Share

الفصل 2

last update publish date: 2026-07-22 23:02:04

كان الليل قد غطّى المدينة بالكامل، لكن مكتب كايان لم يعرف الهدوء.

جلس خلف مكتبه، والملف القديم أمامه.

لم يكن ينظر إلى الأوراق...

بل إلى الصورة الموجودة في الصفحة الأخيرة.

صورة ليان.

الفتاة التي دخلت مكتبه منذ ساعات، وتحدثت معه وكأنها لا تعرف من هو.

وهذا بالضبط ما أزعجه.

فالجميع أمام كايان كانوا يحسبون كلماتهم.

الجميع يخافون من نظرة واحدة منه.

إلا هي.

أمسك الملف وأغلقه بقوة.

كايان: "لماذا الآن؟"

لم يكن يسأل أحدًا.

كان يسأل الماضي نفسه.

فجأة، انفتح باب المكتب ودخل أحد رجاله بسرعة.

الرجل: "سيدي."

رفع كايان عينيه.

كايان: "ما الأمر؟"

وضع الرجل جهازًا لوحيًا أمامه.

الرجل: "هناك أشخاص يراقبون الآنسة ليان."

تغيرت نظرة كايان.

كايان: "منذ متى؟"

الرجل: "منذ خروجها من الشركة."

ساد الصمت.

ثم وقف كايان.

الرجل: "هل تريد أن نتدخل؟"

أخذ كايان سترته.

كايان: "لا تقتربوا."

تفاجأ الرجل.

الرجل: "لكن سيدي..."

قاطعه كايان بنظرة حادة.

كايان: "قلت لا تقتربوا."

ثم أضاف:

كايان: "أريد أن أعرف من يقف خلفهم."

ــــــــــــــــــــــــــــ

في الجهة الأخرى من المدينة...

كانت ليان تسير في شارع هادئ، تحمل هاتفها بيدها، وهي لا تزال غاضبة من لقائها مع كايان.

كانت تراجع كلماته في عقلها.

"لا تبحثي عن الحقيقة."

ضحكت بسخرية.

ليان: "ومن يظن نفسه حتى يمنعني ، اللعنه عليه لقد اغضبني حقاً؟"

فجأة شعرت بأن هناك شخصًا يتبعها.

توقفت.

نظرت خلفها.

لا أحد.

واصلت السير.

لكن خطوات أخرى كانت تسير خلفها.

أسرعت قليلًا.

ثم سمعت صوتًا من خلفها:

"آنسة ليان."

توقفت.

استدارت بحذر.

رجل غريب كان يقف بعيدًا عنها.

الرجل: "نحتاج أن نتحدث."

نظرت إليه باستغراب.

ليان: "غريب... عادة الأشخاص الذين يريدون الحديث لا يظهرون فجأة في الأماكن المظلمة."

ابتسم الرجل.

الرجل: "لديكِ نفس أسلوب كايان."

تغير وجهها.

ليان: "لا تذكر اسمه وكأنك تعرفه."

اقترب الرجل خطوة.

الرجل: "أنتِ لا تعرفين الحقيقة عنه."

ابتسمت بسخرية.

ليان: "هل هذه جملة يتدرب عليها الجميع قبل مقابلتي؟"

الرجل: "احذري منه."

رفعت حاجبها.

ليان: "من الغريب أن تأتي لتحذرني من شخص لم يطلب مني أحد أن أثق به أصلًا."

قبل أن يجيب...

ظهر صوت خلفها.

هادئ.

بارد.

كايان: "ليس من عادتي إنقاذ الأشخاص الذين يرفضون الاستماع."

تجمدت.

عرفت الصوت فورًا.

استدارت.

كان كايان واقفًا هناك.

بملامحه الجامدة ونظرته التي لا تُفهم.

ليان: "هل تلاحقني الآن؟"

نظر إليها بلا اهتمام.

كايان: "لا تبالغي في تقدير نفسك."

ابتسمت.

ليان: "رائع. حتى وأنت تنقذ شخصًا، تجد طريقة لتكون مستفزًا."

كايان: "ومن قال إنني أنقذك؟"

نظرت إليه.

