جميع فصول : الفصل -الفصل 50

153 فصول

41

استفاقت ميرا من شرودها العميق على صوت مقبض الباب وهو يدور ببطء، فانتفض جسدها كله، والتفتت نحو الباب بعينين اتسعتا من الفزع، وأخذ قلبها يخفق بعنف حتى خُيل إليها أن صوته يملأ الغرفة. بقيت تحدق في فتحة الباب وهي تحبس أنفاسها، وقد تهيأت لأسوأ الاحتمالات، إلا أن ملامحها ارتخت شيئًا فشيئًا عندما رأت إيلينورا تعبر العتبة بهدوء، فتنفست الصعداء دون أن تشعر، وكأن حملًا ثقيلًا قد أزيح عن صدرها.كانت إيلينورا تحمل في إحدى يديها طبقًا دائريًا صغيرًا، تراصت فوقه ثمار لم ترها ميرا من قبل؛ بعضها يشبه التفاح، إلا أن قشرته كانت تتدرج بين الأخضر الزمردي والذهبي، وبعضها الآخر كان شفافًا كالكريستال، ينبعث من داخله بريق خافت، بينما حملت في يدها الأخرى كأسًا كبيرًا من الماء الصافي الذي انعكس عليه ضوء الغرفة فأصبح كقطعة من الزجاج اللامع.أما إيلينورا، فما إن خرجت من الغرفة قبل قليل حتى كانت تعلم يقينًا أن ميرا لم تأكل شيئًا منذ ساعات طويلة، وكانت متأكدة كذلك أنها رفضت الطعام ليس لأنها لا تشعر بالجوع، بل لأن الخوف والقلق قد عقدا شهية الفتاة المسكينة. كانت ترغب في إعداد مائدة كاملة تجلسان إليها معًا، فهي الأخر
last updateآخر تحديث : 2026-07-23
اقرأ المزيد

42

ابتسمت إيلينورا ابتسامة هادئة وهي ترى ميرا غارقة في بحر أحزانها، ثم قالت برفق: «لا تنظري إليّ هكذا.» صمتت لحظة، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة، ثم تابعت بصوت خافت امتزج فيه الحنين بالألم: «أتدرين يا ميرا... ربما أكون أكثر من يشعر بكِ في هذا المكان، فلا تتعجبي من كلامي، فأنا أيضًا افترقت عن عائلتي منذ مدة طويلة، ولا أعلم متى سأعود إليهم، أو هل سأعود إليهم حقًا أم أن القدر لن يمنحني تلك الفرصة مرة أخرى.»رفعت ميرا رأسها، وقد ظهر الاستغراب واضحًا في عينيها، وقالت في دهشة: «ولماذا افترقتِ عن عائلتك؟ وكيف تقولين هذا؟ أليست هذه مملكتك؟»لم تجبها إيلينورا مباشرة، بل مدت يدها إلى الطبق، واختارت ثمرة صغيرة ذات لون زمردي يكسوه بريق ذهبي خافت، ثم ناولتها إلى ميرا قائلة بابتسامة لطيفة: «إن كنتِ تريدين معرفة السبب، فعليكِ أولًا أن تأكلي هذه.»نظرت ميرا إلى الثمرة في يدها، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة امتزجت بالحزن. أعادها هذا الموقف إلى ذكريات بعيدة، إلى والدها وهو يجلس أمامها كلما مرضت أو رفضت الطعام، فيأخذ قطعة من الخبز أو ثمرة فاكهة ويظل يساومها عليها حتى تضحك وتأكل. شعرت بوخزة مؤلمة في قلبها، لكنه
last updateآخر تحديث : 2026-07-24
اقرأ المزيد

