مشاركة

3

last update تاريخ النشر: 2026-06-04 11:36:15

كان اليوم التالي مشرقًا بشكل يبعث على الاستفزاز، وإيزابيلا تقف أمام المتجر البراق والفاخر في إحدى زوايا مدريد، تنظر للافتة المزينة بزهور وردية ودانتيل أبيض وكأنها أمام ساحة إعدام.

"لن أدخل." قالتها بصرامة، ويدها معقودة فوق صدرها.

لكن ماريسا كانت قد عبرت الباب بالفعل دون أن تلتفت.

أما أنطونيا، فربتت على كتفها هامسة بخبث:

"هيا يا عروس، العالم بحاجة لرؤية وجهك حين ترين ما بداخل هذا المتجر."

دخلت إيزابيلا أخيرًا، بخطوات بطيئة وكأنها تمشي إلى قدر لا مفر منه. وما إن دخلت حتى استقبلتها ألوان الباستيل، الدانتيل، والحرير الناعم المتدلي من كل رف، وكأن المكان كله صُمم خصيصًا لاستفزازها.

ماريسا أمسكت أول قميص نوم وردي، شفاف، مزين بشريط دانتيل عند الحافة.

"هذا لطيف، ما رأيك؟"

إيزابيلا: "أعتقد أن قطة في مزاج سيء سترتديه، لا أنا."

كارمن وضعت يدها على فمها تخفي ضحكتها، بينما أنطونيا انفجرت ضاحكة:

"ماريسا، لو أحضرتِ شيئًا أكثر تحفظًا قد تفقدي وعيك."

ماريسا، بهدوء لا يشبه فوضى المكان، التفتت نحو إيزابيلا وقالت:

"هذه الليلة الأولى، يجب أن تكوني أنثى. لا جندية."

إيزابيلا التقطت قميصًا أسودًا بسيطًا دون دانتيل أو شقوق، ورفعته قائلة:

"هذا؟ هادئ. أنيق. يغطي. مثالي."

"هذا يصلح كزي عزاء، لا زفاف." تمتمت ماريسا وهي تسحب منها القميص وتعيده.

بينما كارمن بدأت تختار قمصانًا شديدة الجرأة فقط لتري ردة فعل إيزابيلا، التي بدأت تنظر للجميع وكأنها تفكر فعلًا في الهروب عبر نافذة خلفية.

"سأقتل كل واحدة منكن حين أعود للقصر." همست بصوت خافت.

أنطونيا قالت:

"بعد الزواج طبعًا. سننتظرك لتنتهي من مراسم العار هذه."

ماريسا كانت منغمسة في اختيار الألوان والقصات، وبين كل قطعة وأخرى كانت تقول:

"هذا لليلة الأولى… وهذا لليلة الثانية… وهذا إذا تشاجرتما وتصالحتم."

قالت إيزابيلا وكادت تصرخ:

"هل هناك لباس مخصص لكل سيناريو حياتي؟"

لكن ماريسا تجاهلتها كأنها لم تسمع، ثم رفعت رأسها وقالت:

"حبيبي، الزواج فن… ونحن الآن نعدّكِ لتكوني تحفة فنية."

إيزابيلا همست وهي تمسك قطعة دانتيل شبه شفافة:

"بل جريمة فنية."

واصلت الأربع نساء جولتهن داخل المتاجر الفاخرة، وكل واحدة منهن تحمل عددًا من الأكياس الملونة، بينما كانت إيزابيلا تمشي خلفهن بخطى بطيئة، وكأن كل متجر يدخلوه هو عقوبة جديدة.

في المتجر التالي، اندفعت ماريسا فورًا نحو قسم "اللانجري" الفاخر، بينما تابعتها كارمن وأنطونيا بحماس واضح.

أما إيزابيلا فتمتمت من خلفهم:

"ألم ننتهِ من تعذيب اليوم؟"

ماريسا لم ترد، فقط رفعت بيدها قميص نوم حريري بلون العاج، مزين بدانتيل شفاف:

"إيزابيلا، جربي هذا."

حدقت فيها إيزابيلا ببرود:

"هل تظنين أني سألبس هذا أمام رجل بالكاد أعرفه؟"

كارمن انفجرت ضاحكة وهي تمسك قميصًا أقصر وأجرأ، وتلوّح به:

"إذن هذا مناسب أكثر؟ فيه مساحة للهروب!"

أنطونيا اقتربت لتوشوش في أذنها:

"كونك بالكاد تعرفينه هو السبب في أنكِ تحتاجين هذا، ليراكِ ولا ينساكِ."

إيزابيلا رفعت حاجبيها وقالت بتهكم:

"أنا لست إعلان عطر، ولا أريده أن يتذكرني."

لكن ماريسا كانت في حالة تصميم، تتحرك بين الرفوف كقائدة معركة.

"ستأخذين هذا، وهذا، وهذا... أما هذا، فربما حين تتصالحان بعد أول خلاف."

قالت إيزابيلا بهدوء قاتل وهي تنظر للأكياس المتزايدة:

"سنحتاج شاحنة لنقل كل هذا. أو نعش، لدفني حيّة فيه."

لكن ماريسا لم تتراجع، وبين قميص نوم ناعم وآخر أكثر جرأة، كانت تشرح كل تفصيلة وكأنها تدرّس دورة في "إعداد العرائس 101".

كارمن لاحظت إيزابيلا تسير خلفهم كأنها تجر قدميها، فقالت ساخرة:

"هل أنتِ على وشك الإغماء؟"

أجابت إيزابيلا:

"بل على وشك الانفجار."

أنطونيا ربتت على ظهرها:

"هوني عليكِ، لم يتبقَّ سوى المجوهرات."

إيزابيلا شهقت:

"مجوهرات؟"

ماريسا ابتسمت بانتصار:

"طبعًا! الأقراط، العقد… لا يمكن أن تظهري كأنك ذاهبة إلى جنازة."

إيزابيلا تنهدت، وهمست:

"لو كنت ذاهبة لجنازة، على الأقل لن أضطر للابتسام."

ثم تابعت معهم بصمت، تجرّ نفسها من متجر لآخر، تتأمل المرايا الكبيرة، والأضواء البراقة، والنساء اللاتي حولها يضحكن ويتبادلن النكات… بينما هي تجهّز نفسها لتدخل قفصًا ذهبيًا، اختاروه وبات يقترب، قطعة دانتيل بعد أخرى.

ـ في الزاوية الشرقية من المتجر، حيث تتسلل أشعة الشمس عبر الواجهات الزجاجية لتنعكس على كل حجر ثمين فيه، بدت المجوهرات وكأنها تلمع بإصرار مزعج.

كانت ماريسا تتقدّم بخطى واثقة، تشير بعصا من خيالها إلى الخزائن الزجاجية، بينما تبعتها كارمن وأنطونيا بفضول مرح، تتبادلان النظرات والتعليقات المكتومة.

أما إيزابيلا، فقد وقفت خلفهم تمامًا، ذراعاها معقودتان، تنظر إلى الأمام بجمود، وكأنها تتقدّم نحو محكمة إعدام.

قالت ماريسا بصوتها الهادئ الثابت:

"السيد ميخائيل مالكوف سيرسل غدًا أحد رجاله لأخذ مقاس إصبعك لصنع خاتم الزفاف… أما اليوم، فنحن هنا من أجل مجوهراتك الشخصية. لا يمكن لعروس أن تدخل بيت زوجها خالية المعصم أو الرقبة."

تنهّدت إيزابيلا بصمت، وهي تحدق في الخزائن الممتلئة بكل ما يلمع ويتلألأ ويؤذي العين.

عقود تتدلّى كالسلاسل الثقيلة، وأساور مرصعة بأحجار بحجم عيون القطط، وأقراط تزن أكثر من رغبتها بالزواج نفسه.

همست ببرود:

"هل نحن في متجر أم منجم الماس؟"

تساءلت مجدداً:

"هذه ليست مجوهرات… هذه أدوات تعذيب."

ضحكت أنطونيا وهمست لكارمن:

"إنها ستنهار في أي لحظة، انتبهي."

