LOGINمرّت ثلاثة أيام منذ آخر مواجهة بين كايان وليان.
ثلاثة أيام حاولت فيها ليان أن تقنع نفسها أنها لا تهتم بما قاله. لكن الحقيقة كانت عكس ذلك. كل كلمة قالها بقيت عالقة في عقلها. "ابتعدي عني وعن عالمي." لم تكن المشكلة في تحذيره... بل في الطريقة التي قالها بها. وكأنه يخفي خلف غضبه شيئًا أكبر. وضعت ليان الأوراق أمامها على الطاولة، ونظرت إليها بضيق. كانت تحاول البحث عن أي معلومة عن الماضي الذي يربط عائلتها بعائلة كايان. لكن كل الطرق كانت مغلقة. وكأن شخصًا ما تعمد محو كل شيء. ليان: "حسنًا يا كايان..." ابتسمت ابتسامة صغيرة. ليان: "إذا كنت تريد إخفاء الحقيقة، فسأجدها بنفسي." ــــــــــــــــــــــــــــ في نفس الوقت... داخل شركة "راي للاستثمارات". كان كايان يعقد اجتماعًا مع كبار رجاله. الجميع صامت. فالاجتماعات معه لم تكن عادية. كان يكفي أن يدخل حتى يتغير الجو بالكامل. أحد الرجال: "سيدي، وجدنا تحركات جديدة من الطرف الآخر." كايان: "راقبوهم فقط." الرجل: "لكن إذا كانوا يخططون للهجوم..." قاطعه كايان. كايان: "قلت راقبوا." لم يجرؤ أحد على الاعتراض. لكن الباب انفتح فجأة. ودخلت ليان. توقفت كل الأنظار عليها. نظر كايان إليها بصمت. لكن هذه المرة... لم تكن نظراته هادئة. كانت غاضبة. كايان: "ماذا تفعلين هنا؟" رفعت ليان رأسها بثقة. ليان: "جئت لأتحدث." كايان: "لم أطلب منك الحضور." ابتسمت. ليان: "ولم أطلب إذنك." ساد الصمت في القاعة. بعض الرجال نظروا إليها بدهشة. فلا أحد يتحدث مع كايان بهذه الطريقة. اقترب منها كايان والغضب اشتعل في عينيه. كايان: "يبدو أنك لم تفهمي كلامي في المرة السابقة." ليان: "بل فهمته جيدًا." نظرت إليه بثبات. ليان: "أنت تريدني أن أبتعد لأنك تخاف أن أعرف الحقيقة." ثم أكملت: ليان: "ولأنك تعتقد أن القسوة ستجعلني أتراجع." اقترب أكثر ونظر الى عينيها. كايان: "القسوة أحيانًا هي الطريقة الوحيدة لجعل الأشخاص يفهمون." ضحكت بسخرية. ليان: "لا." هزت رأسها. ليان: "القسوة هي الطريقة التي يستخدمها الأشخاص الذين لا يعرفون كيف يشرحون أنفسهم." تغيرت نظرات الرجال. لأنهم شعروا أن المواجهة أصبحت أخطر. نظر كايان إليها ببرود. ثم التفت إلى رجاله. كايان: "اتركونا." خرج الجميع من الغرفة. وبقي الاثنان وحدهما قريبين جداً من بعضهم ولا احد ينوي الاستسلام. ساد الصمت و لم يسمع سوا صوت انفاسهم. ثم قرر كايان ان يقطع الصمت وحل برود في عينيه وابتسم ابتسامه متلاعبه واقترب اكثر تراجعت ليان غريزياً للورء حيث اصطدمت بالطاوله لم يتوقف كايان اقترب وحاصرها بين الطاوله وعضلاته القويه ارتبكت ليان من تصرفاته وهوا لاحظ ملامح الارتباك عليها فقرر التلاعب اكثر باعصابها حيث انحنى بلقرب من اذنها وهمس: كايان: "أنتِ تظنين أنك قوية." توترت