43

شعرت ميرا بانقباض شديد في قلبها بعدما انتهت إيلينورا من سرد قصتها. كانت تنظر إليها في صمت، وقد أدركت للمرة الأولى أن الألم لا يقاس بالمسافات، فإيلينورا لم تُنتزع من عالمها كما حدث معها، ولم تعبر حاجزًا سحريًا يفصلها عن أهلها، ومع ذلك كانت تعيش مرارة الفراق نفسها. نعم، كانت أسرتها ما تزال في مملكة الربيع، تحت السماء ذاتها وعلى الأرض ذاتها، لكن القوانين والواجبات التي فرضتها الحرب أقامت بينها وبينهم حاجزًا لا يقل قسوة عن أي حاجز سحري.ابتسمت ميرا ابتسامة حزينة وقالت بصوت خافت: «لقد ظننت أنني الوحيدة التي تعاني من الفراق، لكن يبدو أن لكل منا جرحه الخاص.»لاحظت إيلينورا الحزن الذي ارتسم على وجه ميرا، فأدركت أنها هي من أثقلت الأجواء هذه المرة. لم تكن تريد أن تزيد هموم الفتاة، بل كانت تحاول فقط أن تجعلها تشعر بأنها ليست وحدها في هذا العالم الغريب.ابتسمت ابتسامة مشرقة، ثم لوحت بيدها قائلة: «لا تشعري بالحزن من أجلي، فأنا في أفضل حال، بل وأظن أن ما حدث لي كان أفضل ما مررت به في حياتي.»نظرت إليها ميرا باستغراب، فأكملت إيلينورا وقد عادت الحيوية إلى صوتها: «حقًا يا ميرا. لو بقيت في بلدتي لما تع
last updateآخر تحديث : 2026-07-24
اقرأ المزيد

44

في قلب أكاديمية الطب، حيث تتجمع مجمعات الطلاب والمعلمين في نظام بديع، ارتفع المبنى الرئيسي لكبير الحكماء شامخًا فوق جميع الأبنية، حتى بدا للناظر وكأنه قلب الأكاديمية النابض بالحكمة والمعرفة. لم يكن بناءً ضخمًا فحسب، بل كان تحفة سحرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين، شُيدت في عهد أوائل حكماء مملكة الربيع، وظل كما هو منذ ذلك الحين، لا تعبث به السنون ولا تمس هيبته الأيام.ارتفعت جدرانه البيضاء المصنوعة من حجر قمري نادر تتخلله عروق بلورية زرقاء ينبعث منها ضوء هادئ، فيبدو المبنى وكأنه يشع نورًا من داخله لا من خارجه. وكانت عشرات الأعمدة العملاقة تحيط به في شكل دائري، وقد نُحتت كل دعامة على هيئة جذع شجرة مقدسة تتشابك أغصانها عند أعلى المبنى، حتى خُيِّل للناظر أن غابة كاملة تحتضن هذا الصرح العظيم.أما القبة الهائلة التي تعلوه، فقد صُنعت من بلور سماوي شفاف، ينعكس عليه ضوء الشمس نهارًا فيرسم ألوانًا زاهية تملأ أرجاء الأكاديمية، بينما تتحول ليلًا إلى صفحة صافية تتلألأ فوقها النجوم وكأن السماء نفسها استقرت فوق المبنى. وعلى امتداد الممر المؤدي إلى المدخل الرئيسي انتشرت أشجار فضية طويلة، تتفتح عليها أ
last updateآخر تحديث : 2026-07-25
اقرأ المزيد

45

ظهرت إيلينورا أمام غرفة كبير الحكماء، وما إن استقرت قدماها على أرضية الممر حتى وقع بصرها على معلمها أوريڤال، الذي كان يقف أمام الباب الضخم في انتظارها. بدا واقفًا في هدوء تام، إلا أن ملامحه كانت شاردة على غير عادتها، وكأن عقله ما زال غارقًا في التفكير في كل ما حدث منذ ظهور تلك البشرية الغامضة. حتى إنه لم ينتبه إلى وصول تلميذته إلا بعدما وقفت أمامه مباشرة.انحنت إيلينورا احترامًا وقالت بصوت خافت: «معلمي... لقد أتيت.»انتبه أوريڤال أخيرًا، فرفع رأسه ونظر إليها للحظة، ثم قال بهدوء: «حسنًا... أظهري الفتاة.»أومأت إيلينورا برأسها، ثم رفعت يديها وبدأت تتمتم بكلمات تعويذة الإظهار. وما إن انتهت حتى تلاشت خيوط السحر المتراقصة في الهواء، وظهرت ميرا واقفة بجوارها.كانت ميرا شاحبة الوجه إلى حدٍ مخيف، وعيناها متورمتين من كثرة البكاء، بينما ارتجفت يداها دون إرادة منها. لم يعد الخوف وحده يسيطر عليها، بل أصبحت في حالة استسلام تام، فقد أيقنت منذ وقت طويل أنها لم تعد تملك أي خيار. مهما كان مصيرها... ستقبله، فقد استنزفت كل ما لديها من قوة، ولم يعد بوسعها المقاومة أو حتى الاعتراض.ألقى أوريڤال عليها نظرة
last updateآخر تحديث : 2026-07-25
اقرأ المزيد

