LOGINكان الليل قد غطّى المدينة بالكامل، لكن مكتب كايان لم يعرف الهدوء.
جلس خلف مكتبه، والملف القديم أمامه. لم يكن ينظر إلى الأوراق... بل إلى الصورة الموجودة في الصفحة الأخيرة. صورة ليان. الفتاة التي دخلت مكتبه منذ ساعات، وتحدثت معه وكأنها لا تعرف من هو. وهذا بالضبط ما أزعجه. فالجميع أمام كايان كانوا يحسبون كلماتهم. الجميع يخافون من نظرة واحدة منه. إلا هي. أمسك الملف وأغلقه بقوة. كايان: "لماذا الآن؟" لم يكن يسأل أحدًا. كان يسأل الماضي نفسه. فجأة، انفتح باب المكتب ودخل أحد رجاله بسرعة. الرجل: "سيدي." رفع كايان عينيه. كايان: "ما الأمر؟" وضع الرجل جهازًا لوحيًا أمامه. الرجل: "هناك أشخاص يراقبون الآنسة ليان." تغيرت نظرة كايان. كايان: "منذ متى؟" الرجل: "منذ خروجها من الشركة." ساد الصمت. ثم وقف كايان. الرجل: "هل تريد أن نتدخل؟" أخذ كايان سترته. كايان: "لا تقتربوا." تفاجأ الرجل. الرجل: "لكن سيدي..." قاطعه كايان بنظرة حادة. كايان: "قلت لا تقتربوا." ثم أضاف: كايان: "أريد أن أعرف من يقف خلفهم." ــــــــــــــــــــــــــــ في الجهة الأخرى من المدينة... كانت ليان تسير في شارع هادئ، تحمل هاتفها بيدها، وهي لا تزال غاضبة من لقائها مع كايان. كانت تراجع كلماته في عقلها. "لا تبحثي عن الحقيقة." ضحكت بسخرية. ليان: "ومن يظن نفسه حتى يمنعني ، اللعنه عليه لقد اغضبني حقاً؟" فجأة شعرت بأن هناك شخصًا يتبعها. توقفت. نظرت خلفها. لا أحد. واصلت السير. لكن خطوات أخرى كانت تسير خلفها. أسرعت قليلًا. ثم سمعت صوتًا من خلفها: "آنسة ليان." توقفت. استدارت بحذر. رجل غريب كان يقف بعيدًا عنها. الرجل: "نحتاج أن نتحدث." نظرت إليه باستغراب. ليان: "غريب... عادة الأشخاص الذين يريدون الحديث لا يظهرون فجأة في الأماكن المظلمة." ابتسم الرجل. الرجل: "لديكِ نفس أسلوب كايان." تغير وجهها. ليان: "لا تذكر اسمه وكأنك تعرفه." اقترب الرجل خطوة. الرجل: "أنتِ لا تعرفين الحقيقة عنه." ابتسمت بسخرية. ليان: "هل هذه جملة يتدرب عليها الجميع قبل مقابلتي؟" الرجل: "احذري منه." رفعت حاجبها. ليان: "من الغريب أن تأتي لتحذرني من شخص لم يطلب مني أحد أن أثق به أصلًا." قبل أن يجيب... ظهر صوت خلفها. هادئ. بارد. كايان: "ليس من عادتي إنقاذ الأشخاص الذين يرفضون الاستماع." تجمدت. عرفت الصوت فورًا. استدارت. كان كايان واقفًا هناك. بملامحه الجامدة ونظرته التي لا تُفهم. ليان: "هل تلاحقني الآن؟" نظر إليها بلا اهتمام. كايان: "لا تبالغي في تقدير نفسك." ابتسمت. ليان: "رائع. حتى وأنت تنقذ شخصًا، تجد طريقة لتكون مستفزًا." كايان: "ومن قال إنني أنقذك؟" نظرت إليه. ليان: "إذًا ماذا تفعل هنا؟" اقترب من الرجل الغريب دون أن يلتفت إليها. كايان: "أحاول معرفة من أرسلك." ضحك الرجل. الرجل: "لن تصل إلى شيء يا كايان." لأول مرة تغير وجه كايان. لم يكن غضبًا... بل حذرًا. كايان: "من أرسلك؟" الرجل: "الشخص الذي سيجعلك تدفع ثمن الماضي." نظرت ليان بينهما. ليان: "انتظروا..." ثم نظرت إلى كايان. ليان: "هل هناك شيء لا أعرفه؟" لم يجب. وهذا وحده كان إجابة. اقتربت منه بغضب. ليان: "كنت أعرف أنك تخفي شيئًا." كايان: "وأنا كنت أعرف أنك ستضعين نفسك في خطر." ليان: "لا تتحدث معي وكأنني طفلة." كايان: "إذًا توقفي عن التصرف كأنك لا تفهمين حجم الخطر." اشتعل غضبها. ليان: "على الأقل أنا أواجه الحقيقة، وليس مثلك تختبئ خلف الصمت." نظر إليها بحدة. كايان: "الصمت أحيانًا يحمي الآخرين." ردت بسرعة: ليان: "أو يحمي أكاذيبك." ساد الصمت. كانت تلك الجملة أقسى مما توقعت. وللمرة الأولى... ظهر الألم في عيني كايان للحظة قصيرة. ثم اختفى وحل محله الغضب. كايان: "عودي إلى منزلك." ليان: "لن تأمرني." كايان: "بل سأفعل." ابتسمت بسخرية و لكن رأت الغضب في عينه فقررت الاا تختبر حظهاا اكثر اليوم. ليان: "أنا لا أعمل لديك حتى تأمرني ، وان ذهبت فهاذا يعني انا أُريد ذلك لا علاقه لك بالموضوع." ثم استدارت وغادرت. بينما بقي كايان ينظر إليها بصمت. فهو يعرف الآن شيئًا واحدًا... ليان ليست مجرد فتاة مرتبطة بالماضي. بل هي المفتاح الذي قد يفتح أكبر سر حاول دفنه. والأخطر... أنها بدأت تقترب من الحقيقة وانهاا عنيده ومتهوره ولايمكن السيطره عليها. ________________ لم تنم ليان تلك الليلة. كانت كلمات كايان تدور في رأسها أكثر مما أرادت الاعتراف به. "الصمت أحيانًا يحمي الآخرين." ضحكت بسخرية وهي تنظر إلى السقف. ليان: "يحمي الآخرين؟ أم يحمي نفسه؟" منذ أن دخلت ذلك المكتب، شعرت بأن هناك شيئًا غير طبيعي. كايان لم يكن مجرد رجل غامض وبارد. كان يخفي شيئًا. شيئًا يخصها هي. والأكثر إزعاجًا... أنه كان يعرف عنها أكثر مما يجب. نهضت من مكانها، وأخذت الصورة القديمة التي أحضرتها له. نظرت إليها طويلًا. كانت الصورة لوالدها، يقف بجانب رجل آخر وعليها شِعار شركه رأي للاستثمار. الرجل الذي لم تستطع معرفة هويته. لكن رد فعل كايان كان واضحًا. لقد عرفه. ليان: "من أنت؟ وما علاقتك بماضي أبي؟" لم تجد إجابة. لكنها قررت شيئًا واحدًا. لن تتراجع. ــــــــــــــــــــــــــــ في صباح اليوم التالي... دخلت ليان إلى شركة "راي للاستثمارات" مرة أخرى. هذه المرة لم تنتظر إذنًا. توجهت مباشرة نحو مكتب كايان. حاولت السكرتيرة إيقافها. السكرتيرة: "آنسة ليان، لا يمكنك الدخول دون موعد." ابتسمت ليان بهدوء. ليان: "أخبريه أن الفتاة التي لا يفترض أن تعرف شيئًا وصلت." نظرت إليها السكرتيرة باستغراب. لكن قبل أن تتحدث... جاء صوت من خلفها. كايان: "دعها تدخل." استدارت ليان. كان يقف عند باب