LOGINخلف الأبواب المغلقة
لم تكن كل الحروب تُخاض بالأسلحة... بعضها يبدأ بكلمة. وبعضها يبدأ بصورة قديمة تحمل سرًا دفنه الجميع منذ سنوات. --- منذ آخر لقاء جمعها بكايان، لم تستطع ليان أن تتوقف عن التفكير. لم يكن أكثر ما أزعجها هو رفضه إعطاءها الإجابات... بل الطريقة التي كان يتصرف بها. كان يتحدث وكأنه يعرف شيئًا عنها أكثر مما تعرفه هي عن نفسها. وكأنه لا يحاول إخفاء الحقيقة فقط... بل يحاول حمايتها منها. وهذا الأمر كان يزعجها أكثر. جلست ليان أمام مكتبها، والصورة القديمة أمامها. الصورة التي وجدتها بين أغراض والدها. الصورة التي قادتها إلى كايان. مررت أصابعها على طرفها بحذر. كان والدها يبتسم فيها. وبجانبه رجل آخر. رجل لم تعرفه طوال حياتها. لكن كايان... عرفه. رأت ذلك في عينيه لحظة أخرجت الصورة أمامه. لم يكن وجهه يحمل الدهشة فقط. بل كان يحمل غضبًا قديمًا. حزنًا حاول إخفاءه. وضعت الصورة أمامها وهمست: ليان: "من أنت؟ ولماذا أخاف كايان عندما رآك؟" لم تحصل على إجابة. لكنها اتخذت قرارها. لن تنتظر حتى يقرر الآخرون إخبارها بالحقيقة. هذه المرة... ستبحث بنفسها. --- في الجهة الأخرى من المدينة... كانت أجواء شركة "راي للاستثمارات" هادئة كعادتها. لكن الهدوء داخل مكتب كايان لم يكن طبيعيًا. كان يقف أمام النافذة، ينظر إلى المدينة بصمت. دخل أحد رجاله بعد طرق الباب. الرجل: "سيدي." لم يلتفت كايان. كايان: "تحدث." الرجل: "الفتاة ما زالت تبحث." ساد الصمت للحظات. ثم أغمض كايان عينيه قليلًا. كايان: "كنت أعلم أنها لن تتوقف." الرجل: "هل تريد أن نمنعها؟" استدار كايان ببطء. كانت نظرته حادة. كايان: "لا." تفاجأ الرجل. الرجل: "لكنها تقترب من أشياء خطيرة." اقترب كايان من المكتب وأخذ الملف القديم. كايان: "ولهذا لا أريد أن يقترب منها أحد." صمت الرجل قليلًا. ثم قال: الرجل: "سيدي... لماذا تهتم بها إلى هذه الدرجة؟" توقفت يد كايان للحظة. سؤال بسيط... لكنه أصاب مكانًا لا يريد أحد الوصول إليه. أغلق الملف. كايان: "أنا لا أهتم." لكن صوته لم يكن مقنعًا حتى له. --- في المساء... وصلت ليان إلى مكان قديم كانت قد وجدته بعد بحث طويل. أحد المكاتب التابعة لشركة والدها قديمًا. المكان مهجور منذ سنوات. كانت تعتقد أن هناك شيئًا قد يساعدها على فهم الماضي. دخلت بحذر. كان الغبار يغطي المكان. والأوراق القديمة منتشرة في كل مكان. بدأت تبحث بين الملفات. حتى وجدت ملفًا يحمل اسم والدها. تسارعت دقات قلبها. فتحته بسرعة. لكن أغلب الأوراق كانت ناقصة. وكأن شخصًا ما أخذ أهم الصفحات قبل سنوات. ليان: "دائمًا نفس الشيء..." نظرت حولها بغضب. ليان: "كلما اقتربت من الحقيقة... أجد شخصًا سبقني إليها." وفجأة... سمعت صوتًا خلفها. تجمدت مكانها. صوت رجل: "كان يجب ألا تأتي إلى هنا." استدارت بسرعة. لكن المكان كان فارغًا. اقتربت ببطء من الباب. لا أحد. فقط ورقة صغيرة سقطت على الأرض. التقطتها. كانت جملة واحدة مكتوبة: "اسألي كايان عن الليلة التي مات فيها والدك." تغير وجهها. لأن السؤال الحقيقي لم يكن... لماذا يعرف هذا الشخص كايان؟ بل... لماذا كان متأكدًا أن كايان يخفي شيئًا عنها؟ --- في تلك اللحظة... داخل سيارة سوداء توقفت أمام المبنى. كان كايان بداخلها. نظر إلى المبنى القديم بملامح جامدة. لقد علم بمكان وجودها منذ اللحظة الأولى. لكنه لم يكن يتوقع أن يصل شخص آخر إليها قبله. نزل من السيارة ودخل بسرعة. وعندما وصل إليها... وجدها واقفة تحمل الورقة. نظرت إليه فورًا. لم تحتج إلى سؤال. عرفت أنه لم يأتِ صدفة. ليان: "كنت تراقبني؟" نظر إلى الورقة في يدها. ثم إليها. كايان: "أين وجدتها؟" ضحكت بسخرية. ليان: "جميل." رفعت الورقة أمامه. ليان: "حتى عندما أجد دليلًا جديدًا، أول شيء تفعله هو السؤال عنه، وليس عن حالتي." اقترب منها. لكن هذه المرة لم يكن غاضبًا فقط. كان قلقًا. كايان: "أعطيني الورقة." أخفتها خلف ظهرها. ليان: "لماذا؟ حتى تخفيها مثل كل شيء آخر؟" تغيرت ملامحه. كايان: "ليان." كانت نبرته مختلفة. لكنها لم تتراجع. ليان: "أريد الحقيقة." صمت. ثم قال: كايان: "أحيانًا الحقيقة لا تحرر الناس." نظر إليها بجدية. كايان: "أحيانًا تدمرهم." اقتربت منه خطوة. ليان: "وأحيانًا الكذب هو الشيء الوحيد الذي يدمرهم." ساد الصمت بينهما. للحظة... لم يرَ كايان الفتاة العنيدة التي تثير غضبه. رأى ابنة الرجل الذي فقده بسبب الماضي. ورأى شخصًا يسير نحو نفس الطريق الذي سار فيه هو. كايان: "ابتعدي." عقدت حاجبيها. ليان: "أنت لا تمل من قول هذه الكلمة." كايان: "لأنك لا تملين من تجاهلها." ابتسمت ابتسامة صغيرة. ليان: "ربما لأنني بدأت أعتقد أن أكثر شيء تريدني أن أبتعد عنه... هو الشيء الذي تخاف أن أعرفه." لم يجب. وهذا كان كافيًا بالنسبة لها. لأن صمته كان اعترافًا جديدًا. --- وقبل أن تغادر... رن هاتف كايان. نظر إلى الشاشة. تغير وجهه لأول مرة. كانت رسالة من رقم مجهول. فتحها. صورة قديمة. نفس الصورة التي تملكها ليان. لكن هذه المرة... كانت أوضح. والجزء المخفي من وجه الرجل الآخر بدأ يظهر. رفع كايان عينيه نحو ليان. ولأول مرة منذ سنوات... شعر أن الماضي لم يعد خلفه. بل عاد أمامه. ____ لم يكن الصمت الذي حلّ بعد رسالة الهاتف عاديًا. كان صمتًا يحمل إنذارًا. نظر كايان إلى الصورة الموجودة على الشاشة مرة أخرى. لم يكن أكثر ما أخافه ظهور الصورة... بل الشخص الذي أرسلها. لأنه كان يعرف أن هناك من يحاول دفع ليان نحو الحقيقة. لكن السؤال كان: لماذا الآن؟ ولماذا هي؟ أغلق هاتفه بسرعة قبل أن تلاحظ ليان تغير ملامحه. لكنها لاحظت. كانت تراقبه منذ اللحظة الأولى. ولم تكن غافلة عن التفاصيل الصغيرة. ليان: "من كان؟" رفع عينيه إليها. كايان: "لا شأن لكِ." ابتسمت بسخرية. ليان: "بالطبع." اقتربت منه خطوة. ليان: "كل شيء لا تريد الإجابة عنه يصبح فجأة لا يخصني." لم يرد. لأنها كانت محقة. لكن الحقيقة التي لا تعرفها... أن بعض الإجابات كانت أخطر من الصمت. --- في تلك اللحظة، اهتز هاتف كايان مرة أخرى. هذه المرة كانت مكالمة. نظر إلى الرقم. وتغيرت ملامحه. ابتعد قليلًا وأجاب. كايان: "تحدث." جاءه صوت أحد رجاله. الحارس: "سيدي... وجدنا الشخص الذي كان يراقبها." تجمدت نظرات كايان. نظر إلى ليان التي كانت تقف بعيدًا. ثم قال بصوت منخفض: كايان: "أين هو؟" الحارس: "هرب قبل أن نمسك به، لكنه ترك شيئًا خلفه." صمت كايان للحظة. كايان: "ماذا ترك؟" تردد الحارس. الحارس: "صورة." أغلق كايان عينيه. كان يشعر أن الماضي يعيد نفس اللعبة من جديد. كايان: "أرسلها لي." أنهى المكالمة. لكن ليان كانت قد فهمت. ليان: "شخص يراقبني؟" لم يجب. وهذا كان جوابًا بحد ذاته. اقتربت منه. ليان: "منذ متى؟" نظر إليها ببرود مصطنع. كايان: "منذ وقت طويل." اتسعت عيناها قليلًا. ليان: "ومن هم؟" صمت. ليان: "كايان." كانت المرة الأولى التي تناديه باسمه دون سخرية. لكن القلق ظهر في صوتها. ليان: "من الذي يراقبني؟" نظر إليها طويلًا. ثم قال: كايان: "أشخاص لا يجب أن تعرفي عنهم الآن والافضل الا تعرفيهم." اشتعل غضبها. ليان: "مرة أخرى؟" ضحكت بمرارة. ليان: "أنت والجميع تظنون أنني طفلة يجب حمايتها من الحقيقة." اقترب منها. كايان: "لأنك لا تعرفين حجم الخطر." رفعت رأسها بتحدٍ. ليان: "وأنت تعرف؟" لم يجب. وهنا فهمت. هو يعرف. يعرف أكثر مما يعترف. --- في مكان آخر... داخل غرفة مظلمة، جلس رجل أمام شاشة تعرض صور ليان. كان يراقب تحركاتها منذ أيام. دخل رجل آخر. الرجل: "لقد تدخل كايان." رفع الجالس عينيه. الرجل: "كنت أعلم أنه سيفعل." الرجل الآخر: "هل نوقف الخطة؟" ابتسم الرجل ابتسامة باردة. الرجل: "لا." نظر إلى صورة ليان. الرجل: "بل الآن أصبحت الأمور أكثر إثارة." --- عاد كايان إلى مكتبه في نفس الليلة. كان غاضبًا. ليس من ليان... بل من نفسه. لأنه كان يعرف أن وجودها في حياته أصبح يجعله يتصرف بطريقة لم يعتد عليها. فتح الملف القديم. ملف والدها. توقف عند صورة قديمة. ثم همس: كايان: "لو كنت تعرف أن ابنتك ستصل إلى هذا اليوم..." سكت. لأنه لم يستطع إكمال الجملة. دخل أحد رجاله. الحارس: "سيدي." أغلق كايان الملف. كايان: "ماذا وجدت؟" وضع الحارس ظرفًا على الطاولة. الحارس: "هذه كانت مع الشخص الذي يراقب ليان." فتح كايان الظرف. وفي الداخل... كانت هناك ورقة واحدة. لكن ما جعله يتجمد... أنها تحمل توقيعًا يعرفه جيدًا. توقيعًا من الماضي. الماضي الذي ظن أنه انتهى. رفع كايان عينيه ببطء. الحارس: "سيدي؟" لم يجب. فقط قال بصوت منخفض: كايان: "لا تخبروا ليان بشيء." استغرب الحارس. الحارس: "لكنها من حقها أن تعرف." نظر إليه كايان بحدة. كايان: "ليس بهذه الطريقة." --- في صباح اليوم التالي... كانت ليان تقف أمام باب