشهدًا طبيعيًا… بل كانت ترسم وجوهًا. وجه ميخائيل، الصارم والغامض، الذي صار لغزًا يؤرقها. وجه ديمتري، ببروده الماكر. ثم وجهها هي… وحيدة، وسطهم جميعًا. أنزلت القلم بعد دقائق طويلة وحدّقت في الرسمة التي بدت وكأنها اعتراف صامت بما في داخلها. كان هناك شيء خانق في هذا المكان، كأن الجدران تنظر، والأرض تحفظ الخطى. سمعت خرير الماء من النافورة الصغيرة خلفها، وإيقاع طائر يحلّق على ارتفاع منخفض… وسكون يزداد ثقلاً كلما طال جلوسها. لكنها لم تنهض. كانت بحاجة إلى هذا الصمت، إلى أن تشعر بثبات الأرض تحت قدميها قبل أن تعود إلى داخل المتاهة. وضعت الدفتر جانبًا وأسندت ظهرها للمقعد، وراحت تتأمل السماء الرمادية، وتفكر… من بين كل ما حولها، الشيء الوحيد الذي لا يمكنهم التحكم به… هو أفكارها. مرت دقائق ثقيلة، وإيزابيلا لا تزال على المقعد الحجري، يداها متشابكتان في حجرها، وذهنها يدور في دوامة من الأسئلة. كانت تستمع إلى تنفّس الطبيعة من حولها، وكأنها تعلّمت كيف تجد الهدوء في قلب القلق. رفعت بصرها أخيرًا عندما شعرت بخطوات تقترب. لم تكن ثقيلة كخطوات رجال الحراسة، ولا سريعة كخطوات خادمة. كانت ناعمة… متزنة. التفتت ببطء، لتجد أمامها المرأة التي قابلتها على مائدة الإفطار، خالته ناديا، تمشي باتجاهها بهدوء وهي تحمل فنجان قهوة في يدها. ابتسمت المرأة بتلك الهيبة العتيقة التي لا تحتاج إلى كلمات، وقالت وهي تجلس على المقعد المقابل: "الحديقة هنا… ملاذ كل من ضاق به القصر، هكذا كنت أقول دومًا." أجابت إيزابيلا بهدوء لا يخلو من الحذر: "يبدو أنها الجزء الوحيد الذي لا يهمس بالتهديد." ضحكت ناديا ضحكة قصيرة، ثم احتست رشفة من قهوتها قبل أن تقول: "أنت ذكية يا ابنة روستوف… وربما أكثر من اللازم." لم ترد إيزابيلا، لكنها نظرت إليها نظرة مباشرة لم تفت على المرأة الكبيرة. التوتر بينهما لم يكن عداءً، بل أشبه برقصة صامتة بين عقليتين تحاول كل منهما استكشاف الأخرى دون أن تظهر ضعفًا. "أتعلمين؟" قالت ناديا وهي تحدق في السماء، "في هذا المكان… النجاة لا تكون للأقوى فقط، بل للأذكى، ولمن يعرف متى يصمت." ردت إيزابيلا، بصوت منخفض لكنه ثابت: "أنا لا أخشى الصمت… لكنني لا أحب أن أُغرق فيه." هزّت ناديا رأسها بإعجاب خافت، وقالت: "ميخائيل اختارك لسبب، ربما لا يعرفه بعد… لكنني أنوي اكتشافه." بقيت إيزابيلا تحدق في خالته ناديا منذ لحظات. هنا، كل شيء اختبار… حتى النوايا المغلفة باللطف. تأملتها ناديا بصمت لثوانٍ، قبل أن تضع فنجان القهوة جانباً وتقول بصوت هادئ، لكنه مشحون بثقل التجربة: "أنتِ تعلمين أن وجودكِ هنا… ليس مرحباً به." لم ترد إيزابيلا. لم تتفاجأ. فقط نظرت إلى ناديا بعينيها الواثقتين، تنتظر منها أن تكمل، وكأنها تقول، أعرف، لكن قوليها أنتِ. تنهدت ناديا ببطء، ثم أضافت بصراحة حادة: "أنتِ ابنة روستوف… العدو الذي سرق أرواحاً منّا… وأعادها لنا في توابيت. مهما حاول ميخائيل أن يُمهّد لكِ الطريق، لن يثق بكِ أحد هنا. لا بوريس، ولا صوفيا، ولا داريا، ولا حتى الخدم. هم يبتسمون… لكنهم يتهامسون عنكِ كل ليلة، يضعونكِ تحت المجهر، يراقبونكِ كأنكِ قنبلة موقوتة." انعكست كلماتها على وجه إيزابيلا كظل بارد، لكنها لم تتراجع. لم ترتبك. فقط انحنت قليلاً للأمام وقالت: "وهل أنتِ منهم؟ تتهامسين عني مع البقية، أم قررتِ أن تخبريني بوجهكِ الحقيقي؟" ابتسمت ناديا بسخرية مريرة: "أنا لا أحتاج للهمس يا صغيرة. عشتُ بين الذئاب طويلاً لأعرف متى أتكلم، ومتى أراقب بصمت." ثم نظرت نحو الأشجار، بعينين ملأتهما الحروب القديمة، وأضافت: "البراتفا… لا تنسى من أذاها. ولسوء حظك، دم والدك طُبع على هذا القصر مثل لعنة. أنتِ تمشين هنا كمن يسير في ساحة ألغام… والجميع ينتظر الانفجار." سادت لحظة صمت طويلة بينهما، لا يقطعها سوى همسات الريح بين الأغصان. وأخيراً، قالت إيزابيلا، بصوت منخفض لكنه حاد: "إذا كانوا ينتظرون أن أنفجر، فسوف ينتظرون طويلاً. أنا لا ألعب بالنار… أنا أصنعها." رفعت ناديا حاجبيها بدهشة خفيفة، لكن في عينيها بريق احترام لم تحاول إخفاءه. "إذاً، ربما… فقط ربما، سيكون لكِ مكان بيننا، إن نجحتِ في النجاة من الذئاب." نهضت ببطء، حملت فنجانها، وقالت قبل أن ترحل: "لكن تذكّري… حتى الذئب، عندما يبتسم، لا يعني أنه نسي طعم الدم." وتركتها وحدها. تحركت إيزابيلا بهدوء من الحديقة، خطواتها ناعمة فوق الأرض المرصوفة، والنسيم يلاعب خصلات شعرها المفرودة على كتفيها. لم تكن في عجلة من أمرها، لكنها كانت تحتاج إلى بعض العزلة، إلى لحظة تبتعد فيها عن النظرات المليئة بالحذر، والوجوه التي تبتسم دون أن تبتسم. صعدت الدرجات نحو الطابق العلوي، تقودها ذاكرتها إلى جناحها، لكن صوتًا مفاجئًا أوقفها في منتصف الممر. "هل استمتعتي بجولتك في الحديقة؟" توقفت، التفتت ببطء، ووجدتها... داريا. كانت واقفة هناك، كتفها مستند إلى الجدار، ذراعاها معقودتان أمام صدرها، وعلى وجهها تلك الابتسامة التي لا تصل أبداً إلى عينيها. كانت ترتدي ثوباً فاخراً لا يناسب هذا التوقيت، وكأنها لم تخرج لتتمشى بل لتؤدي دوراً. رفعت إيزابيلا حاجباً، وقالت بنبرة هادئة لا تخلو من السخرية: "هل قررتم جميعاً الترحيب بي في يوم واحد؟ أولاً ديمتري ثم ناديا، والآن أنتِ؟ هل بقي أحد لم يأتِ بعد؟" ضحكت داريا ضحكة قصيرة، لكن بداخلها نفور ظاهر. "صدقيني، لو كان الأمر بيدي لما أضعت دقيقة واحدة في الحديث معك. لكن يبدو أن الفضول أقوى من الاحتقار أحياناً." لم ترد إيزابيلا، فقط نظرت إليها بثبات، تنتظر أن تكشف أوراقها، لأنها كانت واثقة… من مثل داريا لا تظهر هكذا عبثًا. اقتربت داريا ببطء، ووقفت قريبًا منها، ثم همست بصوت متوتر لكنه مسموم: "أنتِ تعتقدين أن مجرد الزواج من ميخائيل يمنحكِ سلطة… لكنكِ لا تعرفين شيئًا عنّا، عن هذا المكان، عن من نحن." ابتسمت إيزابيلا ابتسامة صغيرة، لكنها كانت كافية لتستفزها. "صحيح… لا أعرف، لكنني سأتعلم. وأنا أتعلم بسرعة." تراجعت داريا خطوة، نظرت إليها بنظرة حادة وقالت: "انتبهي لنفسكِ يا عروس، فأحيانًا… المعرفة تؤدي إلى نهايات مؤلمة." ثم استدارت وغادرت، لكن كلماتها بقيت عالقة في الممر، مثل رائحة دخان لا تُمحى. وقفت إيزابيلا هناك للحظة، لم تتحرك، فقط نظرت إلى الممر الفارغ أمامها، ثم همست لنفسها: "جميل… لم أعد بحاجة إلى القهوة، فكل فرد من العائلة أكثر مرارة." ثم أكملت طريقها نحو جناحها، في صمت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كان المساء قد بدأ ينسج خيوطه الزرقاء على سماء موسكو، والبرد ينساب بهدوء من خلف الجدران العتيقة، يطرق النوافذ كما لو أنه يحاول التسلل إلى دفء القصر. إيزابيلا كانت قد بدّلت ملابسها إلى ثوب نوم مريح من الحرير الرمادي الناعم، ينسدل برقة على جسدها كأنه امتداد لصمت المكان. رفعت شعرها للأعلى على شكل عقدة مرتخية، وتركت بعض الخصلات تتساقط فوق عنقها بلا اهتمام. جاءت الخادمة منذ دقائق، طرقت الباب بأدب، ثم أخبرتها أن العشاء قد أُعد وأن الجميع بانتظارها في الطابق السفلي. لم تتردد إيزابيلا، فقط ابتسمت بهدوء وقالت: "أخبريهم أنني متعبة اليوم... لن أتناول العشاء." لم تسأل الخادمة شيئًا. انحنت بأدب ثم غادرت. وقفت إيزابيلا ببطء، تقدمت نحو النافذة الكبيرة، وسحبت الستائر الداكنة الثقيلة بيدين ناعمتين، فاندفع هواء الليل الروسي البارد إلى الداخل. تنفست بعمق، وكأنها تحاول استنشاق المدينة، لا مجرد الهواء. ثم جلست على المقعد القريب من الشرفة، تشبثت بكوب صغير من الشاي كانت قد طلبته، ووضعت كتابًا على حجرها، كتاب قديم ذو غلاف جلدي رأته في مكتبة الجناح، جذبها عنوانه الذي كُتب بخط روسي أنيق: «بداية الظل: تأسيس البراتفا». صفحت في البداية بسرعة، لكنها ما لبثت أن غاصت في محتواه. كلمات حادة، صور أرشيفية، سطور مشبعة بالدم والتاريخ، تحكي عن رجال ظهروا من العدم ليؤسسوا إمبراطورية لا تُهزم. قصص عن خيانة، عن حروب شوارع، عن صفقات عُقدت في الظل، ودماء سُكبت من أجل الولاء. كانت عيناها تتحركان بين السطور، لكن عقلها كان يركّب الصور مع أصوات اليوم. ميخائيل... ديمتري... بوريس... خالته ناديا... داريا… كلهم الآن يبدون وكأنهم امتداد لتلك الفصول، وكأنها لم تتزوج رجلاً، بل أصبحت جزءًا من أسطورة سوداء كُتب عليها أن تبقى حبيسة النار والولاء والخطر. همست لنفسها وهي تقلب الصفحة التالية: "لا يمكنني أن أعيش وسطهم من دون أن أعرفهم. لا يمكنني أن أكون عمياء بينهم." ثم نظرت إلى الليل في الخارج، شوارع المدينة التي لا تنام، وابتسمت ابتسامة خفيفة. "وسأعرف كل شيء." مرّ الوقت ببطء، بينما بقيت إيزابيلا غارقة في الكتاب، تتنقل بين فصوله كما لو أنها تفتح أبوابًا مغلقة على عالم لا يرحم. كانت ترفع بصرها بين حينٍ وآخر إلى الليل المتسرب من النافذة، ثم تعود إلى الصفحات بنهمٍ أكبر. الكلمات كانت تمسك بأنفاسها، تُحيك لها عالمًا مظلمًا لم يُكتب للغرباء… لكنها لم تعد غريبة. وضعت الكتاب أخيرًا على الطاولة الصغيرة بجانبها، ومررت أصابعها على الغلاف الجلدي كما لو أنها تودّعه مؤقتًا. ساد الصمت لحظة، ثم نهضت واقفة، وتقدمت نحو المرآة الكبيرة في زاوية الغرفة. وقفت أمام انعكاسها، تنظر إلى نفسها بعين مختلفة هذه الليلة. بشرتها بدت شاحبة قليلًا تحت ضوء المصباح الخافت، وعيناها الواسعتان كانتا مشحونتين بالتفكير. همست لنفسها: "لقد دخلت أرضهم… ولن أكون قطعة شطرنج صامتة في لعبتهم." سارت نحو الشرفة، وفتحت الباب الزجاجي لتخرج إلى الخارج. كانت الشرفة تطل على الحدائق الخلفية للقصر، التي اكتست بسكون الليل وبياض الثلج. لفّت ذراعيها حول جسدها، تتحدى البرد بهدوء، تشعر به كجزءٍ من يقظتها الجديدة. كانت تشعر أن شيئًا قد تغيّر منذ دخلت هذا القصر، لم تعد تلك الفتاة التي عاشت خلف جدران بيت والدها، تحكم العالم عبر أسماء الرجال من عائلتها. الآن، عليها أن تكون شيئًا آخر... شيئًا أخطر. لم تسمع خطوات خلفها، لكنها شعرت بها. استدارت ببطء، لتجد ميخائيل يقف هناك، عند باب الشرفة، عاري الصدر، بصدر عضلي عريض مليء بالوشوم السوداء والغير مفهومة والمربكة، مرتديًا فقط بنطالًا داكنًا، وعيناه تستقران عليها بصمت لم تعرف إن كان غضبًا، أو فضولًا، أو شيئًا بينهما. رفع حاجبًا وسأل بصوته المنخفض: "هل عادةً تقفين هكذا في البرد؟" لم تجبه على الفور. فقط حدقت فيه لحظة، ثم التفتت نحو الحديقة مجددًا وقالت: "كنت أقرأ عنكم… عن البراتفا. وأردت أن أتنفس بعد كل ما قرأته." اقترب منها ببطء، خطواته على الأرضية الخشبية بالكاد تُسمع. وقف بجانبها، يتأمل الحديقة هو الآخر، ثم قال: "وما رأيكِ؟" أجابت دون أن تنظر إليه: "كنتم إمبراطورية... وما زلتم. لكن إمبراطوريات الدم لا تبقى إلى الأبد إلا إن تطهرت من الداخل." التفت إليها، نظرًا عميقًا، ثم قال بصوتٍ خافت، فيه نبرة إعجاب خفية: "احترسي يا سنيجكا… قد تبدأين بإخافتي." نظرت إليه أخيرًا، ابتسامة باهتة على شفتيها، وغيوم الليل في عينيها، وقالت: "هذا ليس هدفي… بعد." ظلّ الصمت يخيّم عليهما للحظات، ذلك النوع من الصمت الذي لا يُراد له أن يُكسر، بل أن يُفهم. كان الثلج يتساقط بخفةٍ ناعمة، يرقص في الهواء قبل أن يستقر على الحافة الحجرية للشرفة. وقفت إيزابيلا ثابتة، نظراتها على حدائق البراتفا الغارقة في السكون، بينما ميخائيل بقي يحدّق في