لكن ماريسا كانت في مهمّة، وأصابعها تتحرك بخفة، تختار عقدًا يلمع كألسنة لهب، وسوارًا بوزن معصم كامل.

"هذا مناسب، وهذا أيضًا… وهذه الأقراط ستبدو رائعة مع شعرك المرفوع."

إيزابيلا رفعت حاجبها ونظرت نحو المرآة الكبيرة أمامها:

"شعري لن يُرفع. وذوقي لا يحتمل هذا الحجم من… الهجوم البصري."

أمسكت بعقد ذهبي ضخم ورفعته أمامها، ثم تمتمت ببرود:

"هل هذا يُلبس؟ أم يُعلّق على مدخل القصر كزينة؟"

ضحكت أنطونيا بصوت خافت، بينما اقتربت كارمن منها وهمست بسخرية:

"قريبًا سيطلبون منكِ توقيع عقد ضمان لعدم الانهيار تحت وزن هذه المجوهرات."

ماريسا لم تهتم لتعليقاتهن، فقد كانت في عالمها الخاص، تختار وتُشير وتمنح الأوامر للبائعة بخفة وذوق لا يُجادَل.

"هذا السوار رائع… وهذه الأقراط ستبدو مثالية مع تسريحتك… آه، وهذا العقد... راقٍ جدًا."

لكن إيزابيلا رفعت حاجبها ببطء وقالت بنبرة ثابتة:

"لن أضع أي من هذه المجوهرات… تبدو كأنها أدوات تعذيب فاخرة."

ردّت ماريسا دون أن تلتفت إليها:

"ستضعين ما يجعلكِ تليقين باسم العائلة."

التقت عينا إيزابيلا بعيني البائعة للحظة، فراودها شعور بأن المرأة تشفق عليها.

تمتمت كارمن بنبرة ساخرة وهي تتفحص عقداً يلمع كالشمس:

"لو كنا نحن مكانك، لكنا نختار المتجر كله…"

أجابت إيزابيلا، وهي تتنفس ببطء:

"لو كنتن مكاني… لكنتن تهربن من نافذة الطابق الثاني الآن."

لكنها رغم كل اعتراضاتها، مشت خلفهن. كأن كل خطوة كانت تستنزف منها مقاومة إضافية، كأن المجوهرات اللامعة هذه، كانت تمتص منها القليل من ذاتها في كل مرة.

بينما كانت ماريسا تختبر بروفة فاخرة لحفل ملكي، وتملأ الصينية تلو الأخرى بمجوهرات تلمع كأنها نجوم اصطناعية، انسحبت إيزابيلا بهدوء إلى طرف المعرض، بعيداً عن بريق الذهب المبالغ فيه والأحجار الصارخة.

كان هناك ركن صغير، بعيد قليلاً عن المركز، يعرض قطعاً أكثر هدوءاً. كانت تلك المجوهرات رقيقة، بسيطة، وكأنها لا تصرخ للفت الانتباه بل تهمس بهدوء.

وقعت عيناها على عقد ناعم من الذهب الأبيض، يتدلّى منه حجر صغير من الزمرد، أخضر بعمق الغابات القديمة، يلتقط الضوء بلطف دون أن يجرح العين.

أخذته بيديها، وشعرت للحظة أن هذا العقد يشبهها.

"وأخيراً قطعة لا تشبه الثريات!" تمتمت بسخرية خفيفة.

"ماذا وجدتِ؟" سألت كارمن وهي تقترب بفضول، بينما ماريسا لا تزال منشغلة في إملاء الطلبات.

رفعت إيزابيلا العقد وقالت ببساطة:

"هذا يناسبني. بسيط، ناعم، ولا يبدو كأنه سيخنقني."

تقدمت ماريسا أخيراً، ونظرت إلى العقد في يدها، ثم إلى وجهها، ثم تمتمت دون حماس:

"صغير جداً… لكنه يناسبك."

أومأت إيزابيلا بهدوء، كأن هذا القبول الصامت كان انتصاراً صغيراً في يوم حافل بالاستسلامات.

قالت أنطونيا مبتسمة:

"على الأقل فزتِ بجولة واحدة اليوم."

أجابت إيزابيلا وهي تدس العقد في علبته بعناية:

"جولة واحدة تكفي لليوم."

ثم التفتت إلى ماريسا وسألت بنبرة شبه مستسلمة:

"هل انتهينا؟"

ابتسمت خالتها وقالت:

"بالكاد بدأنا. غداً، الأحذية."

شهقت إيزابيلا بصمت، بينما كارمن وأنطونيا انفجرتا في الضحك.

____________________________________

حين دخلت إيزابيلا بوابة القصر، لم تكن تتخيل أن اليوم ما زال يحمل في جعبته مفاجآت جديدة. كانت مرهقة تماماً، يكاد جسدها ينهار من ساعات التسوق والاعتراضات التي لم تُسمع، لكنها حاولت الحفاظ على رباطة جأشها كعادتها.

في البهو، كانت تنتظرها امرأة أنيقة، بشعر مرفوع وبدلة أنيقة وسماحة مهنية على وجهها، وخلفها حقيبة مستحضرات ضخمة وأدوات كهربائية متراصة بترتيب.

رفعت المرأة رأسها بابتسامة مفرطة الحماسة وقالت:

"سيدة إيزابيلا! أنا لورينا، مصففة الشعر الخاصة بكِ. السيد ميخائيل أرسلني لأعتني بكل ما يتعلق بشعرك استعداداً للزفاف."

توقفت إيزابيلا في مكانها، حدقت في المرأة ثم التفتت إلى جيني بجانبها، وسألتها بنظرة فارغة:

"هل نحن نمزح الآن؟"

جيني ابتسمت بتوتر وقالت بهدوء:

"أظن أنها هنا من الآن وحتى الزفاف."

في تلك اللحظة، مرت خادمتان من الدرج الكبير وهن يحملن أكياساً فاخرة، تعلوها شعارات المتاجر الراقية. كانت إحداهن تهمس للأخرى:

"هل ترين هذا الفستان؟ هذا ليس لعروس، هذا لعرض أزياء في باريس!"

بينما كانت الأخرى تضحك بهدوء.

زفرت إيزابيلا ببطء، وقالت دون أن ترفع صوتها:

"خذوا كل شيء إلى غرفة حقائب السفَر، ليس لغرفتي."

ثم التفتت إلى لورينا وقالت بنبرة محايدة:

"اسمعي، إن كنتِ هنا لتجعليني أبدو وكأني خرجت لتوي من مجلة، فوفري طاقتك. أريد شعراً بسيطاً. مفهوم؟"

لورينا ابتسمت بخفوت، كمن اعتاد التعامل مع العرائس العنيدات، وقالت:

"بسيط... لكن أنيق. يمكنني التعامل مع ذلك."

تقدمت جيني وسألت بخفوت:

"هل تريدين شيئاً قبل أن تبدأ؟"

أجابت إيزابيلا وهي تمشي نحو السلالم:

"أجل... خمس دقائق صمت."

وغادرت بهدوء إلى جناحها.

ـ هبطت إيزابيلا على مهل عبر درجات السلم الخشبي العريض، كل خطوة منها كانت ثقيلة قليلاً لكنها هادئة، وقد بدلت ملابسها إلى بنطال حريري بلون البيج الفاتح وقميص ناعم بلون العاج، وشعرها لا يزال مبللاً ينسدل على كتفيها. كانت نظراتها مباشرة لكن خالية من الحماس، فقط مستعدة لإنهاء هذا الجزء من يومها الطويل.

في الأسفل، كانت لورينا قد انتهت من تجهيز طاولتها وأدواتها بعناية. صفوف من الأمشاط والمكواة وأدوات تصفيف لا تُحصى، وأمامها دفتر مفتوح يحمل تصاميم وتسريحات مختلفة، كلاسيكية، عصرية، متقنة، ومبالغ بها.

