تسجيل الدخولمع دخول الشهر الخامس من فترة المنع، بدأ العدّ التنازلي الحقيقي. صارت الأيام أقصر في إحساسهما، وصارت التفاصيل الصغيرة تأخذ طعماً مختلفاً. كل مكالمة ليلية كانت تحمل جملة «باقي أقل من شهرين»، وكل زيارة قصيرة كانت تُختتم بابتسامة أوسع من التي قبلها.في أحد أيام الخميس، انتهى راشد من اجتماع طويل مع المقاول. اتصل بسارة فوراً وهو لا يزال في الفيلا:— التشطيبات الداخلية خلصت اليوم. المطبخ، الغرف، الإضاءة، كل شيء جاهز تقريباً. باقي فقط الفرش وبعض التفاصيل البسيطة.سارة كانت في مكتبها، فخرجت إلى الممر لتسمع بوضوح. صوتها جاء مليئاً بالفرح المكتوم:— يعني البيت صار جاهز قبل الموعد؟— جاهز بما يكفي أن نعيش فيه براحتنا. أبيكِ تشوفينه مرة ثانية قريب. هذه المرة راح يكون مختلف تماماً عن الزيارة الأولى.اتفقا أن يذهبا في عطلة نهاية الأسبوع. هذه المرة بدون العائلة، فقط هما الاثنان. أراد راشد أن يريها البيت بعد أن اكتمل، وأن يجلسا فيه لأول مرة كمن يتجولان في مستقبلهما الحقيقي.في يوم الجمعة مساءً، وصلت سارة إلى المكان. كانت الأضواء الخارجية قد رُكّبت، والحديقة الأمامية بدأت تأخذ شكلها الأول بعد زراعة بعض
بعد زيارة الفيلا، بدأت الترتيبات الصغيرة تأخذ مكانها بهدوء داخل دائرة العائلة فقط. لم يكن هناك ضجيج ولا إعلانات، فقط خطوات مدروسة ومشبعة بالفرح الداخلي. راشد وسارة اتفقا أن يكون الزواج بسيطاً جداً: قاعة صغيرة أو حتى استراحة هادئة، عدد محدود من الضيوف، وتركيز على المعنى أكثر من الشكل.في أحد المساءات، جلسَا معاً في سيارة راشد أمام منزل سارة، يفتحان حاسوباً محمولاً ويراجعان بعض الخيارات. كانت سارة تكتب ملاحظات في دفتر صغير، وراشد يقلب صوراً لمكانين محتملين.— أفضل المكان اللي يكون هادئ وفيه مساحة خارجية بسيطة، قالت سارة وهي تشير إلى صورة استراحة في أطراف الرياض. أمي تقدر تحضر براحتها، وما يكون فيه زحمة.راشد وافق فوراً:— وأنا أفضل الشيء نفسه. ما أبي زواج يصير حديث الناس أيام. أبي يوم يكون لنا وللي نحبهم فقط.تحدثا بعد ذلك عن التفاصيل التي تبدو صغيرة لكنها تعني الكثير: لون الدعوة الإلكترونية البسيطة التي سيرسلانها للمعارف المقربين فقط، نوع القهوة العربية التي تُقدم، والأناشيد الهادئة بدل الأغاني الصاخبة. سارة كانت تضحك أحياناً من دقة راشد في بعض الأمور، وهو كان يبتسم من سعادته بأنها تشا
بعد أيام قليلة من تعارف يزيد وراشد، اقترح راشد فكرة جعلت سارة تبتسم من قلبها: أن يزوروا جميعاً الفيلا قيد الإنشاء. أراد أن يرى الأم ويزيد المكان الذي يخطط أن يعيشوا فيه معاً، وأن يشاركهم الحلم منذ بدايته.في صباح يوم الجمعة، جهزوا الأم بعناية. راشد أرسل سيارة عائلية مريحة مع سائق، وساعد يزيد في نقل الكرسي المتحرك الخاص بها. سارة جلست بجانب أمها طوال الطريق، تمسك يدها وتطمئنها كل بضع دقائق. الأم كانت هادئة، لكنها كانت تنظر من النافذة بفضول وسعادة واضحة.عندما وصلوا إلى الأرض، كان راشد بانتظارهم عند البوابة. كان يرتدي قميصاً أبيض بسيطاً، ويبدو أكثر حماساً من أي مرة سابقة. رحب بالأم باحترام كبير، وساعد في إنزالها، ثم بدأ الجولة ببطء ليتناسب مع حركتها.مشى بهم أولاً في الحديقة الأمامية التي كانت لا تزال تراباً في معظمها، لكنه وصف لهم كيف ستكون مليئة بالأشجار والزهور في المستقبل. ثم دخلوا إلى الصالة الرئيسية. كانت الجدران بيضاء ناصعة، والنوافذ الكبيرة تسمح بدخول نور الصباح بقوة. راشد وقف في وسطها وقال بصوت واضح:— هنا يا خالة ستكون الصالة التي نجلس فيها كل مساء. تخيلتُ كرسياً مريحاً خاصاً
