Share

الفصل 59

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-08-03 08:57:31

ازدادت رجفة يدها.

ولم تعد قادرة على الإمساك بالمكواة.

انزلقت من بين أصابعها.

وسقطت على الأرض بصوت مرتفع.

تراجعت أروى إلى الخلف بسرعة.

حتى اصطدم ظهرها بالجدار.

وضعت يدها على صدرها.

وهي تحاول التقاط أنفاسها.

لكنها لم تستطع.

كان الهواء يهرب منها.

وكأن شيئًا يخنقها.

---

سمعت صاحبة المتجر صوت سقوط المكواة.

فأسرعت إلى الغرفة.

وتبعتها إحدى العاملات.

توقفتا بدهشة.

كانت أروى شاحبة الوجه.

وترتعش من رأسها حتى قدميها.

حدقت صاحبة المتجر فيها بقلق.

وقالت:

ــ أروى!

ما الذي حدث؟

لم تستطع أروى الإجابة.

كانت تنظر إلى المكواة الملقاة على الأرض...

وكأنها وحش يوشك أن ينقض عليها.

اقتربت صاحبة المتجر منها بحذر.

وقالت بلطف:

ــ اهدئي...

لا بأس.

رفعت أروى عينيها إليها.

كانت الدموع قد امتلأت بهما.

وقالت بصوت مكسور:

ــ أنا...

أنا آسفة...

آسفة جدًا...

---

ساعدتها صاحبة المتجر على الجلوس.

وأحضرت لها كوبًا من الماء.

بقيت أروى تمسك الكوب بكلتا يديها.

لكن يديها كانتا ترتجفان بشدة.

حتى إن الماء أخذ يهتز داخله.

سألتها المرأة بهدوء:

ــ هل تشعرين بألم؟

هزت أروى رأسها.

ــ لا...

ثم صمتت لحظة.

وأضافت:

ــ لكن...

لا أستطيع.

نظرت إليها المرأة باستغراب.

ــ لا تستطيعين ماذا؟

خفضت أروى رأسها.

وقالت بصعوبة:

ــ لا أستطيع الاقتراب من المكواة.

ساد الصمت.

لم تسألها المرأة عن السبب.

كانت تشعر أن خلف تلك الكلمات...

جرحًا كبيرًا.

أكبر من أن يُحكى.

---

مرت دقائق...

حتى استعادت أروى هدوءها قليلًا.

وقفت.

ثم انحنت برأسها في خجل.

وقالت:

ــ أعتذر...

لقد سببت لكم الإزعاج في أول يوم.

ابتسمت صاحبة المتجر ابتسامة حزينة.

وقالت:

ــ لم تسببي إزعاجًا.

لكن...

العمل هنا يتطلب أن يقوم الجميع بكل المهام.

ترتيب الملابس...

واستقبال الزبائن...

وكيّ القطع الجديدة.

أطرقت أروى رأسها.

كانت تعرف ما ستقوله قبل أن تنطق به.

وقالت بصوت خافت:

ــ أفهم...

---

اقتربت منها صاحبة المتجر.

وقالت بأسف صادق:

ــ كنت أتمنى أن تنجحي معنا.

لكنني لا أستطيع استثناء أحد من العمل.

أومأت أروى برأسها.

لم تغضب.

ولم تحاول الدفاع عن نفسها.

كانت تشعر أن الخطأ ليس خطأ أحد.

بل هو شيء يسكن داخلها...

ويرفض أن يرحل.

ابتسمت رغم الألم.

وقالت:

ــ أشكرك...

لأنك منحتني فرصة.

وأعتذر...

لأنني لم أستطع إكمالها.

---

خرجت من المتجر.

وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

وقفت على الرصيف.

كانت السيارات تمر أمامها.

والناس يواصلون يومهم كالمعتاد.

أما هي...

فشعرت أن الأرض أصبحت أثقل تحت قدميها.

