LOGINخلف الأبواب المغلقة
لم تكن كل الحروب تُخاض بالأسلحة... بعضها يبدأ بكلمة. وبعضها يبدأ بصورة قديمة تحمل سرًا دفنه الجميع منذ سنوات. --- منذ آخر لقاء جمعها بكايان، لم تستطع ليان أن تتوقف عن التفكير. لم يكن أكثر ما أزعجها هو رفضه إعطاءها الإجابات... بل الطريقة التي كان يتصرف بها. كان يتحدث وكأنه يعرف شيئًا عنها أكثر مما تعرفه هي عن نفسها. وكأنه لا يحاول إخفاء الحقيقة فقط... بل يحاول حمايتها منها. وهذا الأمر كان يزعجها أكثر. جلست ليان أمام مكتبها، والصورة القديمة أمامها. الصورة التي وجدتها بين أغراض والدها. الصورة التي قادتها إلى كايان. مررت أصابعها على طرفها بحذر. كان والدها يبتسم فيها. وبجانبه رجل آخر. رجل لم تعرفه طوال حياتها. لكن كايان... عرفه. رأت ذلك في عينيه لحظة أخرجت الصورة أمامه. لم يكن وجهه يحمل الدهشة فقط. بل كان يحمل غضبًا قديمًا. حزنًا حاول إخفاءه. وضعت الصورة أمامها وهمست: ليان: "من أنت؟ ولماذا أخاف كايان عندما رآك؟" لم تحصل على إجابة. لكنها اتخذت قرارها. لن تنتظر حتى يقرر الآخرون إخبارها بالحقيقة. هذه المرة... ستبحث بنفسها. --- في الجهة الأخرى من المدينة... كانت أجواء شركة "راي للاستثمارات" هادئة كعادتها. لكن الهدوء داخل مكتب كايان لم يكن طبيعيًا. كان يقف أمام النافذة، ينظر إلى المدينة بصمت. دخل أحد رجاله بعد طرق الباب. الرجل: "سيدي." لم يلتفت كايان. كايان: "تحدث." الرجل: "الفتاة ما زالت تبحث." ساد الصمت للحظات. ثم أغمض كايان عينيه قليلًا. كايان: "كنت أعلم أنها لن تتوقف." الرجل: "هل تريد أن نمنعها؟" استدار كايان ببطء. كانت نظرته حادة. كايان: "لا." تفاجأ الرجل. الرجل: "لكنها تقترب من أشياء خطيرة." اقترب كايان من المكتب وأخذ الملف القديم. كايان: "ولهذا لا أريد أن يقترب منها أحد." صمت الرجل قليلًا. ثم قال: الرجل: "سيدي... لماذا تهتم بها إلى هذه الدرجة؟" توقفت يد كايان للحظة. سؤال بسيط... لكنه أصاب مكانًا لا يريد أحد الوصول إليه. أغلق الملف. كايان: "أنا لا أهتم." لكن صوته لم يكن مقنعًا حتى له. --- في المساء... وصلت ليان إلى مكان قديم كانت قد وجدته بعد بحث طويل. أحد المكاتب التابعة لشركة والدها قديمًا. المكان مهجور منذ سنوات. كانت تعتقد أن هناك شيئًا قد يساعدها على فهم الماضي. دخلت بحذر. كان الغبار يغطي المكان. والأوراق القديمة منتشرة في كل مكان. بدأت تبحث بين الملفات. حتى وجدت ملفًا يحمل اسم والدها. تسارعت دقات قلبها. فتحته بسرعة. لكن أغلب الأوراق كانت ناقصة. وكأن شخصًا ما أخذ أهم الصفحات قبل سنوات. ليان: "دائمًا نفس الشيء..." نظرت حولها بغضب. ليان: "كلما اقتربت من الحقيقة... أجد شخصًا سبقني إليها." وفجأة... سمعت صوتًا خلفها. تجمدت مكانها. صوت رجل: "كان يجب ألا تأتي إلى هنا." استدارت بسرعة. لكن المكان كان فارغًا. اقتربت ببطء من الباب. لا أحد. فقط ورقة صغيرة سقطت على الأرض. التقطتها. كانت جملة واحدة مكتوبة: "اسألي كايان عن الليلة التي مات فيها والدك." تغير وجهها. لأن السؤال الحقيقي لم يكن... لماذا يعرف هذا الشخص كايان؟ بل... لماذا كان متأكدًا أن كايان يخفي شيئًا عنها؟ --- في تلك اللحظة... داخل سيارة سوداء توقفت أمام المبنى. كان كايان بداخلها. نظر إلى المبنى القديم بملامح جامدة. لقد علم بمكان وجودها منذ اللحظة الأولى. لكنه لم يكن يتوقع أن يصل شخص آخر إليها قبله. نزل من السيارة ودخل بسرعة. وعندما وصل إليها... وجدها واقفة تحمل الورقة. نظرت إليه فورًا. لم تحتج إلى سؤال. عرفت أنه لم يأتِ صدفة. ليان: "كنت تراقبني؟" نظر إلى الورقة في يدها. ثم إليها. كايان: "أين وجدتها؟" ضحكت بسخرية. ليان: "جميل." رفعت الورقة أمامه. ليان: "حتى عندما أجد دليلًا جديدًا، أول شيء تفعله هو السؤال عنه، وليس عن حالتي." اقترب منها. لكن هذه المرة لم يكن غاضبًا فقط. كان قلقًا. كايان: "أعطيني الورقة." أخفتها خلف ظهرها. ليان: "لماذا؟ حتى تخفيها مثل كل شيء آخر؟" تغيرت ملامحه. كايان: "ليان." كانت نبرته مختلفة. لكنها لم تتراجع. ليان: "أريد الحقيقة." صمت. ثم قال: كايان: "أحيانًا الحقيقة لا تحرر الناس." نظر إليها بجدية. كايان: "أحيانًا تدمرهم." اقتربت منه خطوة. ليان: "وأحيانًا الكذب هو الشيء الوحيد الذي يدمرهم." ساد الصمت بينهما. للحظة... لم يرَ كايان الفتاة العنيدة التي تثير غضبه. رأى ابنة الرجل الذي فقده بسبب الماضي. ورأى شخصًا يسير نحو نفس الطريق الذي سار فيه هو. كايان: "ابتعدي." عقدت حاجبيها. ليان: "أنت لا تمل من قول هذه الكلمة." كايان: "لأنك لا تملين من تجاهلها." ابتسمت ابتسامة صغيرة. ليان: "ربما لأنني بدأت أعتقد أن أكثر شيء تريدني أن أبتعد عنه... هو الشيء الذي تخاف أن أعرفه." لم يجب. وهذا كان كافيًا بالنسبة لها. لأن صمته كان اعترافًا جديدًا. --- وقبل أن تغادر... رن هاتف كايان. نظر إلى الشاشة. تغير وجهه لأول مرة. كانت رسالة من رقم مجهول. فتحها. صورة قديمة. نفس الصورة التي تملكها ليان. لكن هذه المرة... كانت أوضح. والجزء المخفي من وجه الرجل الآخر بدأ يظهر. رفع كايان عينيه نحو ليان. ولأول مرة منذ سنوات... شعر أن الماضي لم يعد خلفه. بل عاد أمامه. ____ لم يكن الصمت الذي حلّ بعد رسالة الهاتف عاديًا. كان صمتًا يحمل إنذارًا. نظر كايان إلى الصورة الموجودة على الشاشة مرة أخرى. لم يكن أكثر ما أخافه ظهور الصورة... بل الشخص الذي أرسلها. لأنه كان يعرف أن هناك من يحاول دفع ليان نحو الحقيقة. لكن السؤال كان: لماذا الآن؟ ولماذا هي؟ أغلق هاتفه بسرعة قبل أن تلاحظ ليان تغير ملامحه. لكنها لاحظت. كانت تراقبه منذ اللحظة الأولى. ولم تكن غافلة عن التفاصيل الصغيرة. ليان: "من كان؟" رفع عينيه إليها. كايان: "لا شأن لكِ." ابتسمت بسخرية. ليان: "بالطبع." اقتربت منه خطوة. ليان: "كل شيء لا تريد الإجابة عنه يصبح فجأة لا يخصني." لم يرد. لأنها كانت محقة. لكن الحقيقة التي لا تعرفها... أن بعض الإجابات كانت أخطر من الصمت. --- في تلك اللحظة، اهتز هاتف كايان مرة أخرى. هذه المرة كانت مكالمة. نظر إلى الرقم. وتغيرت ملامحه. ابتعد قليلًا وأجاب. كايان: "تحدث." جاءه صوت أحد رجاله. الحارس: "سيدي... وجدنا الشخص الذي كان يراقبها." تجمدت نظرات كايان. نظر إلى ليان التي كانت تقف بعيدًا. ثم قال بصوت منخفض: كايان: "أين هو؟" الحارس: "هرب قبل أن نمسك به، لكنه ترك شيئًا خلفه." صمت كايان للحظة. كايان: "ماذا ترك؟" تردد الحارس. الحارس: "صورة." أغلق كايان عينيه. كان يشعر أن الماضي يعيد نفس اللعبة من جديد. كايان: "أرسلها لي." أنهى المكالمة. لكن ليان كانت قد فهمت. ليان: "شخص يراقبني؟" لم يجب. وهذا كان جوابًا بحد ذاته. اقتربت منه. ليان: "منذ متى؟" نظر إليها ببرود مصطنع. كايان: "منذ وقت طويل." اتسعت عيناها قليلًا. ليان: "ومن هم؟" صمت. ليان: "كايان." كانت المرة الأولى التي تناديه باسمه دون سخرية. لكن القلق ظهر في صوتها. ليان: "من الذي يراقبني؟" نظر إليها طويلًا. ثم قال: كايان: "أشخاص لا يجب أن تعرفي عنهم الآن والافضل الا تعرفيهم." اشتعل غضبها. ليان: "مرة أخرى؟" ضحكت بمرارة. ليان: "أنت والجميع تظنون أنني طفلة يجب حمايتها من الحقيقة." اقترب منها. كايان: "لأنك لا تعرفين حجم الخطر." رفعت رأسها بتحدٍ. ليان: "وأنت تعرف؟" لم يجب. وهنا فهمت. هو يعرف. يعرف أكثر مما يعترف. --- في مكان آخر... داخل غرفة مظلمة، جلس رجل أمام شاشة تعرض صور ليان. كان يراقب تحركاتها منذ أيام. دخل رجل آخر. الرجل: "لقد تدخل كايان." رفع الجالس عينيه. الرجل: "كنت أعلم أنه سيفعل." الرجل الآخر: "هل نوقف الخطة؟" ابتسم الرجل ابتسامة باردة. الرجل: "لا." نظر إلى صورة ليان. الرجل: "بل الآن أصبحت الأمور أكثر إثارة." --- عاد كايان إلى مكتبه في نفس الليلة. كان غاضبًا. ليس من ليان... بل من نفسه. لأنه كان يعرف أن وجودها في حياته أصبح يجعله يتصرف بطريقة لم يعتد عليها. فتح الملف القديم. ملف والدها. توقف عند صورة قديمة. ثم همس: كايان: "لو كنت تعرف أن ابنتك ستصل إلى هذا اليوم..." سكت. لأنه لم يستطع إكمال الجملة. دخل أحد رجاله. الحارس: "سيدي." أغلق كايان الملف. كايان: "ماذا وجدت؟" وضع الحارس ظرفًا على الطاولة. الحارس: "هذه كانت مع الشخص الذي يراقب ليان." فتح كايان الظرف. وفي الداخل... كانت هناك ورقة واحدة. لكن ما جعله يتجمد... أنها تحمل توقيعًا يعرفه جيدًا. توقيعًا من الماضي. الماضي الذي ظن أنه انتهى. رفع كايان عينيه ببطء. الحارس: "سيدي؟" لم يجب. فقط قال بصوت منخفض: كايان: "لا تخبروا ليان بشيء." استغرب الحارس. الحارس: "لكنها من حقها أن تعرف." نظر إليه كايان بحدة. كايان: "ليس بهذه الطريقة." --- في صباح اليوم التالي... كانت ليان تقف أمام باب منزلها. وجدت