مشاركة

الفصل 58

مؤلف: فتيحة
last update تاريخ النشر: 2026-08-02 07:42:51

رنّ المنبه قبل شروق الشمس بقليل.

فتحت أروى عينيها بسرعة.

اعتدلت جالسة على السرير، ثم بقيت لثوانٍ تنظر إلى الغرفة.

لم تعد تستيقظ على صوت الحارسات...

ولا على صرير الأبواب الحديدية.

بل على صوت منبه اختارت هي موعده.

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

كان هذا وحده كافيًا ليجعلها تشعر أن حياتها بدأت تتغير.

---

نهضت من سريرها.

وقفت أمام الخزانة.

اختارت ملابس بسيطة وأنيقة.

كانت تتأنى في ترتيبها، وكأنها تخشى أن تترك انطباعًا سيئًا في أول يوم.

وقفت أمام المرآة الصغيرة.

أصلحت خصلات شعرها.

ثم نظرت إلى انعكاسها طويلًا.

كانت ترى فتاة تختلف كثيرًا عن تلك التي دخلت السجن قبل ثلاث سنوات.

ملامحها أصبحت أكثر هدوءًا...

لكن الحزن ترك أثره في عينيها.

خفضت بصرها.

ثم التفتت نحو الصورة الموضوعة فوق الطاولة.

ابتسمت لعمها أسامة.

وقالت بصوت خافت:

ــ تمنَّ لي يومًا جيدًا... يا عمي.

أخذت حقيبتها.

وأغلقت الباب خلفها.

---

وصلت إلى متجر الملابس قبل الموعد بعشر دقائق.

وقفت أمام الواجهة الزجاجية.

أخذت نفسًا عميقًا.

ثم دخلت.

كانت صاحبة المتجر ترتب بعض الملابس.

ما إن رأت أروى حتى ابتسمت.

ــ صباح الخير.

ابتسمت أروى بأدب.

ــ صباح الخير.

قالت المرأة:

ــ أعجبتني دقتك في المواعيد.

هذا أمر أحبه.

شعرت أروى بشيء من الارتياح.

فابتسمت ابتسامة صادقة.

---

بدأت صاحبة المتجر تشرح لها طبيعة العمل.

كيف تُرتب الملابس.

وكيف تستقبل الزبائن.

وكيف تُعيد كل قطعة إلى مكانها بعد أن يشاهدها الزبون.

كانت أروى تستمع باهتمام.

وتحاول أن تحفظ كل كلمة.

كانت تخشى أن تنسى شيئًا.

أو أن تخطئ في أول يوم.

---

مرّت الساعات الأولى بهدوء.

دخل بعض الزبائن.

ساعدتهم أروى في العثور على المقاسات المناسبة.

وكانت تتحدث معهم بلطف واحترام.

راقبتها صاحبة المتجر من بعيد.

ثم ابتسمت لنفسها.

كانت ترى أن الفتاة خجولة...

لكنها تعرف كيف تُشعر الآخرين بالراحة.

---

اقترب وقت الظهيرة.

وبعد أن خفّ عدد الزبائن...

قالت صاحبة المتجر:

ــ تعالي يا أروى.

اقتربت منها.

ــ نعم؟

ابتسمت المرأة.

وأشارت إلى مجموعة من الملابس الموضوعة داخل سلة.

ــ قبل أن نعلق هذه القطع في المتجر...

يجب أن تُكوى أولًا.

ثم أشارت إلى غرفة صغيرة في آخر المتجر.

ــ المكواة هناك.

سننتهي منها بسرعة.

ابتسمت أروى.

ــ حسنًا.

حملت السلة بكل هدوء.

وسارت نحو الغرفة.

---

كانت الغرفة صغيرة.

في وسطها طاولة مخصصة للكي.

وفوقها...

مكواة بخارية.

وضعت أروى الملابس على الطاولة.

ثم مدت يدها نحو المكواة.

في البداية...

كان كل شيء طبيعيًا.

أمسكت بالمقبض.