رفعت يدها ببطء.

ونظرت إلى الندبة القديمة التي تركتها المكواة على جلدها.

مررت أصابعها عليها برفق.

وهمست:

ــ ظننت...

أنها شفيت.

أغلقت يدها فوق الندبة.

ثم أغمضت عينيها.

وأدركت للمرة الأولى...

أن بعض الجروح لا تؤلم الجسد فقط.

بل تظل تسكن الروح...

حتى بعد أن تلتئم آثارها.

تنهدت ببطء.

ومسحت دموعها.

ثم رفعت رأسها.

وقالت لنفسها بصوت ثابت، رغم الانكسار:

ــ سأبكي اليوم...

لكنني...

سأبحث عن عملٍ آخر غدًا.

ثم بدأت تمشي.

بخطوات متعبة...

لكنها لم تتوقف.

مرّ أسبوع آخر...

ــ وأروى ما تزال تبدأ كل صباح بالأمل...

ــ وتنهيه بخيبة جديدة.

ــ كانت تخرج من غرفتها مع أول ضوء للشمس.

ــ وتعود إليها مع غروبها.

تحمل الملف نفسه...

ــ وتسمع الكلمات نفسها.

"سنحتفظ بسيرتك الذاتية."

"إذا توفرت فرصة سنتواصل معك."

ــ "نعتذر... لا نستطيع توظيف من لديه سابقة جنائية."

ومع كل يوم...

ــ كانت تشعر أن الطريق يزداد طولًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 63

    في صباح اليوم التالي... استيقظت أروى قبل شروق الشمس. لكن هذه المرة... لم يكن القلق هو أول ما شعرت به. بل الحماس. ابتسمت وهي تنظر إلى البطاقة الصغيرة التي وضعتها فوق الطاولة. بطاقة تحمل اسمها... واسم الشركة. كانت تلتقطها كل بضع دقائق، وكأنها تخشى أن يكون ما حدث بالأمس مجرد حلم. تناولتها مرة أخرى. مررت إصبعها على اسمها المكتوب أسفل الصورة. ثم ابتسمت. وقالت لنفسها: ــ أخيرًا... أصبحت أملك مكانًا أنتمي إليه. --- بعد أن أنهت استعدادها... خرجت من الغرفة متجهة إلى الشركة. كانت خطواتها أخف من الأيام الماضية. حتى الهواء... بدا مختلفًا. --- وصلت إلى الشركة قبل الموعد بدقائق. رحبت بها موظفة الاستقبال بابتسامة. وقالت: ــ صباح الخير يا آنسة أروى. ابتسمت أروى. شعرت بسعادة غريبة. أن يناديها أحد باسمها... وكأنها أصبحت جزءًا من المكان. لم تنتظر طويلًا. فقد وصل سمير بعد دقائق. ابتسم عندما رآها. وقال: ــ يبدو أنك تحبين الوصول مبكرًا. ضحكت أروى بخجل. ــ أخشى التأخر في أول يوم. ابتسم. ــ هذه عادة جيدة. هيا... سننهي الإجراءات. --- تنقلت معه بين عدة مكاتب. وقعت عق