ليان من انفسه علي رقبتها وسرت قشعريره في جسدها لكن حاولت التماسك وردت عليه بصوت غاضب. ليان: "وأنت تظن أنك مخيف." رفع كايان راسه حيث تلاقت اعينهم. كايان: "أنا مخيف ، ويجب ان تخافي مني ي صغيرتي." ليان: "بالنسبة لمن يخاف منك ، اما انا لا اخف منك ولن اخف منك ، وانا لست صغيرتك." ظل كايان ينظر اليها ثم ابتعد عنها اخيراً. كايان: "يعني انتِ لا تخافين مني؟" ترددت للحظة. لكنها أجابت: ليان: "لا." ثم أضافت: ليان: "أنا فقط لا أحترم الأشخاص الذين يستخدمون الخوف بدل الحقيقة." كانت الجملة كافية لإشعال غضبه. أمسك كايان الملف الموجود أمامه وألقاه على الطاولة أمامها. كايان: "خذي." نظرت إليه باستغراب. ليان: "ما هذا؟" كايان: "شيء كنت تبحثين عنه." فتحت الملف ببطء. لكن قبل أن تقرأ، قال بصوت قاسٍ: كايان: "لكن تذكري شيئًا." رفعت عينيها إليه. كايان: "إذا فتحتِ هذا الملف، فلا تعودي تلوميني على ما ستعرفينه." ترددت. ليس خوفًا... بل لأن نبرته جعلتها تشعر أن ما بداخل الملف ليس عاديًا. فتحت الصفحة الأولى. وبمجرد أن رأت الاسم... تغير وجهها. لأنها رأت اسم والدها. لكن بجانبه... كان هناك شيء لم تتوقعه. شريك كايان السابق. رفعت رأسها بصدمة. ليان: "ما معنى هذا؟" لم يجب. كايان: "الآن فهمتِ لماذا طلبت منك الابتعاد؟" نظرت إليه بغضب. ليان: "يعني انت تعرف والدي وتعرف الرجل الذي معه." كايان: "نعم." ليان: "وتركتني أبحث وحدي ولم تعطيني اجابه؟" كايان: "لأنني كنت أريد أن أعرف هل ستتراجعين." ضحكت بسخرية. ليان: "أنت أسوأ شخص قابلته في حياتي." نظر إليها ببرود. كايان: "وهذا أفضل." ليان: "لماذا؟" صمت قليلًا. ثم قال: كايان: "لأن كرهك لي سيجعلك تبتعدين." نظرت إليه باستغراب. لم تفهم لماذا بدا وكأنه يحاول جعلها تكرهه. لكنها قررت شيئًا. إذا كان يريد الحرب... فستعطيه حربًا. أغلقت الملف بقوة. ليان: "مبروك يا سيد كايان." كايان: "على ماذا؟" ابتسمت. ليان: "لقد نجحت." تقدمت نحو الباب. ليان: "أصبحت فعلًا الشخص الوحيد الذي أريد كشف أسراره." خرجت. وبقي كايان ينظر إلى الباب المغلق. لأنه عرف... أنه بدل أن يبعدها عن الماضي... جعلها أكثر إصرارًا على الوصول إليه. لم تكن ليان من الأشخاص الذين يستسلمون بسهولة. طوال حياتها، كانت تؤمن أن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، أفضل من أن تعيش خلف أكاذيب الآخرين. لكنها لم تتوقع أن تكون الحقيقة مرتبطة باسم كايان. الرجل الذي أصبح وجوده وحده يستفزها. منذ لقائهما الأول، لم ترَ فيه سوى الغرور والسيطرة. رجل يعتقد أن الجميع مجرد قطع شطرنج يحركها كما يشاء. ولهذا... قررت أن تلعب لعبته. لكن بقواعدها. ــــــــــــــــــــــــــــ في صباح اليوم التالي... دخلت ليان إلى أحد المقاهي الهادئة، وجلست