وضغطت زر التشغيل.

وبعد ثوانٍ...

بدأ البخار الأبيض يتصاعد ببطء.

وفي اللحظة التي لامس فيها أنفها...

توقفت.

اختفت الغرفة من حولها.

واختفى المتجر.

ولم تعد ترى طاولة الكي...

بل رأت مكانًا آخر.

مكانًا تعرفه جيدًا...

مكانًا حاولت نسيانه مئات المرات.

تسارعت أنفاسها دون أن تشعر.

وشدت أصابعها بقوة حول المقبض.

بدأ قلبها يخفق بعنف.

شعرت بأن الهواء أصبح ثقيلًا.

وبأن الجدران تضيق عليها شيئًا فشيئًا.

سمعت في أعماق ذاكرتها...

صوت صراخ.

وصوت ضحكات ساخرة.

ورأت...

مكواة أخرى.

تقترب منها ببطء...

بينما كانت عاجزة عن الهرب.

ارتجفت يدها.

واتسعت عيناها بالرعب.

وهمست بصوت بالكاد خرج:

ــ لا...

لا...

تجمدت أروى في مكانها.

كانت تحدق في المكواة...

لكنها لم تعد تراها.

ما كانت تراه...

هو تلك الليلة.

الوجوه نفسها.

الضحكات القاسية.

وصوت روان وهي تقترب منها بخطوات بطيئة.

"ظننتِ أن أحدًا سينقذك؟"

ارتعش جسد أروى كله.

أصبحت أنفاسها متقطعة.

وشعرت بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها.

حاولت أن تخبر نفسها...

"أنتِ لستِ في السجن."

"هذا مجرد متجر."

"لن يؤذيك أحد."

لكن عقلها...

رفض أن يصدق.

كان الماضي أقوى من الحاضر.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 58

    رنّ المنبه قبل شروق الشمس بقليل. فتحت أروى عينيها بسرعة. اعتدلت جالسة على السرير، ثم بقيت لثوانٍ تنظر إلى الغرفة. لم تعد تستيقظ على صوت الحارسات... ولا على صرير الأبواب الحديدية. بل على صوت منبه اختارت هي موعده. ابتسمت ابتسامة خفيفة. كان هذا وحده كافيًا ليجعلها تشعر أن حياتها بدأت تتغير. --- نهضت من سريرها. وقفت أمام الخزانة. اختارت ملابس بسيطة وأنيقة. كانت تتأنى في ترتيبها، وكأنها تخشى أن تترك انطباعًا سيئًا في أول يوم. وقفت أمام المرآة الصغيرة. أصلحت خصلات شعرها. ثم نظرت إلى انعكاسها طويلًا. كانت ترى فتاة تختلف كثيرًا عن تلك التي دخلت السجن قبل ثلاث سنوات. ملامحها أصبحت أكثر هدوءًا... لكن الحزن ترك أثره في عينيها. خفضت بصرها. ثم التفتت نحو الصورة الموضوعة فوق الطاولة. ابتسمت لعمها أسامة. وقالت بصوت خافت: ــ تمنَّ لي يومًا جيدًا... يا عمي. أخذت حقيبتها. وأغلقت الباب خلفها. --- وصلت إلى متجر الملابس قبل الموعد بعشر دقائق. وقفت أمام الواجهة الزجاجية. أخذت نفسًا عميقًا. ثم دخلت. كانت صاحبة المتجر ترتب بعض الملابس. ما إن رأت أروى حتى ابتسمت. ــ صباح الخي