ليان: "إذًا ماذا تفعل هنا؟"

اقترب من الرجل الغريب دون أن يلتفت إليها.

كايان: "أحاول معرفة من أرسلك."

ضحك الرجل.

الرجل: "لن تصل إلى شيء يا كايان."

لأول مرة تغير وجه كايان.

لم يكن غضبًا...

بل حذرًا.

كايان: "من أرسلك؟"

الرجل: "الشخص الذي سيجعلك تدفع ثمن الماضي."

نظرت ليان بينهما.

ليان: "انتظروا..."

ثم نظرت إلى كايان.

ليان: "هل هناك شيء لا أعرفه؟"

لم يجب.

وهذا وحده كان إجابة.

اقتربت منه بغضب.

ليان: "كنت أعرف أنك تخفي شيئًا."

كايان: "وأنا كنت أعرف أنك ستضعين نفسك في خطر."

ليان: "لا تتحدث معي وكأنني طفلة."

كايان: "إذًا توقفي عن التصرف كأنك لا تفهمين حجم الخطر."

اشتعل غضبها.

ليان: "على الأقل أنا أواجه الحقيقة، وليس مثلك تختبئ خلف الصمت."

نظر إليها بحدة.

كايان: "الصمت أحيانًا يحمي الآخرين."

ردت بسرعة:

ليان: "أو يحمي أكاذيبك."

ساد الصمت.

كانت تلك الجملة أقسى مما توقعت.

وللمرة الأولى...

ظهر الألم في عيني كايان للحظة قصيرة.

ثم اختفى وحل محله الغضب.

كايان: "عودي إلى منزلك."

ليان: "لن تأمرني."

كايان: "بل سأفعل."

ابتسمت بسخرية و لكن رأت الغضب في عينه فقررت الاا تختبر حظهاا اكثر اليوم.

ليان: "أنا لا أعمل لديك حتى تأمرني ، وان ذهبت فهاذا يعني انا أُريد ذلك لا علاقه لك بالموضوع."

ثم استدارت وغادرت.

بينما بقي كايان ينظر إليها بصمت.

فهو يعرف الآن شيئًا واحدًا...

ليان ليست مجرد فتاة مرتبطة بالماضي.

بل هي المفتاح الذي قد يفتح أكبر سر حاول دفنه.

والأخطر...

أنها بدأت تقترب من الحقيقة وانهاا عنيده ومتهوره ولايمكن السيطره عليها.

________________

لم تنم ليان تلك الليلة.

كانت كلمات كايان تدور في رأسها أكثر مما أرادت الاعتراف به.

"الصمت أحيانًا يحمي الآخرين."

ضحكت بسخرية وهي تنظر إلى السقف.

ليان: "يحمي الآخرين؟ أم يحمي نفسه؟"

منذ أن دخلت ذلك المكتب، شعرت بأن هناك شيئًا غير طبيعي.

كايان لم يكن مجرد رجل غامض وبارد.

كان يخفي شيئًا.

شيئًا يخصها هي.

والأكثر إزعاجًا...

أنه كان يعرف عنها أكثر مما يجب.

نهضت من مكانها، وأخذت الصورة القديمة التي أحضرتها له.

نظرت إليها طويلًا.

كانت الصورة لوالدها، يقف بجانب رجل آخر وعليها شِعار شركه رأي للاستثمار.

الرجل الذي لم تستطع معرفة هويته.

لكن رد فعل كايان كان واضحًا.

لقد عرفه.

ليان: "من أنت؟ وما علاقتك بماضي أبي؟"

لم تجد إجابة.

لكنها قررت شيئًا واحدًا.

لن تتراجع.

ــــــــــــــــــــــــــــ

في صباح اليوم التالي...

دخلت ليان إلى شركة "راي للاستثمارات" مرة أخرى.

هذه المرة لم تنتظر إذنًا.

توجهت مباشرة نحو مكتب كايان.

حاولت السكرتيرة إيقافها.

السكرتيرة: "آنسة ليان، لا يمكنك الدخول دون موعد."

ابتسمت ليان بهدوء.

ليان: "أخبريه أن الفتاة التي لا يفترض أن تعرف شيئًا وصلت."