رفعت رأسها فور رؤية إيزابيلا، وابتسمت بلطف:

"هل ارتحتِ قليلاً؟"

أومأت إيزابيلا برأسها دون أن تجيب مباشرة، ثم جلست على المقعد المقابل للمرآة الكبيرة.

لورينا فتحت دفتر التصاميم أمامها وبدأت تقلب الصفحات ببطء، تقول وهي تشير للصورة الأولى:

"هذا النمط كلاسيكي مرفوع، بسيط لكنه أنيق. يناسب حفلات المساء الفخمة."

ثم انتقلت إلى الثانية:

"وهذا نصف مرفوع مع خصل متموجة... يعطي مظهراً أنثوياً دون مبالغة."

وتابعت الثالثة، والأخيرة:

"وإن كنتِ تفضلين شيئاً أكثر حرية، لدينا هذه التسريحة الطبيعية بخصل ناعمة منسدلة."

إيزابيلا كانت تحدق في الصور، ثم نظرت إلى نفسها في المرآة.

قالت بصوت هادئ:

"أريد شيئاً لا يحتاج إلى تثبيت نصف علبة سبراي. ولا يضطرني للجلوس ثلاث ساعات."

لورينا ابتسمت بحنكة، وكأنها كانت تتوقع هذا تماماً، وأشارت إلى تسريحة رابعة بسيطة لم تعرضها بعد:

"شعر منسدل بنعومة مع تموجات طبيعية، وخصل أمامية ملتفة بخفة على الجانبين. لا شيء ثقيل، ولا تثبيت مبالغ فيه. هل يناسبك هذا؟"

تأملت إيزابيلا الصورة للحظة، ثم أومأت ببطء:

"جيد. فقط لا تلمسي شعري بمكواة حامية قبل أن تتأكدي أنه جاف تماماً."

ضحكت لورينا بصوت خافت وقالت:

"تفاصيلك تسرني."

ومع بداية لمساتها الأولى، أغمضت إيزابيلا عينيها للحظة، ربما لأول مرة اليوم شعرت أنها تجلس لأجلها، لا لأجل الآخرين.

مرّت الدقائق بهدوء، وصوت الفرشاة وهي تمر عبر خصلات شعر إيزابيلا كان أشبه بموسيقى ناعمة خافتة. لورينا عملت بصبر، تنسّق الخصل بعناية، وتصففها بخفة دون أن تزعج مزاج الجالسة أمامها، وكأنها تفهم تمامًا أنها بحاجة للسكينة أكثر من أي شيء آخر.

إيزابيلا لم تكن تتحدث كثيرًا، كانت تنظر إلى نفسها في المرآة أحيانًا، وأحيانًا تغلق عينيها، تستمتع قليلاً بلحظة لا يُطلب منها فيها شيء. لا قرارات، لا اعتراضات، لا جولات تسوق ولا خالة مهووسة بالزينة.

لورينا قطعت الصمت أخيرًا بصوت خافت:

"سمعتُ أن الزفاف سيكون على البحر. فكرة جميلة."

إيزابيلا فتحت عينيها ببطء، لم تجب مباشرة، ثم قالت بهدوء وهي تنظر لانعكاسها في المرآة:

"لم تكن فكرتي."

ابتسمت لورينا ولم تُعلّق، فقط تابعت عملها برفق.

حين انتهت من التصفيف، أمسكت مرآة يدوية ورفعتها خلف رأس إيزابيلا لتريها شكل التموجات الدقيقة التي سقطت بنعومة على ظهرها، والخصل الملفوفة بخفة عند جانبي وجهها.

نظرت إيزابيلا للنتيجة... لم تكن تشبه تسريحات العرائس المبالغ بها، ولا تسريحات النجمات المتكلفات... كانت بسيطة، أنيقة، وتليق بها.

قالت بصوت خافت دون أن تحوّل نظرتها:

"هذا... مناسب."

لورينا ابتسمت برضا:

"سعيدة أنه نال إعجابك."

نهضت إيزابيلا من مقعدها، ولم تُضف شيئًا، فقط أومأت برأسها وغادرت الغرفة بهدوء.

وحين غابت، همست لورينا لنفسها وهي تجمع أدواتها:

"أحيانًا الجمال لا يحتاج لأكثر من الصمت."

__________________________

كان الصباح لا يزال كسولًا حين فُتح باب الغرفة بهدوء… تلاه صوت خطوات متحفّزة يعرفه عقل إيزابيلا حتى وهي نائمة. لم يكن صوت جيني هذه المرة. كان أثقل، أكثر حيوية... ومزعجًا.

ـ "إيزابيلا، انهضي. لدينا يوم طويل اليوم."

ماريسا، بصوت ناعم لكنه يحمل نغمة لا تقبل الرفض.

ـ "ماريسا... أرجوكِ..." تمتمت إيزابيلا من تحت الغطاء، دون أن تحرّك رأسها حتى.

ـ "لا يوجد وقت للتوسل. نحن ذاهبتان لاختيار أحذيتك، ثم سنمر على الخياطة لرؤية التعديلات الأخيرة للفستان."

زفرت إيزابيلا ببطء، أخرجت يدها من تحت الغطاء وضربت الوسادة برفق، وكأنها تُعبّر عن استسلامها البطيء لهذا الواقع الجديد الذي يُساق إليها سَوقًا.

ـ "كنت سأحلم بشيء جيد، أخيرًا..." تمتمت.

ـ "ستحلمين بالأحذية في المرة القادمة." ردت ماريسا بابتسامة ساخرة وهي تفتح الستائر ليغمر ضوء الشمس الغرفة.

نهضت إيزابيلا أخيرًا من السرير، مشوشة الشعر، عيناها نصف مغمضتين، وتبدو وكأنها خرجت من معركة... أو على وشك دخول واحدة. مشت نحو الحمام بخطى ثقيلة، بينما ماريسا بدأت بالفعل في فتح خزانة الملابس لاختيار ما سترتديه.

ـ "اختاري شيئًا يسهل خلعه، سنقيس كثيرًا اليوم."

ـ "وكأنني ذاهبة لحقل ألغام." قالتها إيزابيلا وهي تختفي داخل الحمام.

ـ "بل لحقل كعوب عالية، حبيبتي." ردت ماريسا بضحكة.

بعد ساعة، كانت السيارة تنطلق في شوارع المدينة، وإيزابيلا تجلس بجوار خالتها، صامتة، تتأمل الشارع بنظرات شبه فارغة، وكأنها تتساءل:

"كم عدد الأحذية التي يمكن أن تختارها امرأة لزفاف واحد؟"

لكنها كانت تعرف الجواب مسبقًا: بالنسبة لماريسا... الجواب هو "جميعها".

دخلن المتجر الكبير المخصص للأحذية النسائية، ذلك النوع من المتاجر الذي يتلألأ من الداخل كأنه معرض فني للترف، وتفوح منه رائحة الجلد الفاخر والمبالغة.

إيزابيلا كانت تسير خلف ماريسا بخطوات متثاقلة، ذراعاها معقودتان والصمت يكسو وجهها. كانت تنظر إلى الرفوف وكأنها أدوات تعذيب، لا شيء هنا يثير حماستها.

ماريسا، بالمقابل، كانت مفعمة بالنشاط، تشير لهذا الزوج وتطلب ذلك، وتتناقش مع البائعة بصوت حيوي:

ـ "نريد شيئًا أبيض، لكن ليس تقليديًا جدًا. بكعب عالٍ، لكن مريح. لا نريد كعبًا يزيد عن هذا الحد... شيء أنيق، فاخر، ويليق بحفل زفاف على البحر."

إيزابيلا جلست على الأريكة الجلدية المخصصة للقياس، وضعت كفها على خدها، وحدّقت في الرف المقابل بجمود.

ـ "هل أنا الوحيدة التي تظن أن هذه الأحذية كلها تبدو كأنها أدوات تعذيب مصنوعة يدويًا؟" همست.

ضحكت أنطونيا، التي لحقت بهن مع كارمن، وجلست بجوارها:

ـ "هي كذلك، لكنكِ ستبدين رائعة وأنت تتعذبين بها."

