LOGINكانت ساعات الليل المتأخرة تثقل بكاهلها على جدران القصر، وكأن الهواء نفسه قد تحول إلى كتلة من التوتر الصامت. في غرفتها، كانت ليان جالسة على حافة السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها وتتأمل الظلال التي ترسمها أضواء الشارع الخافتة على الجدار. عقلها كان يغلي بالأفكار المتضاربة؛ كلمات كايان الأخيرة، الاعتراف المُرّ عن والدها، وتلك الحقيقة التي بدت وكأنها أفعوانية لا مفر من السقوط فيها. لم تستطع إغلاق عينيها، فكلما همّت بالاستغراق في النوم، تراءت لها نظراته الحادة وقربه الذي بعثر كل دفاعاتها.
"هل كان أبي يخفي عنا كل هذا حقاً؟" سألت نفسها بصوت خافت تهاوى في أركان الغرفة الواسعة. شعور بالغربة والخذلان كان يمزقها، لكن ما كان أسوأ من ذلك هو إدراكها المفاجئ بأن كايان لم يكن العدو، بل ربما كان الحصن الوحيد الباقي في وجه عاصفة توشك أن تبتلعها. في الجهة الأخرى من القصر، داخل مكتبه المظلم إلا من ضوء شاشة حاسوبه الخافت، كان كايان واقفًا أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، ممسكًا بكأس زجاجي يحتوي على مشروب لم يرتشف منه شيئًا. شعور غريب بالخطر كان يداهمه، حدس اعتاد عليه طوال سنوات صراع الدم والسلطة. وضع الكأس بعنف على الطاولة، والتفت بسرعة عندما لاحظ وميضًا خفيفًا على شاشة المراقبة الفرعية المربوطة بالبوابة الخلفية للقصر. توقف نبضه لثانية واحدة. على الشاشة، ظهرت حركة مريبة عند السور الخارجي المحاط بالأشجار الكثيفة. رجال بأزياء سوداء، يتحركون باحترافية مطلقة، ويتجاوزون الحواجز بصمت تام. لم يكونوا لصوصًا عاديين، ولم يكونوا باحثين عن مال أو مجوهرات؛ بل كانوا فريق اغتيال واختطاف مدرب بدقة، وهدفهم الوحيد كان يتواجد في الغرفة العلوية من هذا القصر. سرت رشة برد حارقة في عروق كايان. لم يكن الخوف يعرف طريقًا إلى قلبه طوال حياته، لكن فكرة أن يصيب ليان أي مكروه جعلت الغضب الأعمى يشتعل في عينيه. تحرك بخطوات سريعة وحاسمة، وفتح درج مكتبه ليخرج سلاحه الأسود الثقيل، وأمنه بحركة واحدة جعلت معدن السلاح يصطدم بصوت جاف وحاد يعلن بداية المعركة. في تلك الأثناء، وفي ممر الطابق العلوي، كانت ليان قد قررت مغادرة غرفتها للبحث عن كأس ماء يروي جفاف حلقها. فتحت الباب بحذر، وخطت بخفة على السجاد الفاخر. كان القصر يغرق في صمت مطبق، لكنها شعرت فجأة بصوت غريب خافت آتٍ من جهة السلالم الداخلية؛ صوت احتكاك معدني خفيف، وكأن أحدهم يحاول فتح الباب الجانبي للقصر بصمت. تسمرت مكانها. تسارعت دقات قلبها بجنون، وحبسنت أنفاسها في صدرها. "من هناك؟" همست بصوت كاد لا يبيّن، لكن لا أحد أجاب. بدأت تراجع خطواتها للخلف ببطء، وعيناها معلقتان بظلمة الممر الطويل. وفجأة، ظهرت هيئة مظلمة تعتلي درجات السلالم الأخيرة، ترتدي لباسًا أسود بالكامل وتخفي ملامحها بقناع قماشي داكن. تجمّد الدم في عروق ليان. أدركت حينها أن كل تحذيرات كايان لم تكن مبالغة، وأن الخطر أصبح يقف على عتبة غرفتها مباشرة. التفتت برعب لتجري نحو غرفتها وتغلق الباب، لكن قبل أن تصل، ظهر شخص ثانٍ من الممر الجانبي، وقطع عليها طريق الهرب. انطلقت صرخة مكتومة من حنجرتها، وسارعت بالتراجع حتى اصطدم ظهرها بالحائط البارد. تقدم منها الرجل الأول بخطوات بطيئة، وابتسامة مبررة ظهرت في عينيه قبل فمه. مد يده القوية ليمسك بمعصمها بقسوة، محاولًا كمم فمها بيده الأخرى. رفسعت بكل ما أوتيت