Share

9

last update publish date: 2026-06-09 06:37:37

بعد أن رحل ميخائيل بهدوء من الجناح، بقي عبق اللحظة في الهواء، يلامس أنفاسها كما لو أن حضوره لم يغادر بعد. كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، تبعثر خيوطها الذهبية على أرضية الغرفة الهادئة، بينما ظلت إيزابيلا جالسة على طرف الفراش، عيناها تائهتان في نقطة بعيدة على الجدار المقابل، لا تنظر إليه حقًا... بل تعود في ذاكرتها إلى الليلة الماضية.

وضعت يدها على كتفها، حيث كان ذراعه يحوطها، شعرت بسخونة وهمية لا تزال عالقة، وخفق في صدرها لم تعرف له تفسيرًا. لم تكن معتادة على هذا النوع من الصمت المريح، الصدق الذي لا يحتاج إلى كلمات. ميخائيل لم يكن قاسيًا، لم يكن متسلطًا... بل كان حقيقيًا. لحظة واحدة جعلتها تتساءل: من هو الرجل الذي شاركها هذا السكون؟ وهل كانت تعرفه فعلًا؟

نهضت بهدوء، وتقدّمت إلى النافذة. فتحتها قليلًا، فاندفعت نسمة ناعمة تحمل معها رائحة الصباح الندية، وهدأت شيئًا ما في صدرها. سحبت نفسًا عميقًا، ثم أغمضت عينيها للحظة.

كان اليوم قد بدأ... لكنها لم تكن بعد مستعدة له.

وقفت إيزابيلا أمام النافذة، شاردة، تتأمل الحديقة الهادئة التي بدأت تستفيق مع أولى خطوات الشمس. أوراق الأشجار تتحرك بخفة مع نسمات الصباح، والعصافير تنقر الأرض كأنها ترقص على لحن خفي لا يسمعه سواها. منظر بسيط... لكنه أخذها بعيدًا.

أسندت جبينها إلى حافة الإطار الخشبي، وأغمضت عينيها للحظة طويلة. كانت هناك أفكار تتسلل بهدوء إلى رأسها، كأنها تحاول ترتيب الفوضى التي خلفها ميخائيل الليلة الماضية، ثم هذا الصباح.

منذ متى شعرت بهذا الدفء قربه؟

منذ متى توقفت عن رؤيته كعدو، أو كرمز للعائلة التي اقتلعتها من جذورها وزرعتها هنا؟

بل... منذ متى بدأت تشعر بأنها ليست غريبة تمامًا كما كانت من قبل؟

همست لنفسها وهي تستنشق النسيم:

«هذا خطر... هذا الشعور خطر...»

لكنها لم تهرب منه. لم تنكره.

بل سمحت له بالوجود، ولو للحظة.

ربما، فقط في هذا الصباح، كانت مستعدة أن تضع أسلحتها... أن ترتاح من المعركة قليلاً.

رفعت يدها، تتحسس رقبتها، حيث كانت ترتدي قلادة.

هدية من والدها. تذكير دائم بجذورها. لكن اليوم، بدت لها ثقيلة.

جلست على الأريكة القريبة، التقطت دفترها، وفتحت صفحة جديدة.

وبقلمها الحبر، كتبت سطرًا واحدًا:

«أخطر الأشياء ليست الكراهية... بل الراحة.»

____________________________________

تقدمت السيارة السوداء الكبيرة بثبات وسط ضباب الصباح الكثيف، تُحدث صوتًا خافتًا فوق الطريق الإسفلتي الخشن المؤدي إلى منطقة المستودعات شرق المدينة. جلس ميخائيل في المقعد الخلفي، مائلًا بجسده قليلًا إلى الأمام، مرفقه يستند إلى ركبته ويده تغطي فمه بينما عيناه تحدّقان بصمت من النافذة.

صوت ديمتري من المقعد الأمامي لم يقطع الصمت، بل دعّمه، كأن الرجل يعرف جيدًا أن أخيه ليس في مزاج للكلام... لا الآن.

"أليكسي..."

هذا الاسم وحده كان يتردد في رأس ميخائيل.

ذلك الرجل الذي كان يعتبره من الدائرة الأقرب... من الثقات.

الرجل الذي كان يبتسم له بثقة في الاجتماعات، ويقف خلفه في قراراته، ويمسح الدماء بأوامره دون سؤال.

الآن؟

تم القبض عليه وهو يحاول بيع ملفات حساسة... أسماء، طرق شحن، جداول تحرك.

خيانة.

ميخائيل لم يغضب.

لم يصرخ.

بل سكنت ملامحه ببرود.

برود يكاد يُحرق.

نظر إلى يده للحظة. كانت لا تزال تحمل دفء جسد إيزابيلا، حين كانت تستند إليه في الليلة الماضية...

شعور غريب، تعارض عنيف بين لمسة ناعمة، وخيانة وقحة.

تمتم بصوت خافت بالكاد سُمع:

"الذين يخونون من الداخل... لا يُغفر لهم."

وصلت السيارة إلى باب المستودع.

ترجّل منها ميخائيل دون استعجال. خطواته ثابتة، بطيئة، واثقة كأن الأرض تفسح له المجال.

رجاله اصطفوا بصمت، وجوههم جامدة.

ووسط المستودع، تحت ضوءٍ أصفر مائل إلى الخفوت، كان أليكسي مكبل اليدين، ملامحه شاحبة، ووجهه يحمل رجفة ليست من البرد فقط.

وقف ميخائيل أمامه.

تأمله للحظات... قبل أن يتحدث.

الهواء كثيف... كأن الرطوبة تلتصق بالجلد، والضوء الوحيد ينبعث من مصباح يتدلّى من السقف بسلكٍ عارٍ، يتأرجح قليلاً في صمتٍ مقلق.

على الكرسي المعدني جلس أليكسي، مكبّل اليدين والقدمين، وجهه متورّم من الضرب، وشفته تنزف. على بعد خطوات منه، وقف رجال ميخائيل بهدوء ينتظرون، بينما ارتفعت خطوات الباخان وهو يدخل.

ميخائيل لم يكن مستعجلاً...

خطواته كانت بطيئة، موزونة، يُصدر كل حذاء جلدي له صوتًا كالرصاص على الأرض الأسمنتية.

وقف أمام أليكسي، لا يتكلم. فقط ينظر.

الصمت وحده كان تعذيبًا.

رفع أليكسي رأسه بصعوبة، وهمس:

"سيّدي... أرجوك... خطأ... لم أكن... أقصد-"

صفعة قوية وقعت على وجهه من يد ميخائيل. ليست صفعة غضب، بل صفعة رجل يعرف تمامًا ما يفعل... تحمل وزن خيبة واحتقار، لا انفعال.

"أنت تتحدث؟"

قالها ميخائيل بصوت خفيض، كأنها خرجت من أعماق الجحيم.

"أنت، الذي كان يُقسم بولائه لي أمام الطاولة، تبيعني لأعدائي في الظل؟"

اقترب، انحنى حتى أصبح وجهه قريبًا من وجه أليكسي.

"أعلم بكل شيء. التوقيت، المكان، والمبلغ الذي طلبته مقابل خيانتي. ثلاثون ألفًا فقط؟ كنت أرخص من أن أثق بك."

رفع ميخائيل يده، وأخذ من الطاولة قطعة معدنية صغيرة... مسمار صدئ طويل.

ثم التفت إلى أحد رجاله.

"أغلق الباب. لا أريد أن يخرج صوته قبل أن أنهيه."

تقدم الرجل وأغلق الباب الحديدي، فأحدث صوت ارتطام مدوٍّ في أذني أليكسي.

ميخائيل جلس على كرسي مقابل، وبدأ يدندن بصوت خافت لحنًا روسيًا قديماً.

ثم أمسك المسمار... وغرسه ببطء في يد أليكسي.

"آااااااه!!"

الصرخة ملأت المستودع، والدم بدأ ينزف حول المسمار بينما ميخائيل يضغط بثبات، دون أن يرتجف.

"هذا... مقابل الكذب."

ثم مدّ يده إلى مطرقة خشبية على الطاولة بجانبه.

ضربة واحدة على رأس المسمار جعلت أليكسي يصرخ حتى بحّ صوته.

"وهذا... مقابل خيانة الثقة."

تقدّم ميخائيل وأمسك بشعره، ورفع رأسه ليرى عينيه المتوسلتين.

"أخبرني... هل شعرت بالرجولة حين بعثت بالمعلومات؟ هل شعرت بالقوة؟"

ثم تركه ليسقط رأسه نحو صدره، وانصرف إلى الطاولة.