في نهاية الأسبوع، عاد يزيد من جامعته في جدة. كان قد أنهى اختباراته النصفية، وقرر قضاء أربعة أيام في الرياض مع أمه وأخته. سارة استقبلته عند الباب بفرح حقيقي، واحتضنته طويلاً. كان يبدو أكبر قليلاً منذ آخر مرة رأته، وأكثر نضجاً في ملامحه.الأم فرحت بوجوده فرحاً كبيراً. صار البيت أكثر حركة وصوتاً، وصار يزيد يساعد في كل شيء: يحمل لأمه الماء، يرتب الغرفة، ويصر على أن يطبخ هو العشاء في الليلة الأولى. سارة كانت تنظر إليه وتشعر بشيء من الطمأنينة، لكنها في الوقت نفسه كانت تفكر كيف ومتى تخبره بخبر الخطبة.في الليلة الثانية من عودته، بعد أن نامت الأم مبكراً، جلس الأخ والأخت في الصالة. يزيد كان يشرب شاياً ويقلب في هاتفه، ثم رفع رأسه فجأة وقال:— في شيء مختلف فيكِ يا سارة. وجهكِ أكثر راحة… وفي يدكِ خاتم جديد ما شفته من قبل.سارة شعرت بحرارة في خديها. نظرت إلى الخاتم ثم إليه، وقررت أن الصدق أفضل. أخذت نفساً عميقاً وقالت:— يزيد… أنا مخطوبة.تجمد يزيد لحظة، ثم وضع كوب الشاي جانباً ونظر إليها بجدية:— مخطوبة؟ من؟ ومتى؟ ولماذا ما أخبرتيني؟روت له القصة من البداية باختصار: كيف تعرفت على راشد، كيف تطورت
في الصباح التالي لليلة الخطبة، استيقظت سارة أبكر من المعتاد. كانت يدها اليسرى لا تزال تحمل الخاتم، وكانت تنظر إليه كل بضع دقائق كأنها تتأكد أنه حقيقي. قررت أن تخبر أمها اليوم نفسه، لأنها لم تعد تحتمل أن تخفي عنها فرحة بهذا الحجم.بعد أن أنهت ترتيب البيت وأعطت أمها دواءها الصباحي، جلست بجانبها على حافة السرير الطبي. أمسكت يدها برفق وقالت بصوت هادئ لكنه يرتجف من السعادة:— أمي… عندي خبر كبير.الأم فتحت عينيها جيداً ونظرت إليها بانتباه. سارة أخرجت يدها من تحت الغطاء ببطء وأظهرت الخاتم. سكتت الأم ثانية كاملة، ثم رفعت يدها الضعيفة ولمست الخاتم بأصابعها، قبل أن ترفع عينيها إلى وجه ابنتها.— راشد؟— نعم يا أمي. طلبني للزواج ليلة أمس… وأنا قبلت.الأم أغلقت عينيها للحظة، ثم فتحتها والدموع تنساب منها بهدوء. مدت يديها وسحبت سارة إليها واحتضنتها بقوة لم تكن تبدو قادرة عليها منذ شهور. كانت تبكي وتضحك في الوقت نفسه، وتكرر:— الحمد لله… الحمد لله يا رب. دعيت لكِ كثيراً يا بنتي… كثير.سارة بكت على كتف أمها من الفرح. بقيتا هكذا دقائق طويلة، حتى هدأت الأم قليلاً ومسحت دموعها بيدها وقالت:— أريد أن أراه
مرّ أسبوعان على لقاء المزرعة. خلالهما صار التواصل بينهما أكثر عمقاً وهدوءاً. المكالمات الليلية طالت، والرسائل صارت تحمل تفاصيل صغيرة جداً عن اليوم: ماذا أكلت، كيف كان مزاج الأم، هل نام يزيد جيداً قبل اختباره، وهل راشد تذكر أن يشرب ماءً كافياً أثناء اجتماعاته الطويلة. كأنهما يبنيان عالماً خاصاً بهما عبر الشاشة والصوت، عالماً لا يدخله أحد غيرهما.في مساء يوم خميس، أرسل راشد رسالة قصيرة في الساعة الخامسة عصراً:«هل تستطيعين الخروج الليلة؟ أريد أن أريكِ شيئاً. سآتيكِ في تمام الثامنة عند الزاوية المعتادة.»سارة قرأت الرسالة وشعرت بفرحة هادئة وقلق خفيف في الوقت نفسه. ردّت:«سأكون جاهزة.»ارتدت فستاناً كحلياً بسيطاً طويلاً، وتركت شعرها منسدلاً، ووضعت سلسلة والدها الذهبية حول عنقها. قبّلت أمها وأخبرتها أنها ستتأخر قليلاً. الأم نظرت إليها بعينين عارفتين وابتسمت دون أن تسأل كثيراً.في الثامنة تماماً، كانت سارة تنتظر عند الزاوية المتفق عليها. وصلت سيارة راشد ببطء. نزلت بجانبه، فابتسم لها ابتسامة مختلفة هذه الليلة… أعمق وأكثر جدية.— إلى أين نحن ذاهبون؟— ستعرفين الآن.قاد السيارة نحو شمال الرياض