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 62

    ساد الصمت داخل المكتب.بقيت أروى تحدق في الملف المفتوح أمام الأستاذ فؤاد.شعرت أن الكلمات تجمدت في حلقها.كم مرة وقفت أمام هذا السؤال؟وكم مرة كانت الإجابة نفسها...سببًا في إغلاق الباب بوجهها.خفضت رأسها قليلًا.ثم رفعت عينيها من جديد.كانت تستطيع أن تكذب.أن تقول إنها سافرت.أو أنها مرضت.أو أي عذر آخر.لكنها لم تعد تريد أن تبدأ حياتها الجديدة بكذبة.أخذت نفسًا عميقًا.ثم قالت بهدوء:ــ كنت...في السجن.لم يتغير وجه الأستاذ فؤاد كثيرًا.لكنه بقي صامتًا.فأكملت أروى بصوت ثابت، رغم الألم الذي كانت تشعر به:ــ خرجت منذ فترة قصيرة.ولا أريد أن أخفي ذلك.لأن الحقيقة ستظهر يومًا ما.وأفضل أن تعرفوها مني...لا من غيري.أغلق الرجل الملف بهدوء.ثم شبك أصابعه فوق المكتب.وقال:ــ أشكرك على صراحتك.ابتلعت أروى ريقها.كانت تعرف هذه العبارة.سمعتها مرات كثيرة.وغالبًا...كانت الجملة التي تسبق الرفض.---قال الأستاذ فؤاد:ــ لن أسألك عن سبب دخولك السجن.فهذا أمر يخصك.لكن...هل ترين أنك قادرة على العودة إلى بيئة العمل؟رفعت أروى رأسها مباشرة.وقالت بثقة:ــ نعم.قد أحتاج إلى الوقت...لكنني لن أحت

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 61

    لاحظ سمير الملف الذي كانت تضمه إلى صدرها. فسألها: ــ يبدو أنك خرجت من أجل أمر مهم. نظرت أروى إلى الملف. ثم ابتسمت ابتسامة باهتة. ــ في الحقيقة... كنت أبحث عنك. ارتفع حاجباه باستغراب. ــ عني أنا؟ أومأت برأسها. ــ منذ خروجي وأنا أبحث عن عمل. طرقت أبوابًا كثيرة... لكن دون جدوى. ثم تذكرت أنك تعمل هنا. فقلت... ربما تعرف مكانًا يحتاج إلى موظفين. أو تستطيع أن ترشدني إلى شركة أقدم إليها. ظل سمير صامتًا للحظة. ثم قال مبتسمًا: ــ وهل جئت لتسألي عن عمل في شركة أخرى... وتركتِ هذه الشركة؟ نظرت إليه بعدم فهم. فابتسم وقال: ــ لدينا شواغر فعلًا. اتسعت عينا أروى. ــ حقًا؟ ــ نعم. ليست كثيرة... لكنني أستطيع أن أتحدث مع الإدارة. بدت الدهشة واضحة على وجهها. وقالت بسرعة: ــ لكن... لا أريد أن أسبب لك أي إحراج. ابتسم سمير. ــ أي إحراج؟ أنت لا تطلبين معروفًا. إذا كانت هناك وظيفة تناسبك، فمن حقك أن تتقدمي لها مثل أي شخص. شعرت أروى بأن ثقلًا كبيرًا انزاح عن صدرها. ولأول مرة منذ أسابيع... عاد الأمل إلى عينيها. قال سمير: ــ أحضري أوراقك غدًا صباحًا. وسأرتب لك مقابلة مع ا

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 60

    كانت تخفي كل ذلك عن مالك. كلما اتصل ليطمئن عليها... كانت تقول بابتسامة هادئة: ــ لا تقلق... ما زلت أبحث. ولم يكن يشك في شيء. أما هي... فلم تكن تريد أن تزيد همومه. كان قد فعل من أجلها أكثر مما تتخيل. ولم ترد أن يشعر بأنه مسؤول عن حياتها. --- في مساء أحد الأيام... جلست وحدها داخل غرفتها. وضعت ما تبقى من نقودها فوق الطاولة. بدأت تعدها ببطء. ثم أعادتها إلى حقيبتها. تنهدت طويلًا. وقالت لنفسها: ــ لا يمكنني الاستمرار هكذا. ظلّت تحدق في الفراغ. تحاول أن تجد أي حل. وفجأة... خطر اسم في ذهنها. سمير. بقيت صامتة للحظات. ثم همست: ــ صحيح... إنه يعمل في شركة كبيرة. ربما... يعرف مكانًا يحتاج إلى موظفين. لم تكن تنوي أن تطلب منه مالًا. ولا أن تعتمد عليه. كل ما أرادته... هو أن يدلها على فرصة عمل. --- في صباح اليوم التالي... ارتدت ملابسها. أخذت ملفها. وغادرت الغرفة. بعد رحلة قصيرة... وقفت أمام مبنى زجاجي ضخم. كان أعلى بكثير من كل المباني المحيطة به. تأملت الواجهة اللامعة. ثم قالت في نفسها: ــ لعلها تكون بداية جديدة. دخلت إلى الداخل. كان المكان واسعًا. ومزد