جاءت البائعة تحمل أول دفعة من الأحذية، وبدأت الجلسة الطويلة. كانت كل مرة ترفع فيها إيزابيلا قدمها تقابل بتعليق من ماريسا:

ـ "لا، هذا مرتفع جدًا."

ـ "هذا التصميم تقليدي."

ـ "هذا لن يصمد على الرمال!"

وكل مرة كانت إيزابيلا تغمض عينيها، تأخذ نفسًا، وتقول بهدوء يشبه ما قبل الانفجار: ـ

"ماريسا... إنه حذاء فقط."

لكن بالنسبة لماريسا، لم يكن كذلك.

هذا "الحذاء فقط" يجب أن يُكتب عنه في المجلات، أن يُخلّد في الصور، أن يُكمّل الظهور الملكي لعروس عائلة روستوف.

في النهاية، وبعد تجربة ما يقارب العشرين زوجًا مختلفًا، جلست إيزابيلا بهدوء تام على المقعد الجلدي، ورفعت قدمها في الهواء كأنها تعرضها في مزاد عالمي، وهي ترتدي زوجًا بسيطًا من الحرير العاجي، بكعب متوسط، تفاصيله ناعمة بالكاد تُرى، ينتهي بشريط يلتف حول الكاحل بربطة رقيقة.

نظرت ماريسا إلى قدميها، أمالت رأسها قليلاً، صمتت للحظة.

ثم أومأت بإعجاب:

ـ "هذا هو."

حتى أنطونيا وكارمن، اللتان كانتا منهمكتين في السخرية، توقفتا عن المزاح، ونظرتا إلى الحذاء ثم إلى وجه إيزابيلا.

كان الحذاء... يشبهها. هادئ، أنيق، لا يحاول لفت الانتباه، لكنه يفرض حضوره برقة.

تنهدت إيزابيلا وهي تخلعه ببطء:

ـ "وأخيرًا... لن أضطر لمحاربة زوجي الجديد وأنا أرتدي سلاحًا على قدميّ."

ضحكت كارمن:

ـ "بل ربما ستضطرين، فقط ستكونين أنيقة أثناء المعركة."

قامت البائعة بلفّ الحذاء بعناية، بينما بدأت ماريسا تختار زوجًا احتياطيًا.

أما إيزابيلا، فوقفت أخيرًا وهي تشعر بأن جزءًا من هذا العبء قد انتهى، حتى وإن كان صغيرًا.

ـ "هل انتهينا؟" سألت بصوت متعب.

أجابت ماريسا وهي تتجه إلى باب المتجر:

ـ "من هذا؟ نعم. من التسوق؟ بالتأكيد لا."

تبادلت كارمن وأنطونيا نظرات مرعبة، بينما قالت إيزابيلا ببرود:

ـ "إذا متُّ قبل الزفاف، أرجو أن تُدفنوا معي."

__________________

كان القصر يغرق في سكون ما بعد الظهيرة، وتسللت أشعة الشمس الخفيفة من بين ستائر النوافذ العالية، حين دلفت إيزابيلا من الباب الرئيسي بوجه شاحب وتعب بادٍ في ملامحها، تكاد تجرّ قدميها من الإرهاق. خلفها تبعت ماريسا بكامل حماسها، تحمل أكياسًا أخرى رغم كل ما تم شراؤه مسبقًا.

وقبل أن تصل إلى السلالم، توقفت حارستها جيني أمامها وهمست باحترام:

ـ "آنسة إيزابيلا، هناك شخصان بانتظارك في الصالة الشرقية."

زفرت إيزابيلا بهدوء، وأجابت بسخرية مرهقة:

ـ "بالطبع... لم ينتهِ هذا اليوم بعد، أليس كذلك؟"

تقدمت نحو الصالة بخطوات بطيئة، وهناك وجدت رجلًا في منتصف العمر، أنيقًا، يحمل صندوقًا صغيرًا من الجلد الداكن، وقف حين رآها وانحنى قليلاً:

ـ "آنسة روستوف، أُرسلت من قِبل السيد ميخائيل مالكوف، لأخذ قياسات إصبعك لخاتم الزفاف."

نظرت إيزابيلا إليه للحظة، ثم مدت يدها بهدوء، بلا كلمة واحدة. راقبته وهو يعمل بدقة واحتراف، وكل ما يدور في ذهنها هو دعاء صامت:

“فليكن بسيطًا... فليكن مختلفًا عن أذواق خالتي.”

وما إن أنهى الرجل مهمته وانصرف بهدوء، حتى دخلت كلارا، مصممة الأزياء، مبتسمة بثقة، تتبعها مساعدتان تحملان الفستان الأبيض بعناية، كأنه كنز لا يُقدَّر بثمن.

نظرت إيزابيلا إلى الفستان...

كان ناعمًا كنسمة بحر، أبيض حريريًا ينزلق كالماء بين الأقمشة. أكمام طويلة تحيط بذراعيها برقة، عنق مرتفع يمنحها الهيبة، وتنورة واسعة بما يكفي لتمنحها شكلاً ملكيًا، دون أن تصرخ بالمبالغة.

تقدمت كلارا خطوة:

ـ "حان وقت القياس النهائي، آنسة."

لم تجب إيزابيلا، فقط اكتفت بنظرة خافتة، ثم أشارت برأسها صامتة.

كانت مرهقة، نعم... لكنها، وللمرة الأولى منذ أيام، شعرت بارتياح خفي.

ذلك الفستان... يشبهها.

____________________

في المساء، خيّم الهدوء على القصر، لا صوت يُسمع سوى خرير نافورة الحديقة الخلفية.

جلست إيزابيلا على الأريكة المخملية بجوار النافذة، قدماها العاريتان ترتاحان فوق وسادة صغيرة، وثوب نوم حريري ينسدل على كتفيها بأناقة بسيطة. أطفأت الأنوار القوية، مكتفية بضوء أباجورة خافت، ووضعت فنجان الشاي الدافئ على الطاولة الصغيرة قربها.

أخيرًا… لحظة راحة.

أغمضت عينيها للحظة، تستنشق عبير النعناع المنبعث من الشاي، تحاول جمع شتات نفسها بعد أسبوعٍ من الضغط المستمر، التنقل بين المتاجر، التجهيزات، المقابلات، وضجيج ماريسا وطاقتها التي لا تنتهي.

رفعت رأسها ببطء تتأمل السقف المزخرف، ثم همست:

ـ "لم أكن أريد شيئًا من كل هذا، لكن الآن… لا مهرب."

صوت الريح بالخارج جعلها تبتسم بسخرية.

ما الذي ينتظرها هناك؟ في روسيا؟ في عالم رجل مثل ميخائيل مالكوف؟

هي لا تعرف... لكن في هذه الليلة، ستسمح لنفسها ببعض السكون.

رن هاتفها الموضوع على الطاولة بجوار فنجان الشاي، اهتز مرتين قبل أن يستقر، والضوء الأزرق ينير شاشته في العتمة. مدت يدها ببطء والتقطته، نظرت إلى الشاشة… رقم غير مسجل.

رفعت حاجبيها قليلًا بتساؤل، ثم سحبت الشاشة لفتح الرسالة.

> "مساء الخير، إيزابيلا."

"أعلم أن التحضيرات ترهقك، لكن فقط أردت أن أؤكد أنني سأكون هناك صباح الزفاف لتوقيع الإتفاقية."

"لا حاجة للرد، فقط أردت أن تعلمي أنني رجل لا يتهرب من وعوده."

ـ ميخائيل مالكوف

توقفت عيناها عند الاسم. لم تكن توقّعت منه أن يرسل شيئًا كهذا. لا كلمة تهديد، لا لهجة أمر، فقط… هدوء يشبه هدوءه في لقائهما الأول.

ظلت تحدّق في الرسالة طويلًا. ثم وضعت الهاتف ببطء، واستندت برأسها إلى الأريكة.