شيئًا موضوعًا أمام الباب. ظنت في البداية أنه رسالة عادية. لكن عندما فتحته... تغير وجهها. كان بداخل الصندوق شيء واحد فقط. مفتاح قديم. ومعه ورقة صغيرة: "والدك أخفى الحقيقة... وكايان يعرف أين تجدينها." رفعت ليان رأسها. ونظرت نحو الطريق الفارغ. لأول مرة... لم تشعر بالغضب فقط. بل شعرت أن هناك حربًا بدأت دون أن تطلبها. والأسوأ... أن كايان كان فيها قبلها بسنوات. ظلت ليان تنظر إلى المفتاح الموجود في يدها لعدة دقائق. لم يكن مجرد قطعة معدنية قديمة... كان رسالة. رسالة من شخص لم يعد موجودًا ليشرح لها معناها. والدها. الرجل الذي رحل وترك خلفه أسئلة أكثر من الإجابات. وضعت الورقة على الطاولة مرة أخرى. ليان: "والدي أخفى الحقيقة..." توقفت قليلًا. ثم نظرت إلى الجملة الأخيرة. ليان: "وكايان يعرف أين أجدها." شعرت بالغضب يعود إليها. ليس لأن كايان يعرف... بل لأنه كان يعرف منذ البداية. كان يقف أمامها. يسمع أسئلتها. ويراها تبحث وحدها. ومع ذلك... اختار الصمت. أمسكت هاتفها بسرعة. وجدت اسمه. ترددت للحظة. ثم ضغطت الاتصال. --- في الجهة الأخرى... كان كايان داخل اجتماع مع رجاله عندما رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. وعندما رأى اسم ليان، تغيرت ملامحه قليلًا. لاحظ الجميع ذلك. فكايان لم يكن من الرجال الذين يسمحون لأي شيء بأن يشتت انتباهه. أجاب. كايان: "ماذا تريدين؟" جاءه صوتها مباشرة. هادئًا... لكن الغضب واضح فيه. ليان: "أريد أن أعرف أين أجد الحقيقة." ساد الصمت. أغلق كايان الملف أمامه. كايان: "ومن قال إنني أملكها؟" ضحكت بسخرية. ليان: "لا تتعب نفسك." سكتت لحظة. ليان: "أنا لم أعد أصدق أنك لا تعرف." لم يجب. لأنها اقتربت أكثر مما يريد. ليان: "وجدت المفتاح." تغيرت ملامحه فورًا. وقف من مكانه. كايان: "أين وجدته؟" لاحظ رجاله تغير صوته. لكنهم لم يجرؤوا على السؤال. ليان: "إذن أنت تعرفه." صمت. وهذا كان اعترافًا آخر. ليان: "كنت أعلم." كايان: "ليان..." قاطعته. ليان: "لا." كان صوتها هذه المرة مختلفًا. لم يكن مجرد غضب. كان خيبة. ليان: "كل مرة أسألك، تجعلني أشعر أنني المشكلة." سكتت. ثم قالت: ليان: "لكن يبدو أن المشكلة الحقيقية أنك تعرف الحقيقة وتخاف أن تقولها." أغلق كايان عينيه. لأن جزءًا منه كان يعلم أنها ترى الأمر بهذه الطريقة. كايان: "ابتعدي عن هذا الطريق." تنهدت بضيق. ليان: "هل لديك جملة أخرى غير هذه؟" كايان: "نعم." توقف لحظة. كايان: "هذه المرة أنا آمرك." ساد الصمت. ثم جاء ردها ببرود: ليان: "وأنا هذه المرة أتجاهلك." أغلقت الهاتف. --- نظر كايان إلى الشاشة بعد انتهاء المكالمة. لم يغضب. بل شعر بشيء أسوأ. القلق. لأنها لم تعد تبحث فقط... لقد أصبحت هدفًا. دخل آدم بسرعة. آدم: "سيدي." رفع كايان نظره. آدم: "وصلتنا معلومة جديدة." كايان: "تكلم." وضع آدم ملفًا على المكتب. آدم: "المكان المرتبط بالمفتاح." فتح