نظرت إليها السكرتيرة باستغراب.

لكن قبل أن تتحدث...

جاء صوت من خلفها.

كايان: "دعها تدخل."

استدارت ليان.

كان يقف عند باب مكتبه.

كالعادة...

هادئًا.

باردًا.

وكأنه لم يكن الشخص نفسه الذي أخفى عنها أسرارًا بالأمس ، وكاد ان ينفجر من شده غضبه منها.

دخلت المكتب.

وأغلقت الباب خلفها.

ليان: "أريد الحقيقة."

جلس كايان خلف مكتبه.

كايان: "الجميع يريد الحقيقة حتى يعرف أنها ليست كما توقع."

ليان: "وأنت دائمًا تتحدث بالألغاز؟"

رفع عينيه إليها.

كايان: "وأنتِ دائمًا تدخلين الأماكن التي لا تخصك؟"

ابتسمت.

ليان: "على الأقل أنا أدخل من الباب، لا أختبئ خلف أسرار عمرها سنوات."

لم يعجبه ردها.

لكنها لاحظت شيئًا.

كلما ذكرت الماضي...

كان يتغير.

ولو للحظة.

اقتربت من المكتب ووضعت الصورة أمامه.

ليان: "من هذا الرجل؟"

نظر كايان للصورة.

ثم قال:

كايان: "والدك."

تجمدت.

ليان: "ماذا؟"

كايان: "الرجل الذي بجانبه... كان سبب موت أشخاص كثيرين."

اتسعت عيناها.

ليان: "ماذا تقصد؟"

نهض كايان ببطء.

كايان: "أنتِ تبحثين عن الحقيقة، لكنك لا تعرفين ثمنها."

ليان: "توقف عن معاملتي وكأنني لا أستطيع تحملها."

كايان: "لأنك لا تعرفين ما الذي تبحثين عنه."

اقتربت منه بغضب.

ليان: "بل أعرف. أبحث عن سبب كذب الجميع عليّ."

سكت.

ثم قال:

كايان: "والدك لم يكن الشخص الذي تظنينه."

تغير وجهها.

ليان: "لا تتحدث عنه بهذه الطريقة."

كايان: "لأنك لا تريدين تصديق الحقيقة؟"

ليان: "لأنك آخر شخص يحق له الحكم عليه."

ساد الصمت.

كانت كلماتها قوية.

لكنها أصابت شيئًا داخله.

كايان: "أنت تدافعين عن شخص لا تعرفين عنه شيئًا."

ليان: "وأنت تكرهه بسبب شيء لا أعرفه."

اقتربت أكثر.

ليان: "ربما المشكلة ليست في أبي."

نظرت إليه مباشرة.

ليان: "ربما المشكلة في أنك لم تستطع تجاوز الماضي."

توقفت أنفاس المكان.

لثوانٍ...

لم يرد كايان.

لأنها أصابت الحقيقة.

الحقيقة التي رفض الاعتراف بها.

ثم قال بصوت منخفض لاكنه حاسم:

كايان: "غادري."

ليان: "لأنني على حق؟"

كايان: "لأنك لا تعرفين متى تتوقفين."

ابتسمت.

ليان: "وأنت لا تعرف متى تقول الحقيقة."

استدارت وغادرت.

لكن قبل أن تصل إلى الباب...

قال كايان:

كايان: "انتضري."

توقفت.

صوته بقي باردًا لكنه حمل شيئاً من التحذير.

كايان: "ابتعدي عن الماضي."

التفتت إليه.

ليان: "وأنت؟"

سكتت لحظة.

ثم قالت:

ليان: "هل تستطيع أنت الابتعاد عنه؟"

ثم خرجت.

وتركت خلفها رجلًا لم يعتد أن يخسر أي مواجهة...

لكنها كانت أول شخص يجعله يشعر أن الماضي الذي هرب منه...

يقف أمامه من جديد.

ــــــــــــــــــــــــــــ

في المساء...

كان كايان يقف أمام نافذة مكتبه.

دخل أحد رجاله.

الرجل: "سيدي، اكتشفنا من كان يراقب ليان."