التقط سيجاراً، أشعله بهدوء، وسار نحوه مجددًا.

نفخ أول نفثة في وجه أليكسي وقال:

"آخر شيء ستراه... هو وجهي."

ثم قال لرجل خلفه:

"لا تتركه يموت سريعًا. لكن تأكّد أنه لن يتنفس بعد شروق الشمس."

استدار ميخائيل وغادر دون أن ينظر خلفه، تاركًا أليكسي للعدالة القاسية التي لا تُغفر في البراتفا.

داخل السيارة، جلس ميخائيل في المقعد الخلفي، وسكون ثقيل يُخيّم على الأجواء. كان الضباب ما يزال يُغلف المدينة، والشارع الممتد أمامهم بدا كأن لا نهاية له.

السيارة تتحرك بثبات، والسائق يعرف أن أيّ صوت غير ضروري سيُحسب عليه. أما ديمتري فجلس إلى جانبه بصمت، يراقب وجه ميخائيل من طرف عينه.

ميخائيل لم يتكلم. كانت نظراته معلّقة على النافذة، لكنّه لم يكن يرى الطريق.

كان يرى وجهها...

إيزابيلا.

وجهها المرتبك حين أمسكت بفستانها وهبطت الدرج، نظرتها المصدومة حين أطلق النار، أنفاسها المتوترة وهي تسير بجانبه في تلك القاعة، كيف احتمت بصمته أكثر من مرة... ثم سكونها الضعيف حين نامت على كتفه، ودفء جسدها الهش وهو يحتضنه.

شدّ قبضته ببطء... لا على الغضب، بل على شيء آخر لم يعتد التعامل معه.

"هي ليست مثلهُم."

قالها داخله دون أن ينطق.

تنهيدة بطيئة خرجت من صدره وهو يستند برأسه إلى الخلف، يغلق عينيه للحظات، وكأنّ الصورة المعلقة في رأسه لا تريد أن تتركه.

قال ديمتري بهدوء، يحاول كسر الصمت:

"ميخائيل... هل سنعود مباشرة إلى القصر؟"

فتح ميخائيل عينيه ببطء، ثم نظر للأمام.

"لا... خذونا في جولة أطول."

تردد لحظة، ثم أضاف:

"أريد أن أفكر."

أومأ ديمتري بصمت، لكنه لاحظ شيئًا جديدًا في ملامحه... شيء لا يشبه "جزار البراتفا".

شيء بدا... بشريًا.

ميخائيل استدار بوجهه نحو النافذة مجددًا، وأخرج سيجارًا آخر... لكنه لم يشعله. فقط ظلّ يقلبه بين أصابعه.

في أعماقه، كانت الفوضى أكثر صخبًا من أي مستودع أو طلق ناري.

كيف لامرأة واحدة... أن تُحدث هذا الخلل في نظام رجل اعتاد السيطرة على كل شيء؟

"هل أنا من بدأ يضعف... أم أنني فقط بدأت أرى؟"

تساءل في صمت، بينما أضواء الشارع تنعكس على عينيه وتختفي.

السيارة ما تزال تشقّ طريقها في شوارع موسكو بهدوء، بينما الداخل يغرق في صمت ثقيل.

ميخائيل جلس في المقعد الخلفي، والضوء البرتقالي المنبعث من أعمدة الإنارة الخارجية يتسلل عبر الزجاج ليُضفي على وجهه ملامح أكثر صلابة، لكنها لم تكن صلابة غضب كما اعتاد... بل صلابة أفكار تتصارع داخله.

كان يكره هذا الشعور.

الارتباك... التشتت... الغموض الذي لا يأتي من عدو أو صفقة، بل من امرأة تجلس على بعد خطوات من جناحه، وتحمل في داخلها سكونًا يُربكه.

هو، الذي لم يضطرب أمام الدماء، ولا ارتجف وهو يصدر أوامر القتل.

هو، الذي تعلّم منذ الطفولة أن الرحمة نقطة ضعف، وأن الارتباط عار، كيف تجرأ قلبه أن يشعر بشيء وهو يراها ممددة على كتفه؟ كيف تسرب الدفء من وجودها إلى صدره دون أن يشعر؟

مرر يده فوق لحيته الخشنة ببطء، وأغمض عينيه من جديد، لكنه لم يجد راحة.

بل وجد صورتها وهي تحاول ألا تُظهر ضعفها...

وهي تجلس صامتة في الحديقة، تُبعد نفسها عنهم، تُقاوم أن تُحسب عليهم، وتكتب "قواعد البقاء في وكر الوحوش"...

فتح عينيه فجأة ونفذ صبره، فمال للأمام وقال للسائق بصوت منخفض لكنه قاطع:

"ارجع للقصر."

نظر إليه ديمتري قليلاً، مستغربًا، لكنه لم يعلق، فقط أشار للسائق.

انطلقت السيارة لتغير اتجاهها، لكن العاصفة داخل ميخائيل لم تكن قد هدأت بعد.

كان يعلم أن هناك خيطًا رفيعًا بدأ يلتف حوله ببطء. خيط لا يُرى، ولا يُسمع، لكنه يُحس... وها هو يشعر به كل مرة ينظر فيها في عينيها، كل مرة يسمع صوتها، أو يراها تُبعد نفسها عنهم وكأنها لم تنتمِ أبدًا إلى هذا الجحيم.

وفجأة، خطر له خاطر جعل أصابعه تتوقف عن الحركة...

"لو كانت حقًا بريئة... لو كانت لا تنتمي لهذا العالم، لماذا هي هنا؟ ولماذا تشعرني أنني أنا من اقتُحم؟"

شد على قبضته، وساد داخله صراع غريب بين الحامي والقاتل... بين الرجل الذي تعلم أن كل شيء يُملك بالقوة، وبين الآخر الذي بدأ يشعر أن هناك أشياء لا تُؤخذ بل تُمنح... أو لا تأتي أبدًا.

لم تدم رحلة العودة طويلاً، لكن التوتر في صدر ميخائيل تمدد كأنها دهر. وحين توقفت السيارة أمام بوابة القصر الحديدية، لم ينتظر حتى تُفتح بالكامل، بل فتح الباب بنفسه، نزل، وأغلقه خلفه بقوة مكتومة.

كان الليل لا يزال يُلقي بظلاله، والحديقة تغفو في صمتها، لكن خطواته الحاسمة قطعت هذا السكون. اجتاز الممر بخطوات ثقيلة، وصعد الدرج دون أن يُلقي تحية على الحراس. كان وجهه مشدودًا، حاجباه معقودان، ونظراته جامدة كأنها تُخفي عاصفة في قاع البحر.

حين وصل إلى جناحها، وقف أمام الباب لحظة.

لماذا عاد؟

لماذا لم يُكمل طريقه؟

هو، الذي لا يتراجع؟

لكنه فتح الباب بهدوء هذه المرة.

الأنوار كانت خافتة.

الهواء داخل الجناح كان دافئًا على غير العادة.

وصوت أنفاسها كان يُسمع في البعد كأنه موسيقى خافتة.

تحرك بخطى بطيئة داخل الغرفة، وعيناه تبحثان عنها تلقائيًا، وكأنه لا يملك خيارًا.

وجدها.

كانت مستلقية فوق الأريكة الصغيرة بجوار النافذة، وقد غلبها النعاس بينما كانت تحمل كتابًا على صدرها. شعرها مسدل بعفوية، ورموشها تلامس وجنتيها، ووجهها لا يحمل سوى براءة نادرة في هذا العالم.

لم تُدرك أنه هنا.

وقف يتأملها بصمت.

لوقتٍ طويل.

كأن الزمن توقف معها.

في داخله شيء أراد أن يقترب منها، أن يرفع عنها الغطاء قليلاً، أن يلمس وجنتها ليتأكد أنها حقيقية، أنها ليست خدعة نسجها عقله من التعب.

لكن عينيه سقطتا على دفتر صغير موضوع بجانب الكتاب.

دفتر أسود بسيط... مألوف... هو ذاته الذي رأى إيزابيلا تكتب فيه مرارًا.

نظر إليه ببطء، تردد، ثم جلس على حافة الطاولة المقابلة للأريكة. لم يلمسه. لم يفتحه.

لكنه تمتم لنفسه، بصوت بالكاد يُسمع:

"قواعد البقاء في وكر الوحوش، هكذا؟"

سحب نفسًا عميقًا، وأسند ظهره للوراء. كان يشعر أن في داخله شيئًا لا يُفهم... لا يُفسر.