كايان الملف. وتغيرت ملامحه. كان المكان... قديمًا. ومرتبطًا بعائلة ليان. آدم: "إذا كان المفتاح حقيقيًا..." توقف. آدم: "فهي ستجد الشيء الذي أخفاه والدها." أغلق كايان الملف. كايان: "ولهذا يجب أن أصل قبلها." --- في المساء... وصلت ليان إلى المكان الذي وجدت عنوانه خلف الرساله. كان مبنى قديمًا بعيدًا عن وسط المدينة. لم يكن يبدو مهمًا. لكنها شعرت بشيء غريب بمجرد دخولها. وكأن الجدران تحمل ذكريات لا تريد كشفها. وضعت المفتاح في القفل. دار بسهولة. فتح الباب ببطء. دخلت. كانت الغرفة صغيرة. لكنها مليئة بصناديق قديمة. اقتربت من أحدها. وجدت اسم والدها عليه. تسارعت أنفاسها. فتحت الصندوق. في الداخل... كانت هناك أوراق. وصور. ورسالة. أمسكت الرسالة بيد مرتجفة. كان الخط واضحًا. خط والدها. بدأت تقرأ: "إذا وصلتِ إلى هنا يا ليان، فهذا يعني أنني لم أستطع إخبارك بالحقيقة بنفسي..." توقفت. شعرت بقلبها يضرب بقوة. لكن قبل أن تكمل... سمعت صوتًا خلفها. صوت رجل: "كان يجب ألا تفتحي هذا الصندوق." تجمدت. أغلقت الرسالة بسرعة. استدارت. لكنها لم ترَ سوى ظل شخص يقف عند الباب. وفي نفس اللحظة... انطفأت الأنوار. --- وفي الخارج... كان كايان قد وصل إلى المكان. لكن قبل أن يدخل... وصلته رسالة واحدة. صورة للغرفة. وصورة ليان بداخلها. وتحتها جملة: "هذه المرة لن تستطيع حمايتها." رفع كايان عينيه نحو المبنى. ولأول مرة منذ سنوات... ظهر الغضب الحقيقي على وجهه. لأنه أدرك... أن شخصًا ما كان ينتظره. وكان يعرف تمامًا أين ستذهب ليان.تسللت خيوط الضوء الرمادية عبر النافذة العريضة لتبدد ظلال الليل في جناح شاهين ، كان السكون يخيم على الغرفة ، لا يقطعه سوى صوت أنفاس متبادلة وقطرات مطر خفيفة تعلق على الزجاج وتنساب ببطء،كانت سهام تجلس عند طرف الفراش، ترتدي رداءها الستاني الكحلي وتشد رباطه حول خصرها بمهل، بينما يتأملها شاهين وهو يسند ظهره إلى وسائده العريضة، كانت الليلة البارحة قد أزاحت جداراً طويلاً من الجفاء بينهما، لكنها فتحت في الوقت نفسه أبواباً جديدة من التوجس،تطلع شاهين إليها، وعيناه النافذتان تفحصان الهدوء العجيب الذي يرتسم على ملامحها، ثم قال بنبرة خفيضة ومباشرة:«للأن لم تجيبيني على سؤالي؟»التفتت سهام إليه ببطء ، لم تكن في عينيها الداكنتين أي إشارة للارتباك، بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة تحمل غموضاً عصياً على الفهم ، قربت يدها لتصلح زر رداءها، وقالت بصوت هادئ ومحسوب:«اللاعب الذكي لا يكشف أوراقه دفعة واحدة ، حتى لشريكه»انعقد حاجبا شاهين، وخطى بعينيه نحوها بصرامة:«أنتِ تعرفين أنني لا أحب السير في طرق مجهولة ، كايان ليس خصماً سهلاً ، وأي خطوة غير محسوبة ستكلفنا جميعاً.»قامت سهام من مكانها ببطء، ومرت بج