46

انتهت ميرا من سرد قصتها، ثم خيم الصمت على الغرفة مرة أخرى. شعرت وكأن الكلمات الأخيرة قد استنزفت ما تبقى من قوتها، فلم تعد تملك شيئًا آخر تقوله. كانت واقفة في مكانها، ورأسها منخفض، وأنفاسها متقطعة، بينما عيناها المحمرتان من كثرة البكاء تحدقان في الأرض دون أن تجرؤا على رفعهما. لقد أنهكها تكرار القصة مرة بعد أخرى، حتى أحست أن روحها هي التي تعبت قبل جسدها، ولم يعد بداخلها سوى انتظار الحكم الذي سيصدره الرجل الجالس أمامها.ظل كبير الحكماء ثامور صامتًا برهة، يحدق فيها بعينين لا يظهر فيهما أدنى انفعال، ثم حول بصره ببطء نحو المعلم أوريڤال، وقال بصوته الوقور الذي ملأ أرجاء الغرفة: «لا أعلم كيف استطعت أن تنخدع بهذه السهولة يا أوريڤال. هل حقًا صدقت أن هذه المخلوقة جاءت من عالم آخر، وأنها استطاعت عبور الحاجز السحري الذي عجز عن الوصول إليه أعظم سحرة مملكة الربيع؟»رفع أوريڤال رأسه قليلًا، ثم قال بهدوء لم يتغير رغم حدة الكلمات التي وُجهت إليه: «لم أقل يومًا إنني صدقتها يا معلمي، بل قلت إنني عجزت عن معرفة حقيقتها. حاولت بكل ما أملك من علم وقوة سحرية أن أكتشف هويتها، فلم أصل إلى شيء، ولهذا جئت بها إلي
last updateآخر تحديث : 2026-07-26
اقرأ المزيد

47

مر وقت ليس بالقصير داخل غرفة كبير الحكماء، حتى خيم عليها صمت ثقيل يكاد يخنق الأنفاس. كان الحكيم ثامور ما يزال جالسًا على كرسيه المرتفع، إلا أن هيبته المعتادة كانت تخفي خلفها اضطرابًا لم يعرفه عنه أحد من قبل. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة ملحوظة، وأنفاسه تخرج متلاحقة، ومن يراه في تلك اللحظة يخيل إليه أنه بركان هائل يقف على حافة الانفجار، يحاول بكل ما بقي لديه من اتزان أن يمنع نفسه من الثوران.فمنذ لحظات وهو يلقي على الفتاة الواقفة أمامه تعويذة تلو الأخرى.بدأ بالتعاويذ البسيطة...ثم انتقل إلى التعاويذ المتوسطة...ثم استدعى من ذاكرته أندر التعاويذ وأعقدها، تلك التي لم يستخدمها منذ عشرات السنين.ومع ذلك...لم يحدث شيء.لا شيء على الإطلاق.كانت ميرا تقف في مكانها، شاحبة الوجه، ترتجف من الخوف، لكنها لم تتأثر بأي تعويذة أُلقيت عليها، وكأن السحر كله قد فقد معناه أمامها.بل إن الأمر كان أغرب من مجرد عدم التأثر.فكل تعويذة كانت تقترب منها، كانت خيوطها السحرية تتلاشى قبل أن تمسها، وكأن شيئًا خفيًا يبتلعها في اللحظة الأخيرة، فلا يبقى منها سوى ومضة ضوء تختفي في الهواء.حتى إن كبير الحكماء لم يكتفِ بذ
last updateآخر تحديث : 2026-07-27
اقرأ المزيد

48

كانت إيلينورا تقف في مكانها كتمثالٍ حجري لا يعرف الحركة، إلا أن الدهشة التي غمرت عينيها كانت أوضح من أن تخفى. طوال خمسمائةٍ وعشرين عامًا من عمرها، لم ترَ شيئًا يشبه ما يحدث أمامها الآن، ولم يخطر ببالها يومًا أن ترى تعاويذ كبير الحكماء نفسه تفشل الواحدة تلو الأخرى. أخذت تحدث نفسها في ذهول: ما الذي يحدث؟ هل أحلم؟ كيف يمكن لكل هذه التعاويذ، بل أقواها، ألا تترك في ميرا أدنى أثر؟ يا إلهي... إنني أشعر أن عقلي أوشك على الانهيار.وفجأة انقطع سيل أفكارها عندما دوى صوت كبير الحكماء في أنحاء الغرفة حتى خُيل إليها أن الجدران نفسها قد ارتجفت من هيبته وغضبه.قال وهو يحدق في ميرا بعينين تقدحان شررًا: «من أرسلك إلى هنا؟ ومن أي مكانٍ لعين أتيتِ؟ ما هذا السحر الذي يحيط بك؟ أي تعاويذ مظلمة تستخدمين؟ هل أنتِ من أتباع ساحرة الغابة السوداء؟ تكلمي... قولي الحقيقة، وإلا أقسم أنني سأقتلك بيدي.»ارتجف جسد ميرا، لكنها بقيت تحدق إليه في حيرة لا تقل عن حيرته. لم تكن تفهم شيئًا مما يدور حولها. منذ أن دخلت هذه الغرفة، والرجل يلقي عليها أضواءً غريبة وخيوطًا لامعة تدور حول جسدها، ويتمتم بكلمات لم تسمع مثلها قط، ثم لا
last updateآخر تحديث : 2026-07-27
اقرأ المزيد