وهنا، تحركت إيزابيلا في نومها، وكأنها شعرت به. ارتخت يدها، وسقط الكتاب أرضًا بهدوء. فتح عينيه عليها، ولم يقاوم، اقترب منها ببطء، سحب الكتاب ووضعه على الطاولة، ثم سحب الغطاء لأعلى ليغطي كتفيها برفق.

همس لها بصوت خفيض:

"نامي... لن أسمح لوحش أن يقترب."

ثم جلس على المقعد قربها، يُراقب تنفسها، وكأنها الشيء الوحيد الذي بقي حقيقيًا في عالم كله زيف وقتل وخيانة.

ـ ضوء الصباح كان يتسلل عبر الستائر الحريرية الثقيلة في جناحها، ناعماً دافئاً، كأن الشمس قررت أن تطرق بابها برفق.

إيزابيلا فتحت عينيها ببطء، للحظة لم تتذكر أين هي. ثم شعرت بالغطاء على جسدها، بعبق رجولي يحيطها، وبالسكينة غير المألوفة التي تملأ المكان.

نهضت ببطء وهي تستقيم جالسة فوق الأريكة... وحين التفتت، وجدته.

ميخائيل.

مستلقٍ على المقعد المقابل، رأسه مائل قليلاً للخلف، وذراعه مرتخية على جانب المقعد، كما لو أنه لم يتمكن حتى من التمدد بشكل مريح. وجهه كان هادئاً، نائماً بعمق، وكأنه لأول مرة منذ زمنٍ طويل سمح لجفنيه أن يثقلا ويغلقا بلا مقاومة.

حدقت فيه بصمت... لثوانٍ طويلة.

هل بات يجد في جناحي ملاذاً؟

هل أصبح يهرب من صخبه إلى هذا السكون؟

لماذا يتردد إلى هنا كثيراً؟ وكأنه لا يريد المغادرة... ولا يعترف بالبقاء.

ابتسمت بخفة وهي تسحب الغطاء على ساقيها ببطء.

لم يكن شيئًا متفقًا عليه. لم يأتِها بدافع واجب أو فرض.

هو فقط... أتى. ثم بقي.

رفعت يدها لتبعد خصلة من شعرها عن وجهها، وعيناها لم تبارح وجهه. لوهلة، رأت فيه شيئًا هشًا... شبح تعبٍ دفين، وكأن خلف كل القوة، كل الجبروت، هناك رجلٌ... أنهكه كل شيء.

وقفت ببطء، وبدون أن تصدر أي صوت، اقتربت منه. أخذت سترته التي كان قد وضعها على ذراع المقعد، وغطت بها جسده العلوي بهدوء شديد.

ثم همست بخفوت، كأنها تخشى أن توقظه:

"صباح الخير... يا من لا تعرف الراحة إلا حين تنهار."

تراجعت خطوة... ثم جلست على طرف الأريكة، تسند ذقنها على كفها، تراقبه في صمت... تتأمله، وتفكر:

هل يمكن لوكر الوحوش أن يُصبح أكثر دفئاً...؟ فقط لأن ذئباً متعبًا قرر أن يخلد فيه للنوم؟

جلست إيزابيلا بهدوء أمامه، تحيط نفسها ببطانيتها الخفيفة، لكن دفء اللحظة لم يكن يأتي من الغطاء... بل من قربه.

عيناها تحركتا ببطء على ملامحه المسترخية، ثم هبطت إلى ساعديه... كانا مسترخيَين على جانبي المقعد، وعضلاته النائمة تنبض تحت الجلد كما لو أنها لم تفقد الحذر حتى في نومه.

ساعداه القويان، عريضان ومليئان بالعروق، كانت أوردته البارزة تنسج طريقها أسفل جلده، كأنها خريطة لرجل عاش ألف معركة ولم يُهزم.

أصابعه... كانت خشنة، كبيرة، مغطاة بخدوش قديمة وتفاصيل مرّت بها سنوات من القسوة والعمل، ووشوم عديدة بلون الحبر الداكن تسكن جلده. بعضها يبدو غريباً، شعارات روسية، رموز، تواريخ.

تأملت كل إصبعٍ على حدة، وتساءلت:

كم يَدًا هزّت العالم هذه اليد؟ كم سرًّا دفنته، وكم عدوًا أنهته دون رجفة؟

وهل نفس هذه اليد... هي من جذبتني إليه ليلة البارحة لأحتمي في حضنه؟

همست مع نفسها:

"هذه اليد قتلت... وأنقذت... ودافعت... وربما، دون أن يدري، منحتني شيئًا يشبه الأمان."

رفعت عينيها إلى وجهه مجددًا، وداخلها كان سؤال آخر يلحّ:

هل يمكن لشيء خلق للدماء... أن يتحول إلى مأوى؟

ومع أن قلبها لم يجب... إلا أن عينيها بقيتا تراقبانه، كأنها تبحث عن الشقوق الخفية في جدران هذا الرجل الحديدي.

ببطء، أسندت إيزابيلا ذقنها إلى ركبتيها، وذراعاها تحيطان بجسدها كما لو كانت تخشى أن تهرب منها هذه اللحظة.

كانت تنظر إليه كما لم تفعل من قبل... لا بصفته زعيمًا للبراتفا، ولا الزوج الذي فُرض عليها، بل كرجل غريب، هادئ الآن، تكاد تسمع تنفّسه العميق بانتظام، كأن العالم كله لا يعنيه.

بدا لها مختلفًا في هذا الضوء الرمادي المتسلل من خلف الستائر... أقل تهديدًا، أكثر إنسانية. كأن النوم نزع عنه تلك الهالة القاسية التي تحيط به دائمًا، وترك لها وجهًا مليئًا بالحكايات.

كيف لإنسان أن يحمل كل هذا التناقض؟

عينيه حين يفتحها... كأن داخله حريق، لكن شفته العليا الصغيرة مشقوقة ندبة خفيفة، وكأنها ذكرى من طفولة بعيدة، ندبة صغيرة جدًا لكنها... جعلته يبدو للحظة كأنه لم يكن دائمًا هذا الوحش المخيف.

نظرت إلى الوشم على عنقه، تعرّفت على بعض الرموز الروسية من دروس سابقة، أحدها يعني "الولاء حتى الموت".

ولاء لمن؟ لعائلته؟ لعالمه؟ أم لأشباحه؟

أغمضت عينيها قليلاً وهمست داخليًا:

"لا أحد يختار أن يولد في عالم مثل هذا، لكن... البعض يتعلم كيف يعيش فيه، وآخرون... يصبحون وحوشه."

ثم فتحت عينيها ونظرت إليه مجددًا، هذه المرة أطول، أعمق... وكأنها تحاول أن تجد ذلك الجزء فيه الذي لا يزال بشريًا، الجزء الذي قد يمكنها أن تفهمه، أو حتى... تتواصل معه.

.

لم تمضِ سوى لحظات من تأملها الصامت حتى شعرت بحركته الخفيفة. ارتفع صدره مع نفسٍ عميق، تبعه تحرك بطيء في أصابعه، ثم فتح عينيه تدريجيًا.

كان ضوء الصباح قد تسرّب أكثر إلى الغرفة، ليقع مباشرة على وجهه المتعب. حدق قليلاً في السقف، وكأنه لا يعرف أين هو، قبل أن يدير رأسه ببطء... ويجدها تنظر إليه.

تلاقت أعينهما.

لم تنطق.

ولم يبدُ عليه الاستغراب من وجودها، أو من استيقاظه في جناحها. بل على العكس، بدا وكأنه اعتاد هذا المكان... أو اعتاد وجودها فيه.

بصوت أجش ناعم من أثر النوم، قال:

"أنتِ مستيقظة منذ متى؟"

هزت كتفيها بخفة وهمست:

"قليلًا فقط."

ظل ينظر إليها للحظة أخرى، ثم رفع جسده ببطء عن المقعد، يمرر يده بين شعره كعادته حين يستيقظ، وقال بهدوءٍ عكس طبيعته تمامًا:

"غرفتي لا تعجبني مؤخرًا."

رفعت حاجبيها بخفة، لكن دون تعليق. هو يعلم تمامًا أنها فهمت ما لم يقله.

اقترب بخطوات هادئة نحو النافذة، فتحها قليلاً، ودخل هواء الصباح البارد فارتجفت قليلاً، لكنه لم يلتفت. كان يتنفس الهواء كما لو أنه بحاجة إليه... كما لو أنه اختنق في نومه.

ثم سأل دون أن يلتفت:

"نمتِ جيدًا؟"

ردّت، بصوت خافت:

"أفضل من ليالٍ كثيرة."

أدار وجهه نحوها أخيرًا، نظراته كانت أقل حدة، وربما... أكثر دفئًا مما توقعت.

"هذا جيد."