تسللت خيوط الضوء الرمادية عبر النافذة العريضة لتبدد ظلال الليل في جناح شاهين ، كان السكون يخيم على الغرفة ، لا يقطعه سوى صوت أنفاس متبادلة وقطرات مطر خفيفة تعلق على الزجاج وتنساب ببطء،كانت سهام تجلس عند طرف الفراش، ترتدي رداءها الستاني الكحلي وتشد رباطه حول خصرها بمهل، بينما يتأملها شاهين وهو يسند ظهره إلى وسائده العريضة، كانت الليلة البارحة قد أزاحت جداراً طويلاً من الجفاء بينهما، لكنها فتحت في الوقت نفسه أبواباً جديدة من التوجس،تطلع شاهين إليها، وعيناه النافذتان تفحصان الهدوء العجيب الذي يرتسم على ملامحها، ثم قال بنبرة خفيضة ومباشرة:«للأن لم تجيبيني على سؤالي؟»التفتت سهام إليه ببطء ، لم تكن في عينيها الداكنتين أي إشارة للارتباك، بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة تحمل غموضاً عصياً على الفهم ، قربت يدها لتصلح زر رداءها، وقالت بصوت هادئ ومحسوب:«اللاعب الذكي لا يكشف أوراقه دفعة واحدة ، حتى لشريكه»انعقد حاجبا شاهين، وخطى بعينيه نحوها بصرامة:«أنتِ تعرفين أنني لا أحب السير في طرق مجهولة ، كايان ليس خصماً سهلاً ، وأي خطوة غير محسوبة ستكلفنا جميعاً.»قامت سهام من مكانها ببطء، ومرت بج
ساد الصمت أرجاء الصالة الكبرى في القصر بمجرد أن أُغلق الباب الخارجي الثقيل خلف رائد وليان، صمتٌ لم يكن هادئاً بقدر ما كان محشواً بصدى الصراخ المتلاشي ورائحة المطر الرطب التي تسللت من الفتحات الزجاجية ، كان القصر ينبض بطاقة غريبة، كأن جدرانه الرخامية العتيقة تتنفس التوتر الذي يخنق الجميع،وقفت سهام في منتصف القاعة، لم تتحرك شبرًا واحداً، بل ظلت مصلوبة العود بأناقتها الباردة، أزاحت شعرها المصفف بعناية إلى الخلف بلمسة حاسمة، وجالت بعينيها الحادتين في الفراغ الممتد، قبل أن تدير رأسها ببطء نحو شاهين، الذي كان يقف كعمود من الرخام عند بداية السلم الداخلي، تتصاعد من قميصه الهيبة، وعيناه النافذتان تتأملانها بنظرة تجمع بين الحقد القديم والشغف المكبوت،خلعت سهام قفازاتها الجلدية السوداء إصبعاً تلو الآخر، وألقتها فوق الطاولة الخشبيّة القريبة برعونة مدروسة، ثم قالت بصوت نقي، حاد، يتهادى في الصالة كشفرة حريرية:«تسرّع ابنك كالعادة يا شاهين ، أخذ الفتاة وركض بها وكأنه الفارس المنفذ، بينما أنت كعادتك، تكتفي بالمراقبة والوقوف في الظل، تنتظر أن تهدأ العاصفة لتجمع الغنائم.»خطى شاهين خ
مرّ أسبوع كامل ، سبعة أيام بطيئة بَنت خلالها الجدران حواجز جديدة من الصمت في القصر ، كان أسبوعاً هادئاً في ظاهره، لكنه حمل نوعاً ثقيلاً من الترّقب الذي يُجهِد النفس أكثر من المواجهة المباشرة،خلال تلك الأيام السبعة، اختفى كايان تماماً من المشهد، لم تظهر سيارات حراسته عند أطراف الحي، ولم ترتسم في عتمة الشرفة رائحة التبغ الفاخر التي طالما أرّقت ليل ليان، بل حُذفت أي إشارة إليه حتى من الصحف الاقتصادية التي كانت تتابع صفقاته ، كان الصمت الذي فرضه كايان كاملاً ومحسوباً، كأنه مسح وجودها من معادلته تماماً،حاولت ليان إقناع نفسها بأن هذا الاختفاء هو ما كانت تطالب به دائماً، وأن عودة حياتها إلى خطها الهادئ هي المكسب الحقيقي ، لكن التجاهل المطبق جعلها تخوض معركة يومية مع أفكارها؛ كانت تسأل نفسها بين الحين والآخر: هل كان تجاهله لها في الحفل ورقصته الاستعراضية بداية النهاية بالفعل؟ أم أن هذا الهدوء مجرد خطة خبيثة لإرهاق كبريائها وجعلها تأكل نفسها في الانتظار؟لتتهرب من هذه التساؤلات، كانت تقضي معظم أوقاتها بين جناحها والحديقة الخلفية القصر، تحاول القراءة أو مراقبة المطر الخفيف الذي
ترددت آخر نغمات السيمفونية الكلاسيكية في أرجاء القاعة الكبرى، وتلاشت ألحان الأوتار الهادئة لتفسح المجال لموجة خفيفة من التصفيق الدافئ الذي تبادله الحاضرون على أطراف حلبة الرقص،كانت ليان تقف على حافة الرخام المصقول، ويدها ما زالت تستقر بخفة فوق ذراع رائد ، كانت السخونة تسري في أسفل قدميها جراء الحركة، لكن أحشاءها كانت متجمدة تماماً ، رفعت عينيتها ببطء شديد، ورسمت على وجهها هدوءاً متصنعاً وهي تتراجع خطوة واحدة إلى الخلف، محاطة بكبرياء يرفض الانكسار،انتهت المعزوفة، وفي تلك اللحظة التفت كايان بمهل نحو تالين ، سحب يده من حول خصرها ببرود حاسم ومجرد من أي دفء، ورتب طرف سترة بدلته السوداء بلمسة خفيفة دون أن ينظر إلى وجهها المبتسم،«كانت رقصة رائعه» قالت تالين بصوت ناعم، وعلقت عيناها بملامحه الحادة وهي تحاول الحفاظ على تقارب المسافة بينهما،أجابها كايان بنبرة خفيضة وجافة، تتجاهل إطراءها كلياً:«المستثمرون الأجانب ينتظرون في الصالون الملحق، جهزي ملفات المرفأ وسألحق بكِ خلال دقائق.»لم تنتظر تالين منه مغازلة أو حديثاً جانباً؛ فقد كانت السيطرة الجليدية التي يتعامل بها
كانت زجاجات النافذة المظللة لسيارة "الروز رايز" تعكس أضواء واجهات الفندق الماسي المتلألئة وسط عتمة الليل العاصف ، في المقعد الخلفي، كانت ليان تجلس بين عمها شاهين وابنه رائد، وساقاها الملتفتان بقماش الحرير الأسود تلتصقان ببعضهما في ثبات مفتعل، كان الفستان الذي اختارته لهذه الليلة يعود لتصميم كلاسيكي محشوم؛ أسود بقصة مستقيمة تحيط بجسدها الممشوق، بفتحة عنق مربعة أظهرت بياض بشرتها الشاحبة دون تكلف ، رفعت شعرها الأسود الداكن بأكمله إلى الأعلى في كعكة مرتخية تثبتها مشابك صغيرة، تاركة بضع خصلات ناعمة تتساقط حول أذنيها وعنقها، لم تضع من الزينة سوى أقراط ألماسية صغيرة، وقليلاً من أحمر الشفاه الهادئ ليداري شحوب شفتيها الناجم عن أرق الليلة الماضية، كانت يداها المستقرتان على حقيبتها الصغيرة تبذلان جهداً لكي لا ترتجفا، كانت تعلم أن دخولها إلى هذا الحفل ليس مجرد حضور اجتماعي عابر؛ بل هو نزال صامت تُثبت فيه لنفسها، ولذلك الرجل، أنها لم تعد تلك الفتاة التي ترتعد خوفاً في غرفتها المغلقة، «ليان،» تحدث شاهين بنبرة خفيضة ورزينة، ملتفتاً نحوها وهو يضبط أزرار أكمامه الذهبية: «لا داعي للالتفات لأي همس