أمام رجل كانت قد طلبت مقابلته. كان اسمه سامر. أحد الأشخاص الذين عملوا قديمًا مع والدها. سامر: "لم أتوقع أن تبحثي عن هذا الموضوع بعد كل هذه السنوات." نظرت إليه ليان بجدية. ليان: "وأنا لم أتوقع أن الجميع سيصمتون عندما يتعلق الأمر بوالدي." خفض سامر نظره. سامر: "هناك أشياء من الأفضل ألا تعرفيها." ابتسمت بسخرية. ليان: "غريب." رفعت كوب القهوة. ليان: "هذه نفس الجملة التي يقولها كايان." تغير وجه سامر فور سماع الاسم. وهذا وحده كان كافيًا لتفهم ليان. ليان: "إذن هو مرتبط بالأمر أكثر مما توقعت." سامر: "ابتعدي عنه يا ليان." نظرت إليه بثبات. ليان: "الجميع يطلب مني الابتعاد عنه." ثم أضافت: ليان: "لكن لا أحد يخبرني لماذا." ساد الصمت. قبل أن يجيب سامر... وصلت رسالة إلى هاتف ليان. فتحتها. وكانت عبارة عن صورة. صورة لها وهي تجلس مع سامر. وتحتها جملة واحدة: "توقفي قبل أن تجعلي الأمور أسوأ." تغيرت ملامحها. لم تحتج لمعرفة المرسل. كانت تعرف. كايان. ــــــــــــــــــــــــــــ بعد ساعة... دخلت ليان إلى مبنى الشركة وهي غاضبة. لم تنتظر أحدًا هذه المرة. دخلت مكتب كايان مباشرة. كان واقفًا أمام النافذة. وكأنه كان يعلم أنها ستأتي. ليان: "هل تراقبني؟" لم يلتفت. كايان: "هل فوجئتِ؟" اشتعل غضبها. ليان: "أنت تتجاوز حدودك." استدار ببطء. كايان: "وأنتِ تتجاوزين حدودك منذ أن دخلتِ حياتي." توقفت للحظة. ليان: "حياتك؟" ضحكت باستهزاء. ليان: "لا تقلق، آخر شيء أريده هو الدخول إلى عالمك." اقترب منها. كايان: "إذن لماذا تلاحقين أسراري؟" ليان: "انا لا الاحق اسرارك انا أُريد معرفه من قتل أبي." تغيرت ملامحه. ليان: "لو كنت بريئًا كما تدعي، لما حاولت إيقافي كل مرة." ظل ينظر إليها. ثم قال ببرود: كايان: "أنتِ لا تعرفين متى تصمتين." ابتسمت. ليان: "وأنت لا تعرف متى تكون إنسانًا طبيعيًا." اقترب منها أكثر. لكن صوته بقي هادئًا. كايان: "أنت تظنين أنك تزعجينني." ليان: "ألا أفعل؟" كايان: "لا." صمت لحظة. ثم قال: كايان: "أنتِ فقط تذكرينني بشيء أحاول نسيانه." توقفت. لأول مرة لم تجد ردًا سريعًا. لكنها لم تسمح له برؤية ذلك. ليان: "لا تحاول استخدام الغموض لتبدو عميقًا." كايان: "ولا تحاولي استخدام الشجاعة لتخفي خوفك." غضبت. ليان: "أنا لا أخاف منك." كايان: "لم أقل إنك تخافين مني." اقترب من مكتبه. كايان: "أنت تخافين مما ستعرفينه." كانت كلماته مستفزة. لأن جزءًا منها كان يعلم أنه ربما محق. لكنها رفضت الاعتراف. ليان: "سأعرف الحقيقة." كايان: "حتى لو دمرت صورتك عن والدك؟" تجمدت. ليان: "لا تستخدم والدي ضدي." كايان: "أنا لا أستخدم شيئًا." ثم نظر إليها بحدة. كايان: "أنا أحذرك." ليان: "وأنا لا أطلب حمايتك." استدارت لتخرج. لكن قبل أن تصل للباب... قال كايان: كايان: "ليان." توقفت. كايان: "إذا حدث لكِ شيء..." سكت للحظة. ثم أكمل ببرود: كايان: "لا تتوقعي أن أنقذك مرة أخرى." التفتت إليه. ليان: "لا تقلق." ابتسمت ابتسامة متحدية. ليان: "أنا لا أعتمد على أشخاص مثلك." خرجت. وبقي كايان واقفًا مكانه. لكن هذه المرة... لم يكن غاضبًا منها فقط. كان غاضبًا لأنه بدأ يدرك شيئًا خطيرًا. ليان ليست مجرد مشكلة يجب التخلص منها. بل أصبحت جزءًا من الحرب التي بدأت منذ سنوات. والأعداء الذين يلاحقونها... لم يكونوا يبحثون عنها هي فقط. كانوا يبحثون عن الشيء الذي تحمله دون أن تعرف. ___________ لم يكن كايان غاضبًا من ليان فقط... كان غاضبًا من الطريقة التي أصبحت بها قريبة من أسرار كان مستعدًا لدفنها معه. فكل خطوة تخطوها نحو الحقيقة كانت تعيد فتح جروح ظن أنها أُغلقت منذ سنوات. وفي ذلك اليوم... اتخذ قرارًا. إذا كانت الكلمات الهادئة لا تجعلها تتراجع... فسيجعلها ترى الجانب الذي يخشاه الجميع. ــــــــــــــــــــــــــــ دخلت ليان إلى مبنى قديم كانت قد وصلت إليه بعد بحث طويل. كانت تعتقد أنها وجدت دليلًا جديدًا عن والدها. لكنها لم تكن تعلم أن شخصًا آخر كان يتابع كل خطوة. كايان. ظهر أمامها فجأة. توقفت وهي تنظر إليه بغضب. ليان: "هل أصبحت تضع أشخاصًا لمراقبتي في كل مكان؟" نظر إليها ببرود. كايان: "أنتِ لا تفهمين متى تتوقفين." ابتسمت بسخرية. ليان: "وأنت لا تفهم متى تتوقف عن التحكم بالآخرين." تقدم نحوها، وملامحه كانت أكثر قسوة من المعتاد. كايان: "أنتِ تظنين أن الأمر مجرد لعبة تحقيق." ليان: "لأنك تتصرف وكأن الحقيقة ملك لك وحدك." اشتدت نظراته. كايان: "أنتِ لا تعرفين ما الذي تفتحينه." ليان: "بل أعرف شيئًا واحدًا." نظرت إليه بثبات. ليان: "أنت خائف." ساد الصمت. كانت تلك الكلمة كأنها أصابت شيئًا داخله. كايان: "احذري." ليان: "لماذا؟ هل ستغضب لأنني قلت الحقيقة؟" اقترب خطوة، وصوته أصبح أكثر حدة. كايان: "لا تختبري صبري يا ليان." لكنها لم تتراجع. ليان: "ومن قال إنني أحاول؟ أنا فقط أرى رجلًا يعتقد أن الجميع سيصمتون عندما يرفع صوته." نظر إليها طويلًا. ثم قال ببرود: كايان: "أنتِ لا تعرفين شيئًا عن العالم الذي دخلتِ إليه." ليان: "وأنت لا تعرف شيئًا عني." كايان: "أعرف أنك متهورة." ليان: "وأنا أعرف أنك متكبر." كايان: "أعرف أنك تظنين نفسك أقوى مما أنتِ عليه." ابتسمت. ليان: "وأنا أعرف أنك تخفي ضعفك خلف قسوتك." تغير وجهه. لم يكن غاضبًا فقط... بل شعر بأنها اقتربت من شيء لا يريد لأحد أن يراه. أمسك الملف الذي كانت تحمله ونظر إليه. كايان: "من أعطاك هذا؟" ليان: "ليس من شأنك." رفع عينيه إليها. كايان: "كل شيء يخص هذا الملف من شأني." ليان: "وهنا مشكلتك." اقتربت منه وأخذت الملف من يده. ليان: "تعتقد أن كل