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 57

    استيقظت أروى مع أول خيط من ضوء الصباح. فتحت عينيها بسرعة. وبقيت للحظات تنظر إلى سقف الغرفة. كان الهدوء يحيط بالمكان. لا صوت لخطوات الحارسات. ولا صوت لفتح الأبواب الحديدية. ولا نداء يعلن بداية يوم جديد. أغمضت عينيها مرة أخرى. ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة. لقد احتاج عقلها إلى لحظات... ليتذكر أنها لم تعد في السجن. نهضت من سريرها. فتحت النافذة. اندفع هواء الصباح إلى داخل الغرفة. وأخذت تتأمل الشارع. كان الناس يخرجون إلى أعمالهم. والطلاب يحملون حقائبهم. والحياة تسير كعادتها. أما هي... فكانت تبدأ حياتها من جديد. بعد أن رتبت الغرفة... فتحت الخزانة. بدأت تخرج ملابسها التي أحضرها مالك من منزل عمها. كانت تطويها بعناية. توقفت عندما وقعت يدها على صورة قديمة. كانت تجمعها مع عمها أسامة. التقطتها برفق. وظلت تنظر إليها طويلًا. ابتسمت بحزن. ثم وضعتها فوق الطاولة الصغيرة بجانب السرير. وقالت بصوت خافت: ــ صباح الخير... يا عمي. في وقت الظهيرة... ارتدت ملابس بسيطة وأنيقة. أخذت ملفها الذي جهزه لها مالك. ثم خرجت من الغرفة. كانت هذه أول مرة تخرج فيها بحثًا عن مستقبلها... لا بح

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 56

    ساد الصمت داخل الغرفة. لم يكن صمتًا محرجًا... بل صمتًا مليئًا بالمشاعر التي عجزت الكلمات عن وصفها. أخذت أروى تدور ببطء داخل الغرفة. لم تكن تنظر إلى الأثاث... بل كانت تتخيل حياتها القادمة. ذلك السرير... ستنام عليه دون أن تسمع صوت إغلاق باب حديدي. وتلك النافذة... ستفتحها متى شاءت. وستغلقها متى شاءت. ابتسمت دون أن تشعر. --- قطع مالك الصمت وهو يخرج ظرفًا صغيرًا من حقيبته. مده إليها. وقال: ــ هذا لك. نظرت إليه باستغراب. ــ ما هذا؟ ــ بعض الأوراق الخاصة بالغرفة... وعقد الإيجار. ومفتاح احتياطي. أخذت الظرف. ثم سألته: ــ هل العقد باسمي؟ ابتسم. ــ بالطبع. أردت أن تشعري منذ اليوم الأول... أن هذا المكان ملك لقرارك أنت، وليس لأحد غيرك. شعرت أروى بغصة في حلقها. ثم قالت: ــ شكرًا. --- اقترب مالك من الباب. ثم توقف. وقال: ــ الثلاجة فيها بعض الطعام. ليس كثيرًا... لكنه يكفي اليومين الأولين. نظرت إليه أروى بسرعة. وقالت: ــ ألم أقل لك ألا تتكلف؟ ابتسم وقال: ــ أعرف. ولهذا اشتريت أشياء بسيطة فقط. خبز... حليب... بيض... وشيئًا من الشاي والسكر. أشياء كنت ستشت

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 55

    غادرت السيارة الشارع الرئيسي... لتدخل حيًا شعبيًا هادئًا. لم يكن يشبه الأحياء الراقية التي تنتشر فيها المباني الفخمة... ولا الأحياء العشوائية المزدحمة. بل كان حيًا بسيطًا. مبانٍ قديمة... وشرفات تتدلى منها أواني الزهور. وأطفال يركضون بين الأزقة الضيقة. وباعة يعرف بعضهم بعضًا بالاسم. أبطأ مالك سرعة السيارة. ثم قال وهو ينظر أمامه: ــ وصلنا. رفعت أروى رأسها. وأخذت تتأمل المكان. ابتسمت ابتسامة خفيفة. وقالت: ــ يذكرني بالحي الذي كنت أعيش فيه مع عمي. نظر إليها مالك. ثم قال: ــ لهذا اخترته. التفتت إليه باستغراب. ــ لهذا السبب؟ ابتسم. ــ كنت أبحث عن مكان تشعرين فيه بالألفة... لا بالغربة. أخفضت أروى رأسها. ولم تقل شيئًا. لكنها شعرت بالامتنان. توقفت السيارة أمام مبنى مكون من ثلاثة طوابق. لم يكن جديدًا. لكن مظهره كان مرتبًا. نزل مالك أولًا. ثم فتح الباب لها. خرجت أروى. ورفعت بصرها نحو المبنى. وقفت للحظات... وكأنها تحاول إقناع نفسها... أن هذا المكان سيكون عنوانها الجديد. قال مالك: ــ في الطابق الثاني. أومأت برأسها. ثم تبعته. صعدا الدرج ببطء. كان المكان ه