ثم ساد الصمت بينهما، صمتًا لا يحمل توترًا، بل راحة غريبة، مريحة بشكل مربك.

عاد ميخائيل ليقترب منها ببطء، خطواته لا تحمل تلك الصرامة المعتادة، بل شيئًا من التمهل، وكأن الزمن لا يضغط عليهما هذا الصباح. وقف أمامها، يتأمل ملامحها الهادئة، عينيها اللتين لا زالتا عالقتين بوجهه دون تكلّف.

جلس على طرف الأريكة، قربها، قائلًا بصوت منخفض:

"هذا أول صباح أبدأه دون صراخ... أو تهديد... أو اتصال يخبرني أن أحد رجالي خانني."

رمشت إيزابيلا ببطء، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، أقرب للدهشة منها للسخرية، وهمست:

"هذا يبدو... نادرًا."

هز رأسه موافقًا، قبل أن يمد يده تلقائيًا نحو طاولة صغيرة قربها، تناول منها كوب الماء الذي تركته الخادمة ليلًا، وأخذ رشفة، ثم أعاد الكوب إلى مكانه دون أن يبعد عينيه عنها.

"هل فكرتِ في الخروج اليوم؟" سألها.

رفعت حاجبيها بخفة: "خروج؟"

"نعم... الهواء في هذا القصر خانق، والوجوه أكثر خنقًا." قالها وهو ينظر بعيدًا نحو النافذة.

صمتت للحظة قبل أن تسأله:

"هل هذه دعوة للخروج... أم هروب؟"

ابتسم بخفة، نادرة جدًا على ملامحه القاسية:

"ربما كلاهما."

شعرت بخيط دافئ يمر في صدرها، لا تعلم إن كان بفعل نبرة صوته، أم مجرد فكرة أن هناك لحظة عادية، طبيعية، في عالم غير طبيعي.

"حسنًا..." قالت وهي تنزل قدميها عن الأريكة،

"لكنني سوف أختار المكان."

نظر إليها مطولًا، قبل أن يجيب بثقة هادئة:

"لكِ ذلك."

استقام واقفًا، ثم مد يده نحوها لينهضها... نفس اليد التي تأملتها طويلاً قبل قليل. مدت يدها ببطء، وضعتها في راحته، وتركته يساعدها على الوقوف.

عينيه لم تبتعدا عنها.

ولا يدها أفلتت منه فورًا.

وكأن شيئًا ما قد تغيّر... بهدوء، دون ضجيج.

بعد دقائق من الهدوء، كانت إيزابيلا قد غادرت إلى غرفتها لتبديل ملابسها، تاركة خلفها شيئًا من السكون المختلف في جناحها.

اختارت هذا الصباح شيئًا بسيطًا وأنيقًا: معطف بلون كريمي ناعم، سروال من القماش الرمادي، وقميص قطني أبيض ناعم التصميم، وشعرها مرفوع لأعلى بطريقة غير رسمية، تاركة بعض الخصل تنساب على رقبتها برقة. لم تضع أي زينة تُذكر، فقط لمعة خفيفة على شفتيها ولون طبيعي على وجنتيها، يكفي ليقول إنها جاهزة... ولكن بطريقتها.

عندما عادت إلى الصالة، كان ميخائيل ينتظرها وهو يقف قرب الباب، يرتدي معطفه الداكن.

وقفت أمامه بثبات، وعينيها تتفقدان نظراته، هل سيرى في مظهرها ما يستحق الملاحظة؟ لم يقل شيئًا، لكن عينيه مرّتا عليها بنظرة صامتة، طويلة، قبل أن يفتح الباب بيده ويشير لها بأن تتقدمه.

"سيارة واحدة فقط؟" سألت بهدوء وهي تنظر إلى السيارة السوداء المركونة قرب المدخل.

"اليوم... لا حراسة ظاهرة." قال دون أن يشرح، ثم أضاف: "أريد أن نكون وحدنا."

نظرت إليه قليلاً بصمت، ثم تحركت بهدوء ونزلت الدرج بخطى رزينة، شعرها يتمايل مع النسيم، ومعطفها يتحرك بانسيابية خلفها. فتح لها باب السيارة بنفسه، شيء نادر لم تعتده منه، لكنها لم تعلق. جلست بصمت، ثم تبعها هو.

انطلقت السيارة في طرقات موسكو الهادئة في هذا الصباح الباكر، والضوء الرمادي الباهت ينعكس على النوافذ.

في الداخل، لم يكن هناك حديث كثير في البداية، فقط أنفاس ساكنة وأفكار ثقيلة ترافق كل منهما.

"أريد أن أريك شيئًا." قال ميخائيل بعد دقائق من الصمت.

"هل هو مكان خاص بك؟" سألته بنبرة هادئة.

"جزء من ماضيّ." قال، وعيناه معلّقتان بالطريق أمامه، قبل أن يضيف:

"وأردت أن أشاركك به."

نظرت إليه مطولًا، قبل أن تحول نظرها للنافذة... وابتسامة صغيرة لم تستطع أن تخفيها استقرت على شفتيها.

في هذا الصباح، لم تكن الأمور تشبه ما اعتادته.

وكانت لا تمانع أن ترى إلى أين قد تقودها هذه اللحظات.

كانت السيارة تنساب بصمت في شوارع موسكو المزدحمة، ورغم الضجيج في الخارج، بدا الداخل كأنما يطفو في عزلة تامة. جلس ميخائيل بجوار إيزابيلا، وقد امتدت يده تلقائيًا ليستقر فوق المقعد بينهما، قريبة بما يكفي لتشعر بحرارته، لكن دون أن يلمسها.

كانت نظراته مركزة أمامه، كأنما يزن الأمور بعناية. أما هي، فجلست تنظر من النافذة، لكن عقلها كان معه، يحلل تفاصيل وجهه المنعكس على زجاج النافذة، حاد الزوايا، قوي، وصامت، لكنه في هذه اللحظة لا يبدو كما عرفته أول مرة.

واستمر الصمت بينهما، تلك المسافة الرمادية المليئة بما لم يُقال.

أخيرًا، بعد دقائق، توقفت السيارة أمام بوابة حديدية صدئة في أحد الأحياء القديمة، فتح الحارس البوابة بصمت دون حتى النظر داخل السيارة، وكأنه يعرف من بداخلها.

تقدما عبر الطريق الضيق بين الأشجار حتى ظهرت أمامهما بناية حجرية صغيرة، قديمة ومهترئة، لكنها تقف شامخة رغم كل شيء.

فتح الباب بنفسه، ثم استدار ينظر إليها.

ـ «هل تثقين بي بما يكفي للدخول؟»

نظرت إليه طويلًا، ثم أجابت بصوت هادئ لكنها حازمة:

ـ «لو كنت لا أثق بك، لما كنت هنا من البداية.»

فتح الباب على مصراعيه، وأشار لها بالدخول أولًا.

ـ «إذن تفضلي... ولتري الجانب الآخر من هذا العالم.»

دخلت إيزابيلا ببطء، حذرة، كأنها تخطو على ذاكرة أحدهم لا أرضٍ صلبة. المكان من الداخل كان أشبه بكنيسة مهجورة تحوّلت إلى شيء آخر... جدران عالية، نوافذ مطموسة الغبار، وأرضية حجرية باردة. رائحة الماضي تغلف كل شيء، عبقة بالتبغ والحديد والدم.

تابعت خطواتها حتى منتصف القاعة، ثم توقفت عندما شعرت بثقل نظرات ميخائيل من خلفها. استدار وأغلق الباب بهدوء، قبل أن يقترب منها ويتجاوزها إلى طاولة خشبية طويلة في نهاية المكان. أزاح عنها غطاءً قديماً، فكشف عن مجموعة من الصور والوثائق والأسلحة القديمة.

ـ «هذا أول مكان قُدمت فيه طاعتي للبراتفا،» قالها دون أن ينظر إليها، بينما عينيه تركزان على خنجر صدئ كان يمسكه برفق.

تقدّمت ببطء حتى وقفت بجانبه، تتفحص بعينين متسعتين ما وضع أمامها.

سألته بهدوء:

ـ «لماذا أحضرتني إلى هنا؟»

تنهد، ثم التفت نحوها.

ـ «لأريك أني لم أولد زعيماً. بل كبرت في الظل، بين الموت والخيانة. وأردتك أن تعرفي... من هو الرجل الذي تزوجته.»

نظرت إليه، فوجدت في عينيه ذلك الظلام الذي لم تفهمه في البداية. ظلام لا يخيفها، بل يثير فضولها... كأنه ندبة على قلب رجل لا يزال ينبض رغم كل ما ذبحه بيديه.