شيء ملك لك." ساد صمت ثقيل. ثم قال كايان بصوت منخفض: كايان: "أنت لا تفهمين أنني أحاول منعك من الوقوع في شيء لن تستطيعي الخروج منه." ضحكت بسخرية. ليان: "غريب." نظرت إليه. ليان: "لأول مرة تقول شيئًا يشبه الاهتمام، لكنه يخرج منك كأنه تهديد." لم يجب. فهو لم يكن يريد أن يبدو مهتمًا. ولم يكن يريد أن يعترف حتى لنفسه أن وجودها أصبح مشكلة لا يستطيع تجاهلها. عاد إلى قسوته سريعًا. كايان: "لا تخلطي الأمور." ليان: "اطمئن." أغلقت الملف. ليان: "آخر شيء أفكر فيه هو أنك تهتم." كانت كلماتها مستفزة. لكنه لم يرد. فقط نظر إليها وقال: كايان: "إذا واصلتِ هذا الطريق، سأجبرك على الابتعاد." رفعت حاجبها. ليان: "هل هذا تهديد؟" كايان: "اعتبريه تحذيرًا." ابتسمت. ليان: "أنت فعلًا لا تعرف كيف تتحدث بطريقة طبيعية." ثم استدارت وغادرت. لكن قبل أن تبتعد... قال كايان: كايان: "توقفي." توقفت. كايان: "لا تثقي بأي شخص من الماضي." التفتت إليه. ليان: "حتى أنت؟" سكت. وكان صمته أقوى من أي إجابة. غادرت. وبقي كايان واقفًا مكانه. لأنه أدرك شيئًا خطيرًا... أن أكبر تهديد لخطته لم يكن أعداءه. بل إصرار فتاة واحدة على كشف الحقيقة. والأسوأ... أنها لم تعد تهرب منه. بل بدأت تواجهه.كانت ساعات الليل المتأخرة تثقل بكاهلها على جدران القصر، وكأن الهواء نفسه قد تحول إلى كتلة من التوتر الصامت. في غرفتها، كانت ليان جالسة على حافة السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها وتتأمل الظلال التي ترسمها أضواء الشارع الخافتة على الجدار. عقلها كان يغلي بالأفكار المتضاربة؛ كلمات كايان الأخيرة، الاعتراف المُرّ عن والدها، وتلك الحقيقة التي بدت وكأنها أفعوانية لا مفر من السقوط فيها. لم تستطع إغلاق عينيها، فكلما همّت بالاستغراق في النوم، تراءت لها نظراته الحادة وقربه الذي بعثر كل دفاعاتها."هل كان أبي يخفي عنا كل هذا حقاً؟" سألت نفسها بصوت خافت تهاوى في أركان الغرفة الواسعة. شعور بالغربة والخذلان كان يمزقها، لكن ما كان أسوأ من ذلك هو إدراكها المفاجئ بأن كايان لم يكن العدو، بل ربما كان الحصن الوحيد الباقي في وجه عاصفة توشك أن تبتلعها.في الجهة الأخرى من القصر، داخل مكتبه المظلم إلا من ضوء شاشة حاسوبه الخافت، كان كايان واقفًا أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، ممسكًا بكأس زجاجي يحتوي على مشروب لم يرتشف منه شيئًا. شعور غريب بالخطر كان يداهمه، حدس اعتاد عليه طوال سنوات صراع الدم والسلطة. وضع الكأس بعنف