ملامحها، يحاول قراءة ما يدور خلف ذلك الهدوء. قال بهدوء: "أنت لا تشبهين أحدًا منهم، لا الإسبان... ولا الروس." ابتسمت من طرف شفتيها، وقالت دون أن تلتفت إليه: "أنا صنعت نفسي بنفسي، يا ميخائيل. هؤلاء كلهم نتاج دماء وقوانين. أما أنا... فأنا نتاج اختياراتي." اقترب خطوة منها، لكن لم يلمسها. فقط وقف خلفها، صوته أصبح أخفض، أكثر دفئًا: "وهل اخترتِ أن تكوني جزءًا من هذا العالم؟" أجابت، هذه المرة بصوت خفيض فيه شيء من المرارة: "لم أختر أن أكون ابنة روستوف. ولم أختر أن يُقتل أخي… أو أن أتزوجك. لكنني سأختار ما سأكونه الآن، هنا." تبادل كلاهما نظرات حادة، مشحونة، لا تخلو من شيء آخر... شيء لا اسم له بعد. أدار ميخائيل وجهه نحو الحديقة مرة أخرى، وقال: "إذا كنتِ تريدين أن تعرفي القواعد... أول قاعدة في هذا البيت: لا أحد يثق بأحد بالكامل. لا حتى أنا." نظرت إليه طويلًا، قبل أن تقول بثبات: "وأنا؟" أجاب دون أن يلتفت: "أنتِ حالة خاصة." ثم استدار، وسار نحو الداخل، يتركها وحدها مع الهواء البارد، ودوامة أفكارها التي لا تهدأ. وتساءلت هل يتجول نصف عاري هكذا كتيرًا؟ بقيت واقفة للحظة، عيناها تراقب الباب الذي أغلقه خلفه. همست لنفسها: "حالة خاصة… أو خطر خاص. لا فرق." ثم استدارت، ودخلت الغرفة بهدوء، وأغلقت باب الشرفة خلفها، لتبدأ الليلة... الطويلة. __________________________________ عاد ميخائيل إلى جناحه بصمت، خطواته الهادئة لا تصدر صوتًا فوق الأرضية الداكنة. فتح باب الغرفة وأغلقه خلفه بثقل، كمن يُغلق على نفسه سجنًا اختاره طوعًا. وقف للحظة وسط العتمة، يراقب سكون المكان… وسكونه هو. لا نوم في عينيه، ولا تعب في جسده. لكن شيئًا آخر ينهش فكره. إيزابيلا. تقدّم نحو الزجاج المطل على الحديقة، نظر إلى ظلالها من بعيد، ضوء غرفتها لا يزال مضاءً. تجلس، تفكر، ترسم… أو ربما تتآمر؟ من يدري. مرّر يده على فكه المتين، كمن يحاول محو فكرة علقت، ولم تفعل. ما الذي يُزعجه؟ لا، ليس ازعاجًا. ليس خوفًا، ولا شغفًا، ولا حتى رغبة. إنه شيء آخر. أشبه بشوكة مزروعة في صدره منذ لحظة سماعه باسمها في قاعة الاجتماعات. حين جلس أمام قادة العائلات وتحدثوا عن الشروط... عن "الفتاة روستوف"، كان أول ما شعر به لم يكن الرفض. بل الفضول. "من هذه التي تجرؤ على وضع الشروط على طاولة الذئاب؟" ولم يتلاشى الشعور. حتى حين رآها لأول مرة... ذلك الهدوء المتماسك، النظرة الحذرة، والبرودة التي لا تشبه خوفًا... بل تشبهه هو. هل رأى نفسه في عينيها؟ لا، مستحيل. ليس من نوعه أن يُقارن. لكنه... انتبه لها. أكثر مما يجب. حتى الآن، لا يفهم لماذا يبقى ذهنه مشغولًا. هو الذي قتل أمه بيديه دون أن يرف له جفن، حين علم أنها خانت والده، خانت العهد. لم يشعر بشيء. لا ألم، لا حزن، لا ندم. لكنها… هذه الغريبة. هذه العاصفة الإسبانية التي سُميت زوجته. تجعله يتوقف. يتأمل. يفكر. ليس حبًا. ميخائيل لا يوجد لديه قلب ليحب. ميخائيل لا يحب. لكنه يراقبها كما يراقب قنبلة لم تُفجّر بعد. وما يُخيفه حقًا، أنه لا يعرف بعد إن كانت ستدمره… أم ستكمله. جلس ميخائيل أخيرًا على الأريكة الجلدية القابعة في زاوية جناحه، كأن جسده المثقل بسنين القسوة والتخطيط والحروب وجد مكانًا مؤقتًا للراحة. أسند رأسه للخلف، أغمض عينيه، لكن عقله لم يسكن. إيزابيلا روستوف… تمتم باسمها داخله، كما يتمتم أحدهم باسم سُمّ يعرف جيدًا أنه إن ابتلعه، لن ينجو. كانت تختلف عن كل النساء اللواتي مررن من أمامه. لم تكن ضعيفة، ولم تكن متحذلقة. لم تحاول استمالته، ولم تتهرب من ظله. هي فقط... كانت هناك. واقفة. تنظر إليه بتلك العينين الهادئتين، كأنها تعرف. تعرف من هو، وتعرف من يكون، ومع ذلك لم ترتبك. أي امرأة عاقلة كانت لترتعد بمجرد سماع اسمه. لقب "جزار البراتفا" لم يكن مجرد أسطورة تتداولها الشوارع. هو حقيقة. هو الجحيم إن نُطق اسمه في الجهة الخطأ. لكنها؟ تجلس إلى طاولته بثبات. تتحدث بذكاء. تسأله عن القواعد. تتنفس في قلب قلعته دون أن ترتجف. كان من الممكن أن يعتبر هذا وقاحة. كان من الممكن أن يُنهيها في أول لقاء. لكنه... لم يفعل. لماذا؟ سؤال واحد يتكرر. ولا يملك له إجابة. كل يوم يمرّ، وكل كلمة تتفوه بها، وكل حركة منها محسوبة تترك في ذهنه أثرًا لا يُمحى. هي ليست مجرد ابنة عدو. ولا مجرد زوجة صفقة. إنها لغز. وقد قضى عمره بحل الألغاز. لكن هذا؟ هذا يُحيره بطريقة تُزعجه... وتُثيره. فتح عينيه أخيرًا، متجها بنظره نحو زجاج الشرفة. ضوء غرفتها خفت الآن، أو ربما أغلقته. " هل تنامِ بهدوء يا سنيجكا؟" تمتم بالسؤال داخله، وابتسامة بالكاد لمحت على فمه المتصلب. لكنه يعلم… هذه ليست نهاية التفكير بها. بل بدايته. _______________________________ أشعة شمس باهتة تسللت عبر أطراف الستائر الكثيفة، ترسم خيوطًا ذهبية على أرضية الجناح الفسيح. امتد الضوء نحو السرير الكبير حيث تحركت إيزابيلا بهدوء، تنهض من نومها بتثاقل، وكأنها تحاول أن تُعيد ترتيب نفسها قبل أن تُعيد ترتيب يومها. جلست لوهلة على حافة السرير، تسند رأسها بين كفيها. لم يكن نومها مضطربًا، لكنه لم يكن هادئًا كذلك. كانت الليلة الأولى كاملة في هذا القصر المهيب، بين جدران لا تنسى، وعيون لا ترحم. سحبت نفسًا عميقًا، ثم وقفت، وبتؤدة تقدمت إلى الخزانة. اختارت فستانًا بسيطًا بأكمام طويلة بلون داكن يليق بأجواء القصر الباردة. لم تكن تريد لشيء أن يلفت الانتباه إليها هذا الصباح. لا فخامة، ولا زينة. فقط امرأة تتأهب ليوم جديد، في مكان لا يزال يشعرها بالغربة. تقدمت إلى المرآة. صففت شعرها بعناية دون مبالغة. تأملت انعكاسها لثوانٍ، كأنها تراقب امرأة أخرى، امرأة تحاول أن تُمسك بزمام عقلها في وسط عالم يشبه رقعة شطرنج قاتلة. طرقات ناعمة على الباب أيقظتها من أفكارها. ـ "هل أنتِ جاهزة سيدتي؟" جاء الصوت من خلف الباب، صوت الخادمة نفسها التي رافقتها بالأمس. فتحت إيزابيلا الباب، وأجابت بهدوء بلغة روسية واضحة: ـ "نعم، هيا بنا." تابعتها الخادمة بصمت، تقودها عبر الممرات الطويلة. خطوات إيزابيلا كانت واثقة هذه المرة، وإن لم تفقد حذرها. كان عقلها يعمل بصمت وهي تراقب المكان مجددًا. كم من الأسرار يحمل هذا القصر خلف جدرانه السميكة؟ وكم من الأعين تترصدها خلف تلك الأبواب المغلقة؟ وقبل أن تصل إلى باب غرفة الطعام… توقفت لوهلة، نفس التوقف القصير الذي يمنح الجندي قبل دخوله إلى ساحة المعركة. فتحت باب غرفة الطعام بخطى واثقة هذه المرة، أكثر من البارحة. لم تعد غريبة تمامًا، لكنّها ليست مألوفة بعد. شعور غريب، أن تعتاد حضورًا لا يزال تحت الاختبار. كراسي العائلة كانت قد امتلأت تقريبًا، وكانت العيون تتلفت نحوها بشكل تلقائي. لم تكن النظرات صادمة كما الأمس، لكنها لا تزال تزنها... تقيس ثقل اسمها، وانتمائها، وموقعها الجديد. ميخائيل جلس في مكانه على رأس الطاولة، كما هو دائمًا، يتحدث بصوت منخفض مع ديمتري الجالس إلى يمينه. حين دخلت، لم يلتفت لها فورًا، لكنه اكتفى برفع عينيه نحوها لثوانٍ فقط. كانت تلك النظرة كافية لتجعل الجميع يعودون إلى أطباقهم، وكأنها إعلان صامت بأن وجودها هنا صار أمرًا محسومًا. تحركت إيزابيلا بهدوء نحو المقعد المخصص لها، المقعد الذي أخلاه بوريس أمس بعد أن أمره ميخائيل صراحة، وجلس هو الآن في مكان آخر على الطاولة، وجهه جامد لا يحمل ترحيبًا ولا رفضًا، لكن عينيه لا تكفان عن مراقبتها. جلست في مقعدها بجانب ميخائيل، وبجانبها جلست صوفيا، التي بادرتهم بابتسامة باردة لا تصل إلى عينيها، بينما كانت داريا منشغلة بتقطيع طعامها بطريقة أشبه بالعقاب. ناديا، خالة ميخائيل، رفعت رأسها من فنجان الشاي ونظرت نحو إيزابيلا بنظرة عميقة... فيها شيء من التأمل والشك والاعتراف الضمني بصلابتها. لم تقل شيئًا، لكنها اكتفت بإيماءة قصيرة، خفيفة، بدت أشبه باعتراف حذر. الهدوء خيم لوهلة، ثم عاد الحديث البسيط إلى الطاولة... أحاديث يومية، أخبار أعمال، تعليقات على طقس موسكو المتقلب. لكن في قلب هذا الهدوء، كانت إيزابيلا تراقب... تحفظ، وتقرأ، وتفهم أكثر. وفي المقعد المجاور، كان ميخائيل يتناول قهوته بصمت، لكنه شعر بوجودها أكثر من أي وقت مضى. بينما كانت أصوات أدوات الطعام تصدر خشخشة ناعمة فوق الصحون، بدأ ديمتري يتحدث عن شحنة قادمة من شرق أوروبا، يسرد التفاصيل ببساطة، لكن عينيه كانت تنتقل بين إيزابيلا وميخائيل بين كل جملة وأخرى. قال: «الحمولة ستصل فجر الخميس، لدينا رجال في الميناء، كل شيء تحت السيطرة.» أومأ ميخائيل دون أن يرفع عينيه عن فنجان قهوته، ثم نظر نحو بوريس وسأله بنبرة هادئة: «ماذا عن التفتيش الأخير؟ هل مرّت الشحنة بسلام؟» أجاب بوريس بصوت ثابت: «نعم. لم يُثار أي شك. كل شيء تم كما خططنا له.» ساد الصمت لثواني قبل أن يتحدث ديمتري لميخائيل الذي كان ينصت بصمت إلى ديمتري الذي كان يتحدث عن الشحنة القادمة من مرفأ في بحر البلطيق. قال ديمتري بصوت خفيض لكن واضح: «الرُزمة الأساسية ستُنقل في ثلاث شاحنات صغيرة. المستودع جاهز، وتم تغيير طاقم الحراسة. الرجل الجديد من أوديسا... موثوق.» كان ينقل كلماته بعناية، لكن عينيه لم تكنا هادئتين. نظراته ظلت تتحرك ما بين إيزابيلا وميخائيل، كما لو كان يزن شيئًا، أو يخشى شيئًا. إيزابيلا رفعت نظرها من طبقها، لم تكن تتابع الكلمات بتركيز، بل كانت تراقب شيئًا آخر... نظرات ديمتري. كانت متوترة، مترددة، تقفز بينها وبين ميخائيل كما لو كان يحسب وقع كل جملة. وضعت الشوكة برفق على طرف الطبق وقالت بنبرة رصينة: «أعذرني، لكن... هل من الطبيعي أن يُناقش هذا النوع من الحديث... هنا؟» نظرت إلى ميخائيل مباشرة، ثم أضافت دون تردد: «تفاصيل شحنات، حراسة، رجال جُدد؟ على مائدة طعام؟ وسط عائلة وخدم؟» تجمد الهواء لوهلة. ديمتري توقف عن المضغ. بوريس انكمش قليلاً في كرسيه. حتى صوفيا رفعت حاجبيها بدهشة، بينما ارتسمت على وجه داريا ابتسامة ساخرة قصيرة. أما ميخائيل، فقد اكتفى بنقل نظره إليها ببطء، وكأن كلماته تُنتقى على نصل سكّين. ثم قال بهدوء قاتل: «الخدم هنا يعرفون متى يصبح الصمت فرضًا. ومن لا يعرف، سيتعلم بالطريقة المناسبة.» ابتلعت صوفيا ريقها، وكأنها تنتظر من إيزابيلا أن تتراجع، أن تصمت. لكن إيزابيلا لم تفعل. مالت قليلاً للأمام، عيناها ثابتتان، نبرتها لا تحمل انفعالًا، بل إدراكًا عميقًا لما تقول: «أفهم ذلك. لكنني لا أتحدث عن الخدم، بل عن الثقة. عن الرسائل غير المنطوقة التي توصلها هذه الطاولة.» ثم أضافت ببطء، وهي تنظر في عينيه بثقة: «عندما يُقال لي إنني زوجة زعيم البراتفا، ثم أُعامل كغريبة يُخشى من وجودها، أبدأ بالشك من الطرف الذي يفتقر للثقة... ليس أنا.» سادت لحظة صمت أخرى، لكنها لم تكن هادئة. كانت لحظة اختلال ميزان القوة المعتاد. ميخائيل لم يجب فورًا. لكنه لم يبعد نظره عنها. لم يتوقع هذا الرد. هذا الوضوح. هذا الذكاء المبطّن بنبرة ناعمة كالمخمل، لكنها حادة كالسيف. أخيرًا، قال بهدوء: «جرأة ذكية... ولكنها محفوفة بالخطر يا إيزابيلا.» فردّت بابتسامة هادئة: «وأنا لم أُولد في بيت يخشى الخطر، يا ميخائيل.» لحظة أخرى من التحديق. ثم عاد ميخائيل لتناول قهوته وكأن شيئًا لم يكن. لكن الطاولة لم تعد كما كانت. ـ انتهى الإفطار دون كلمات إضافية. لم تكن هناك حاجة لها. الأحاديث التي قيلت، والنظرات التي تبادلت، كانت أكثر وضوحًا من أي مجاملة. وقفت