التفت كايان.

كايان: "من؟"

أخرج الرجل ملفًا.

الرجل: "شخص من عائلة..."

توقف.

تغير وجه كايان قبل أن يكمل.

لأنه عرف الاسم.

الاسم الذي لم يسمعه منذ سنوات.

الاسم الذي تسبب في بداية كل شيء.

الرجل: "إنهم يريدون ليان."

ساد الصمت.

ثم قال كايان:

كايان: "لن يحصلوا عليها."

نظر إليه الرجل باستغراب.

لأن الجميع كان يعرف...

كايان لا يحمي أحدًا.

فلماذا كانت ليان مختلفة؟

_______________

لم يكن كايان من الرجال الذين يتراجعون عندما تبدأ الحرب.

بل كان هو الرجل الذي تبدأ الحرب عندما يقرر التحرك.

وفي تلك الليلة...

كان غاضبًا.

ليس بسبب الأشخاص الذين يراقبون ليان فقط.

بل بسبب ليان نفسها.

لأنها لم تستمع.

لأنها دخلت عالمًا لا تعرف عنه شيئًا.

ولأنها اعتقدت أن عنادها سيحميها.

دخلت ليان إلى المبنى في اليوم التالي دون أن تطلب الإذن، وكأنها أصبحت معتادة على تحدي قوانين المكان.

لكن هذه المرة...

كان كايان ينتظرها.

لم يكن جالسًا بهدوء كما في السابق.

كان واقفًا أمام مكتبه، وملامحه أكثر قسوة من المعتاد.

ليان: "يبدو أنك كنت تنتظرني."

كايان: "كنت أنتظر اللحظة التي ستتوقفين فيها عن التصرف بتهور."

رفعت حاجبها.

ليان: "غريب... لم أكن أعلم أنك أصبحت مسؤولًا عني وعن قراراتي."

اقترب منها بخطوات بطيئة.

كايان: "أنت لا تفهمين شيئًا."

ليان: "وأنت لا تفعل شيئًا سوى قول هذه الجملة."

لم يعجبه ردها.

ضرب بيده على المكتب فجأة من شده غضبه، فصمتت للحظة.

كايان: "هل تظنين أن الأمر لعبة؟"

تغيرت ملامحها قليلًا.

لكنها لم تتراجع.

ليان: "لا."

ثم أضافت:

ليان: "أظن فقط أنك تستمتع بإخفاء الأشياء عن الناس."

نظر إليها بغضب.

كايان: "أنتِ لا تعرفين كم شخصًا مات بسبب هذه الأسرار."

صمتت.

للحظة ظهر شيء مختلف في صوته.

لكن غضبه عاد بسرعة.

كايان: "ومع ذلك، تستمرين بالبحث."

ليان: "لأنني أريد معرفة الحقيقة."

كايان: "الحقيقة لن تعيد لكِ أحدًا."

تجمدت.

كانت كلماته قاسية.

ليان: "أنت لا تعرف شيئًا."

اقترب أكثر حيث اصبح قريب جداً منها.

كايان: "بل أعرف أكثر مما تتخيلين."

اربكها اقترابه منها و أزعجتها الجملة.

ليان: "وهذا هو الشيء الذي يثير اشمئزازي فيك."

نظر إليها ببرود.

ليان: "تتصرف وكأنك تملك حق معرفة كل شيء عن الآخرين، بينما لا تسمح لأحد بالاقتراب منك."

ساد الصمت لا كن الجو كان مشحون بغضب كايان الشديد.

ثم قال بحدة:

كايان: "احذري كلماتك."

ابتسمت بسخرية.

ليان: "هل هذه تهديداتك المعتادة؟"

كايان: "لا."

توقف لحظة.

كايان: "هذه نصيحة."

ليان: "لا أحتاج نصائح من رجل يظن أن القسوة شخصية."

للحظة...

اختفى الغضب من وجه كايان.

وأمسك بالملف الموجود على الطاولة ووضعه أمامها.

كايان: "تريدين الحقيقة؟"

نظرت إليه.

فتح الملف.

كانت هناك صور وتقارير قديمة.