مكتبه. كالعادة... هادئًا. باردًا. وكأنه لم يكن الشخص نفسه الذي أخفى عنها أسرارًا بالأمس ، وكاد ان ينفجر من شده غضبه منها. دخلت المكتب. وأغلقت الباب خلفها. ليان: "أريد الحقيقة." جلس كايان خلف مكتبه. كايان: "الجميع يريد الحقيقة حتى يعرف أنها ليست كما توقع." ليان: "وأنت دائمًا تتحدث بالألغاز؟" رفع عينيه إليها. كايان: "وأنتِ دائمًا تدخلين الأماكن التي لا تخصك؟" ابتسمت. ليان: "على الأقل أنا أدخل من الباب، لا أختبئ خلف أسرار عمرها سنوات." لم يعجبه ردها. لكنها لاحظت شيئًا. كلما ذكرت الماضي... كان يتغير. ولو للحظة. اقتربت من المكتب ووضعت الصورة أمامه. ليان: "من هذا الرجل؟" نظر كايان للصورة. ثم قال: كايان: "والدك." تجمدت. ليان: "ماذا؟" كايان: "الرجل الذي بجانبه... كان سبب موت أشخاص كثيرين." اتسعت عيناها. ليان: "ماذا تقصد؟" نهض كايان ببطء. كايان: "أنتِ تبحثين عن الحقيقة، لكنك لا تعرفين ثمنها." ليان: "توقف عن معاملتي وكأنني لا أستطيع تحملها." كايان: "لأنك لا تعرفين ما الذي تبحثين عنه." اقتربت منه بغضب. ليان: "بل أعرف. أبحث عن سبب كذب الجميع عليّ." سكت. ثم قال: كايان: "والدك لم يكن الشخص الذي تظنينه." تغير وجهها. ليان: "لا تتحدث عنه بهذه الطريقة." كايان: "لأنك لا تريدين تصديق الحقيقة؟" ليان: "لأنك آخر شخص يحق له الحكم عليه." ساد الصمت. كانت كلماتها قوية. لكنها أصابت شيئًا داخله. كايان: "أنت تدافعين عن شخص لا تعرفين عنه شيئًا." ليان: "وأنت تكرهه بسبب شيء لا أعرفه." اقتربت أكثر. ليان: "ربما المشكلة ليست في أبي." نظرت إليه مباشرة. ليان: "ربما المشكلة في أنك لم تستطع تجاوز الماضي." توقفت أنفاس المكان. لثوانٍ... لم يرد كايان. لأنها أصابت الحقيقة. الحقيقة التي رفض الاعتراف بها. ثم قال بصوت منخفض لاكنه حاسم: كايان: "غادري." ليان: "لأنني على حق؟" كايان: "لأنك لا تعرفين متى تتوقفين." ابتسمت. ليان: "وأنت لا تعرف متى تقول الحقيقة." استدارت وغادرت. لكن قبل أن تصل إلى الباب... قال كايان: كايان: "انتضري." توقفت. صوته بقي باردًا لكنه حمل شيئاً من التحذير. كايان: "ابتعدي عن الماضي." التفتت إليه. ليان: "وأنت؟" سكتت لحظة. ثم قالت: ليان: "هل تستطيع أنت الابتعاد عنه؟" ثم خرجت. وتركت خلفها رجلًا لم يعتد أن يخسر أي مواجهة... لكنها كانت أول شخص يجعله يشعر أن الماضي الذي هرب منه... يقف أمامه من جديد. ــــــــــــــــــــــــــــ في المساء... كان كايان يقف أمام نافذة مكتبه. دخل أحد رجاله. الرجل: "سيدي، اكتشفنا من كان يراقب ليان." التفت كايان. كايان: "من؟" أخرج الرجل ملفًا. الرجل: "شخص من عائلة..." توقف. تغير وجه كايان قبل أن يكمل. لأنه عرف الاسم. الاسم الذي لم يسمعه منذ سنوات. الاسم الذي تسبب في بداية كل شيء. الرجل: "إنهم يريدون ليان." ساد الصمت. ثم قال كايان: كايان: "لن يحصلوا عليها." نظر إليه الرجل باستغراب. لأن الجميع كان يعرف... كايان لا يحمي أحدًا. فلماذا كانت ليان مختلفة؟ _______________ لم يكن كايان من الرجال الذين يتراجعون عندما تبدأ الحرب. بل كان هو الرجل الذي تبدأ الحرب عندما يقرر التحرك. وفي تلك الليلة... كان غاضبًا. ليس بسبب الأشخاص الذين يراقبون ليان فقط. بل بسبب ليان نفسها. لأنها لم تستمع. لأنها دخلت عالمًا لا تعرف عنه شيئًا. ولأنها اعتقدت أن عنادها سيحميها. دخلت ليان إلى المبنى في اليوم التالي دون أن تطلب الإذن، وكأنها أصبحت معتادة على تحدي قوانين المكان. لكن هذه المرة... كان كايان ينتظرها. لم يكن جالسًا بهدوء كما في السابق. كان واقفًا أمام مكتبه، وملامحه أكثر قسوة من المعتاد. ليان: "يبدو أنك كنت تنتظرني." كايان: "كنت أنتظر اللحظة التي ستتوقفين فيها عن التصرف بتهور." رفعت حاجبها. ليان: "غريب... لم أكن أعلم أنك أصبحت مسؤولًا عني وعن قراراتي." اقترب منها بخطوات بطيئة. كايان: "أنت لا تفهمين شيئًا." ليان: "وأنت لا تفعل شيئًا سوى قول هذه الجملة." لم يعجبه ردها. ضرب بيده على المكتب فجأة من شده غضبه، فصمتت للحظة. كايان: "هل تظنين أن الأمر لعبة؟" تغيرت ملامحها قليلًا. لكنها لم تتراجع. ليان: "لا." ثم أضافت: ليان: "أظن فقط أنك تستمتع بإخفاء الأشياء عن الناس." نظر إليها بغضب. كايان: "أنتِ لا تعرفين كم شخصًا مات بسبب هذه الأسرار." صمتت. للحظة ظهر شيء مختلف في صوته. لكن غضبه عاد بسرعة. كايان: "ومع ذلك، تستمرين بالبحث." ليان: "لأنني أريد معرفة الحقيقة." كايان: "الحقيقة لن تعيد لكِ أحدًا." تجمدت. كانت كلماته قاسية. ليان: "أنت لا تعرف شيئًا." اقترب أكثر حيث اصبح قريب جداً منها. كايان: "بل أعرف أكثر مما تتخيلين." اربكها اقترابه منها و أزعجتها الجملة. ليان: "وهذا هو الشيء الذي يثير اشمئزازي فيك." نظر إليها ببرود. ليان: "تتصرف وكأنك تملك حق معرفة كل شيء عن الآخرين، بينما لا تسمح لأحد بالاقتراب منك." ساد الصمت لا كن الجو كان مشحون بغضب كايان الشديد. ثم قال بحدة: كايان: "احذري كلماتك." ابتسمت بسخرية. ليان: "هل هذه تهديداتك المعتادة؟" كايان: "لا." توقف لحظة. كايان: "هذه نصيحة." ليان: "لا أحتاج نصائح من رجل يظن أن القسوة شخصية." للحظة... اختفى الغضب من وجه كايان. وأمسك بالملف الموجود على الطاولة ووضعه أمامها. كايان: "تريدين الحقيقة؟" نظرت إليه. فتح الملف. كانت هناك صور وتقارير قديمة. لكن قبل أن تراها، أغلقه مرة أخرى. كايان: "إذن تحملي نتائجها." ليان: "لماذا لا تريني؟" كايان: "لأنني أعرف أنك ستفعلين شيئًا غبيًا بعدها." غضبت. ليان: "أنت لا تعرفني." كايان: "أعرف نوع الأشخاص الذين يندفعون وراء عواطفهم." اقتربت منه. ليان: "وأنت؟" نظرت إليه