إيزابيلا عن الطاولة برقي، نظرت بهدوء إلى الجميع ثم استدارت دون أن تنتظر إذنًا أو ردًّا. خطواتها كانت ثابتة، متزنة، بينما كانت تشعر بثقل أعينهم تُلاحقها حتى آخر خطوة. الصعود إلى الطابق العلوي بدا كفسحة صغيرة من الهواء النقي، من الهدوء المؤقت. لم يكن أحد يرافقها هذه المرة. لا خادمة، ولا صوت خلفها. فقط صدى كعب حذائها يرنّ على الرخام. حين دلفت إلى غرفة الرسم، أُغلِق الباب خلفها بهدوء. تنهدت، نظرت حولها… الشمس قد بدأت بالتسلل عبر النوافذ الطويلة، تغمر المكان بدفء خفيف. تقدمت نحو الطاولة، رتبت بعض الأوراق، تأملت الألوان المرتبة في علبة معدنية بعناية. مرّ إصبعها على درجات الأزرق، ثم توقفت عند الرمادي، وضغطت عليه قليلاً. "ألوانٌ باردة لأماكن أكثر برودة..." فكرت. جلست، وبدأت بتحضير الأدوات، لكنها لم ترسم على الفور. لا، لم يكن هذا الصباح للفرشاة فقط، بل للتفكير. التفتت نحو الورقة البيضاء أمامها، فتحت دفترها، وأمسكت بالقلم. هذه المرة، لم ترسم زهرة، ولا وجهاً. بل بدأت بخطوط صارمة، هندسية، تمثل شيئًا مختلفًا... خريطة، ربما. أو قفصًا ما. أو ربما حدودًا جديدة لعالمها داخل هذا القصر. بهدوء متمهل، كانت يد إيزابيلا تتحرك فوق الورقة كما لو كانت تنسج أفكارها سطرًا بعد آخر. رسمت زوايا حادة، متقاطعة، فيها شيء من الغضب المكبوت، من التوتر المتماسك الذي عاشته في اليومين الماضيين. كان الرسم هذه المرة مختلفًا — لم يكن جميلاً، بل صادقًا. رسمت وجهًا نصفه في الظل، ونصفه الآخر مغطى بخيوط حادة كأنها شِباك أو قضبان. لم تكن تعرف من هو، لكنه يشبههم جميعًا… يشبه القصر… يشبهها. قُطع تركيزها على صوت خافت اهتز في ركن الطاولة. هاتفها. تنهدت، مدت يدها، ورأت اسم المتصل على الشاشة: "أنريكي، مدير أعمالها." أجابت: «نعم؟» جاء صوته سريعًا، كعادته، يحمل نبرة القلق المألوفة: «إيزابيلا، صباح الخير. أرجو ألا أكون قد قاطعتك، لكن... الموعد النهائي لتسليم اللوحات الجديدة بعد أربعة أيام. هل انتهيت منها؟» صمتت قليلاً، نظرت إلى الورقة أمامها، ثم قالت بهدوء: «لا، لم أنتهِ.» «لم تنتهي؟!» ردَّ بدهشة مكبوتة، ثم تدارك نفسه، «أعني... حسنًا، لا بأس. فقط أردت التذكير. المَعْرَض ينتظر، والمعجبون ينتظرون. والناشرون أيضاً.» رفعت إيزابيلا رأسها ونظرت من النافذة للحظات، ثم قالت بنبرة أهدأ مما توقّع: «أنريكي، أخبرهم أن اللوحات ستصل في الموعد… حتى لو اضطررت لتمزيق كل واحدة منها وإعادة رسمها من جديد.» ساد الصمت للحظة. ثم قال بتردد: «هل... كل شيء على ما يرام هناك؟» ابتسمت إيزابيلا بسخرية خفيفة لم تصل إلى صوتها: «تمامًا كما يجب أن يكون.» ثم أنهت المكالمة قبل أن يسمع ردّه. أعادت الهاتف جانبًا، وأعادت نظرها للرسم. رفعت قلم الفحم، ومررته فوق العيون التي رسمتها، فأصبحت أغمق، أكثر قتامة. همست لنفسها: "سأرسمهم جميعًا... سأرسم وجوههم الحقيقية، كما أراها." مرّ الوقت ببطء بينما كانت يد إيزابيلا تتحرك فوق اللوحة، تضيف لمساتها الأخيرة بتأنٍ كما لو كانت تعيد رسم ملامح وجه دفنته في أعماق ذاكرتها. الهواء ساكن، والضوء الرمادي المتسلل من النافذة يُلقي ظلالاً ناعمة على أصابعها. وحين رفعت رأسها أخيرًا لتتفحص العمل أمامها، وجدت وجهًا لا يشبه أحدًا بعينه، لكنه يحمل شيئًا من التعب، من الصمت، من الحذر… وجهًا يشبهها أكثر مما تودّ الاعتراف. وقبل أن تتمكن من الغوص أكثر في تفاصيل تلك العيون المرسومة، اهتز الهاتف مرة أخرى على الطاولة. نظرت إليه. الاسم على الشاشة جعل قلبها يرفّ رفّة صغيرة. "خالتي ماريسا." لم تتحدث معها منذ ليلة الزفاف. ترددت للحظة، ثم أجابت: «ألو؟» جاءها صوتها، دافئًا كما تذكرته دائمًا، فيه شيء من الحنان، وشيء من القلق: «إيزا؟ إيزابيلا، هل تسمحين لي بأن أتنفس الآن؟ هل أنت بخير؟» ابتسمت إيزابيلا ببطء، وخفضت عينيها للوح الورقي أمامها: «أنا بخير، خالتي... أو على الأقل أحاول أن أكون كذلك.» «أقسم إنني كنت على وشك أن آتي إلى موسكو لأخطفك بنفسي! لا صوت، لا رسالة، لا إشارة حياة. والدك؟ غاضب، طبعًا. إخوتك؟ يتشاجرون فقط. وأنا؟ أعد الأيام.» ضحكت إيزابيلا بخفوت، ضحكة قصيرة سرعان ما تلاشت: «لم أرد أن أتحدث مع أحد. شعرت أنني بحاجة للصمت.» «صمتك هذا يكسر القلوب، إيزابيلا. أعرف أنك تحاولين أن تكوني قوية. لكن هذا المكان... هذا الزواج... هل يعاملك باحترام؟ هل يقدّر وجودك؟» سكتت لوهلة، ثم همست: «هو لا يُشبهنا، خالتي. لا يُشبه شيئًا عرفته من قبل. كل شيء هنا صلب، بارد، محسوب. لا مجال للأخطاء… ولا مجال للثقة.» «وهل أنتِ خائفة؟» نظرت إيزابيلا إلى عيني الوجه المرسوم، ثم همست: «لا… لست خائفة. لكنني... أراقب. وأفكر. وأتعلم.» «أنتِ لا تزالين كما عرفتكِ. ذكية، حذرة، لا تنحنين بسهولة. فقط، تذكّري شيئًا يا صغيرتي... نحن هنا. مهما طال صمتكِ، الباب لا يُغلق في وجهكِ أبدًا.» أغمضت إيزابيلا عينيها للحظة، وكأن صوت خالتها أعاد إليها دفء لم تشعر به منذ وطأت أقدامها أرض موسكو. ثم قالت بهدوء: «أعدك، سأتصل بكِ مجددًا قريبًا.» «وسأنتظر.» انتهت المكالمة، لكن صوت ماريسا ظلّ يدور في رأسها، يزاحم أصوات أخرى كثيرة… بعضها روسي، بعضها يشبه الظلال. رفعت اللوحة أخيرًا، وعلّقتها على الحامل الخشبي بجانب النافذة. ثم تمتمت لنفسها: "هذا الوجه... ليس غريبًا عليّ بعد الآن.". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ خرجت إيزابيلا من غرفة الرسم بهدوء، والضوء الرمادي لا يزال يتسلل عبر النوافذ الطويلة للممر، عاكسًا ظلالًا ناعمة على الأرضية الخشبية. خطواتها كانت هادئة لكنها ثابتة، والريح الباردة القادمة من أحد النوافذ المفتوحة داعبت شعرها كما لو كانت تُذكرها بأنها لا تزال غريبة هنا… رغم كل شيء. أصابعها الملطخة بالألوان، مزيج من الأزرق الداكن والبني والرمادي، تذكرها بأن جزءًا منها لا يزال ينبض بالحياة، رغم هذا القصر الجامد. رفعت يدها تتأمل لطخات اللون، ثم ابتسمت بسكون وهي تهمس: «لو رآها والدي، لقال إن الفنّ فوضى لا تليق بروستوف.» دلفت إلى جناحها، الباب كان مواربًا كما تركته. الجو في الداخل دافئ أكثر من الخارج، وعبق خفيف من عطرها الخاص لا يزال يملأ الغرفة. تقدمت بخطوات بطيئة نحو الحمام، ووقفت أمام المغسلة الرخامية، تفتح المياه بهدوء. صوت المياه كان مهدئًا على نحو غريب، وكأنها تحاول غسل أكثر من مجرد اللون عن يديها… وكأنها تغسل ثقلًا لا يُرى. نظرت في المرآة، وجهها كان هادئًا، عيناها متيقظتان. لا يوجد أثر للحزن، ولا للضعف. فقط تأملٌ طويل، وتساؤلات لا تنتهي. غسلت يديها ببطء، اللون ينحسر تدريجيًا عن بشرتها. ثم أمسكت بالمنشفة البيضاء تُجفف يديها بينما كانت أفكارها تعود لمكالمة خالتها، ولوجه ميخائيل، ولصوت ديمتري المرتبك أثناء الإفطار. خرجت إيزابيلا من الحمام بخطوات هادئة، تمسح أطراف شعرها المبلل بالمنشفة الصغيرة، مرتديةً قميصًا ناعمًا بلون عاجي وسروالًا مريحًا من الكتان. لكنها توقفت فجأة، أنفاسها علقت في حلقها. على المقعد الجانبي قرب النافذة، حيث يلامس ضوء الغروب أطراف الستائر، جلس ميخائيل. صامت. جامد كتمثال حجري. إحدى ساقيه فوق الأخرى، يداه متشابكتان أمامه، ووجهه نصفه في الظل، النصف الآخر يلمعه نور برتقالي باهت. نظرت إليه دون أن تتحرك. لم تنبس بكلمة أولًا، لكن نبضها تسارع. جففت يديها ببطء، ثم قالت بهدوء حاولت أن يبدو طبيعيًا: «هل هناك سبب لوجودك في جناحي، ميخائيل؟» أدار عينيه نحوها، وعيناه الداكنتان تتفحّصانها دون حياء، دون مواربة. كان في نظرته شيء أقرب للاشتباه، أو ما هو أخطر من ذلك. «من هو أنريكي؟» سؤال حاد، مباشر، خالٍ من المجاملة، كطلقة أُطلقت دون إنذار. رفعت حاجبيها، الذهول مرّ بسرعة على ملامحها، قبل أن يتبدد خلف سكونها المعتاد. «مدير أعمالي.» «وماذا أراد؟» أجابت وهي تتقدّم إلى طاولة التزيين بهدوء: «كان يسألني عن اللوحات الجديدة. الموعد يقترب لتسليمها.» ظل صامتًا للحظة، لكنها شعرت بثقله يمتد حتى الهواء، شعرت به وكأنه يملأ الغرفة. ثم سأل، بصوت منخفض، مشدود الوتر: «وهل اعتدتِ على التحدث معه بهذا القرب؟» نظرت إليه في المرآة، انعكاس وجهه فيها بدا أكثر قتامة، أكثر قسوة. التقت نظراته عبر الانعكاس وقالت ببرود: «هل تراقب مكالماتي يا ميخائيل؟» لم يرد فورًا، لكن عينيه التمعتا بشيء أقرب للتحذير. «أنا لا أراقب… أنا فقط لا أترك شيئًا للفرصة.» استدارت نحوه بالكامل، وقفت مستقيمة، نظراتها ثاقبة: «هل هذا يشملني أنا أيضًا؟» تقدّم خطوة بطيئة نحوها، حتى لم يفصل بينهما سوى خطوات معدودة، عيناه لا تفارق عينيها: «أنتِ بالذات، إيزابيلا… لا أملك رفاهية تجاهلك.» كلماته حملت شيئًا آخر. شيئًا لا تستطيع فك شفرته. لم يكن غيرة، ولا شكًا فقط… كان أقرب إلى سيطرة يريد تثبيتها، وكأنه كلما زادت المسافة بينهما، شعر بأن عليه أن يعيدها لمساحته بأي وسيلة. قالت بهدوء يخفي ارتجافًا صغيرًا في صوتها: «أنريكي يعرف من أنا، ويعلم أين أنا، ولن يقترب أكثر مما يجب… ليس لأنه يخافك، بل لأنه يحترمني.» صمت لبرهة، ثم ابتسم بخفة دون بهجة: «احترام الناس لكِ لا يعنيني كثيرًا… الذي يعنيني هو ماذا ستفعلين به.» ظل واقفًا في مكانه، وعيناه تراقبانها بصمت ثقيل. شعرت بظهرها يتصلّب، فاستدارت نحوه ببطء. أنفاسها لم تهدأ بعد، وصوته لا يزال عالقًا بين أضلاعها. قالت، بنبرة أقلّ ثباتًا مما أرادت: «أهذا تحذير؟» اقترب منها خطوة أخرى، ثم خطوة، حتى بات بينهما هواء مشحون لا يُحتمل. نظرته لا ترحم، لكنها ليست خالية من الفضول... ذلك الفضول الذي لا تعرف ما إذا كان أكثر ما يخيفها أو أكثر ما يثيرها فيه. قال بصوت هادئ كالسّم: «أُفضّل أن تُفهمي الأمور دون حاجتي لتحذيرك.» ابتلعت ريقها بصعوبة، لكنّها لم تتراجع. رفعت ذقنها بتحدٍ ناعم، وقالت: «أنت تتحدث معي وكأنني... دخيلة.» «ألستِ كذلك؟» سؤال ضربها كصفعة، لكنّها لم ترمش. «أم أنكِ صدّقتِ أن زواجنا يعني أنكِ صرتِ واحدة منّا؟» قالت بثبات، عيناها تتحديانه دون أن تخاف: «لا. لكني أعلم أيضًا أنكم لستم عائلة حقيقية، فقط تحالفات، مصالح، وسكاكين مخبأة تحت الطاولات. وأعلم أن دخولي إلى هذا العالم جعلكم أقل راحة… وأنا أرتاح جدًا لذلك.» توقفت، ثم تابعت ببطء وهي تقترب منه: «لكن ما لن أسمح به، هو أن تضعني في خانة الضعف أو التهديد. لا أنريكي ولا غيره يتعدى حدودي. ولا أحد، حتى أنت، يملك أن يرسم لي حدًا لم أتجاوزه.» ميخائيل نظر إليها نظرة طويلة، صامتة. شديدة السكون… لكنها كانت تشتعل. ثم قال أخيرًا، بصوت متحشرج بضبطٍ داخلي لا يفلت: «أنتِ لا تعرفين ما الذي تلعبين به، إيزابيلا.» «علّمني إذن.» تجمّد في مكانه للحظة، وقد بدا كأنه يسمع كلماتها بطريقة مختلفة تمامًا. ثم همس، دون أن يبتسم: «إياكِ أن تطلبي مني ذلك… فقد أعلمكِ أشياءً لا طريق للعودة منها.» ظلّت نظراتهما معلّقة، مشدودة بخيط غير مرئيّ من التوتّر والكبرياء. الهواء في الغرفة صار أثقل، وكأن كل نفس يُسحب بحذر. ميخائيل لم يتحرّك. بقي واقفًا أمامها، يُمعن التحديق في ملامحها كما لو كان يحاول أن يكتشف أيّ ضعف أو ارتجافة صغيرة. لكن إيزابيلا لم تمنحه ذلك. كانت واقفة هناك، بشعرها المبلّل، بثوبها البسيط، بأثر الألوان الذي لم يغادر زاوية ظفرها، ومع ذلك... كانت تبدو كأنها تملك السيطرة. قال أخيرًا، بصوت خافت، يحمل برودًا قاتلًا: «أنا لا أراقبك يا إيزابيلا... أنا أحمي ما يخصّني.» أجابت دون تردّد، بصوت رخيم لكنه واضح كالسكين: «لست شيئًا لتملكه، ميخائيل.» لم يتراجع، بل اقترب خطوة أخرى، حتى بات بإمكانها أن ترى انعكاسها في عينيه القاتمتين. «بل أنتِ زوجتي... ومهما كان تعريفك لذلك، فهو لا يُهم. ما يُهم هو أن أي شخص يقترب من حدودك، يقترب من حدودي، وهذا أمر لا أسمح به.» سكتت لوهلة، ثم قالت بهدوء يحمل نارًا خفيّة: «وهل تسمح لي أن أضع حدودًا لك؟» ضحك بخفة، لكنها لم تكن ضحكة مرحة. كانت ضحكة رجل لا يُسأل كثيرًا، ولا يُحاصر. «احذري، إيزابيلا... أن تحاولي ترويض وحش لا تعرفين طبيعته.» قالت بلا رمشة واحدة: «ومن قال أنني أحاول ترويضك؟ ربما أنا فقط أراقبك، كما تفعل أنت تمامًا.» توقفت كلماته عند شفتيه، وكأنه لم يتوقع هذا الرد. وللمرة الأولى، خفّت حدّة عينيه، لا إلى لين... بل إلى إدراك. اقترب منها أكثر، حتى كادت أن تشعر بحرارة أنفاسه على وجهها، وقال ببطء قاتل: «مراقبتي قد تكون أخطر مما تظنين.» فهمست، وهي تنظر في عينيه دون أن ترتجف: «وهذا ما يجعلها ممتعة.» وصمت، طويلاً. ثم استدار بهدوء، واتّجه نحو الباب، لكنه قال قبل أن يفتحه: «ستكونين شيئًا مثيرًا للاهتمام... أكثر مما توقعت.» توقّف ميخائيل عند الباب، يده ما زالت تمسك بالمقبض، حين سمع صوتها من خلفه، حادًا، قاطعًا، كالحدّ الذي كانت على وشك أن ترسمه بينهما. قالت بصوت ثابت، دون ارتجافة واحدة: «أنت محق، ميخائيل... أنا دخيلة.» استدار ببطء، ونظراته تعود إلى عينيها، لكنه لم يقاطعها. تابعت، تنظر إليه دون أن تضعف، بشموخ امرأة لا تعرف الانكسار: «دخيلة لا ترغب في أن تكون هنا. دخيلة وافقت على هذه الصفقة لحماية عائلتها فقط. ولولا ذلك، لما وافقت لحظة واحدة على الزواج من رجل مثلك.» كلمتها الأخيرة سقطت ثقيلة، لكنها لم تتوقف. «أنت محق... لسنا زوجين، ولن نكون. وزواجي بك لا يعني أنني واحدة منكم. لذا، بما أننا متفقان على هذه الحقيقة، دعني أضع لك حدودي.» اقتربت منه خطوة، لا تهرب ولا تخاف، لكنها تقف بثبات امرأة تعرف ثقل كرامتها. «منذ هذه اللحظة، أنت لا تتدخل في شؤوني، وأنا لن أتدخل في شؤونك. لا تقترب، لا تراقب، لا تسأل.» رفعت رأسها قليلًا، عينيها تلمعان ببريق عناد متجمّد: «وكل ما تملكه مني، هو أنني سأحترم مكانتك كباخان، لكن لا أكثر. لا تتوقع مني شيئًا... لا دورًا، لا ولاءً، ولا انتماء. هذا ما اخترته حين قررت أن تُبقيني دخيلة في نظرك.» صمتت. وكأن الغرفة بأكملها تنصت لصوتها العالي في صمته. ميخائيل لم يتحرّك. نظر إليها نظرة طويلة، فيها شيء من الجليد... وشيء آخر يشبه الشرارة الأولى لاندلاع نيران صامتة. لكنه لم يرد. لم يتراجع، ولم يقترب. فقط خرج، مغلقًا الباب خلفه دون أن ينبس بكلمة. لكنها علمت... أنه سمع. بمجرد أن أُغلِق الباب خلفه، بقيت إيزابيلا واقفة في مكانها، أنفاسها لا تزال مضطربة قليلاً من شدة المواجهة. لم تندم على كلمة واحدة نطقتها. بل شعرت لأول مرة منذ دخولها هذا المكان الموحش، أنها استعادت قطعة من ذاتها… من تلك المرأة التي تربّت في بيت ملوك الجريمة، وعلموها أن لا تنحني، مهما كان الثمن. لكن في الداخل… كان هناك شيء آخر يتحرك. لا ضعف. بل ذلك الاضطراب المربك الذي خلفه ميخائيل بنظرته الأخيرة، بصمته، بخروجه دون ردّ. هل أغضبته؟ أم أثار فيه فضولًا أكبر؟ لم تكن تعرف، لكنها رأت في عينيه شيئًا لم يكن هناك من قبل… شيء خطر. ********* في الخارج، ميخائيل سار عبر الممرات بهدوء قاتل. خطواته بطيئة، لكنه يشعر بالغليان في صدره. لم يكن يتوقع منها تلك الكلمات. لم يكن يتوقع أن تجرؤ، لا وهي في عرينه، وتضع له حدودًا. أوقفه ديمتري عند زاوية الممر، بدا عليه التردد قبل أن يسأل: «هل كل شيء بخير؟» ميخائيل نظر إليه بنظرة قصيرة، لكنه لم يجب. فقط قال ببرود: «من الآن فصاعدًا… لا أحد يقترب من جناحها دون إذني. لا أحد.» ثم أكمل طريقه… بينما الكلمات التي قالتها هي تطرق في رأسه كرصاص بارد: «لا تقترب، لا تراقب، لا تسأل.» ابتسم نصف ابتسامة... لكنها لم تكن لطيفة. «إيزابيلا روستوف… دخيلة، ولكنك اخترتِ الحرب.»في الحديقة الخلفية للقصر، كان النسيم البارد يلامس وجنتيها بخفة، وعبق الأرض الروسية يختلط بعبير الزهور المزروعة بعناية على طول الممرات. جلست إيزابيلا على مقعد خشبي مطل على بركة ماء ساكنة، وقد وضعت دفتر رسم على ركبتيها، وأمسكت قلم الفحم بين أصابعها النحيلة.كانت صامتة، تحدق في صفحة بيضاء لم ترسم فيها بعد. لم تكن تعرف ما الذي ترغب في رسمه، لكنها كانت بحاجة إلى هذه العزلة، إلى هذه المساحة من الصمت داخل هذا العالم المليء بالعيون المراقبة والقلوب المشحونة.رفعت رأسها ببطء، عينيها تتفحصان أطراف الحديقة، الجدران العالية، والأشجار الصنوبرية التي تلامس السماء الرمادية. كل شيء بدا غريبًا عنها، كأنها ضيفة مؤقتة في مسرح صامت.صوت خطوات خفيفة جعلها تنتبه.استدارت ببطء، لتجد ديمتري واقفًا على بُعد خطوات منها، يضع يديه في جيبيه، وعيناه تراقبانها بفضول خافت. لم يكن عدائيًا، لكنه لم يكن ودودًا أيضًا.قال بالروسية وهو يميل برأسه قليلاً:«لم أكن أعلم أن زوجة الباخان ترسم.»أجابت دون أن تبتسم، وهي تغلق دفتر الرسم:«هناك أشياء كثيرة لا تعرفونها عني بعد.»اقترب قليلاً، ونظر إلى دفترها المغلق، ثم قال:«هل تخ