لكن قبل أن تراها، أغلقه مرة أخرى.

كايان: "إذن تحملي نتائجها."

ليان: "لماذا لا تريني؟"

كايان: "لأنني أعرف أنك ستفعلين شيئًا غبيًا بعدها."

غضبت.

ليان: "أنت لا تعرفني."

كايان: "أعرف نوع الأشخاص الذين يندفعون وراء عواطفهم."

اقتربت منه.

ليان: "وأنت؟"

نظرت إليه بتحدٍ.

ليان: "ما نوع الأشخاص الذين يخفون الألم خلف الغضب؟"

تغيرت عيناه.

لكنه أخفى ذلك فورًا.

أخذ الملف وأبعده عنها.

كايان: "اخرجي من مكتبي."

ليان: "هل تخاف أن أجد شيئًا يدينك؟"

كايان: "أنا لا أخاف."

ليان: "لكن يبدو أنك تخاف من الماضي."

نظر إليها بنظرة باردة جدًا لاكن تحتها كان يكمن غضب شديد.

كايان: "أنتِ لا تملكين أي فكرة عن الشيء الذي تحاولين فتحه."

ثم أضاف بقسوة:

كايان: "ولأول مرة، سأقول لك شيئًا بوضوح... ابتعدي عني وعن عالمي، قبل أن تندمي."

كانت كلماته أقسى مما توقعت.

لكنها رفعت رأسها رغم ذلك.

ليان: "لا تقلق."

ابتسمت بسخرية.

ليان: "أنا أيضًا لا أريد الاقتراب من شخص مثلك."

استدارت وغادرت.

وبقي كايان وحده.

لم يشعر بالانتصار.

بل شعر بالغضب.

منها...

ومن نفسه.

لأنها كانت أول شخص منذ سنوات يجعله يفقد سيطرته.

ــــــــــــــــــــــــــــ

في الخارج...

كانت ليان تسير وهي غاضبة.

كانت تكره طريقته.

تكره غروره.

وتكره أكثر أنها لم تستطع تجاهل حقيقة واحدة...

أن كايان يخفي شيئًا كبيرًا.

لكنها لم تكن تعرف أن كايان في تلك اللحظة كان يتخذ قرارًا خطيرًا.

قرارًا سيجعلها تكرهه أكثر.

لأنه قرر أن يبعدها عن الحقيقة...

حتى لو اضطر أن يجعلها تكرهه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 7

    كانت ساعات الليل المتأخرة تثقل بكاهلها على جدران القصر، وكأن الهواء نفسه قد تحول إلى كتلة من التوتر الصامت. في غرفتها، كانت ليان جالسة على حافة السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها وتتأمل الظلال التي ترسمها أضواء الشارع الخافتة على الجدار. عقلها كان يغلي بالأفكار المتضاربة؛ كلمات كايان الأخيرة، الاعتراف المُرّ عن والدها، وتلك الحقيقة التي بدت وكأنها أفعوانية لا مفر من السقوط فيها. لم تستطع إغلاق عينيها، فكلما همّت بالاستغراق في النوم، تراءت لها نظراته الحادة وقربه الذي بعثر كل دفاعاتها."هل كان أبي يخفي عنا كل هذا حقاً؟" سألت نفسها بصوت خافت تهاوى في أركان الغرفة الواسعة. شعور بالغربة والخذلان كان يمزقها، لكن ما كان أسوأ من ذلك هو إدراكها المفاجئ بأن كايان لم يكن العدو، بل ربما كان الحصن الوحيد الباقي في وجه عاصفة توشك أن تبتلعها.في الجهة الأخرى من القصر، داخل مكتبه المظلم إلا من ضوء شاشة حاسوبه الخافت، كان كايان واقفًا أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، ممسكًا بكأس زجاجي يحتوي على مشروب لم يرتشف منه شيئًا. شعور غريب بالخطر كان يداهمه، حدس اعتاد عليه طوال سنوات صراع الدم والسلطة. وضع الكأس بعنف