همست لنفسها:

ـ "رجل لا يتهرب من وعوده، أليس كذلك؟ سنرى يا مالكوف…"

ورغم ثقل اليوم الطويل، إلا أن ابتسامة خفيفة ارتسمت على طرف شفتيها، لا تعرف ما إذا كانت ارتياحًا… أم قلقًا.

لكنها كانت هناك.

****

استيقظت إيزابيلا على صوت حركة غير معتادة في غرفتها، همسات، خطوات متسارعة، وصوت ماريسا الصاخب يعلو بين الحين والآخر بإعطاء التعليمات. فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت وهي ترفع الغطاء عن جسدها بنصف وعي.

ـ "ما الذي…؟ ما الذي يحدث هنا؟ ألم ننتهِ من كل شيء بالأمس؟" سألت بصوت أجش متعب وهي تحدق في ماريسا.

استدارت الأخيرة نحوها، وابتسامة مشعة على وجهها.

ـ "صباح الخير يا عروستي… لا، لم ننتهِ بعد، اليوم نُنهي أهم خطوة. نرتب الحقائب! كل شيء يجب أن يكون في طائرة المساء. ملابسك، مجوهراتك، أدواتك الشخصية، كل شيء."

شهقت إيزابيلا وجلست تماماً، وقد بدأ القلق يتسلل لملامحها.

ـ "ماذا تعنين بطائرة المساء؟! وماذا سأرتدي لبقية اليوم؟!"

ضحكت ماريسا بخفة وهي تشير نحو زاوية الغرفة:

ـ "تركت لك ثلاث أطقم كاملة، وملابس للنوم، وعباءة حريرية أنيقة لليلة الزفاف. لا تقلقي، لن أرسلكِ عارية!"

تقدمت إيزابيلا بخطوات مرتبكة، تراقب الخادمات وهن يطوين فساتينها بعناية، يضعن أحذيتها في صناديق، ويغلفن أدواتها الخاصة بعلب جلدية فاخرة.

ـ "وإلى أين ستذهب الحقائب؟"

ـ "إلى روسيا، بالطبع. سيصعد بها سيرجيو، وجيني. في طائرة خاصة هذا المساء. يجب أن تكون في جناحك في موسكو قبل أن تصلي."

سكن قلبها للحظة، ثم خفق بقوة وكأن الأرض انسحبت من تحتها.

ـ "روسيا..." همست لنفسها.

تقدمت ماريسا ووضعت يدها على كتفها:

ـ "اهدئي، لا زال أمامك يوم كامل هنا. لن يُسحب البساط من تحت قدميك بهذه السرعة. الليلة نرتاح، ونتنفس… وغداً يبدأ الفصل الجديد."

أومأت إيزابيلا ببطء، بينما عينها بقيت تلاحق الحقائب التي تُغلق واحدة تلو الأخرى. لم تكن مستعدة... لكنها كانت ذاهبة، سواء أرادت أم لا.

جلست إيزابيلا على أحد الأرائك الصغيرة في شرفتها الخاصة، حيث كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل بلطف عبر أوراق الشجر المتراقصة. بين يديها كوب شاي أعشاب ساخن، تتنفس بعمق وهي تحاول طرد توتر الأيام السابقة عن صدرها.

طرق خفيف على الباب، ثم فُتح ببطء.

رفعت عينيها، فرأت وجه شقيقها فرانسيسكو يدخل بهدوء، بابتسامة خفيفة على وجهه، ونظرة تحمل مزيجًا من الحنين والقلق.

ـ "هل أزعجكِ؟"

هزت رأسها بابتسامة صغيرة وهي تشير له بالاقتراب.

ـ "أبدًا... كنت أحتاج إلى بعض الهدوء، لكن وجودك ليس إزعاجًا. بل... مريح."

جلس بالقرب منها، يتأملها للحظات، ثم قال بصوت منخفض:

ـ "لم نكُن وحدنا منذ... لا أدري كم من الوقت. كأنكِ أصبحتِ فجأةً عروسًا مشهورة لا يمكن الحديث معها إلا بالحجز المسبق."

ضحكت إيزابيلا بخفة، ثم نظرت إليه بعينين هادئتين.

ـ "لم أكن أظن أن تجهيز الزفاف بهذا الجنون. خالتنا ماريسا قلبت حياتي رأسًا على عقب، ولم تمنحني دقيقة لالتقاط أنفاسي."

سكت فرانسيسكو لوهلة، ثم قال بصوت أكثر جدية:

ـ "أردت رؤيتكِ قبل أن يحدث كل شيء... قبل أن ترحلي. أردت أن أراكِ فقط، وأقول لكِ إنني فخور بكِ."

نظرت إليه بدهشة وامتنان، بينما طغت مشاعر خفيفة على صدرها.

ـ "فخور بي؟"

ـ "لأنكِ تفعلين شيئًا لا يستطيع أحد منا فعله. لا أحد منا كان قادرًا على التضحية بهذا الشكل. أعلم أن جزءًا منكِ يرفض كل هذا، لكنكِ ما زلتِ تقفين. بقوة."

صمتت للحظة، ثم همست:

ـ "أشعر أنني أسير نحو المجهول، فرانسيسكو. لا أعلم إن كنتُ قوية حقًا... أم فقط أقاوم."

ابتسم ورفع يده ليمسك بكفها، ضاغطًا عليه بلطف.

ـ "في كلتا الحالتين، أنتِ لا تسيرين وحدك. نحن هنا... وسنظل."

ساد الصمت بينهما، صمت مريح لا يحتاج إلى كلمات، فقط صوت النسمات خفيفة.

لحظة هدوء حقيقية… أخيرًا.

___________________________________

ـ كان الصباح لا يزال يلبس عباءته الرمادية حين طرق باب غرفتها، بطرقات متزنة، صارمة.

فتحت عينيها ببطء، لتسمع صوت والدها من خلف الباب:

ـ "إيزابيلا... أريدكِ في مكتبتي، الآن."

لم تنتظر لتسأله، نهضت بهدوء، ارتدت رداءً ناعماً بلون العاج، وغسلت وجهها سريعاً، ثم نزلت بخطى ثابتة إلى مكتب والدها الكبير في الطابق الأرضي.

وجدته واقفاً أمام مكتبه، يحدق من النافذة للحظة، ثم استدار نحوها دون مقدمات، وأشار إلى الأوراق الموضوعة بعناية على سطح المكتب الخشبي اللامع.

ـ "هذه اتفاقية الزواج. وقّع عليها ميخائيل البارحة. أريدك أن تقرئيها بنفسك، وتتأكدي من كل شيء."

جلست بصمت على المقعد المقابل، فتحت الأوراق، وبدأت تقرأ... كلمة بكلمة، بندًا بعد بند.

ثمانية شروط.

شروطها الثمانية... جميعها موجودة.

كانت توقيعات المحامين شاهدة، وختم العائلتين موجود.

كان العقد قانونيًا كاملاً... ومع ذلك، ساد صمت ثقيل.

نظرت إلى والدها، الذي لم يبدُ عليه أي توتر، بل فقط ذلك الجمود المعتاد.

قال بصوته العميق:

ـ "كنتَ حازمة في الشروط. وميخائيل وافق دون نقاش."

رفعت قلمها ووقّعت، بهدوء مطلق.

ليس ضعفًا ولا رضوخًا، بل خطوة واعية داخل مسرح تحكمه قواعد لا ترحم.

أغلقت الأوراق، ودفعتها نحوه.

ـ "هل انتهينا؟"

أومأ برأسه.

ـ "السيارات ستتحرك بعد ساعة إلى القصر القديم. اذهبي واستعدّي."

خرجت من المكتب بخطوات ثابتة.

عيناها لا توحيان بشيء… لكن قلبها، تحت تلك الهدوء الظاهري، كان يقرع ببطء.

*****

ـ تحركت السيارات السوداء الفاخرة في صفٍ طويل خارج بوابة القصر الرئيسي، وسط حراسة مشددة. جلست إيزابيلا داخل السيارة الأولى، بين والدها وخالتها ماريسا، بينما كانت تنظر من النافذة بشرود تام.