من قوة، وحاولت الإفلات منه، لكنها كانت عاجزة تمامًا أمام بنيته الجسدية القوية. * "دعينا نذهب بهدوء يا آبي... السيد ينتظركِ بفارغ الصبر." قال الرجل بصوت أجش وخشن. لكن قبل أن تتمكن من عض يده بقوة، حدث ما لم يكن في حسابات المتسللين. بسرعة البرق، انقض ظلٌ داكن من نهاية الممر. لم تره ليان، لكنها سمعت صوت اصطدام مرعب، تلاه أزيز هواء حاد. ظهر كايان كالشيطان المتخفي في الظلام، وأمسك بالرجل الذي يمسك بها من تلابيب ملابسه، وطرحه أرضًا بقوة جعلت الخشب يرتج تحت وزنه. وقبل أن يستوعب الرجل الثاني ما يجري، سدد كايان ضربة قوية بسلاحه على وجهه، فقطعت وعيه في جزء من الثانية. استدار كايان بسرعة جنونية، وعيناه تشتعلان بغضب جهنمي لم تره ليان طوال حياتها. كان وجهه مشدودًا، وعروق رقبته بارزة بشراسة. انقض على الرجل الأول الذي حاول النهوض، وضربه بلا أي رحمة حتى سكن تمامًا على الأرض، فاقدًا للوعي تمامًا. عمّ الصمت مجددًا في الممر، لكنه كان صمتًا محملاً برائحة الأدرينالين والخطر. وقفت ليان في مكانها، ترتجف بالكامل، ودموع الذعر والرهبة تجمعت في عينيها. كانت تنظر إلى كايان الواقف أمامها، وقد تلطخت يديه بآثار المعركة القصيرة، وأنفاسه تتصاعد بعنف. تقدم منها بخطوات واسعة، ولم يمنحه خوفه المتفجر على سلامتها أي مجال للهدوء. أمسك بوجهها بين كفيه الدافئتين، ناثرًا دفئًا حقيقيًا وسط رجفة جسدها الباردة. * "هل مسكِ بسوء؟ هل أذاكِ أحد؟" سأل بصوت مبحوح، كانت نبرته مكسورة ومرعبة في نفس الوقت، محملة بخوف حقيقي جاهد طوال السنين لإخفائه. هزت ليان رأسها بالنفي ببطء شديد، ودموعها تفر من أعيناها دون إرادة منها، لتسقط على ظهر كفيه. * "أنا... أنا كنت خائفة..." قالت بصوت خافت متهدج، ووضعت يدها فوق يده الممسكة بوجهها، لتستمد منها بعض الثبات الذي فقدته. عندما شعر بانهيار دفاعاتها، لم يتحمل كايان أكثر من ذلك. جذبها إليه بقوة، وضمها إلى صدره بحنان جارف، دافنًا وجهه بين خصلات شعرها، وكأنه يحاول حمايتها من العالم بأسره داخل أضلعه. * "انتهى الأمر... لن يسمح أحد لأحد بأن يقترب منكِ مادمتُ تنفس." همست كلماته العميقة قرب أذنها، لتبث السكينة تدريجيًا في قلبها المرتجف. ظلا هكذا لعدة دقائق في منتصف الممر المظلم، بين جثث الحراس المتسللين، وكأن العالم الخيار بأسره قد اختفى ولم يبقَ سوى نبضات قلبيهما المتسارعة التي أصبحت تنبض بإيقاع واحد. أدركت ليان حينها، وسط رائحة الخطر وعنفوان الموقف، أنها لم تعد تلك الفتاة المستقلة التي تظن أنها تستطيع مواجهة العالم بمفردها؛ لقد أصبحت أسيرة طواعية لذلك الرجل الذي حول قسوته كلها إلى درع يحميها من الموت. ابتعد عنها كايان ببطء شديد، ورغم أن عينيه كانتا لا تزالان تحملان وميض القلق، إلا أنه استعاد جديته المعهودة. نظر إلى الجثث الملقاة على الأرض، ثم التفت إليها. * "لم يعد هذا القصر آمنًا. سيحاولون العودة بأعداد أكبر." قال بصوت حاسم. مسحت ليان دموعها بطرف كفها، وظهرت نظرة العناد والتحدي في عينيها من جديد رغم شحوب وجهها. * "إذن إلى أين سنذهب؟" نظر إليها كايان بابتسامة خفيفة، ساخرة ولكنها مليئة بالثقة العميقة: * "إلى حيث لا يستطيع الشيطان نفسه العثور علينا."