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 6

    ظلت ليان جالسة على طرف الأريكة الواسعة في الغرفة التي خصصها لها كايان، عيناها مسمرتان على النافذة الكبيرة التي تطل على الحديقة الخارجية المعتمة. لم تستطع النوم. كلما أغمضت عينيها، استرجعت ذلك القرب الخانق، وتلك الكلمات التي همس بها وكأنها تعويذة سحرية غيرت قواعد اللعبة بأكملها."لماذا تفعل هذا؟" سألت نفسها بصوت هامس تردد خافتًا في جدران الغرفة. لم تكن تشعر بالأمان، بل كانت تشعر بنوع غريب من الضياع. الرجل الذي كان يبدو لها قبل أيام مجرد متغطرس يملك سلطة بلا حدود، تحول فجأة إلى درع يحيط بها من خطر لم تكن تتخيل حجمه. لكن هذا الدرع كان خطيرًا بدوره؛ الاقتراب منه يعني الاحتراق، والابتعاد عنه يعني السقوط في مهب الهلاك.تنهدت بعمق، ونهضت من مكانها لتبدأ في التجول داخل الغرفة. كانت الغرفة مجهزة بكل وسائل الراحة، لكنها بدت لها وكأنها قفص ذهبي أنيق. لم تكن تحب القيود، طوال حياتها اعتادت أن تعتمد على نفسها، وأن تواجه مخاوفها بمفردها دون أن تتكئ على أحد. والآن، ها هي محتجزة في معقل الرجل الذي تعهدت بأن تكشف أسراره.فتحت باب الغرفة بحذر شديد، وخطت بخطوات خفيفة خارجة إلى الممر الطويل والمضاء بإضاءة

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 5

    صُدى صوت الباب الحديدي الذي تهشم تحت قدمي كايان كان لا يزال يتردد في أرجاء المكان المظلم، كإعلان حرب صريح بينه وبين الماضي الذي عاد ليطاردهما. لم تكن المرة الأولى التي يقتحم فيها مكانًا خطيرًا، لكنها المرة الأولى التي تتسارع فيها أنفاسه بهذا الشكل الجنوني لمجرد أن فكرة إصابتها خطرت بباله.كانت ليان واقفة في منتصف الغرفة المهجورة، تحاول استيعاب ما حدث. الظلام الذي طبق على المكان بعد انقطاع التيار المفاجئ، وصوت خطوات الشخص الذي اختفى من النافذة المحطمة، كادا يفقدانها توازنها. ركبتها كانتا ترتجفان، لكنها حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تظهر تماسُّكها المعتاد.تقدم كايان بخطوات واسعة، ولم يمنحه الغضب الذي يعتليه فرصة للهدوء. مد يده وأمسك بكتفيها بقوة، ناثرًا دفئًا غريبًا وسط برودة الغرفة القاتلة. عيناه اللتان كانتا تشتعلان غضبًا، تحولتا تدريجيًا إلى نظرة مليئة بقلق عميق، قلق حاول طوال السنوات الماضية أن يدفنه تحت جبال من الجمود والقسوة.كايان بصوت خشن ومبحوح، تحشرجت فيه نبرة لم ترها من قبل: * "ألم أخبركِ بالابتعاد؟ ألم أقسم لكِ أنكِ ترمين بنفسكِ إلى الجحيم؟"رفعت ليان رأسها ببطء، ودموع الذع

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 4

    خلف الأبواب المغلقةلم تكن كل الحروب تُخاض بالأسلحة...بعضها يبدأ بكلمة.وبعضها يبدأ بصورة قديمة تحمل سرًا دفنه الجميع منذ سنوات.---منذ آخر لقاء جمعها بكايان، لم تستطع ليان أن تتوقف عن التفكير.لم يكن أكثر ما أزعجها هو رفضه إعطاءها الإجابات...بل الطريقة التي كان يتصرف بها.كان يتحدث وكأنه يعرف شيئًا عنها أكثر مما تعرفه هي عن نفسها.وكأنه لا يحاول إخفاء الحقيقة فقط...بل يحاول حمايتها منها.وهذا الأمر كان يزعجها أكثر.جلست ليان أمام مكتبها، والصورة القديمة أمامها.الصورة التي وجدتها بين أغراض والدها.الصورة التي قادتها إلى كايان.مررت أصابعها على طرفها بحذر.كان والدها يبتسم فيها.وبجانبه رجل آخر.رجل لم تعرفه طوال حياتها.لكن كايان...عرفه.رأت ذلك في عينيه لحظة أخرجت الصورة أمامه.لم يكن وجهه يحمل الدهشة فقط.بل كان يحمل غضبًا قديمًا.حزنًا حاول إخفاءه.وضعت الصورة أمامها وهمست:ليان: "من أنت؟ ولماذا أخاف كايان عندما رآك؟"لم تحصل على إجابة.لكنها اتخذت قرارها.لن تنتظر حتى يقرر الآخرون إخبارها بالحقيقة.هذه المرة...ستبحث بنفسها.---في الجهة الأخرى من المدينة...كانت أجواء شركة