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 54

    ــ ساد الصمت طوال الطريق.ــ لم يكن صمتًا محرجًا...ــ بل صمتًا يعرف كل واحد منهما سببه.ــ كانت أروى تحدق عبر نافذة السيارة.أما مالك...ــ فترك لها مساحة لتعيش تلك اللحظات كما تشاء.ــ ــ ــ بعد دقائق...ــ توقفت السيارة أمام المقبرة.ــ أطفأ مالك المحرك.ــ ثم التفت إليها.ــ وقال بهدوء:ــ سأنتظرك هنا.هزت أروى رأسها.ــ شكرًا.ترجلت من السيارة.ــ وأغلقت الباب خلفها برفق.ــ ثم اتجهت نحو الداخل بخطوات مترددة.---ــ كانت المقبرة هادئة.لا يسمع فيها إلا صوت الريح وهي تحرك أوراق الأشجار.سألت أحد العاملين عن مكان قبر هبة.ــ فأشار لها إلى الاتجاه.شكرته...ــ ثم تابعت السير.---بعد لحظات...وقفت أمام شاهد القبر.خفضت رأسها.وبقيت صامتة.ــ لم تكن تعرف ماذا تقول.ولا من أين تبدأ.مرت ثوانٍ طويلة...قبل أن تتمكن من الكلام.قالت بصوت متهدج:ــ مرحبًا...يا هبة.أنا...أروى.الاسم الذي ارتبط بآخر لحظة من حياتك.توقفت.وأغمضت عينيها.ثم أكملت:ــ لا أعرف كم مرة اعتذرت لك في قلبي...ولا أعرف إن كان اعتذاري يغير شيئًا.ــ لكنه كل ما أملكه.فتحت حقيبتها الصغيرة.ــ وأخرجت باقة زهور بيضاء

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 53

    أغلقت السيارة بابها بهدوء.جلس مالك خلف المقود.بينما بقيت أروى تنظر عبر النافذة دون أن تنطق بكلمة.لم تكن المدينة كما تركتها.أو ربما...هي التي لم تعد كما كانت.كانت السيارات تمر بسرعة.والمارة يعبرون الأرصفة.وأصوات الباعة تملأ الشوارع.كل شيء يتحرك...وكأن السنوات الثلاث لم تمر إلا عليها وحدها.مر طفل يركض خلف كرة صغيرة.فضحك بصوت عالٍ.التفتت أروى إليه دون شعور.وبقيت تتابعه بعينيها حتى اختفى.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ثم همست:ــ نسيت... كم كانت الحياة صاخبة.نظر إليها مالك مبتسمًا.وقال:ــ الحياة لم تتوقف يومًا...لكنها كانت تنتظرك لتعودي إليها.لم تجبه.واكتفت بالنظر من جديد إلى الشوارع.بعد دقائق...قطع مالك الصمت.ــ هل نذهب إلى الغرفة أولًا؟أدارت أروى وجهها نحوه.ثم هزت رأسها بالنفي.ــ لا...استغرب.ــ إلى أين إذًا؟أخفضت بصرها.وقالت بصوت خافت:ــ أريد أن أزور عمي.ساد الصمت داخل السيارة.ثم أومأ مالك برأسه.دون أن يسأل شيئًا.غيّر اتجاه السيارة...وانطلقت نحو المقبرة.طوال الطريق...لم تتبادل أروى ومالك سوى كلمات قليلة.كانت أروى تنظر من النافذة.تمر أمامها أماكن تعرفها.م

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status