49

نظر المعلم أوريڤال إلى عيني معلمه طويلًا، محاولًا أن يقرأ ما يدور خلف ذلك الوجه الصلب الذي لم يعرف الاضطراب يومًا، لكنه للمرة الأولى منذ أصبح تلميذًا على يديه عجز عن فهم ما تخفيه نظرات كبير الحكماء. لم ير فيها الغضب وحده، ولا الحيرة وحدها، بل شيئًا أعقد من ذلك بكثير، وكأن الرجل الذي كان يظنه أعلم أهل مملكة الربيع جميعًا قد وقف هو الآخر أمام بابٍ مغلق لا يملك مفتاحه. أخذ أوريڤال نفسًا هادئًا، ثم قال بحذر: «يا معلمي ثامور... لا أعتقد أنها بهذه الخطورة. نعم، هي لا تتأثر بأي تعويذة، وهذا أمر لا أستطيع تفسيره، لكن في المقابل... ليس لديها أي سحر، ولا أشعر داخلها بأي طاقة سحرية، ولا أرى فيها أي قدرة من قدرات جنسنا أو أي جنس آخر أعرفه. إنها...» ثم توقف فجأة، وشرد بصره، وكأنه يبحث عن كلمة تصف ميرا، لكنه لم يجد. وبعد لحظات قال بصوت منخفض امتزجت فيه الحيرة بالعجز: «إنها... فقط... هكذا.»رفع كبير الحكماء رأسه ببطء، ثم قال بصوت ثقيل: «وماذا لو كانت تخفي سحرها؟ ماذا لو كانت قوتها الحقيقية أعظم من أن تستشعرها تعاويذنا؟ ماذا لو كانت تملك قدرة تجعلها تخفي طاقتها وظلامها داخلها حتى يحين الوقت المناسب؟»
last updateآخر تحديث : 2026-07-27
اقرأ المزيد

50

أخذ الجنود ميرا من بين يدى إيلينورا، وانطلقوا بها خارج الغرفة بخطوات ثابتة لا تعرف التردد، بينما بقيت إيلينورا واقفة فى مكانها كتمثال حجرى، لا تكاد تصدق ما جرى أمام عينيها. كانت تحدق فى الباب الذى أُغلق خلفهم، وكأنها ما زالت ترى ميرا تسير بينهم برأس منكس، وقد استسلمت تمامًا لمصير لا تعلم عنه شيئًا. أخذت تحدث نفسها فى صمت مرير: لماذا تفاجأت؟ أليس هذا هو الأمر الطبيعى؟ بعد كل ما حدث أمام كبير الحكماء، وبعد أن عجزت أقوى التعاويذ عن التأثير فيها، كان من المستحيل أن يتركوها حرة. ثم زفرت ببطء وهى تشعر بشىء من الطمأنينة يتسلل إلى قلبها رغم كل شيء، وقالت فى داخلها: على الأقل... إن حاولوا قتلها بتعويذة الموت فلن ينجحوا، فقد رأيت ذلك بعينى، لكن... توقفت أفكارها فجأة، وارتجف قلبها عندما أكملت الحقيقة التى كانت تخشاها: يمكنهم قتلها بطرق أخرى لا علاقة لها بالسحر...انقطع شرودها على صوت معلمها أوريڤال وهو يناديها للمرة الثانية بنبرة امتزج فيها الضيق بالإرهاق: «إيلينورا... ما بك؟ إننى أحدثك.» انتفضت من مكانها كأنها استيقظت من حلم طويل، ثم قالت مسرعة: «ها... نعم يا معلمى... أعتذر، ماذا تريد؟» نظر إلي
last updateآخر تحديث : 2026-07-28
اقرأ المزيد
السابق
1
...
34567
...
16
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status