الطريق نحو القصر القديم كان يمر بمحاذاة البحر، نفس الطريق الذي اعتادت أن تسلكه وهي طفلة حين كانت تذهب مع والدها للصيد أو لحفلات العائلة. لم يتغير شيء في الطريق، لكن كل شيء تغير في حياتها.

ـ "وصلت الحقائب إلى هناك صباحاً، بما في ذلك أدواتك للرسم"، قالت ماريسا وهي تقلب في هاتفها.

لم تجب إيزابيلا، فقط أومأت برأسها بخفة. كانت قد علمت مساء الأمس أن جيني وحارسها الآخر سيرجيو سبقوها بالطائرة إلى القصر روسيا، يحملون حقائبها وملفاتها وبعض أدواتها الفنية.

ـ "هل أنتِ مستعدة؟" سألها أليخاندرو بنبرة حيادية، كأنه يسأل عن توقيت اجتماع لا عن زفاف ابنته الوحيدة.

نظرت إليه للحظة ثم حولت وجهها نحو النافذة مجددًا.

ـ "هل أملك خياراً؟" قالت بهدوء كمن يتحدث إلى نفسه.

وصلت السيارات بعد أربعين دقيقة تقريبًا إلى البوابة الحديدية العتيقة للقصر القديم، القائم على تلة تطل على البحر، تعانقه نسمات مالحة وصمت تاريخي طويل.

فتحت الأبواب، نزلت إيزابيلا بخطوات بطيئة ومدروسة.

استقبلهم الخدم بإيماءات محترمة، بينما كانت خالتها تبدأ على الفور بإعطاء التعليمات حول ترتيب الغرف وتوجيه الحاضرين.

أخذت أنفاساً بطيئة وهي تدخل القصر.

اليوم هو يوم الزفاف.

ـ جلست إيزابيلا على الأريكة الطويلة بالقرب من النافذة، إحدى نوافذ الطابق العلوي في الجناح الجنوبي من القصر القديم، حيث خصصت لها غرفة واسعة تطل على البحر.

الهدوء يحيط بالمكان، لا صوت سوى همسات الموج في البعيد، وخرير الستائر الخفيفة التي تتحرك بنعومة مع نسيم الصباح.

كانت ترتدي قميصًا بسيطًا من الحرير الأبيض، وشعرها مربوط بإهمال، ويدها تمسك بكوب شاي ساخن، بالكاد شربت منه شيئًا. حدّقت في البحر طويلًا دون أن تراه، فذهنها كان عالقًا في ما سيأتي، وفي ما لا يمكن التراجع عنه.

كل شيء يسير وفق الجدول. المصممة كلارا في طريقها. وخبيرة التجميل ستصل بعد قليل، والمصففة كذلك. الجميع في سباق مع الوقت ليصنعوا منها عروسًا "مثالية" كما تقول خالتها، لكنها فقط... أرادت القليل من الهدوء قبل أن يبدأ ذلك السباق.

أغمضت عينيها للحظة واستندت برأسها إلى الوراء.

ـ "إنه مجرد زفاف..." همست لنفسها، وكأنها تحاول إقناع عقلها أو قلبها بأن الأمر أبسط مما هو عليه. لكن عقلها يعرف. قلبها يعرف.

ضربة خفيفة على الباب قطعت شرودها.

فتحت عينيها ببطء.

ـ "آنسة إيزابيلا، المصممة وصلت"، جاء صوت الخادمة من خلف الباب.

تنهدت بعمق، وضعت كوب الشاي جانبًا، ثم قالت بهدوء:

ـ "دعيها تنتظر خمس دقائق. فقط خمس دقائق أخرى."

طرَقت الخادمة الباب بخفة، ثم فتحته برأسها أولًا قبل أن تقول:

ـ "وصلوا."

رفعت إيزابيلا نظرها من بين أصابعها، كانت تجلس على الكرسي قرب النافذة، تغالب التوتر بالصمت. هزّت رأسها بهدوء، تسمح لهم بالدخول.

فتحت الباب على مصراعيه، فدخلت المصممة كلارا أولًا بخطوات ثابتة، تحمل ملفًا جلديًا صغيرًا بين يديها، وخلفها مساعدتها تحمل فستان الزفاف بعناية على ساعديها وكأنه قطعة زجاج ثمين. كان الفستان مغطّى بغلاف حريري شفاف، تظهر من تحته لمعة خافتة للقماش الحريري الأبيض.

دلفت بعدهما مصففة الشعر، بوجه يحمل تركيزًا محترفًا، ثم خبيرة المكياج التي كانت تجرّ صندوق أدواتها بعجلات صغيرة تحدث صوتًا خافتًا على أرضية الغرفة اللامعة.

قالت مصففة الشعر:

ـ "سنبدأ أولاً، قبل ارتداء الفستان، سيكون الأمر أسهل."

أشارت لها إيزابيلا إلى الكرسي أمام المرآة بصمت. جلست، ثم تنهدت بصوت خافت، كأنها تفرغ صدرها من عبء لا يُقال.

في الخلف، كانت كلارا تفتح صندوق القماشات بخفة، وبمساعدة مساعدتها بدأتا في فرد الفستان على الحامل الحديدي الخاص، ثم بدأت المساعدة في كيه الزوايا والانثناءات الطفيفة بالمكواة البخارية، بهدوء وتأنٍ.

شعرها بدأ يُسحب برقة إلى الخلف، خصلة خصلة، على يد المصففة التي قررت ترك بعض الخصل الجانبية تنسدل على وجهها، خيوط ناعمة تضفي دفئًا أنثويًا وسط وقار التصميم الكامل.

خبيرة المكياج لم تقترب بعد، كانت تقف تراقب وجه إيزابيلا من زوايا مختلفة.

في الخلف، انتهت كلارا من تجهيز الفستان، وعلّقته بعناية في زاوية الغرفة على شماعة خاصة مغطاة بالقماش الحريري، ثم نظرت إلى إيزابيلا عبر المرآة قائلة بهدوء:

ـ "إنه ينتظرك، حين تنتهين."

حين أعلنت خبيرة المكياج انتهاءها، خطت للخلف بخفة، تتمعّن بنظرتها في الملامح الهادئة أمامها. المصففة أنهت آخر لمسة في خصلة حريرية تركتها تنسدل على جانب وجه إيزابيلا، ثم نظرتا معًا نحو المصممة كلارا التي كانت تنتظر لحظتها.

اقتربت كلارا بابتسامة مطمئنة، تلتها مساعدتها وهي تفتح القماش الحريري المغطي للفستان. قالت بهدوء:

ـ "حان وقت التحوّل."

وقفت إيزابيلا ببطء، وخطت خطوة إلى الأمام نحو الفستان، وقلبها يخفق بإيقاع ثقيل لا تدري أهو من رهبة اللحظة أم من اقتراب ساعة اللاعودة.

ساعدتاها بهدوء، نزعتا عنها رداء الاستعداد، ثم بخفّة وأناقة، بدأتا في إدخالها إلى الفستان، قطعة قطعة.

الحرير الأبيض انساب على جسدها كالماء، وكأن القماش قد خُلق لها وحدها.

الأكمام الطويلة لامست بشرتها برقة، والياقة العالية أحاطت بعنقها كإعلان عن الوقار الذي تفرضه، لا تطلبه.

شدّت المساعدة الخصر برفق، ثم فردت التنورة التي اتسعت قليلاً في الأسفل، تمنحها شكلًا ملكيًا بلا مبالغة.

قالت كلارا وهي تصحّح آخر ثنية:

ـ "كُنت أعلم أنكِ ستبدين مذهلة فيه... الفستان لا يُعرّفك، بل يُرافقك فقط."

وقفت إيزابيلا بصمت أمام المرآة، تحدق في انعكاسها. كانت هادئة، لا ترتجف ولا تبتسم، فقط تنظر بتأمل، وكأنها تودع شيئًا ما خلف عينيها.

ثم، بدأ يصل إلى مسامعها صوت التوافد. خطوات تتحرك، همسات، موسيقى خلفية، ضحكات خافتة.