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 3

    مرّت ثلاثة أيام منذ آخر مواجهة بين كايان وليان. ثلاثة أيام حاولت فيها ليان أن تقنع نفسها أنها لا تهتم بما قاله. لكن الحقيقة كانت عكس ذلك. كل كلمة قالها بقيت عالقة في عقلها. "ابتعدي عني وعن عالمي." لم تكن المشكلة في تحذيره... بل في الطريقة التي قالها بها. وكأنه يخفي خلف غضبه شيئًا أكبر. وضعت ليان الأوراق أمامها على الطاولة، ونظرت إليها بضيق. كانت تحاول البحث عن أي معلومة عن الماضي الذي يربط عائلتها بعائلة كايان. لكن كل الطرق كانت مغلقة. وكأن شخصًا ما تعمد محو كل شيء. ليان: "حسنًا يا كايان..." ابتسمت ابتسامة صغيرة. ليان: "إذا كنت تريد إخفاء الحقيقة، فسأجدها بنفسي." ــــــــــــــــــــــــــــ في نفس الوقت... داخل شركة "راي للاستثمارات". كان كايان يعقد اجتماعًا مع كبار رجاله. الجميع صامت. فالاجتماعات معه لم تكن عادية. كان يكفي أن يدخل حتى يتغير الجو بالكامل. أحد الرجال: "سيدي، وجدنا تحركات جديدة من الطرف الآخر." كايان: "راقبوهم فقط." الرجل: "لكن إذا كانوا يخططون للهجوم..." قاطعه كايان. كايان: "قلت راقبوا." لم يجرؤ أحد على الاعتراض.

  • آخِــرُ خَطَايَــا الزَّعِيــم   الفصل 2

    كان الليل قد غطّى المدينة بالكامل، لكن مكتب كايان لم يعرف الهدوء. جلس خلف مكتبه، والملف القديم أمامه. لم يكن ينظر إلى الأوراق... بل إلى الصورة الموجودة في الصفحة الأخيرة. صورة ليان. الفتاة التي دخلت مكتبه منذ ساعات، وتحدثت معه وكأنها لا تعرف من هو. وهذا بالضبط ما أزعجه. فالجميع أمام كايان كانوا يحسبون كلماتهم. الجميع يخافون من نظرة واحدة منه. إلا هي. أمسك الملف وأغلقه بقوة. كايان: "لماذا الآن؟" لم يكن يسأل أحدًا. كان يسأل الماضي نفسه. فجأة، انفتح باب المكتب ودخل أحد رجاله بسرعة. الرجل: "سيدي." رفع كايان عينيه. كايان: "ما الأمر؟" وضع الرجل جهازًا لوحيًا أمامه. الرجل: "هناك أشخاص يراقبون الآنسة ليان." تغيرت نظرة كايان. كايان: "منذ متى؟" الرجل: "منذ خروجها من الشركة." ساد الصمت. ثم وقف كايان. الرجل: "هل تريد أن نتدخل؟" أخذ كايان سترته. كايان: "لا تقتربوا." تفاجأ الرجل. الرجل: "لكن سيدي..." قاطعه كايان بنظرة حادة. كايان: "قلت لا تقتربوا." ثم أضاف: كايان: "أريد أن أعرف من يقف خلفهم." ــــــــــــــــــــــــــــ في الجهة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status