منزلها. وجدت شيئًا موضوعًا أمام الباب. ظنت في البداية أنه رسالة عادية. لكن عندما فتحته... تغير وجهها. كان بداخل الصندوق شيء واحد فقط. مفتاح قديم. ومعه ورقة صغيرة: "والدك أخفى الحقيقة... وكايان يعرف أين تجدينها." رفعت ليان رأسها. ونظرت نحو الطريق الفارغ. لأول مرة... لم تشعر بالغضب فقط. بل شعرت أن هناك حربًا بدأت دون أن تطلبها. والأسوأ... أن كايان كان فيها قبلها بسنوات. ظلت ليان تنظر إلى المفتاح الموجود في يدها لعدة دقائق. لم يكن مجرد قطعة معدنية قديمة... كان رسالة. رسالة من شخص لم يعد موجودًا ليشرح لها معناها. والدها. الرجل الذي رحل وترك خلفه أسئلة أكثر من الإجابات. وضعت الورقة على الطاولة مرة أخرى. ليان: "والدي أخفى الحقيقة..." توقفت قليلًا. ثم نظرت إلى الجملة الأخيرة. ليان: "وكايان يعرف أين أجدها." شعرت بالغضب يعود إليها. ليس لأن كايان يعرف... بل لأنه كان يعرف منذ البداية. كان يقف أمامها. يسمع أسئلتها. ويراها تبحث وحدها. ومع ذلك... اختار الصمت. أمسكت هاتفها بسرعة. وجدت اسمه. ترددت للحظة. ثم ضغطت الاتصال. --- في الجهة الأخرى... كان كايان داخل اجتماع مع رجاله عندما رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. وعندما رأى اسم ليان، تغيرت ملامحه قليلًا. لاحظ الجميع ذلك. فكايان لم يكن من الرجال الذين يسمحون لأي شيء بأن يشتت انتباهه. أجاب. كايان: "ماذا تريدين؟" جاءه صوتها مباشرة. هادئًا... لكن الغضب واضح فيه. ليان: "أريد أن أعرف أين أجد الحقيقة." ساد الصمت. أغلق كايان الملف أمامه. كايان: "ومن قال إنني أملكها؟" ضحكت بسخرية. ليان: "لا تتعب نفسك." سكتت لحظة. ليان: "أنا لم أعد أصدق أنك لا تعرف." لم يجب. لأنها اقتربت أكثر مما يريد. ليان: "وجدت المفتاح." تغيرت ملامحه فورًا. وقف من مكانه. كايان: "أين وجدته؟" لاحظ رجاله تغير صوته. لكنهم لم يجرؤوا على السؤال. ليان: "إذن أنت تعرفه." صمت. وهذا كان اعترافًا آخر. ليان: "كنت أعلم." كايان: "ليان..." قاطعته. ليان: "لا." كان صوتها هذه المرة مختلفًا. لم يكن مجرد غضب. كان خيبة. ليان: "كل مرة أسألك، تجعلني أشعر أنني المشكلة." سكتت. ثم قالت: ليان: "لكن يبدو أن المشكلة الحقيقية أنك تعرف الحقيقة وتخاف أن تقولها." أغلق كايان عينيه. لأن جزءًا منه كان يعلم أنها ترى الأمر بهذه الطريقة. كايان: "ابتعدي عن هذا الطريق." تنهدت بضيق. ليان: "هل لديك جملة أخرى غير هذه؟" كايان: "نعم." توقف لحظة. كايان: "هذه المرة أنا آمرك." ساد الصمت. ثم جاء ردها ببرود: ليان: "وأنا هذه المرة أتجاهلك." أغلقت الهاتف. --- نظر كايان إلى الشاشة بعد انتهاء المكالمة. لم يغضب. بل شعر بشيء أسوأ. القلق. لأنها لم تعد تبحث فقط... لقد أصبحت هدفًا. دخل آدم بسرعة. آدم: "سيدي." رفع كايان نظره. آدم: "وصلتنا معلومة جديدة." كايان: "تكلم." وضع آدم ملفًا على المكتب. آدم: "المكان