همست وكأنها تكلم نفسها:

ـ «وهل تظن أن هذا سيجعلني أراك بطريقة مختلفة؟»

أجابها بثبات:

ـ «أظن أنه سيجعلك ترين الحقيقة، دون أوهام.»

سادت لحظة صمت طويلة، قبل أن تخترقها إيزابيلا بنظرة حادة:

ـ «رأيت الكثير من الحقائق يا ميخائيل... لكنك حتى الآن، تظل أكثرهم غموضًا.»

رفع حاجبه قليلًا، ابتسامة باهتة مرت على شفتيه، ثم سألها:

ـ «هل نتابع الجولة؟»

هزت رأسها بالموافقة، بينما تسير بجانبه... خطوة بخطوة في ذاكرة رجل، وقصة لا تزال تُكتب.

سار بها ميخائيل بين جدران المكان القديم، خطواته واثقة وهادئة، بينما عيناها تبحثان عن المعنى خلف كل شيء. توقف أمام جدار طُبعت عليه صور قديمة لرجال بملامح حادة ونظرات صارمة. أشار بإصبعه إلى أحدهم، صورة بالأبيض والأسود لرجل يشبهه كثيرًا.

ـ «هذا أبي.»

نظرت إليه إيزابيلا بدهشة، ثم إلى الصورة.

ـ «تشبهه... كثيرًا.»

أومأ برأسه، صوته أهدأ من المعتاد.

ـ «كان أقسى مني، لكنه مات بخنجر في ظهره... من امرأة أحبها.»

أدارت رأسها إليه فورًا، متفاجئة بالاعتراف.

لكنه تابع دون أن يترك لها مجالًا للمقاطعة:

ـ «أمي.»

رمش بعينيه ببطء، كأنه يتذكر المشهد كفيلم قديم علق في ذهنه.

إيزابيلا لم تقل شيئًا، فقط وقفت بصمت، تسمعه وتراقبه. كان الحديث أكثر حميمية مما توقعت. ليس لأن الكلمات مؤثرة، بل لأنه اختار أن يقولها لها.

ـ «حين اكتشف الخيانة... كان عليه أن يقتلها. لكنه لم يستطع.»

رفع عينيه إليها.

ـ «أما أنا... فقد استطعت.»

تراجعت قليلًا، لم يظهر الرعب في وجهها، بل خليط من الدهشة والحزن والتعاطف.

ـ «كنت صغيرًا، لكني كنت أعرف ما معنى أن تخون الدم... والبراتفا.»

سادت لحظة صمت، حتى همست إيزابيلا بصوت يكاد لا يُسمع:

ـ «وهل ندمت؟»

اقترب منها، وجهه على بعد أنفاس، وقال بهدوء ثقيل:

ـ «ما ندمت عليه... أني لم أقتلها أسرع.»

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. ليس خوفًا منه، بل من الظلال التي تسكنه. نظرت في عينيه طويلاً، ثم قالت:

ـ «ورغم هذا... لا تزال تحتضنني عندما أرتجف.»

ابتسم، للمرة الأولى ابتسامة حقيقية، ولو للحظة. ثم قال:

ـ «لأني لا أراك مثلها، إيزابيلا... حتى إن حاولوا أن يجعلوني أصدق ذلك.»

نظرت إليه بصمت، ثم تحركت ببطء ووقفت أمام طاولة قريبة، تنظر في الملفات القديمة، كأنها تهرب من حمولة الكلمات.

اقتربت من الطاولة، أصابعها تمر على الأوراق والملفات المغبرة، لكنها لم تكن تقرأ، بل كانت تحاول تنظيم أفكارها، تهرب من الثقل الذي غلف الجو بينهما. أما هو، فظل واقفًا يراقبها بصمت، كأنه يزن كل حركة، كل تنهيدة، وكأنه يحاول أن يفهم ما يجول في خاطرها.

قالت أخيرًا دون أن تنظر إليه:

ـ «أحيانًا أفكر... أننا لسنا سوى امتداد لصدمات من سبقونا، لا نملك خيارًا حقيقيًا.»

اقترب منها بخطوات هادئة حتى صار بجانبها، نظر إلى الأوراق ثم قال:

ـ «ربما. لكننا نملك خيارًا أن نُصبح إما مثلهم... أو شيء آخر.»

رفعت نظرها إليه ببطء، همست:

ـ «وأنت؟ ماذا اخترت أن تكون؟»

أطال النظر في عينيها، ثم قال بصدق خافت:

ـ «كنت أظن أني اخترت أن أكون الوحش الذي أرادوه... حتى بدأتِ تطرقين جدران الوحش بصمتك.»

شعرت بارتباك داخلي، لكنها لم تظهره، فقط اكتفت بلمحة حزينة في عينيها، وابتسامة بالكاد تُرى على شفتيها.

قال فجأة، كأنه يوقظ اللحظة:

ـ «تعالي. أريد أن أريك شيئًا.»

سارت معه، بصمت، حتى وصلا إلى باب حديدي خلفي، فتحه بمفتاح قديم، وقادهما إلى غرفة صغيرة مظلمة، أضاءها بضغطة زر، فامتلأت بالنور الخافت.

الغرفة كانت مليئة بصناديق خشبية، عليها ختم البراتفا، لكن وسطها كان هناك صندوق صغير من الجلد، قديم ومتآكل الأطراف.

انحنى وفتحه ببطء، ثم ناولها شيئًا صغيرًا.

كانت سلسلة ذهبية، يتدلى منها حرف "M".

قال بصوت هادئ:

ـ «هذه كانت لوالدي. ثم أصبحت لي... والآن، أريدك أن تحتفظي بها.»

اتسعت عيناها بدهشة، نظرت إلى السلسلة ثم إليه، وكأنها لا تصدق.

ـ «لكن... لماذا؟»

اقترب منها، أمسك يدها برفق ووضع السلسلة فيها، نظر في عينيها وقال بنبرة منخفضة:

ـ «لأنك أكثر شخص أثق به الآن... رغم أني لا أعرف إن كان هذا ضعف أم خلاص.»

تجمدت في مكانها، وعيناها في السلسلة التي تلمع في راحة يدها، قبل أن تهمس بخفوت:

ـ «سأحتفظ بها... كما لو كانت شرفًا.»

سادت لحظة صمت ثقيل، لكن فيها شيء من الراحة... من القبول، كأنهما توصّلا إلى اتفاق صامت بأن الماضي يمكن أن يُروى، لا فقط يُدفن.

أدارت إيزابيلا السلسلة بين أصابعها ببطء، وكأنها ما تزال تحاول استيعاب ما فعله. ثم رفعت عينيها إليه، نظراتها جمعت بين الفضول والهدوء، وسألته بصوت ناعم:

ـ «قلت إنك ستأخذني للخارج... هل سنبقى هنا كثيرًا؟»

تأمل ملامحها لوهلة، ثم تنهد ونظر حوله. المستودع كان ساكنًا، لا صوت سوى تنفسهما وصوت السكون الثقيل. اقترب منها خطوة، وأجاب بصوته العميق الهادئ:

ـ «كنت أريد أن أريك شيئًا... شيء يخصني، و... شيء أردتك أن تكوني جزءًا منه. لكن لا، لن نبقى.»

ابتسمت بخفة، ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى لكنها تحمل ارتياحًا حقيقيًا، وقالت:

ـ «جيد... أظنني أحتاج لهواءٍ نقي الآن.»

رفع حاجبًا قليلاً، وهمس وهو يمد يده إليها:

ـ «هل أثقلتك برائحة الدم والرماد؟»

ترددت للحظة، ثم أمسكت يده، وأجابت بصوت أقرب للهمس:

ـ «لا... أثقلتني بما خلف عينيك.»

سادت لحظة صمت قصيرة، لكنها كانت مفعمة بالمعاني، قبل أن يقودها للخروج من الغرفة.

في الممر المظلم، خطواتهما كانت متقاربة، لا استعجال ولا تردد. وعندما وصلا إلى الخارج، فتح الباب المعدني، فاندفع نور الشمس فجأة، أغمضت عينيها لوهلة، ثم ابتسمت دون أن تنظر إليه:

ـ «الآن... هذا أفضل.»

نظر إليها للحظة بصمت، ثم قادها نحو السيارة بهدوء. وعندما فتح لها الباب لتدخل، لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير:

هل هذا الرجل... يقترب؟ أم أنه فقط ينهار بهدوء أمامي؟

قادها ميخائيل بصمت إلى السيارة، يداه في جيبي سترته، ونظراته بين السماء والطريق. فتح الباب لها بهدوء، وأشار بعينيه دون كلمات، فجلست إيزابيلا في المقعد الأمامي دون تردد، وقد لاحظت أنه لم يبعد عينيه عنها للحظة، وكأنه يقرأ أفكارها، أو... يحفظ ملامحها.