ظلت ليان جالسة على طرف الأريكة الواسعة في الغرفة التي خصصها لها كايان، عيناها مسمرتان على النافذة الكبيرة التي تطل على الحديقة الخارجية المعتمة. لم تستطع النوم. كلما أغمضت عينيها، استرجعت ذلك القرب الخانق، وتلك الكلمات التي همس بها وكأنها تعويذة سحرية غيرت قواعد اللعبة بأكملها."لماذا تفعل هذا؟" سألت نفسها بصوت هامس تردد خافتًا في جدران الغرفة. لم تكن تشعر بالأمان، بل كانت تشعر بنوع غريب من الضياع. الرجل الذي كان يبدو لها قبل أيام مجرد متغطرس يملك سلطة بلا حدود، تحول فجأة إلى درع يحيط بها من خطر لم تكن تتخيل حجمه. لكن هذا الدرع كان خطيرًا بدوره؛ الاقتراب منه يعني الاحتراق، والابتعاد عنه يعني السقوط في مهب الهلاك.تنهدت بعمق، ونهضت من مكانها لتبدأ في التجول داخل الغرفة. كانت الغرفة مجهزة بكل وسائل الراحة، لكنها بدت لها وكأنها قفص ذهبي أنيق. لم تكن تحب القيود، طوال حياتها اعتادت أن تعتمد على نفسها، وأن تواجه مخاوفها بمفردها دون أن تتكئ على أحد. والآن، ها هي محتجزة في معقل الرجل الذي تعهدت بأن تكشف أسراره.فتحت باب الغرفة بحذر شديد، وخطت بخطوات خفيفة خارجة إلى الممر الطويل والمضاء بإضاءة
صُدى صوت الباب الحديدي الذي تهشم تحت قدمي كايان كان لا يزال يتردد في أرجاء المكان المظلم، كإعلان حرب صريح بينه وبين الماضي الذي عاد ليطاردهما. لم تكن المرة الأولى التي يقتحم فيها مكانًا خطيرًا، لكنها المرة الأولى التي تتسارع فيها أنفاسه بهذا الشكل الجنوني لمجرد أن فكرة إصابتها خطرت بباله.كانت ليان واقفة في منتصف الغرفة المهجورة، تحاول استيعاب ما حدث. الظلام الذي طبق على المكان بعد انقطاع التيار المفاجئ، وصوت خطوات الشخص الذي اختفى من النافذة المحطمة، كادا يفقدانها توازنها. ركبتها كانتا ترتجفان، لكنها حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تظهر تماسُّكها المعتاد.تقدم كايان بخطوات واسعة، ولم يمنحه الغضب الذي يعتليه فرصة للهدوء. مد يده وأمسك بكتفيها بقوة، ناثرًا دفئًا غريبًا وسط برودة الغرفة القاتلة. عيناه اللتان كانتا تشتعلان غضبًا، تحولتا تدريجيًا إلى نظرة مليئة بقلق عميق، قلق حاول طوال السنوات الماضية أن يدفنه تحت جبال من الجمود والقسوة.كايان بصوت خشن ومبحوح، تحشرجت فيه نبرة لم ترها من قبل: * "ألم أخبركِ بالابتعاد؟ ألم أقسم لكِ أنكِ ترمين بنفسكِ إلى الجحيم؟"رفعت ليان رأسها ببطء، ودموع الذع
خلف الأبواب المغلقةلم تكن كل الحروب تُخاض بالأسلحة...بعضها يبدأ بكلمة.وبعضها يبدأ بصورة قديمة تحمل سرًا دفنه الجميع منذ سنوات.---منذ آخر لقاء جمعها بكايان، لم تستطع ليان أن تتوقف عن التفكير.لم يكن أكثر ما أزعجها هو رفضه إعطاءها الإجابات...بل الطريقة التي كان يتصرف بها.كان يتحدث وكأنه يعرف شيئًا عنها أكثر مما تعرفه هي عن نفسها.وكأنه لا يحاول إخفاء الحقيقة فقط...بل يحاول حمايتها منها.وهذا الأمر كان يزعجها أكثر.جلست ليان أمام مكتبها، والصورة القديمة أمامها.الصورة التي وجدتها بين أغراض والدها.الصورة التي قادتها إلى كايان.