المرتبط بالمفتاح." فتح كايان الملف. وتغيرت ملامحه. كان المكان... قديمًا. ومرتبطًا بعائلة ليان. آدم: "إذا كان المفتاح حقيقيًا..." توقف. آدم: "فهي ستجد الشيء الذي أخفاه والدها." أغلق كايان الملف. كايان: "ولهذا يجب أن أصل قبلها." --- في المساء... وصلت ليان إلى المكان الذي وجدت عنوانه خلف الرساله. كان مبنى قديمًا بعيدًا عن وسط المدينة. لم يكن يبدو مهمًا. لكنها شعرت بشيء غريب بمجرد دخولها. وكأن الجدران تحمل ذكريات لا تريد كشفها. وضعت المفتاح في القفل. دار بسهولة. فتح الباب ببطء. دخلت. كانت الغرفة صغيرة. لكنها مليئة بصناديق قديمة. اقتربت من أحدها. وجدت اسم والدها عليه. تسارعت أنفاسها. فتحت الصندوق. في الداخل... كانت هناك أوراق. وصور. ورسالة. أمسكت الرسالة بيد مرتجفة. كان الخط واضحًا. خط والدها. بدأت تقرأ: "إذا وصلتِ إلى هنا يا ليان، فهذا يعني أنني لم أستطع إخبارك بالحقيقة بنفسي..." توقفت. شعرت بقلبها يضرب بقوة. لكن قبل أن تكمل... سمعت صوتًا خلفها. صوت رجل: "كان يجب ألا تفتحي هذا الصندوق." تجمدت. أغلقت الرسالة بسرعة. استدارت. لكنها لم ترَ سوى ظل شخص يقف عند الباب. وفي نفس اللحظة... انطفأت الأنوار. --- وفي الخارج... كان كايان قد وصل إلى المكان. لكن قبل أن يدخل... وصلته رسالة واحدة. صورة للغرفة. وصورة ليان بداخلها. وتحتها جملة: "هذه المرة لن تستطيع حمايتها." رفع كايان عينيه نحو المبنى. ولأول مرة منذ سنوات... ظهر الغضب الحقيقي على وجهه. لأنه أدرك... أن شخصًا ما كان ينتظره. وكان يعرف تمامًا أين ستذهب ليان.كانت ساعات الليل المتأخرة تثقل بكاهلها على جدران القصر، وكأن الهواء نفسه قد تحول إلى كتلة من التوتر الصامت. في غرفتها، كانت ليان جالسة على حافة السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها وتتأمل الظلال التي ترسمها أضواء الشارع الخافتة على الجدار. عقلها كان يغلي بالأفكار المتضاربة؛ كلمات كايان الأخيرة، الاعتراف المُرّ عن والدها، وتلك الحقيقة التي بدت وكأنها أفعوانية لا مفر من السقوط فيها. لم تستطع إغلاق عينيها، فكلما همّت بالاستغراق في النوم، تراءت لها نظراته الحادة وقربه الذي بعثر كل دفاعاتها."هل كان أبي يخفي عنا كل هذا حقاً؟" سألت نفسها بصوت خافت تهاوى في أركان الغرفة الواسعة. شعور بالغربة والخذلان كان يمزقها، لكن ما كان أسوأ من ذلك هو إدراكها المفاجئ بأن كايان لم يكن العدو، بل ربما كان الحصن الوحيد الباقي في وجه عاصفة توشك أن تبتلعها.في الجهة الأخرى من القصر، داخل مكتبه المظلم إلا من ضوء شاشة حاسوبه الخافت، كان كايان واقفًا أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، ممسكًا بكأس زجاجي يحتوي على مشروب لم يرتشف منه شيئًا. شعور غريب بالخطر كان يداهمه، حدس اعتاد عليه طوال سنوات صراع الدم والسلطة. وضع الكأس بعنف