استدار إلى الجهة الأخرى وجلس خلف المقود، شغّل المحرك بصوته الخافت، وبدأت السيارة تتحرك ببطء خارج المستودع القديم، مخترقة طرقًا جانبية ترابية لا تمر بها الكثير من السيارات.

الهدوء كان سيد المكان، حتى قطعته إيزابيلا بصوتها الرقيق:

ـ «أين سنذهب؟»

أجاب دون أن يلتفت:

ـ «مكان بعيد عن الضجيج... وعن الناس. أردتك أن تري شيئًا آخر.»

ظلت تحدق في الطريق أمامها، ثم همست:

ـ «وكأنك تحاول أن توازن شيئًا بداخلي...»

ـ «ربما أحاول أن أوازن شيئًا بداخلي أنا.»

أدار وجهه نحوها للحظة، نظراته كانت مباشرة، صادقة على نحو مربك، ثم أعادها إلى الطريق. أما هي، فشعرت وكأن قلبها فقد إيقاعه المعتاد.

مرت دقائق من الصمت بينهما، لا حاجة للكلمات، الهواء العليل يتسلل من نافذتها، ويعبث بخصلات شعرها، بينما هو كان ينظر إليها بين الحين والآخر، وكأن وجودها بجانبه يعيد له شيئًا نسيه منذ زمن.

أخيرًا، انعطف بالسيارة نحو طريق تحيط به الأشجار من الجانبين، وفي نهايته بدأت تظهر معالم مكان مختلف...

توقّفت السيارة بهدوء عند حافة الطريق، حيث امتدّت أمامهما غابة صغيرة يفصلها عن بحيرة صافية مرآتها تعكس زرقة السماء وهدوء النسيم. لم تكن هناك أي أصوات سوى همسات الريح وهمهمة أوراق الشجر.

ترجّل ميخائيل أولاً، ثم التفّ حول السيارة وفتح بابها لها. مدت إيزابيلا يدها بتردد، لكنه أمسك بها بثبات، ونظره لم يفارق عينيها.

ـ «نحن وحدنا هنا؟» همست وهي تنظر للمكان الساحر بدهشة.

ـ «تمامًا. هذا المكان لا يعرفه أحد غيري.»

قالها بصوت منخفض لكنه واثق، وترك يدها ببطء.

سارت بجانبه نحو البحيرة، خطواتها بطيئة، وعيناها تلتهمان تفاصيل الطبيعة النقية حولها. الغريب أن شيئًا في هذا الهدوء اخترقها، كأن صدرها بدأ يتنفس أخيرًا.

جلس ميخائيل على جذع شجرة ضخم قرب المياه، وأشار لها أن تجلس. فعلت، ببطء، دون أن تزيل عينيها عنه. بدا وكأنه رجل مختلف هنا، أقل قسوة، أقل جمودًا... أكثر صدقًا.

قال دون أن ينظر إليها:

ـ «حين كنت في السجن... كنت أحلم بهذا المكان. كنت أخلق تفاصيله في رأسي حتى لا أجن.»

نظرت إليه بدهشة، لكنه لم يمنحها فرصة للمقاطعة، وأكمل:

ـ «وذات يوم... بعد أن خرجت، وجدت هذا المكان صدفة. يشبه ما رسمته في خيالي بالضبط.»

ساد صمت عميق بينهما. لم تدرِ ما يجب أن تقوله، فمدّت يدها إلى الأرض ولمست العشب الناعم، وهمست:

ـ «وكأنك كنت تبحث عن مأوى لنفسك... وهربت إليه.»

التفت إليها، بنظرة طويلة غامضة، ثم قال:

ـ «ربما. لكني الآن... جئت به إليكِ.»

توقف الزمن في عينيها للحظة، وأحست بكلماته كأنها رُسمت على جدار روحها.

مرّت دقائق طويلة لم يتحدث فيها أحدهما، لكن لم يكن هناك حاجة للكلمات. كانت الطيور تغرّد من بعيد، والماء يلمع تحت ضوء الشمس، وقلوبهما ـ دون وعي ـ بدأت تهدأ، تقترب، تتنفس بصمت جديد لم يعرفاه من قبل.

إيزابيلا كانت تنظر إلى الماء، ثم قالت بهدوء وهي لا تزال تتجنب عينيه:

ـ «لم أتخيل أن مكانًا كهذا يمكن أن يوجد وسط كل هذا الظلام.»

ردّ بصوته الأجش، لكن بنبرة هادئة:

ـ «أحيانًا... نحتاج إلى بقعة واحدة فقط تنقذنا من كل شيء.»

ثم مدّ يده فجأة والتقط خصلة من شعرها انزلقت على خدّها، وأعادها خلف أذنها برفق. تجمدت في مكانها للحظة، لم تستطع حتى أن تتنفس، كانت يداه خشنتين، لكن لمسته كانت تحمل شيئًا آخر... شيئًا غريبًا.

همست بصوت منخفض:

ـ «ألا تخاف من الندم؟»

نظر إليها طويلاً، بعينين عميقتين، ثم أجاب ببطء:

ـ «الندم لا يخيفني... ما يخيفني هو أن أكرر نفس الخطأ مرتين.»

ثم أضاف بعد لحظة:

ـ «وأنا لا أريد أن أخطئ معكِ.»

ارتبكت، حاولت أن تزيح نظرها، لكن عينيه كانت تقبض على انتباهها كالمصيدة. قلبها بدأ يخفق بطريقة لم تعرفها من قبل، ومع ذلك لم تهرب، لم تنسحب، فقط قالت:

ـ «وأنا... لا أفهمك بعد. لكني لا أريد أن أهرب.»

ابتسم لأول مرة، ببطء، بظلّ ابتسامة بالكاد تُرى.

شعرت بذراعه تلتف حول كتفها، ليس بقوة أو هيمنة، بل كأنه يحاول أن يقول: "أنا هنا."

شهقت أنفاسها دون قصد، ليس خوفًا... بل دهشة. لم تعتد هذا النوع من القرب، وخصوصًا من رجل مثله. رجل يخشاه الجميع، يهابه العالم، لكنه الآن... يحيطها بذراعه كأنها كنز يجب حمايته.

همست بصوت متردد، دون أن ترفع نظرها:

ـ "أنت... لا تبدو كما يصفك الآخرون."

أجاب بصوت منخفض، أقرب إلى النبض:

ـ "وأنتِ لا تشبهين أحدًا التقيت به من قبل."

التفتت نحوه، نظرت إلى ملامحه القاسية... لكنها لم تعد تراها كما كانت. عينيه فيهما شيء من الدفء، شيء يشبه الخوف... لكنه موجه نحوها، لا منها.

همست وهي تحدق في وشم يده:

ـ "هذا العالم لا يرحم..."

اقترب منها أكثر، حتى لامست جبهته طرف جبهتها، وقال بصوت خافت:

ـ "لكن ربما... نحن لم نُخلق لنكون راحمين، بل فقط لننجو."

ارتجف قلبها، ليس خوفًا... بل لتلك اللحظة القريبة، الهادئة، النادرة.

لم يتحركا، فقط بقيا هكذا، جبهتيهما متلاصقتين، أنفاسهما متقاربة، وصوت الطبيعة من حولهما يملأ الصمت الجميل الذي وحد قلبيهما للحظة خالدة.

مرت دقائق طويلة دون أن يتحرك أحدهما. كانت إيزابيلا تجلس بهدوء إلى جانبه، بينما ظل ذراعه حول كتفها وكأن وجوده بهذا الشكل بات أمرًا طبيعيًا. لم تكن تعرف إن كان الوقت هو من أصبح أبطأ، أم أن قربه جعل العالم كله يتوقف عن الحركة.

نظرت إلى البحيرة الهادئة أمامها، وانعكاس ضوء الشمس على سطحها اللامع، ثم تساءلت بصوت أقرب للهمس:

ـ "هل كنت تأتي إلى هنا وحدك؟"

أجاب ميخائيل بعد لحظة، وصوته عميق يحمل شيئًا من الذكريات:

ـ "كنت آتي حين أريد أن أختنق... المكان الوحيد الذي لا أُجبر فيه على أن أكون الوحش."

أدارت وجهها إليه، ببطء، وتلاقت عيناها بعينيه... كان فيهما حزن صامت، وحرب لا تهدأ.

قالت بهدوء:

ـ "لكنك ما زلت تحمل الوحش معك... في عينيك، في صوتك."