نظرت إلى النافذة... القصر القديم على شاطئ البحر، الشمس كانت تميل قليلًا، والضوء يلامس الماء في الأفق بلون ذهبي ناعم.

قالت ماريسا من خلفها بصوت خافت:

ـ "كل شيء جاهز في الأسفل... الجميع ينتظرونكِ."

أجابت إيزابيلا بهدوء دون أن تدير رأسها:

ـ "فلينتظروا قليلاً... أحتاج دقيقة مع نفسي."

حين خرج الجميع من الغرفة وتركوا الباب مواربًا خلفهم، خيم الصمت على المكان. وحدها، واقفة أمام المرآة، تتأمل صورتها التي لا تشبه ما بداخلها.

أغمضت عينيها لوهلة، تحسست بأصابعها قماش الفستان الحريري، وشعرت بثقله على كتفيها… كأنه ليس فقط فستان زفاف، بل عبء عائلة بأكملها، اتفاق، سلام هش، وحياة لم تخترها بكامل إرادتها.

تقدمت ببطء نحو النافذة. فتحتها قليلًا، فاندفع نسيم البحر البارد إلى داخل الغرفة، يعصف بخصلات شعرها.

نظرت إلى الأفق، حيث تلتقي السماء بالماء، وسألت نفسها بصمت:

هل هذه آخر لحظة لي كإيزابيلا روستوف؟ أم أنني سأبقى كما أنا، فقط... متخفية تحت اسمٍ جديد؟

عقدت ذراعيها أمام صدرها، وشهقت نفسًا عميقًا، كأنها تبتلع كل مشاعر التوتر والرهبة دفعة واحدة.

في الأسفل كانت الموسيقى تشتد قليلًا، والضيوف يتوافدون أكثر، لكنها لم تنزل بعد. لم يكن تأخرًا… بل وداعًا صامتًا، لهويتها، لحريتها، لطفولتها التي نشأت بين جدران هذا القصر.

قالت في سرها، كأنها تعاهد نفسها:

قد أكون مرغمة على هذه البداية… لكن النهاية؟ ستُكتب بيدي.

رن طرق خفيف على الباب، ثم انفتح بهدوء ليظهر أليخاندرو روستوف واقفًا على العتبة، بكامل أناقته، ربطة عنقه منسقة بعناية، ووجهه جامد كعادته، لا يُظهر الكثير… لكنه حين وقعت عيناه على ابنته، ارتخت ملامحه للحظة، فقط للحظة، قبل أن يستعيد صلابته.

تقدمت إيزابيلا نحوه بخطوات بطيئة، وفي عينيها صراع داخلي لم يغب عن نظره.

نظر إليها طويلًا قبل أن يمد يده نحوها وقال بصوته العميق:

ـ "هل أنتِ جاهزة؟"

لم تُجب، فقط مدت يدها نحوه بصمت. قبض على يدها بحنانٍ نادر، لم يظهره كثيرًا من قبل، وسار بها نحو الباب.

في الممر الطويل المؤدي إلى الدرج الكبير، لم يتحدث أي منهما. وحدها خطواتهم كانت تُسمع فوق الأرضية الخشبية القديمة.

وقبل أن يوصلا إلى بداية الدرج، توقف فجأة وأدار وجهه نحوها، نظر في عينيها مباشرةً، وقال بنبرة هادئة، أقرب إلى الهمس:

ـ "أنا لم أطلب هذا الزواج منكِ لأنني أريد أن أراكِ تتألمين… بل لأنني أردت أن أحميكِ. هذه الحرب كان من الممكن أن تلتهمنا جميعًا."

رمشت بعينيها دون أن تنطق، فقال بعدها:

ـ "لكنكِ قوية يا إيزابيلا… أنا واثق أنكِ ستكونين بخير."

لم تنتظر كلمات إضافية، فقط أومأت برأسها مرة واحدة، وتمسكت بذراعه أكثر وهي تبدأ بالنزول معه عبر الدرج الفاخر، حيث كانت القاعة السفلية.

وقفت إيزابيلا مع والدها خلف الباب الثقيل، الذي يفصل بين هدوء اللحظة وعاصفة العيون في الخارج.

أنفاسها كانت بطيئة لكنها ثقيلة، وصوت الموسيقى الخافت بدأ يعلو تدريجيًا من القاعة، علامة اقتراب اللحظة.

رفعت عينيها إلى والدها، ثم تمسكت بذراعه أكثر، كأنها تبحث عن ثباتٍ لا تملكه الآن، وهمست دون أن تنظر إليه:

ـ "أبي… تمسك بي جيدًا، لا أريد أن أسقط أمام الجميع."

ابتسم أليخاندرو ابتسامة صغيرة نادرة، ضغط على يدها قليلاً وقال بنبرة خافتة، فيها دفء لم تعتد سماعه كثيرًا:

ـ "لن تسقطي، لأنني بجانبك… كما كنت دائمًا، حتى حين ظننتِ العكس."

التفتت له ببطء، نظرة ممتنة من عينيها الداكنتين، ثم همست:

ـ "أعلم."

رنّت أولى نغمات الموسيقى الرسمية، وبدأت الأبواب تُفتح ببطء.

ضوء الشمس المتسلل من النوافذ الواسعة اختلط بأضواء الثريات المعلقة، واندفع الهواء الدافئ من القاعة يعانق وجهها.

ابتسم والدها ابتسامة خفيفة وهمس:

ـ "هيا، صغيرتي… دعينا ننهي هذا بشرف."

ثم تقدما بخطوات واثقة… كلها موجهة نحو رجل ينتظرها في الأمام.

نحو مصير رسمته الدماء… وختمه الولاء.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • تحت جناح الجزار    6

    في الحديقة الخلفية للقصر، كان النسيم البارد يلامس وجنتيها بخفة، وعبق الأرض الروسية يختلط بعبير الزهور المزروعة بعناية على طول الممرات. جلست إيزابيلا على مقعد خشبي مطل على بركة ماء ساكنة، وقد وضعت دفتر رسم على ركبتيها، وأمسكت قلم الفحم بين أصابعها النحيلة.كانت صامتة، تحدق في صفحة بيضاء لم ترسم فيها بعد. لم تكن تعرف ما الذي ترغب في رسمه، لكنها كانت بحاجة إلى هذه العزلة، إلى هذه المساحة من الصمت داخل هذا العالم المليء بالعيون المراقبة والقلوب المشحونة.رفعت رأسها ببطء، عينيها تتفحصان أطراف الحديقة، الجدران العالية، والأشجار الصنوبرية التي تلامس السماء الرمادية. كل شيء بدا غريبًا عنها، كأنها ضيفة مؤقتة في مسرح صامت.صوت خطوات خفيفة جعلها تنتبه.استدارت ببطء، لتجد ديمتري واقفًا على بُعد خطوات منها، يضع يديه في جيبيه، وعيناه تراقبانها بفضول خافت. لم يكن عدائيًا، لكنه لم يكن ودودًا أيضًا.قال بالروسية وهو يميل برأسه قليلاً:«لم أكن أعلم أن زوجة الباخان ترسم.»أجابت دون أن تبتسم، وهي تغلق دفتر الرسم:«هناك أشياء كثيرة لا تعرفونها عني بعد.»اقترب قليلاً، ونظر إلى دفترها المغلق، ثم قال:«هل تخ