ظلت ليان جالسة على طرف الأريكة الواسعة في الغرفة التي خصصها لها كايان، عيناها مسمرتان على النافذة الكبيرة التي تطل على الحديقة الخارجية المعتمة. لم تستطع النوم. كلما أغمضت عينيها، استرجعت ذلك القرب الخانق، وتلك الكلمات التي همس بها وكأنها تعويذة سحرية غيرت قواعد اللعبة بأكملها."لماذا تفعل هذا؟" سألت نفسها بصوت هامس تردد خافتًا في جدران الغرفة. لم تكن تشعر بالأمان، بل كانت تشعر بنوع غريب من الضياع. الرجل الذي كان يبدو لها قبل أيام مجرد متغطرس يملك سلطة بلا حدود، تحول فجأة إلى درع يحيط بها من خطر لم تكن تتخيل حجمه. لكن هذا الدرع كان خطيرًا بدوره؛ الاقتراب منه يعني الاحتراق، والابتعاد عنه يعني السقوط في مهب الهلاك.تنهدت بعمق، ونهضت من مكانها لتبدأ في التجول داخل الغرفة. كانت الغرفة مجهزة بكل وسائل الراحة، لكنها بدت لها وكأنها قفص ذهبي أنيق. لم تكن تحب القيود، طوال حياتها اعتادت أن تعتمد على نفسها، وأن تواجه مخاوفها بمفردها دون أن تتكئ على أحد. والآن، ها هي محتجزة في معقل الرجل الذي تعهدت بأن تكشف أسراره.فتحت باب الغرفة بحذر شديد، وخطت بخطوات خفيفة خارجة إلى الممر الطويل والمضاء بإضاءة
صُدى صوت الباب الحديدي الذي تهشم تحت قدمي كايان كان لا يزال يتردد في أرجاء المكان المظلم، كإعلان حرب صريح بينه وبين الماضي الذي عاد ليطاردهما. لم تكن المرة الأولى التي يقتحم فيها مكانًا خطيرًا، لكنها المرة الأولى التي تتسارع فيها أنفاسه بهذا الشكل الجنوني لمجرد أن فكرة إصابتها خطرت بباله.كانت ليان واقفة في منتصف الغرفة المهجورة، تحاول استيعاب ما حدث. الظلام الذي طبق على المكان بعد انقطاع التيار المفاجئ، وصوت خطوات الشخص الذي اختفى من النافذة المحطمة، كادا يفقدانها توازنها. ركبتها كانتا ترتجفان، لكنها حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تظهر تماسُّكها المعتاد.تقدم كايان بخطوات واسعة، ولم يمنحه الغضب الذي يعتليه فرصة للهدوء. مد يده وأمسك بكتفيها بقوة، ناثرًا دفئًا غريبًا وسط برودة الغرفة القاتلة. عيناه اللتان كانتا تشتعلان غضبًا، تحولتا تدريجيًا إلى نظرة مليئة بقلق عميق، قلق حاول طوال السنوات الماضية أن يدفنه تحت جبال من الجمود والقسوة.كايان بصوت خشن ومبحوح، تحشرجت فيه نبرة لم ترها من قبل: * "ألم أخبركِ بالابتعاد؟ ألم أقسم لكِ أنكِ ترمين بنفسكِ إلى الجحيم؟"رفعت ليان رأسها ببطء، ودموع الذع
خلف الأبواب المغلقةلم تكن كل الحروب تُخاض بالأسلحة...بعضها يبدأ بكلمة.وبعضها يبدأ بصورة قديمة تحمل سرًا دفنه الجميع منذ سنوات.---منذ آخر لقاء جمعها بكايان، لم تستطع ليان أن تتوقف عن التفكير.لم يكن أكثر ما أزعجها هو رفضه إعطاءها الإجابات...بل الطريقة التي كان يتصرف بها.كان يتحدث وكأنه يعرف شيئًا عنها أكثر مما تعرفه هي عن نفسها.وكأنه لا يحاول إخفاء الحقيقة فقط...بل يحاول حمايتها منها.وهذا الأمر كان يزعجها أكثر.جلست ليان أمام مكتبها، والصورة القديمة أمامها.