ابتسم، تلك الابتسامة الصغيرة التي بالكاد تظهر، لكنه قال بصوت منخفض:

ـ "أنتِ الوحيدة التي جعلت الوحش يتوقف... حتى وإن كان للحظة."

سكتت إيزابيلا، لم تعرف بماذا ترد... لكن يدها، من تلقاء نفسها، امتدت بخفة لتلامس راحة يده فوق ركبته، تردد لحظة، ثم شدت أصابعه فوق أصابعها.

كانت تلك اللمسة الأولى التي لم تكن عابرة، ولا مقصودة من طرف واحد.

شعر بتلك اللمسة وكأنها وعد صامت، شيء لا يحتاج للكلمات.

ـ "أنا لا أعرف من تكون تمامًا يا ميخائيل،" همست وهي تحدق في أصابعه الكبيرة والوشوم التي تزين يده،

"لكنني... لا أخافك كما ينبغي."

ـ "ربما هذا ما يُخيفني، إيزابيلا."

قالها وهو يرفع يدها بين يديه، ينظر إليها كأنها شيء هش ونادر. ثم انحنى قليلًا، وطبع قبلة صامتة على ظهر كفها... ببطء، وباحترام.

لم يكن بينهما اعتراف، ولا وعود، فقط تلك اللحظة التي احتوت كل شيء.

أومأ ميخائيل برأسه، وكأن شيئًا داخله اتخذ قرارًا نهائيًا، ثم نهض من مكانه ومد يده إليها.

ـ "تعالي... سأفي بوعدي الآن."

نظرت إليه إيزابيلا متسائلة، لكنه ابتسم تلك الابتسامة التي لم تكن تراها كثيرًا، وقال:

ـ "سنتناول الغداء في الخارج."

ترددت لثوانٍ، ثم مدت يدها إليه، فساعدها على النهوض، ورافقها بخطى هادئة إلى السيارة. كانت السماء صافية، ونسيم خفيف يداعب وجهها بينما كان هو يفتح لها باب السيارة، يراقبها بنظرات يصعب فهمها.

في الطريق، لم يتحدثا كثيرًا... كانت أصوات الموسيقى الهادئة تملأ السيارة، وإيزابيلا تنظر من النافذة بينما ذهنها شارد. شعرت بنظراته عليها أحيانًا، لكنها لم تلتفت. كان هناك شيء بينهما لا يحتاج للكلمات.

ـ "هل تفضلين مكانًا هادئًا؟" سأل فجأة، وصوته دافئ.

أجابت بنبرة خفيفة:

ـ "أي مكان لا يشبه القصر... سيكون جميلاً."

ابتسم، ثم أخذ منعطفًا مختلفًا عن الطريق الرئيسي. وبعد عشر دقائق، توقفت السيارة أمام مطعم صغير في أطراف المدينة، مبني على طراز روسي قديم، بألوان خشبية دافئة ونوافذ زجاجية كبيرة تطل على حديقة خضراء.

نزل ميخائيل أولاً، ثم دار حول السيارة وفتح لها الباب. حين نزلت، مد ذراعه فوضعت يدها عليه من تلقاء نفسها.

ـ "هذا المكان..." قالت بنعومة وهي تنظر حولها، "أشبه بالحلم."

همس وهو ينظر إليها، لا إلى المكان:

ـ "بعض الأحلام تستحق أن تُعاش."

ثم دخلا معًا المطعم، وسط دفء الخشب ورائحة الخبز الطازج، ونظرات العاملين الذين انحنوا فور رؤيتهم ميخائيل، ثم تبعوها بنظرات فضول إلى المرأة التي كانت برفقته.

اختار ميخائيل طاولة في زاوية تطل على الحديقة الخلفية، حيث تتسلل أشعة الشمس برقة عبر الزجاج، وترتسم خطوط الضوء الذهبية على الطاولة الخشبية. جلس أولاً، ثم انتظرها حتى تجلس قبالته، وبينهما سكون مريح، لا يحمل توتراً، بل شيئًا آخر... شيئًا مختلفًا.

قُدّمت لهما قائمة الطعام، لكن إيزابيلا لم تنظر إليها فورًا، بل كانت تحدق في الأزهار بالخارج.

سألها بهدوء وهو يراقبها:

ـ "تفكرين بشيء؟"

أجابت بصوت ناعم:

ـ "لا... فقط لم أعتد على أماكن كهذه، هادئة... ولطيفة."

رفع حاجبه قليلاً وقال:

ـ "لطيفة؟"

ضحكت بهدوء:

ـ "أنت معتاد على الدم والسلاح. وأنا معتادة على القصور والجمود... لكن هنا؟ يبدو الأمر كأنه عالم بعيد عن كل ما نعرفه."

أخذ القائمة بيده ونظر فيها للحظة، ثم قال وهو يمد يده نحوها بالقائمة الأخرى:

ـ "اختاري ما تريدين، إيزابيلا. لا قواعد هنا."

نظرت إلى عينيه، كانت نبرته صادقة على غير عادته، وكأن هناك رجلًا آخر خلف جدار "جزار البراتفا".

فتحت القائمة وابتسمت:

ـ "أظنني سأجرب كل شيء لا يُقدم في القصر."

ـ "اتفاق." قالها بابتسامة صغيرة، ثم أشار للنادل بطلبين بسيطين من المطبخ الروسي التقليدي.

حين غادر النادل، عادت نظراتهما تلتقي، وأرادت أن تسأله، ففعلت:

ـ "هل تفعل هذا كثيرًا؟"

ـ "ماذا؟"

ـ "تأخذ نساءك إلى مطاعم هادئة وتطلب لهن طعامًا خاصًا؟"

ابتسم ببطء، تلك الابتسامة التي تجعلها تفقد تركيزها، وقال بصوته العميق:

ـ "أنتِ لستِ واحدة من نسائي، إيزابيلا... أنتِ زوجتي."

ابتلعت ريقها بصمت، لم تعلم هل هي صدمة تلك الكلمات أم نبرته الحاسمة التي جعلت قلبها يخفق.

قال فجأة وهو يراقب تعابير وجهها:

ـ "أعرف أن هذا الزواج بدأ بطريقة لا تليق بكِ... ولا تليق بي. لكن لا يمكننا الهروب منه، لذا ربما حان الوقت لنتعلم كيف نعيش فيه."

همست وكأنها تحدث نفسها:

ـ "أن نتعلم كيف نعيش معًا... دون أن نؤذي بعضنا."

ـ "بالضبط." أجابها بنبرة لم تسمعها منه من قبل... شيء من التفاهم، وربما... من الندم؟

جاء الطعام، ومعه رائحة دافئة ونكهة حديث جديد قد يبدأ بينهما. لم يكن الغداء عادياً... كان خطوة أولى صغيرة، نحو شيء لم يُسمَّ بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تحت جناح الجزار    10

    تناولا طعامهما بهدوء، ومع كل دقيقة تمر، بدا وكأن طبقات الجمود بينهما تتآكل ببطء، كما لو أن صمت الماضي وندوب الأرواح بدأت تفسح المجال لسكينة خجولة.كانت إيزابيلا ترفع عينيها نحوه بين الحين والآخر، تراقب تفاصيل وجهه وهو يأكل بصمت. قسماته كانت أقل قسوة الآن… أقل وحشية. ربما كانت أشعة الشمس تفعل ذلك، أو ربما هو حقًا… مختلف.قالت وهي تمسح زاوية فمها بمنديل من الكتان:ـ "لم أتخيلك يومًا تجلس على طاولة كهذه، وتتناول شوربة ساخنة في مطعم صغير."أجاب بهدوء دون أن يرفع نظره عنها:ـ "لم أتخيل نفسي يومًا أُجبر على الزواج… ثم أجد في ذلك إجبارًا راحة."نظرت إليه طويلاً. كلماته خرجت صادقة، خالية من التزييف.ـ "هل أنت نادم؟" همست بها، مترددة قليلاً.رفع عينيه ببطء، وحدق في عينيها دون أن يجيب فورًا، ثم قال:ـ "كنت غاضبًا في البداية… من الاتفاق، من الظروف، منكِ حتى. لكن الآن؟ لا. لا أعتقد أني نادم."انخفض صوتها أكثر:ـ "ولا حتى بعد ما حدث ليلة الزفاف؟"تغيرت ملامحه قليلًا، كأنه استدعى ذكرى مؤلمة. تنفس ببطء، ثم قال:ـ "تصرفت حينها كرجل بلا قلب… لكني لم أكن بلا عقل. رأيت كيف وقفتِ بثبات، كيف رددتِ عليها ب