بتحدٍ. ليان: "ما نوع الأشخاص الذين يخفون الألم خلف الغضب؟" تغيرت عيناه. لكنه أخفى ذلك فورًا. أخذ الملف وأبعده عنها. كايان: "اخرجي من مكتبي." ليان: "هل تخاف أن أجد شيئًا يدينك؟" كايان: "أنا لا أخاف." ليان: "لكن يبدو أنك تخاف من الماضي." نظر إليها بنظرة باردة جدًا لاكن تحتها كان يكمن غضب شديد. كايان: "أنتِ لا تملكين أي فكرة عن الشيء الذي تحاولين فتحه." ثم أضاف بقسوة: كايان: "ولأول مرة، سأقول لك شيئًا بوضوح... ابتعدي عني وعن عالمي، قبل أن تندمي." كانت كلماته أقسى مما توقعت. لكنها رفعت رأسها رغم ذلك. ليان: "لا تقلق." ابتسمت بسخرية. ليان: "أنا أيضًا لا أريد الاقتراب من شخص مثلك." استدارت وغادرت. وبقي كايان وحده. لم يشعر بالانتصار. بل شعر بالغضب. منها... ومن نفسه. لأنها كانت أول شخص منذ سنوات يجعله يفقد سيطرته. ــــــــــــــــــــــــــــ في الخارج... كانت ليان تسير وهي غاضبة. كانت تكره طريقته. تكره غروره. وتكره أكثر أنها لم تستطع تجاهل حقيقة واحدة... أن كايان يخفي شيئًا كبيرًا. لكنها لم تكن تعرف أن كايان في تلك اللحظة كان يتخذ قرارًا خطيرًا. قرارًا سيجعلها تكرهه أكثر. لأنه قرر أن يبعدها عن الحقيقة... حتى لو اضطر أن يجعلها تكرهه.تسللت خيوط الضوء الرمادية عبر النافذة العريضة لتبدد ظلال الليل في جناح شاهين ، كان السكون يخيم على الغرفة ، لا يقطعه سوى صوت أنفاس متبادلة وقطرات مطر خفيفة تعلق على الزجاج وتنساب ببطء،كانت سهام تجلس عند طرف الفراش، ترتدي رداءها الستاني الكحلي وتشد رباطه حول خصرها بمهل، بينما يتأملها شاهين وهو يسند ظهره إلى وسائده العريضة، كانت الليلة البارحة قد أزاحت جداراً طويلاً من الجفاء بينهما، لكنها فتحت في الوقت نفسه أبواباً جديدة من التوجس،تطلع شاهين إليها، وعيناه النافذتان تفحصان الهدوء العجيب الذي يرتسم على ملامحها، ثم قال بنبرة خفيضة ومباشرة:«للأن لم تجيبيني على سؤالي؟»التفتت سهام إليه ببطء ، لم تكن في عينيها الداكنتين أي إشارة للارتباك، بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة تحمل غموضاً عصياً على الفهم ، قربت يدها لتصلح زر رداءها، وقالت بصوت هادئ ومحسوب:«اللاعب الذكي لا يكشف أوراقه دفعة واحدة ، حتى لشريكه»انعقد حاجبا شاهين، وخطى بعينيه نحوها بصرامة:«أنتِ تعرفين أنني لا أحب السير في طرق مجهولة ، كايان ليس خصماً سهلاً ، وأي خطوة غير محسوبة ستكلفنا جميعاً.»قامت سهام من مكانها ببطء، ومرت بج