الصورة التي وجدتها بين أغراض والدها.الصورة التي قادتها إلى كايان.مررت أصابعها على طرفها بحذر.كان والدها يبتسم فيها.وبجانبه رجل آخر.رجل لم تعرفه طوال حياتها.لكن كايان...عرفه.رأت ذلك في عينيه لحظة أخرجت الصورة أمامه.لم يكن وجهه يحمل الدهشة فقط.بل كان يحمل غضبًا قديمًا.حزنًا حاول إخفاءه.وضعت الصورة أمامها وهمست:ليان: "من أنت؟ ولماذا أخاف كايان عندما رآك؟"لم تحصل على إجابة.لكنها اتخذت قرارها.لن تنتظر حتى يقرر الآخرون إخبارها بالحقيقة.هذه المرة...ستبحث بنفسها.---في الجهة الأخرى من المدينة...كانت أجواء شركة
مرّت ثلاثة أيام منذ آخر مواجهة بين كايان وليان. ثلاثة أيام حاولت فيها ليان أن تقنع نفسها أنها لا تهتم بما قاله. لكن الحقيقة كانت عكس ذلك. كل كلمة قالها بقيت عالقة في عقلها. "ابتعدي عني وعن عالمي." لم تكن المشكلة في تحذيره... بل في الطريقة التي قالها بها. وكأنه يخفي خلف غضبه شيئًا أكبر. وضعت ليان الأوراق أمامها على الطاولة، ونظرت إليها بضيق. كانت تحاول البحث عن أي معلومة عن الماضي الذي يربط عائلتها بعائلة كايان. لكن كل الطرق كانت مغلقة. وكأن شخصًا ما تعمد محو كل شيء. ليان: "حسنًا يا كايان..." ابتسمت ابتسامة صغيرة. ليان: "إذا كنت تريد إخفاء الحقيقة، فسأجدها بنفسي." ــــــــــــــــــــــــــــ في نفس الوقت... داخل شركة "راي للاستثمارات". كان كايان يعقد اجتماعًا مع كبار رجاله. الجميع صامت. فالاجتماعات معه لم تكن عادية. كان يكفي أن يدخل حتى يتغير الجو بالكامل. أحد الرجال: "سيدي، وجدنا تحركات جديدة من الطرف الآخر." كايان: "راقبوهم فقط." الرجل: "لكن إذا كانوا يخططون للهجوم..." قاطعه كايان. كايان: "قلت راقبوا." لم يجرؤ أحد على الاعتراض.
كان الليل قد غطّى المدينة بالكامل، لكن مكتب كايان لم يعرف الهدوء. جلس خلف مكتبه، والملف القديم أمامه. لم يكن ينظر إلى الأوراق... بل إلى الصورة الموجودة في الصفحة الأخيرة. صورة ليان. الفتاة التي دخلت مكتبه منذ ساعات، وتحدثت معه وكأنها لا تعرف من هو. وهذا بالضبط ما أزعجه. فالجميع أمام كايان كانوا يحسبون كلماتهم. الجميع يخافون من نظرة واحدة منه. إلا هي. أمسك الملف وأغلقه بقوة. كايان: "لماذا الآن؟" لم يكن يسأل أحدًا. كان يسأل الماضي نفسه. فجأة، انفتح باب المكتب ودخل أحد رجاله بسرعة. الرجل: "سيدي." رفع كايان عينيه. كايان: "ما الأمر؟" وضع الرجل جهازًا لوحيًا أمامه. الرجل: "هناك أشخاص يراقبون الآنسة ليان." تغيرت نظرة كايان. كايان: "منذ متى؟" الرجل: "منذ خروجها من الشركة." ساد الصمت. ثم وقف كايان. الرجل: "هل تريد أن نتدخل؟" أخذ كايان سترته. كايان: "لا تقتربوا." تفاجأ الرجل. الرجل: "لكن سيدي..." قاطعه كايان بنظرة حادة. كايان: "قلت لا تقتربوا." ثم أضاف: كايان: "أريد أن أعرف من يقف خلفهم." ــــــــــــــــــــــــــــ في الجهة