كانت أبواب المطار الخاصة قد فُتحت على مصراعيها تحت وقع خطوات ميخائيل الثقيلة، وخلفه إيزابيلا تسير بهدوء، رأسها مرفوع ولكن عينيها تراقبان كل شيء.الهواء الروسي كان قاسيًا، جافًا وباردًا. لفحتها أولى نسماته كصفعة، ومع ذلك لم تهتز. معطفها الثقيل بالكاد تصدى للبرد، لكنها وقفت بثبات.كان في انتظارهم صفٌ من الرجال... رجال البراتفا. جميعهم يرتدون الأسود، معاطف طويلة، وجوه صارمة ونظرات لا ترحم. كل رجل فيهم كان يحمل في ملامحه شيئًا من العنف المكبوت والانضباط العسكري.وحين اقترب ميخائيل، انقسم الصف إلى نصفين في حركة مدروسة، واصطفوا على الجانبين بانضباط جندي. ثم، وبحركة موحدة، انحنوا له انحناءة خفيفة.قال أحدهم بصوت جهوري:— "Добро пожаловать домой, Pakhan."— أهلاً بعودتك إلى المنزل، باخان.إيزابيلا لم تجهل الكلمة. باخان… تعني الزعيم.نقل الرجال أنظارهم نحوها، بفضول وحيطة، وبعض التوتر غير المعلن. كانت هي، "العروس الإسبانية"، "الهدنة المجسدة"، "التهديد المحتمل"، لكنهم جميعًا التزموا الصمت... فقط نظراتهم تحدثت.ثم تقدم رجل بدا أكبرهم سنًا بخطوات محسوبة، اقترب من ميخائيل، وانحنى قليلاً باحترام:—
فتح الباب ببطء، صوت مفصلاته انساب كهمس ثقيل في القاعة المهيبة، رفعت إيزابيلا رأسها بثبات، كتفاها مستقيمان، ونظرتها متجهة إلى الأمام مباشرة، لا تهتز.ضوء القاعة انعكس على فستانها الحريري، وكأنها تسير داخل ضوءها الخاص.وهناك... في نهاية الممر، وقف.ميخائيل مالكوف.بذلته السوداء تكاد تعانق جسده القوي كما لو أنها مفصلة لهيبته وحده، ذو القامة الطويلة، يقف بثبات يشبه الجبال.نظراته الذهبية الحادة، لم تتركها منذ لحظة دخولها، كأن القاعة لا تحوي سواها، وكأن هذا اليوم كُتب لها وحدها.وشوم عنقه تسللت من تحت ياقة قميصه الأبيض، تروي قصصًا من العنف والسيطرة، تلمح لما هو عليه دون أن تقول شيئًا.الحضور جميعًا وقفوا، لم ينبس أحد بكلمة.كانت هي، فقط هي، محط الأنظار، تمشي بخطوات ثابتة، تتشبث بذراع أبيها، لكن عينيها لم تتركاه… ذلك الرجل الذي ينتظرها في نهاية الدرب.لم يكن هناك موسيقى حين التقت نظراتهما.كان هناك فقط صمت… وصوت قلبها.اقتربت خطواتها شيئًا فشيئًا، وكلما تقدمت، اشتد وقع اللحظة في صدرها.قلبها ينبض بثبات لا تعرف إن كان قوّة أم إنذارًا…وعيناه لا تتحركان عنها، تتبع خطواتها كأنها هدفه الوحيد في
كان اليوم التالي مشرقًا بشكل يبعث على الاستفزاز، وإيزابيلا تقف أمام المتجر البراق والفاخر في إحدى زوايا مدريد، تنظر للافتة المزينة بزهور وردية ودانتيل أبيض وكأنها أمام ساحة إعدام."لن أدخل." قالتها بصرامة، ويدها معقودة فوق صدرها.لكن ماريسا كانت قد عبرت الباب بالفعل دون أن تلتفت.أما أنطونيا، فربتت على كتفها هامسة بخبث:"هيا يا عروس، العالم بحاجة لرؤية وجهك حين ترين ما بداخل هذا المتجر."دخلت إيزابيلا أخيرًا، بخطوات بطيئة وكأنها تمشي إلى قدر لا مفر منه. وما إن دخلت حتى استقبلتها ألوان الباستيل، الدانتيل، والحرير الناعم المتدلي من كل رف، وكأن المكان كله صُمم خصيصًا لاستفزازها.ماريسا أمسكت أول قميص نوم وردي، شفاف، مزين بشريط دانتيل عند الحافة."هذا لطيف، ما رأيك؟"إيزابيلا: "أعتقد أن قطة في مزاج سيء سترتديه، لا أنا."كارمن وضعت يدها على فمها تخفي ضحكتها، بينما أنطونيا انفجرت ضاحكة:"ماريسا، لو أحضرتِ شيئًا أكثر تحفظًا قد تفقدي وعيك."ماريسا، بهدوء لا يشبه فوضى المكان، التفتت نحو إيزابيلا وقالت:"هذه الليلة الأولى، يجب أن تكوني أنثى. لا جندية."إيزابيلا التقطت قميصًا أسودًا بسيطًا دون د
سادت لحظة صمت طويلة بينهما، لم تُقاطعها خطوات الخدم ولا أصوات الحرس. كأن كل شيء انكمش في الخلفية، ليبقى فقط هذا الثنائي، الغريب والمتشابه في آنٍ معًا، واقفًا وجهًا لوجه.أشار والدها بإيماءة صغيرة، ففتح أحدهم باب الجناح الشرقي، المخصص عادة لكبار الزوار. دون كلمة، التفتت إيزابيلا واتجهت بخطى هادئة نحو الداخل، وعرفت أنه سيتبعها. لم تنتظره. ولم تتعمد تجاهله. كانت تتحرك وكأنها تقود المشهد.دخلت الغرفة ذات الأثاث الكلاسيكي الثقيل، نوافذها الواسعة تطل على باحة القصر، وستائرها المخملية تسكنها رائحة قديمة من عصور السلطة. تقدمت حتى جلست على طرف الأريكة، مستقيمة الظهر، متزنة، كأنها اعتادت هذا النوع من اللقاءات.دقائق قليلة، ودخل هو.أغلق الباب خلفه بنفسه. بلا صوت.تقدم بخطى بطيئة، تأمل الغرفة لحظة، ثم التفت نحوها وجلس على المقعد المقابل. لا يوجد بينهما طاولة، ولا دروع."هل تعرفين لماذا أنا هنا، إيزابيلا؟" سأل، بصوته العميق كالرصاص المُغلف بالقطن.نظرت إليه بهدوء، أجابت:"أعرف تمامًا. ولست متأكدة إن كنتَ تعتبر هذا عقوبة... أم مكافأة."رفع حاجبه قليلاً، كأنها أثارت فضوله. لم يبتسم، لكنه لم يغضب. ق
المقابر كانت هادئة بشكلٍ يثير الريبة، كأن الأرض نفسها تتهيأ لابتلاع المزيد من الأسرار.وقفت إيزابيلا روستوف بجانب شقيقها فرانسيسكو أمام القبر الرخامي الأسود.عليه اسم واحد فقط:أوسكار روستوف1996- 2024ابنٌ أضاع كل شيء.كانت الريح تداعب خصلات شعرها البني الفاتح، فيما عيناها ثابتتان على الحروف المنحوتة، دون دمعة، دون ارتعاش.مرّ عامٌ على وفاته، ومع ذلك، الألم لم يَخمد، لكنّه تغيّر.تحوّل من حزنٍ إلى خيبة. من فقدٍ إلى لعنة.قال فرانسيسكو بصوتٍ خفيضٍ، يكاد يُبتلع مع أنفاس الريح:"أتعلمين؟ لا أحد يزور هذا القبر غيرنا... حتى أبي لا يأتي."ردّت، دون أن تنظر إليه:"لأنه يعرف... أن أوسكار كان الخطأ الذي كلّفنا نصف العائلة."من بين كل نساء إسبانيا، قرر أوسكار أن يقترب من المرأة الوحيدة التي لا يجوز لمس ظلها حتى. زوجة أحد رجال البراتفا الروسية.وفي عالمهم، النساء خطٌ أحمر، مقدسات. من يمسّهن... يُمحى.في الليلة التي قُتل فيها أوسكار، لم تكن رصاصةً واحدة فقط.كانت شرارةً أشعلت حربًا استمرت عامًا كاملاً، خُرست فيها الأرض من دويّ الانفجارات، وامتلأت شوارع المدن بجثث لا هوية لها.الحرب التي خافها ا