كانت ساعات الليل المتأخرة تثقل بكاهلها على جدران القصر، وكأن الهواء نفسه قد تحول إلى كتلة من التوتر الصامت. في غرفتها، كانت ليان جالسة على حافة السرير، تضم ركبتيها إلى صدرها وتتأمل الظلال التي ترسمها أضواء الشارع الخافتة على الجدار. عقلها كان يغلي بالأفكار المتضاربة؛ كلمات كايان الأخيرة، الاعتراف المُرّ عن والدها، وتلك الحقيقة التي بدت وكأنها أفعوانية لا مفر من السقوط فيها. لم تستطع إغلاق عينيها، فكلما همّت بالاستغراق في النوم، تراءت لها نظراته الحادة وقربه الذي بعثر كل دفاعاتها."هل كان أبي يخفي عنا كل هذا حقاً؟" سألت نفسها بصوت خافت تهاوى في أركان الغرفة الواسعة. شعور بالغربة والخذلان كان يمزقها، لكن ما كان أسوأ من ذلك هو إدراكها المفاجئ بأن كايان لم يكن العدو، بل ربما كان الحصن الوحيد الباقي في وجه عاصفة توشك أن تبتلعها.في الجهة الأخرى من القصر، داخل مكتبه المظلم إلا من ضوء شاشة حاسوبه الخافت، كان كايان واقفًا أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، ممسكًا بكأس زجاجي يحتوي على مشروب لم يرتشف منه شيئًا. شعور غريب بالخطر كان يداهمه، حدس اعتاد عليه طوال سنوات صراع الدم والسلطة. وضع الكأس بعنف
ظلت ليان جالسة على طرف الأريكة الواسعة في الغرفة التي خصصها لها كايان، عيناها مسمرتان على النافذة الكبيرة التي تطل على الحديقة الخارجية المعتمة. لم تستطع النوم. كلما أغمضت عينيها، استرجعت ذلك القرب الخانق، وتلك الكلمات التي همس بها وكأنها تعويذة سحرية غيرت قواعد اللعبة بأكملها."لماذا تفعل هذا؟" سألت نفسها بصوت هامس تردد خافتًا في جدران الغرفة. لم تكن تشعر بالأمان، بل كانت تشعر بنوع غريب من الضياع. الرجل الذي كان يبدو لها قبل أيام مجرد متغطرس يملك سلطة بلا حدود، تحول فجأة إلى درع يحيط بها من خطر لم تكن تتخيل حجمه. لكن هذا الدرع كان خطيرًا بدوره؛ الاقتراب منه يعني الاحتراق، والابتعاد عنه يعني السقوط في مهب الهلاك.تنهدت بعمق، ونهضت من مكانها لتبدأ في التجول داخل الغرفة. كانت الغرفة مجهزة بكل وسائل الراحة، لكنها بدت لها وكأنها قفص ذهبي أنيق. لم تكن تحب القيود، طوال حياتها اعتادت أن تعتمد على نفسها، وأن تواجه مخاوفها بمفردها دون أن تتكئ على أحد. والآن، ها هي محتجزة في معقل الرجل الذي تعهدت بأن تكشف أسراره.فتحت باب الغرفة بحذر شديد، وخطت بخطوات خفيفة خارجة إلى الممر الطويل والمضاء بإضاءة
صُدى صوت الباب الحديدي الذي تهشم تحت قدمي كايان كان لا يزال يتردد في أرجاء المكان المظلم، كإعلان حرب صريح بينه وبين الماضي الذي عاد ليطاردهما. لم تكن المرة الأولى التي يقتحم فيها مكانًا خطيرًا، لكنها المرة الأولى التي تتسارع فيها أنفاسه بهذا الشكل الجنوني لمجرد أن فكرة إصابتها خطرت بباله.كانت ليان واقفة في منتصف الغرفة المهجورة، تحاول استيعاب ما حدث. الظلام الذي طبق على المكان بعد انقطاع التيار المفاجئ، وصوت خطوات الشخص الذي اختفى من النافذة المحطمة، كادا يفقدانها توازنها. ركبتها كانتا ترتجفان، لكنها حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تظهر تماسُّكها المعتاد.تقدم كايان بخطوات واسعة، ولم يمنحه الغضب الذي يعتليه فرصة للهدوء. مد يده وأمسك بكتفيها بقوة، ناثرًا دفئًا غريبًا وسط برودة الغرفة القاتلة. عيناه اللتان كانتا تشتعلان غضبًا، تحولتا تدريجيًا إلى نظرة مليئة بقلق عميق، قلق حاول طوال السنوات الماضية أن يدفنه تحت جبال من الجمود والقسوة.كايان بصوت خشن ومبحوح، تحشرجت فيه نبرة لم ترها من قبل: * "ألم أخبركِ بالابتعاد؟ ألم أقسم لكِ أنكِ ترمين بنفسكِ إلى الجحيم؟"رفعت ليان رأسها ببطء، ودموع الذع