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 59

    ازدادت رجفة يدها. ولم تعد قادرة على الإمساك بالمكواة. انزلقت من بين أصابعها. وسقطت على الأرض بصوت مرتفع. تراجعت أروى إلى الخلف بسرعة. حتى اصطدم ظهرها بالجدار. وضعت يدها على صدرها. وهي تحاول التقاط أنفاسها. لكنها لم تستطع. كان الهواء يهرب منها. وكأن شيئًا يخنقها. --- سمعت صاحبة المتجر صوت سقوط المكواة. فأسرعت إلى الغرفة. وتبعتها إحدى العاملات. توقفتا بدهشة. كانت أروى شاحبة الوجه. وترتعش من رأسها حتى قدميها. حدقت صاحبة المتجر فيها بقلق. وقالت: ــ أروى! ما الذي حدث؟ لم تستطع أروى الإجابة. كانت تنظر إلى المكواة الملقاة على الأرض... وكأنها وحش يوشك أن ينقض عليها. اقتربت صاحبة المتجر منها بحذر. وقالت بلطف: ــ اهدئي... لا بأس. رفعت أروى عينيها إليها. كانت الدموع قد امتلأت بهما. وقالت بصوت مكسور: ــ أنا... أنا آسفة... آسفة جدًا... --- ساعدتها صاحبة المتجر على الجلوس. وأحضرت لها كوبًا من الماء. بقيت أروى تمسك الكوب بكلتا يديها. لكن يديها كانتا ترتجفان بشدة. حتى إن الماء أخذ يهتز داخله. سألتها المرأة بهدوء: ــ

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 58

    رنّ المنبه قبل شروق الشمس بقليل. فتحت أروى عينيها بسرعة. اعتدلت جالسة على السرير، ثم بقيت لثوانٍ تنظر إلى الغرفة. لم تعد تستيقظ على صوت الحارسات... ولا على صرير الأبواب الحديدية. بل على صوت منبه اختارت هي موعده. ابتسمت ابتسامة خفيفة. كان هذا وحده كافيًا ليجعلها تشعر أن حياتها بدأت تتغير. --- نهضت من سريرها. وقفت أمام الخزانة. اختارت ملابس بسيطة وأنيقة. كانت تتأنى في ترتيبها، وكأنها تخشى أن تترك انطباعًا سيئًا في أول يوم. وقفت أمام المرآة الصغيرة. أصلحت خصلات شعرها. ثم نظرت إلى انعكاسها طويلًا. كانت ترى فتاة تختلف كثيرًا عن تلك التي دخلت السجن قبل ثلاث سنوات. ملامحها أصبحت أكثر هدوءًا... لكن الحزن ترك أثره في عينيها. خفضت بصرها. ثم التفتت نحو الصورة الموضوعة فوق الطاولة. ابتسمت لعمها أسامة. وقالت بصوت خافت: ــ تمنَّ لي يومًا جيدًا... يا عمي. أخذت حقيبتها. وأغلقت الباب خلفها. --- وصلت إلى متجر الملابس قبل الموعد بعشر دقائق. وقفت أمام الواجهة الزجاجية. أخذت نفسًا عميقًا. ثم دخلت. كانت صاحبة المتجر ترتب بعض الملابس. ما إن رأت أروى حتى ابتسمت. ــ صباح الخي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status