تسللت خيوط الضوء الرمادية عبر النافذة العريضة لتبدد ظلال الليل في جناح شاهين ، كان السكون يخيم على الغرفة ، لا يقطعه سوى صوت أنفاس متبادلة وقطرات مطر خفيفة تعلق على الزجاج وتنساب ببطء،كانت سهام تجلس عند طرف الفراش، ترتدي رداءها الستاني الكحلي وتشد رباطه حول خصرها بمهل، بينما يتأملها شاهين وهو يسند ظهره إلى وسائده العريضة، كانت الليلة البارحة قد أزاحت جداراً طويلاً من الجفاء بينهما، لكنها فتحت في الوقت نفسه أبواباً جديدة من التوجس،تطلع شاهين إليها، وعيناه النافذتان تفحصان الهدوء العجيب الذي يرتسم على ملامحها، ثم قال بنبرة خفيضة ومباشرة:«للأن لم تجيبيني على سؤالي؟»التفتت سهام إليه ببطء ، لم تكن في عينيها الداكنتين أي إشارة للارتباك، بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة تحمل غموضاً عصياً على الفهم ، قربت يدها لتصلح زر رداءها، وقالت بصوت هادئ ومحسوب:«اللاعب الذكي لا يكشف أوراقه دفعة واحدة ، حتى لشريكه»انعقد حاجبا شاهين، وخطى بعينيه نحوها بصرامة:«أنتِ تعرفين أنني لا أحب السير في طرق مجهولة ، كايان ليس خصماً سهلاً ، وأي خطوة غير محسوبة ستكلفنا جميعاً.»قامت سهام من مكانها ببطء، ومرت بج
ساد الصمت أرجاء الصالة الكبرى في القصر بمجرد أن أُغلق الباب الخارجي الثقيل خلف رائد وليان، صمتٌ لم يكن هادئاً بقدر ما كان محشواً بصدى الصراخ المتلاشي ورائحة المطر الرطب التي تسللت من الفتحات الزجاجية ، كان القصر ينبض بطاقة غريبة، كأن جدرانه الرخامية العتيقة تتنفس التوتر الذي يخنق الجميع،وقفت سهام في منتصف القاعة، لم تتحرك شبرًا واحداً، بل ظلت مصلوبة العود بأناقتها الباردة، أزاحت شعرها المصفف بعناية إلى الخلف بلمسة حاسمة، وجالت بعينيها الحادتين في الفراغ الممتد، قبل أن تدير رأسها ببطء نحو شاهين، الذي كان يقف كعمود من الرخام عند بداية السلم الداخلي، تتصاعد من قميصه الهيبة، وعيناه النافذتان تتأملانها بنظرة تجمع بين الحقد القديم والشغف المكبوت،خلعت سهام قفازاتها الجلدية السوداء إصبعاً تلو الآخر، وألقتها فوق الطاولة الخشبيّة القريبة برعونة مدروسة، ثم قالت بصوت نقي، حاد، يتهادى في الصالة كشفرة حريرية:«تسرّع ابنك كالعادة يا شاهين ، أخذ الفتاة وركض بها وكأنه الفارس المنفذ، بينما أنت كعادتك، تكتفي بالمراقبة والوقوف في الظل، تنتظر أن تهدأ العاصفة لتجمع الغنائم.»خطى شاهين خ
مرّ أسبوع كامل ، سبعة أيام بطيئة بَنت خلالها الجدران حواجز جديدة من الصمت في القصر ، كان أسبوعاً هادئاً في ظاهره، لكنه حمل نوعاً ثقيلاً من الترّقب الذي يُجهِد النفس أكثر من المواجهة المباشرة،خلال تلك الأيام السبعة، اختفى كايان تماماً من المشهد، لم تظهر سيارات حراسته عند أطراف الحي، ولم ترتسم في عتمة الشرفة رائحة التبغ الفاخر التي طالما أرّقت ليل ليان، بل حُذفت أي إشارة إليه حتى من الصحف الاقتصادية التي كانت تتابع صفقاته ، كان الصمت الذي فرضه كايان كاملاً ومحسوباً، كأنه مسح وجودها من معادلته تماماً،حاولت ليان إقناع نفسها بأن هذا الاختفاء هو ما كانت تطالب به دائماً، وأن عودة حياتها إلى خطها الهادئ هي المكسب الحقيقي ، لكن التجاهل المطبق جعلها تخوض معركة يومية مع أفكارها؛ كانت تسأل نفسها بين الحين والآخر: هل كان تجاهله لها في الحفل ورقصته الاستعراضية بداية النهاية بالفعل؟ أم أن هذا الهدوء مجرد خطة خبيثة لإرهاق كبريائها وجعلها تأكل نفسها في الانتظار؟لتتهرب من هذه التساؤلات، كانت تقضي معظم أوقاتها بين جناحها والحديقة الخلفية القصر، تحاول القراءة أو مراقبة المطر الخفيف الذي
ترددت آخر نغمات السيمفونية الكلاسيكية في أرجاء القاعة الكبرى، وتلاشت ألحان الأوتار الهادئة لتفسح المجال لموجة خفيفة من التصفيق الدافئ الذي تبادله الحاضرون على أطراف حلبة الرقص،كانت ليان تقف على حافة الرخام المصقول، ويدها ما زالت تستقر بخفة فوق ذراع رائد ، كانت السخونة تسري في أسفل قدميها جراء الحركة، لكن أحشاءها كانت متجمدة تماماً ، رفعت عينيتها ببطء شديد، ورسمت على وجهها هدوءاً متصنعاً وهي تتراجع خطوة واحدة إلى الخلف، محاطة بكبرياء يرفض الانكسار،انتهت المعزوفة، وفي تلك اللحظة التفت كايان بمهل نحو تالين ، سحب يده من حول خصرها ببرود حاسم ومجرد من أي دفء، ورتب طرف سترة بدلته السوداء بلمسة خفيفة دون أن ينظر إلى وجهها المبتسم،«كانت رقصة رائعه» قالت تالين بصوت ناعم، وعلقت عيناها بملامحه الحادة وهي تحاول الحفاظ على تقارب المسافة بينهما،أجابها كايان بنبرة خفيضة وجافة، تتجاهل إطراءها كلياً:«المستثمرون الأجانب ينتظرون في الصالون الملحق، جهزي ملفات المرفأ وسألحق بكِ خلال دقائق.»لم تنتظر تالين منه مغازلة أو حديثاً جانباً؛ فقد كانت السيطرة الجليدية التي يتعامل بها
كانت زجاجات النافذة المظللة لسيارة "الروز رايز" تعكس أضواء واجهات الفندق الماسي المتلألئة وسط عتمة الليل العاصف ، في المقعد الخلفي، كانت ليان تجلس بين عمها شاهين وابنه رائد، وساقاها الملتفتان بقماش الحرير الأسود تلتصقان ببعضهما في ثبات مفتعل، كان الفستان الذي اختارته لهذه الليلة يعود لتصميم كلاسيكي محشوم؛ أسود بقصة مستقيمة تحيط بجسدها الممشوق، بفتحة عنق مربعة أظهرت بياض بشرتها الشاحبة دون تكلف ، رفعت شعرها الأسود الداكن بأكمله إلى الأعلى في كعكة مرتخية تثبتها مشابك صغيرة، تاركة بضع خصلات ناعمة تتساقط حول أذنيها وعنقها، لم تضع من الزينة سوى أقراط ألماسية صغيرة، وقليلاً من أحمر الشفاه الهادئ ليداري شحوب شفتيها الناجم عن أرق الليلة الماضية، كانت يداها المستقرتان على حقيبتها الصغيرة تبذلان جهداً لكي لا ترتجفا، كانت تعلم أن دخولها إلى هذا الحفل ليس مجرد حضور اجتماعي عابر؛ بل هو نزال صامت تُثبت فيه لنفسها، ولذلك الرجل، أنها لم تعد تلك الفتاة التي ترتعد خوفاً في غرفتها المغلقة، «ليان،» تحدث شاهين بنبرة خفيضة ورزينة، ملتفتاً نحوها وهو يضبط أزرار أكمامه الذهبية: «لا داعي للالتفات لأي همس