로그인توقفت سيارة الترحيلات أمام بوابة السجن.
رفعت أروى رأسها ببطء. كان السور الإسمنتي العالي يمتد أمامها كأنه لا نهاية له. وفوقه أسلاك شائكة التفت حول الجدران كأنها تمنع حتى الأمل من العبور. ترجل أحد الحراس. ثم فتح الباب الخلفي. ــ انزلي. وضعت أروى قدميها على الأرض. تقدمت بخطوات ثقيلة. وكلما اقتربت من البوابة... ازداد خفقان قلبها. توقفت للحظة. نظرت إلى الباب الحديدي الضخم. ثم... انهمرت دموعها لأول مرة منذ تلك الليلة. لم تحاول أن تمسحها. تركتها تنساب فوق وجنتيها بصمت. سمعت صوت احتكاك الحديد... ثم بدأ الباب يُفتح ببطء. كان صوته حادًا... وكأنه يعلن انتهاء حياة... وبداية أخرى. دخلت أروى. وما إن عبرت البوابة... حتى أُغلق الباب خلفها بقوة. ارتجف جسدها. وشعرت أن العالم كله... بقي خارج ذلك الباب. اقتادتها إحدى السجانات إلى قسم الاستقبال. طُلب منها تسليم أغراضها الشخصية. خلعت ساعتها. وسلمت حقيبتها. ثم سجلت الموظفة بياناتها. رفعت رأسها وقالت بلهجة عملية: ــ الاسم؟ ــ أروى الحازمي. ــ العمر؟ ــ ثلاثة وعشرون عامًا. كتبت الموظفة البيانات. ثم أخذت بصماتها. والتقطت لها صورة خاصة بملف السجن. بعدها سلمتها ملابس السجن. وأشارت إليها أن تتبع إحدى السجانات. سارت أروى بصمت. لم تعد تسمع سوى وقع خطواتها. ولا ترى سوى الجدران الرمادية الممتدة أمامها. توقفت السجانة أمام باب العنبر. أخرجت المفتاح. وأدارت القفل. ثم دفعت الباب. دخلت أروى ببطء.فتحت السجانة باب الزنزانة. رفعت أروى رأسها ببطء. كانت الزنزانة صغيرة... تضم أربعة أسرة حديدية متقابلة. وعلى ثلاثة منها جلست سجينات يراقبن الوافدة الجديدة بصمت. ساد المكان هدوء ثقيل. قبل أن تقول إحداهن وهي تتأمل أروى: ــ يبدو أنها جديدة. ابتسمت الثانية بسخرية. ــ واضحة... ما زالت الصدمة على وجهها. وقبل أن تكمل الثالثة حديثها... قالت السجينة الأكبر سنًا بنبرة هادئة: ــ اتركوها... فهذا يومها الأول. نظرت إليها السجينتان الأخريان، ثم التزمتا الصمت. اقتربت السجانة من أحد الأسرة وقالت: ــ هذا سريرك. لم تعترض إحداهن. وعاد الهدوء إلى الزنزانة أشارت السجانة إلى سرير في زاوية الغرفة. ــ هذا مكانك. وضعت أروى ما بيدها فوق السرير. وجلست ببطء. ثم انصرفت السجانة. وأُغلق الباب من جديد. لف المكان صمت ثقيل. كانت أروى تحدق في الأرض. ثم رفعت رأسها قليلًا. تنقلت بعينيها بين الجدران... والأسرة الحديدية... والنافذة الصغيرة التي بالكاد تسمح بدخول خيط من الضوء. شعرت بضيق في صدرها. وحاولت أن تمنع دموعها. لكنها فشلت. جلست تضم ركبتيها إلى صدرها. واستسلمت لأفكارها. بدأت صور الأيام الماضية تمر أمام عينيها. المطر... صوت الاصطدام... هبة الملقاة على الأرض... غرفة التحقيق... المحكمة... ووجه عمها وهو يبتسم لها رغم ألمه. تنهدت ببطء. وأغلقت عينيها. لم تكن تعرف كم مضى من الوقت. لكنها عندما فتحتهما... وقعت عيناها على المصحف الصغير الذي أعطاها إياه عمها قبل ساعات. مدت يدها إليه. احتضنته بين كفيها. ثم فتحته ببطء. وفجأة... انزلقت منه ورقة صغيرة. توقفت. التقطتها بيد مرتجفة. وعرفت خط عمها من أول نظرة. فتحتها ببطء. وجاء فيها: "ابنتي أروى... إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنك بدأتِ أصعب مرحلة في حياتك. قد تُغلق الأبواب في وجهك، وقد يظن الناس أن حياتك انتهت، لكن لا تسمحي لأحد أن يقنعك بذلك. السجن يحبس الجسد... لكنه لا يستطيع أن يحبس القلب، ولا الأخلاق، ولا الكرامة. تذكري دائمًا أن الله لا يضيع الصابرين، وأن بعد كل ضيق فرجًا، حتى لو تأخر. وأيًا حدث... ستبقين ابنتي التي أفخر بها. عمك." ارتجفت يداها. وضمت الرسالة إلى صدرها. ثم... انهمرت دموعها بصمت. ولأول مرة منذ أن أُغلق ذلك الباب الحديدي خلفها... شعرت أنها لم تفقد حريتها فقط... بل تركت حياتها كلها... خلف ذلك الباب.. أريد أن أكون إلى جانبها. هز مالك رأسه. ــ ستكون سعيدة برؤيتك. لكنها ما زالت ضعيفة. ابتسمت أروى ابتسامة باهتة. ثم قالت: ــ لا تخبرها بقرار خروجي. نظر إليها باستغراب. ــ لماذا؟ أجابت وهي تنظر إلى الورقة بين يديها: ــ أريد أن أفاجئها. أريد أن تراني أمامها... لا أن تسمع الخبر فقط. ابتسم مالك لأول مرة منذ بداية الحديث. وقال: ــ أظن أنها ستكون أجمل مفاجأة يمكن أن تتلقاها. انتهى وقت الزيارة. وقفت أروى ببطء. كانت ما تزال تضم الورقة إلى صدرها. وكأنها تخشى أن تُنتزع منها. قال مالك قبل أن تغادر: ــ شهر واحد فقط... وسأكون في انتظارك خارج هذه الأبواب. نظرت إليه أروى. ثم قالت بهدوء: ــ شكرًا... على كل شيء. لم تجب بكلمات كثيرة. لكن مالك فهم... أن تلك الكلمتين حملتا امتنان ثلاث سنوات كاملة. عادت أروى إلى الزنزانة. كانت خطواتها أبطأ من المعتاد. فتحت الحارسة الباب. ودخلت. رفعت هناء رأسها فورًا. ثم قالت مبتسمة: ــ تأخرتِ اليوم. هل أطال الأستاذ مالك الحديث؟ لم تجب أروى. بقيت واقفة عند الباب. تنظر إلى صديقتيها. اقتربت منها سلمى. وقالت بقلق: ــ أروى... هل حدث
وكانت أروى تمارس حياتها داخل السجن كما اعتادت خلال السنوات الثلاث الماضية. تستيقظ مع بزوغ الفجر. ترتب فراشها. تتجه إلى ورشة العمل. ثم تعود إلى زنزانتها مع نهاية اليوم. لم تعد تنتظر شيئًا. ولم تعد تحلم بشيء. كانت تعيش يومها... ثم تتركه يرحل كما رحلت الأيام التي سبقته. في ذلك الصباح... توقفت إحدى الحارسات أمام باب الزنزانة. ونادت بصوت هادئ: ــ أروى الحازمي. رفعت أروى رأسها. ــ نعم؟ ــ لديك زيارة. تبادلت النظرات مع هناء. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. وقالت: ــ لا بد أنه مالك. بعد دقائق... دخلت غرفة الزيارات. كان مالك يجلس في مكانه المعتاد. لكن شيئًا فيه بدا مختلفًا. لم تكن ملامحه مثقلة بالحزن كما اعتادت. بل كان هناك هدوء... وشيء يشبه الراحة. جلست أمامه. وظلت تنظر إليه لثوانٍ. ثم قالت: ــ هناك شيء تغير. رفع مالك حاجبيه مبتسمًا. ــ ماذا تقصدين؟ أجابته وهي تراقب وجهه: ــ منذ سنوات... وأنت تأتي إلي بالوجه نفسه. أما اليوم... فكأن لديك خبرًا تخفيه. ابتسم مالك. ابتسامة حقيقية... لم ترها أروى على وجهه منذ وفاة أسامة. شعرت بأن قلبها بدأ يخفق بسرعة. وقالت: ــ
ثلاث سنوات... وبصيص أمل مرت ثلاث سنوات... ثلاث سنوات كاملة منذ أُغلقت أبواب السجن خلف أروى الحازمي. ثلاث سنوات... كانت كافية لتغير ملامح إنسانة بأكملها. لم يعد الزمن يعني لها شيئًا. لم تعد تعد الأيام كما كانت في البداية. فقد أدركت أن الانتظار... لا يجعل الوقت يمر أسرع. كانت أروى تقف في ورشة العمل. تخيط قطعة قماش بهدوء. تحرك الإبرة بخبرة اكتسبتها خلال السنوات الماضية. لم تعد السجينة الجديدة التي ترتبك من أبسط الأمور. بل أصبحت من أكثر السجينات انضباطًا. وكانت تساعد كل سجينة جديدة تدخل الورشة. دون أن تنتظر شكرًا من أحد. همست إحدى السجينات الجديدات لهناء: ــ أهي دائمًا هكذا؟ ابتسمت هناء بحزن. وقالت: ــ لا... لم تكن هكذا يوم عرفتها. كانت تبتسم كثيرًا. وتضحك من قلبها. وتتشاجر معي على أتفه الأسباب. ثم نظرت إلى أروى. وأضافت: ــ لكن الحياة... تستطيع أن تغير الإنسان أكثر مما نتخيل. رفعت أروى رأسها. ابتسمت ابتسامة خفيفة لهناء. ثم عادت إلى عملها. كانت قد سمعت كل شيء. لكنها لم تعلق. أما خارج السجن... فكانت نوال الحازمي لا تزال تتلقى العلاج. تحسنت حالتها قليلًا.