  • تحت جناح الجزار    5

    كانت أبواب المطار الخاصة قد فُتحت على مصراعيها تحت وقع خطوات ميخائيل الثقيلة، وخلفه إيزابيلا تسير بهدوء، رأسها مرفوع ولكن عينيها تراقبان كل شيء.الهواء الروسي كان قاسيًا، جافًا وباردًا. لفحتها أولى نسماته كصفعة، ومع ذلك لم تهتز. معطفها الثقيل بالكاد تصدى للبرد، لكنها وقفت بثبات.كان في انتظارهم صفٌ من الرجال... رجال البراتفا. جميعهم يرتدون الأسود، معاطف طويلة، وجوه صارمة ونظرات لا ترحم. كل رجل فيهم كان يحمل في ملامحه شيئًا من العنف المكبوت والانضباط العسكري.وحين اقترب ميخائيل، انقسم الصف إلى نصفين في حركة مدروسة، واصطفوا على الجانبين بانضباط جندي. ثم، وبحركة موحدة، انحنوا له انحناءة خفيفة.قال أحدهم بصوت جهوري:— "Добро пожаловать домой, Pakhan."— أهلاً بعودتك إلى المنزل، باخان.إيزابيلا لم تجهل الكلمة. باخان… تعني الزعيم.نقل الرجال أنظارهم نحوها، بفضول وحيطة، وبعض التوتر غير المعلن. كانت هي، "العروس الإسبانية"، "الهدنة المجسدة"، "التهديد المحتمل"، لكنهم جميعًا التزموا الصمت... فقط نظراتهم تحدثت.ثم تقدم رجل بدا أكبرهم سنًا بخطوات محسوبة، اقترب من ميخائيل، وانحنى قليلاً باحترام:—

  • تحت جناح الجزار    4

    فتح الباب ببطء، صوت مفصلاته انساب كهمس ثقيل في القاعة المهيبة، رفعت إيزابيلا رأسها بثبات، كتفاها مستقيمان، ونظرتها متجهة إلى الأمام مباشرة، لا تهتز.ضوء القاعة انعكس على فستانها الحريري، وكأنها تسير داخل ضوءها الخاص.وهناك... في نهاية الممر، وقف.ميخائيل مالكوف.بذلته السوداء تكاد تعانق جسده القوي كما لو أنها مفصلة لهيبته وحده، ذو القامة الطويلة، يقف بثبات يشبه الجبال.نظراته الذهبية الحادة، لم تتركها منذ لحظة دخولها، كأن القاعة لا تحوي سواها، وكأن هذا اليوم كُتب لها وحدها.وشوم عنقه تسللت من تحت ياقة قميصه الأبيض، تروي قصصًا من العنف والسيطرة، تلمح لما هو عليه دون أن تقول شيئًا.الحضور جميعًا وقفوا، لم ينبس أحد بكلمة.كانت هي، فقط هي، محط الأنظار، تمشي بخطوات ثابتة، تتشبث بذراع أبيها، لكن عينيها لم تتركاه… ذلك الرجل الذي ينتظرها في نهاية الدرب.لم يكن هناك موسيقى حين التقت نظراتهما.كان هناك فقط صمت… وصوت قلبها.اقتربت خطواتها شيئًا فشيئًا، وكلما تقدمت، اشتد وقع اللحظة في صدرها.قلبها ينبض بثبات لا تعرف إن كان قوّة أم إنذارًا…وعيناه لا تتحركان عنها، تتبع خطواتها كأنها هدفه الوحيد في

  • تحت جناح الجزار    3

    كان اليوم التالي مشرقًا بشكل يبعث على الاستفزاز، وإيزابيلا تقف أمام المتجر البراق والفاخر في إحدى زوايا مدريد، تنظر للافتة المزينة بزهور وردية ودانتيل أبيض وكأنها أمام ساحة إعدام."لن أدخل." قالتها بصرامة، ويدها معقودة فوق صدرها.لكن ماريسا كانت قد عبرت الباب بالفعل دون أن تلتفت.أما أنطونيا، فربتت على كتفها هامسة بخبث:"هيا يا عروس، العالم بحاجة لرؤية وجهك حين ترين ما بداخل هذا المتجر."دخلت إيزابيلا أخيرًا، بخطوات بطيئة وكأنها تمشي إلى قدر لا مفر منه. وما إن دخلت حتى استقبلتها ألوان الباستيل، الدانتيل، والحرير الناعم المتدلي من كل رف، وكأن المكان كله صُمم خصيصًا لاستفزازها.ماريسا أمسكت أول قميص نوم وردي، شفاف، مزين بشريط دانتيل عند الحافة."هذا لطيف، ما رأيك؟"إيزابيلا: "أعتقد أن قطة في مزاج سيء سترتديه، لا أنا."كارمن وضعت يدها على فمها تخفي ضحكتها، بينما أنطونيا انفجرت ضاحكة:"ماريسا، لو أحضرتِ شيئًا أكثر تحفظًا قد تفقدي وعيك."ماريسا، بهدوء لا يشبه فوضى المكان، التفتت نحو إيزابيلا وقالت:"هذه الليلة الأولى، يجب أن تكوني أنثى. لا جندية."إيزابيلا التقطت قميصًا أسودًا بسيطًا دون د

  • تحت جناح الجزار    2

    سادت لحظة صمت طويلة بينهما، لم تُقاطعها خطوات الخدم ولا أصوات الحرس. كأن كل شيء انكمش في الخلفية، ليبقى فقط هذا الثنائي، الغريب والمتشابه في آنٍ معًا، واقفًا وجهًا لوجه.أشار والدها بإيماءة صغيرة، ففتح أحدهم باب الجناح الشرقي، المخصص عادة لكبار الزوار. دون كلمة، التفتت إيزابيلا واتجهت بخطى هادئة نحو الداخل، وعرفت أنه سيتبعها. لم تنتظره. ولم تتعمد تجاهله. كانت تتحرك وكأنها تقود المشهد.دخلت الغرفة ذات الأثاث الكلاسيكي الثقيل، نوافذها الواسعة تطل على باحة القصر، وستائرها المخملية تسكنها رائحة قديمة من عصور السلطة. تقدمت حتى جلست على طرف الأريكة، مستقيمة الظهر، متزنة، كأنها اعتادت هذا النوع من اللقاءات.دقائق قليلة، ودخل هو.أغلق الباب خلفه بنفسه. بلا صوت.تقدم بخطى بطيئة، تأمل الغرفة لحظة، ثم التفت نحوها وجلس على المقعد المقابل. لا يوجد بينهما طاولة، ولا دروع."هل تعرفين لماذا أنا هنا، إيزابيلا؟" سأل، بصوته العميق كالرصاص المُغلف بالقطن.نظرت إليه بهدوء، أجابت:"أعرف تمامًا. ولست متأكدة إن كنتَ تعتبر هذا عقوبة... أم مكافأة."رفع حاجبه قليلاً، كأنها أثارت فضوله. لم يبتسم، لكنه لم يغضب. ق

  • تحت جناح الجزار    1

    المقابر كانت هادئة بشكلٍ يثير الريبة، كأن الأرض نفسها تتهيأ لابتلاع المزيد من الأسرار.وقفت إيزابيلا روستوف بجانب شقيقها فرانسيسكو أمام القبر الرخامي الأسود.عليه اسم واحد فقط:أوسكار روستوف1996- 2024ابنٌ أضاع كل شيء.كانت الريح تداعب خصلات شعرها البني الفاتح، فيما عيناها ثابتتان على الحروف المنحوتة، دون دمعة، دون ارتعاش.مرّ عامٌ على وفاته، ومع ذلك، الألم لم يَخمد، لكنّه تغيّر.تحوّل من حزنٍ إلى خيبة. من فقدٍ إلى لعنة.قال فرانسيسكو بصوتٍ خفيضٍ، يكاد يُبتلع مع أنفاس الريح:"أتعلمين؟ لا أحد يزور هذا القبر غيرنا... حتى أبي لا يأتي."ردّت، دون أن تنظر إليه:"لأنه يعرف... أن أوسكار كان الخطأ الذي كلّفنا نصف العائلة."من بين كل نساء إسبانيا، قرر أوسكار أن يقترب من المرأة الوحيدة التي لا يجوز لمس ظلها حتى. زوجة أحد رجال البراتفا الروسية.وفي عالمهم، النساء خطٌ أحمر، مقدسات. من يمسّهن... يُمحى.في الليلة التي قُتل فيها أوسكار، لم تكن رصاصةً واحدة فقط.كانت شرارةً أشعلت حربًا استمرت عامًا كاملاً، خُرست فيها الأرض من دويّ الانفجارات، وامتلأت شوارع المدن بجثث لا هوية لها.الحرب التي خافها ا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status