  • تحت جناح الجزار    9

    بعد أن رحل ميخائيل بهدوء من الجناح، بقي عبق اللحظة في الهواء، يلامس أنفاسها كما لو أن حضوره لم يغادر بعد. كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، تبعثر خيوطها الذهبية على أرضية الغرفة الهادئة، بينما ظلت إيزابيلا جالسة على طرف الفراش، عيناها تائهتان في نقطة بعيدة على الجدار المقابل، لا تنظر إليه حقًا... بل تعود في ذاكرتها إلى الليلة الماضية.وضعت يدها على كتفها، حيث كان ذراعه يحوطها، شعرت بسخونة وهمية لا تزال عالقة، وخفق في صدرها لم تعرف له تفسيرًا. لم تكن معتادة على هذا النوع من الصمت المريح، الصدق الذي لا يحتاج إلى كلمات. ميخائيل لم يكن قاسيًا، لم يكن متسلطًا... بل كان حقيقيًا. لحظة واحدة جعلتها تتساءل: من هو الرجل الذي شاركها هذا السكون؟ وهل كانت تعرفه فعلًا؟نهضت بهدوء، وتقدّمت إلى النافذة. فتحتها قليلًا، فاندفعت نسمة ناعمة تحمل معها رائحة الصباح الندية، وهدأت شيئًا ما في صدرها. سحبت نفسًا عميقًا، ثم أغمضت عينيها للحظة.كان اليوم قد بدأ... لكنها لم تكن بعد مستعدة له.وقفت إيزابيلا أمام النافذة، شاردة، تتأمل الحديقة الهادئة التي بدأت تستفيق مع أولى خطوات الشمس. أوراق الأشجار تتحرك بخفة مع نسما

  • تحت جناح الجزار    8

    تقدّما بخطى ثابتة داخل القاعة الواسعة. كانت الإضاءة خافتة وأنيقة، تنعكس على الأرضية السوداء اللامعة، وتُضفي على الجو رهبة متعمدة. رائحة السيجار الراقي امتزجت بعطرٍ ثقيل قادم من المقاعد الأمامية، حيث كان يجلس عدد من الرجال ذوي الوجوه الجامدة والعيون المتفحصة.كان الجو داخل القاعة مختلفًا عمّا توقّعته. المكان لم يكن مجرد غرفة عشاء فاخرة—بل كان مشهدًا مرسومًا بعناية لعالم لا يرحم. رجال ونساء من طبقة السلطة المظلمة، وجوه مألوفة لبعضهم، وأخرى جديدة تراقب بتربص. بعضهم قادة عصابات، آخرون رجال أعمال بواجهات نظيفة وقلوب غارقة في الجريمة، وكلهم يرتدون تلك الأقنعة الاجتماعية التي تُخفي شيئًا أشد من الرصاصة وأكثر فتكًا.كانت يد ميخائيل ثابتة على ظهرها، يوجّهها نحو الطاولة المخصصة لهما، وكل من في المكان ينتبه إليهما. ليس فقط لأنه "الباخان"، بل لأنها هي، الإسبانية التي أخذت مكانًا لم يكن لها، والتي يتناقل عنها الحضور همسات مشككة.وفي تلك اللحظة، وقعت عينا إيزابيلا على وجه مألوف... شابة ذات شعر بني غامق وشفاه دقيقة ملتوية بسخرية مألوفة. ليديا، ابنة سيرجي نيكولايف. ذات الفتاة التي حاولت إهانتها يوم ا

  • تحت جناح الجزار    7

    الليل في القصر كان أكثر صمتًا من المعتاد. الثلج بدأ يتساقط بخفة، ناثرًا بياضه على النوافذ الزجاجية الواسعة. لكن جناح ميخائيل لم يكن ساكنًا كعادته… كان أشبه بعش دخان يعج بأفكار سوداء لا تهدأ.جلس على المقعد الجلدي الداكن في مكتبه، وحده، كأس نصف ممتلئ بوسكا بين يديه. لم يشربه. فقط راح يُديره بين أصابعه، وكأنه يعيد ترتيب توازنه عبر زجاج الكأس.وجهها لم يختفِ عن باله. ولا صوتها.نبرتها كانت صلبة… رغم أنها خافت.تلك اللحظة حين نظرت إليه وقالت:«كل ما تملكه مني، هو أنني سأحترم مكانتك كباخان، لا أكثر."جعلته يتوقف. هو، الذي لا يتوقف.كم امرأة رفعت صوتها عليه من قبل؟ لا واحدة. حتى حين كان يُصدر الحكم بالموت، كانوا يهمسون توسلاً، أو يصمتون... أو ينهارون.إلا هي.رفع بصره ببطء نحو صورة والد والده المعلقة في الجدار. زعيم البراتفا الأول، الرجل الذي لم يبتسم في حياته إلا حين أحرق خائناً حيًا أمام المجلس.همس لنفسه:«كانت ستجعل أمي تبدو كراهب في دير.»نهض واقفًا، وأخذ نفسًا طويلاً. لم يكن غاضبًا كما توقع. بل كان متوتراً… بشكل لم يفهمه. كأن شيئاً ما داخله يحاول أن يقرر: هل يبتلعها؟ أم يحميها؟هو لم

  • تحت جناح الجزار    6

    في الحديقة الخلفية للقصر، كان النسيم البارد يلامس وجنتيها بخفة، وعبق الأرض الروسية يختلط بعبير الزهور المزروعة بعناية على طول الممرات. جلست إيزابيلا على مقعد خشبي مطل على بركة ماء ساكنة، وقد وضعت دفتر رسم على ركبتيها، وأمسكت قلم الفحم بين أصابعها النحيلة.كانت صامتة، تحدق في صفحة بيضاء لم ترسم فيها بعد. لم تكن تعرف ما الذي ترغب في رسمه، لكنها كانت بحاجة إلى هذه العزلة، إلى هذه المساحة من الصمت داخل هذا العالم المليء بالعيون المراقبة والقلوب المشحونة.رفعت رأسها ببطء، عينيها تتفحصان أطراف الحديقة، الجدران العالية، والأشجار الصنوبرية التي تلامس السماء الرمادية. كل شيء بدا غريبًا عنها، كأنها ضيفة مؤقتة في مسرح صامت.صوت خطوات خفيفة جعلها تنتبه.استدارت ببطء، لتجد ديمتري واقفًا على بُعد خطوات منها، يضع يديه في جيبيه، وعيناه تراقبانها بفضول خافت. لم يكن عدائيًا، لكنه لم يكن ودودًا أيضًا.قال بالروسية وهو يميل برأسه قليلاً:«لم أكن أعلم أن زوجة الباخان ترسم.»أجابت دون أن تبتسم، وهي تغلق دفتر الرسم:«هناك أشياء كثيرة لا تعرفونها عني بعد.»اقترب قليلاً، ونظر إلى دفترها المغلق، ثم قال:«هل تخ

  • تحت جناح الجزار    5

    كانت أبواب المطار الخاصة قد فُتحت على مصراعيها تحت وقع خطوات ميخائيل الثقيلة، وخلفه إيزابيلا تسير بهدوء، رأسها مرفوع ولكن عينيها تراقبان كل شيء.الهواء الروسي كان قاسيًا، جافًا وباردًا. لفحتها أولى نسماته كصفعة، ومع ذلك لم تهتز. معطفها الثقيل بالكاد تصدى للبرد، لكنها وقفت بثبات.كان في انتظارهم صفٌ من الرجال... رجال البراتفا. جميعهم يرتدون الأسود، معاطف طويلة، وجوه صارمة ونظرات لا ترحم. كل رجل فيهم كان يحمل في ملامحه شيئًا من العنف المكبوت والانضباط العسكري.وحين اقترب ميخائيل، انقسم الصف إلى نصفين في حركة مدروسة، واصطفوا على الجانبين بانضباط جندي. ثم، وبحركة موحدة، انحنوا له انحناءة خفيفة.قال أحدهم بصوت جهوري:— "Добро пожаловать домой, Pakhan."— أهلاً بعودتك إلى المنزل، باخان.إيزابيلا لم تجهل الكلمة. باخان… تعني الزعيم.نقل الرجال أنظارهم نحوها، بفضول وحيطة، وبعض التوتر غير المعلن. كانت هي، "العروس الإسبانية"، "الهدنة المجسدة"، "التهديد المحتمل"، لكنهم جميعًا التزموا الصمت... فقط نظراتهم تحدثت.ثم تقدم رجل بدا أكبرهم سنًا بخطوات محسوبة، اقترب من ميخائيل، وانحنى قليلاً باحترام:—

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status