خلف الأبواب المغلقةلم تكن كل الحروب تُخاض بالأسلحة...بعضها يبدأ بكلمة.وبعضها يبدأ بصورة قديمة تحمل سرًا دفنه الجميع منذ سنوات.---منذ آخر لقاء جمعها بكايان، لم تستطع ليان أن تتوقف عن التفكير.لم يكن أكثر ما أزعجها هو رفضه إعطاءها الإجابات...بل الطريقة التي كان يتصرف بها.كان يتحدث وكأنه يعرف شيئًا عنها أكثر مما تعرفه هي عن نفسها.وكأنه لا يحاول إخفاء الحقيقة فقط...بل يحاول حمايتها منها.وهذا الأمر كان يزعجها أكثر.جلست ليان أمام مكتبها، والصورة القديمة أمامها.الصورة التي وجدتها بين أغراض والدها.الصورة التي قادتها إلى كايان.مررت أصابعها على طرفها بحذر.كان والدها يبتسم فيها.وبجانبه رجل آخر.رجل لم تعرفه طوال حياتها.لكن كايان...عرفه.رأت ذلك في عينيه لحظة أخرجت الصورة أمامه.لم يكن وجهه يحمل الدهشة فقط.بل كان يحمل غضبًا قديمًا.حزنًا حاول إخفاءه.وضعت الصورة أمامها وهمست:ليان: "من أنت؟ ولماذا أخاف كايان عندما رآك؟"لم تحصل على إجابة.لكنها اتخذت قرارها.لن تنتظر حتى يقرر الآخرون إخبارها بالحقيقة.هذه المرة...ستبحث بنفسها.---في الجهة الأخرى من المدينة...كانت أجواء شركة
مرّت ثلاثة أيام منذ آخر مواجهة بين كايان وليان. ثلاثة أيام حاولت فيها ليان أن تقنع نفسها أنها لا تهتم بما قاله. لكن الحقيقة كانت عكس ذلك. كل كلمة قالها بقيت عالقة في عقلها. "ابتعدي عني وعن عالمي." لم تكن المشكلة في تحذيره... بل في الطريقة التي قالها بها. وكأنه يخفي خلف غضبه شيئًا أكبر. وضعت ليان الأوراق أمامها على الطاولة، ونظرت إليها بضيق. كانت تحاول البحث عن أي معلومة عن الماضي الذي يربط عائلتها بعائلة كايان. لكن كل الطرق كانت مغلقة. وكأن شخصًا ما تعمد محو كل شيء. ليان: "حسنًا يا كايان..." ابتسمت ابتسامة صغيرة. ليان: "إذا كنت تريد إخفاء الحقيقة، فسأجدها بنفسي." ــــــــــــــــــــــــــــ في نفس الوقت... داخل شركة "راي للاستثمارات". كان كايان يعقد اجتماعًا مع كبار رجاله. الجميع صامت. فالاجتماعات معه لم تكن عادية. كان يكفي أن يدخل حتى يتغير الجو بالكامل. أحد الرجال: "سيدي، وجدنا تحركات جديدة من الطرف الآخر." كايان: "راقبوهم فقط." الرجل: "لكن إذا كانوا يخططون للهجوم..." قاطعه كايان. كايان: "قلت راقبوا." لم يجرؤ أحد على الاعتراض.
كان الليل قد غطّى المدينة بالكامل، لكن مكتب كايان لم يعرف الهدوء. جلس خلف مكتبه، والملف القديم أمامه. لم يكن ينظر إلى الأوراق... بل إلى الصورة الموجودة في الصفحة الأخيرة. صورة ليان. الفتاة التي دخلت مكتبه منذ ساعات، وتحدثت معه وكأنها لا تعرف من هو. وهذا بالضبط ما أزعجه. فالجميع أمام كايان كانوا يحسبون كلماتهم. الجميع يخافون من نظرة واحدة منه. إلا هي. أمسك الملف وأغلقه بقوة. كايان: "لماذا الآن؟" لم يكن يسأل أحدًا. كان يسأل الماضي نفسه. فجأة، انفتح باب المكتب ودخل أحد رجاله بسرعة. الرجل: "سيدي." رفع كايان عينيه. كايان: "ما الأمر؟" وضع الرجل جهازًا لوحيًا أمامه. الرجل: "هناك أشخاص يراقبون الآنسة ليان." تغيرت نظرة كايان. كايان: "منذ متى؟" الرجل: "منذ خروجها من الشركة." ساد الصمت. ثم وقف كايان. الرجل: "هل تريد أن نتدخل؟" أخذ كايان سترته. كايان: "لا تقتربوا." تفاجأ الرجل. الرجل: "لكن سيدي..." قاطعه كايان بنظرة حادة. كايان: "قلت لا تقتربوا." ثم أضاف: كايان: "أريد أن أعرف من يقف خلفهم." ــــــــــــــــــــــــــــ في الجهة