عامٌ سرق ما تبقى مر عام... لكنه لم يكن عامًا عاديًا. في السجن... لا تُقاس السنوات بعدد الأيام. بل بما تنتزعه من الإنسان. هناك... يمر الوقت ببطء شديد. لكن عندما ينظر المرء إلى الوراء... يكتشف أن الزمن سرق منه أشياءً كثيرة دون أن يشعر. مر عام على وفاة أسامة الحازمي. عام كامل... لم تخرج فيه أروى من أسوار السجن إلا في أحلامها. وعام آخر... لم تسمع فيه كلمة "عمي" إلا داخل قلبها. كانت ترددها أحيانًا... ثم تتذكر أنه لن يجيبها مرة أخرى. تغيرت أروى كثيرًا. لم تعد تلك الفتاة التي كانت تحاول أن ترسم ابتسامة رغم الألم. اختفت ابتسامتها شيئًا فشيئًا. وأصبح الصمت رفيقها الدائم. كانت تستيقظ قبل الجميع. ترتب فراشها. ثم تتجه إلى الورشة. تؤدي عملها بإتقان. وتعود إلى زنزانتها. دون أن تتحدث إلا قليلًا. حتى ضحكتها... التي كانت هناء تبذل جهدًا لتعيدها إلى وجهها... اختفت. وصارت شيئًا من الماضي. كانت هناء تراقبها كل يوم. وفي إحدى الليالي... جلست بجوارها وقالت برفق: ــ أتذكرين كيف كنت تغضبين عندما أخيط الثوب بطريقة خاطئة؟ رفعت أروى رأسها. ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لم تدم أكثر
لم تستطع الاقتراب. ظلت تنظر إليه من بعيد. وعيناها تمتلئان بالدموع. اقترب منها مالك. وقال بصوت هادئ: ــ خذي وقتك. لن يجبرك أحد. أخذت نفسًا عميقًا. ثم تقدمت ببطء شديد. كل خطوة... كانت أصعب من التي قبلها. حتى وقفت أمام عمها. مدت يدها المرتجفة. ولمست طرف الغطاء برفق. ثم همست بصوت اختنق بالبكاء: ــ عمي... لقد عدت... لكن ليس كما كنت أتمنى. أخفضت رأسها. وانهمرت دموعها فوق يديها. ثم قالت: ــ سامحني... كنت أحلم أن يكون أول لقاء بيننا بعد خروجي من السجن... أن أعود إلى البيت... وأراك تنتظرني عند الباب... لكنني اليوم... أودعك بدلًا من أن أعود إليك. ساد صمت ثقيل. ولم يُسمع في المكان... إلا صوت بكائها المكتوم شعرت أروى بانقباض شديد في صدرها. أصبحت أنفاسها متسارعة. وتجمدت يداها. نزل الجميع من السيارة. وقفت أروى مكانها للحظات... وكأن قدميها ترفضان التقدم. ثم بدأت تمشي ببطء. خطوة... تلو الأخرى. حتى وصلت إلى المكان الذي وُضع فيه النعش. توقفت.بقيت أروى واقفة...تحدق في وجه عمها للمرة الأخيرة.كان يبدو هادئًا.هادئًا على نحوٍ لم تعهده فيه من قبل.مدت يدها المرتجفة
وقفت أروى أمام باب الزنزانة. كانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء. وقلبها ما زال يرفض تصديق ما سمعه قبل دقائق. تقدمت الحارسة نحوها وهي تحمل حقيبة صغيرة. قالت بهدوء: ــ هذه أماناتك... ارتدي ملابسك. نظرت أروى إلى الحقيبة دون أن تمد يدها. كانت تعرف تلك الحقيبة جيدًا. آخر مرة رأتها... كان يوم دخلت السجن. تناولتها ببطء. وجلست على المقعد الخشبي. ثم فتحتها. في الأعلى... كان الفستان مطويًا بعناية. مدت يدها نحوه. ولمست القماش بأطراف أصابعها. كأنها تلامس قطعة من حياتها القديمة. رفعته ببطء... وبقيت تحدق فيه طويلًا. لم يكن مجرد فستان. كان آخر ما ارتدته... قبل أن تتحطم حياتها. أغمضت عينيها. فعادت الذكريات دفعة واحدة. تذكرت ذلك اليوم... حين أصر سمير أن يهديه لها ظل يقنعها حتى قبلته على استحياء. وتذكرت كيف ارتدته وهي تنظر إلى نفسها بخجل. وكيف شعرت يومها... أنها بدأت ترى الحياة بشكل أجمل. ثم... تذكرت هبة. وكلماتها القصيرة التي ما زالت عالقة في ذاكرتها. وتذكرت بعد ذلك... صوت ارتطام السيارات. وصراخ الناس. والدماء. ثم وجه هبة... وهو يفارق الحياة أمامها. ارتجفت يدا