مررت أصابعها على طرفها بحذر.كان والدها يبتسم فيها.وبجانبه رجل آخر.رجل لم تعرفه طوال حياتها.لكن كايان...عرفه.رأت ذلك في عينيه لحظة أخرجت الصورة أمامه.لم يكن وجهه يحمل الدهشة فقط.بل كان يحمل غضبًا قديمًا.حزنًا حاول إخفاءه.وضعت الصورة أمامها وهمست:ليان: "من أنت؟ ولماذا أخاف كايان عندما رآك؟"لم تحصل على إجابة.لكنها اتخذت قرارها.لن تنتظر حتى يقرر الآخرون إخبارها بالحقيقة.هذه المرة...ستبحث بنفسها.---في الجهة الأخرى من المدينة...كانت أجواء شركة
مرّت ثلاثة أيام منذ آخر مواجهة بين كايان وليان. ثلاثة أيام حاولت فيها ليان أن تقنع نفسها أنها لا تهتم بما قاله. لكن الحقيقة كانت عكس ذلك. كل كلمة قالها بقيت عالقة في عقلها. "ابتعدي عني وعن عالمي." لم تكن المشكلة في تحذيره... بل في الطريقة التي قالها بها. وكأنه يخفي خلف غضبه شيئًا أكبر. وضعت ليان الأوراق أمامها على الطاولة، ونظرت إليها بضيق. كانت تحاول البحث عن أي معلومة عن الماضي الذي يربط عائلتها بعائلة كايان. لكن كل الطرق كانت مغلقة. وكأن شخصًا ما تعمد محو كل شيء. ليان: "حسنًا يا كايان..." ابتسمت ابتسامة صغيرة. ليان: "إذا كنت تريد إخفاء الحقيقة، فسأجدها بنفسي." ــــــــــــــــــــــــــــ في نفس الوقت... داخل شركة "راي للاستثمارات". كان كايان يعقد اجتماعًا مع كبار رجاله. الجميع صامت. فالاجتماعات معه لم تكن عادية. كان يكفي أن يدخل حتى يتغير الجو بالكامل. أحد الرجال: "سيدي، وجدنا تحركات جديدة من الطرف الآخر." كايان: "راقبوهم فقط." الرجل: "لكن إذا كانوا يخططون للهجوم..." قاطعه كايان. كايان: "قلت راقبوا." لم يجرؤ أحد على الاعتراض.
كان الليل قد غطّى المدينة بالكامل، لكن مكتب كايان لم يعرف الهدوء. جلس خلف مكتبه، والملف القديم أمامه. لم يكن ينظر إلى الأوراق... بل إلى الصورة الموجودة في الصفحة الأخيرة. صورة ليان. الفتاة التي دخلت مكتبه منذ ساعات، وتحدثت معه وكأنها لا تعرف من هو. وهذا بالضبط ما أزعجه. فالجميع أمام كايان كانوا يحسبون كلماتهم. الجميع يخافون من نظرة واحدة منه. إلا هي. أمسك الملف وأغلقه بقوة. كايان: "لماذا الآن؟" لم يكن يسأل أحدًا. كان يسأل الماضي نفسه. فجأة، انفتح باب المكتب ودخل أحد رجاله بسرعة. الرجل: "سيدي." رفع كايان عينيه. كايان: "ما الأمر؟" وضع الرجل جهازًا لوحيًا أمامه. الرجل: "هناك أشخاص يراقبون الآنسة ليان." تغيرت نظرة كايان. كايان: "منذ متى؟" الرجل: "منذ خروجها من الشركة." ساد الصمت. ثم وقف كايان. الرجل: "هل تريد أن نتدخل؟" أخذ كايان سترته. كايان: "لا تقتربوا." تفاجأ الرجل. الرجل: "لكن سيدي..." قاطعه كايان بنظرة حادة. كايان: "قلت لا تقتربوا." ثم أضاف: كايان: "أريد أن أعرف من يقف خلفهم." ــــــــــــــــــــــــــــ في الجهة