تسجيل الدخولساد الصمت داخل قاعة المحكمة بعد النطق بالحكم.
لم تعد أروى تسمع شيئًا. كانت كلمات القاضي ما تزال تتردد في رأسها... "السجن خمس سنوات..." اقتربت منها شرطيتان. وضعت إحداهما الأصفاد في معصميها من جديد. ثم قالت بهدوء: ــ تعالي معنا. سارت أروى دون مقاومة. كانت خطواتها بطيئة... وكأنها تسير فوق أرض لا تعرفها. اقتادتها الشرطيتان إلى غرفة احتجاز صغيرة داخل المحكمة. أُغلق الباب الحديدي خلفها. جلست على المقعد الخشبي. أغمضت عينيها. لأول مرة منذ وقوع الحادث... شعرت أن كل شيء انتهى. بعد دقائق... فتح الباب. رفعت أروى رأسها. دخل سمير. كان وجهه شاحبًا. وعيناه غارقتين في الاحمرار. تقدم بخطوات مترددة. ثم جلس أمامها. ساد الصمت بينهما. لم يعرف أيهما من المفترض أن يبدأ الحديث. تنهد سمير طويلًا. ثم قال بصوت مبحوح: ــ لم أستطع أن أتركك دون أن أراك. ابتسمت أروى ابتسامة باهتة. ــ لا تقلق... سأكون بخير. أطرق سمير رأسه. ثم قال وهو يعصر يديه بقوة: ــ بخير؟ كيف تكونين بخير وأنا السبب في كل ما حدث؟ لو لم أطلب منك الخروج معي ذلك اليوم... لما كنتِ هنا الآن. هزت أروى رأسها بسرعة. ــ لا... لا تقل هذا. ما حدث كان قضاءً وقدرًا. رفع سمير عينيه إليها. بدت الدموع تلمع فيهما. ــ كنت أنا من يقود السيارة. ولو لم أخرج بك... لما ضاع مستقبلك. ابتسمت أروى بحزن. ــ ومستقبلك أنت أيضًا كان سيضيع. ساد الصمت. نظر إليها سمير طويلًا. ثم قال: ــ لن أنسى ما فعلته من أجلي. ابتسمت أروى ابتسامة متعبة. ــ لا أريد منك شيئًا... فقط... عش حياتك. حقق أحلامك. ولا تحمل نفسك ذنبًا ليس ذنبك. ازدادت نظرات سمير اضطرابًا. ثم وقف ببطء. وقال بصوت خافت: ــ سأنتظرك يا أروى. مهما طال الزمن... سأكون أول من يستقبلك عندما تخرجين. لم تجب. اكتفت بالنظر إليه. استدار سمير. وقبل أن يخرج... التفت إليها مرة أخيرة. ثم غادر الغرفة بصمت. بقيت أروى تنظر إلى الباب المغلق. وشعرت براحة صغيرة... لأنها كانت تظن أنها أنقذت مستقبل الشخص الوحيد الذي وعدها بمساعدتها. ولم تكن تعلم... أنها كانت تمنحه الحياة التي خطط لها منذ البداية. بعد دقائق... فتح الباب مرة أخرى. دخل عمها. ما إن وقعت عيناه عليها... حتى ارتسمت ابتسامة متعبة على وجهه. اقترب منها. وجلس أمامها. ظل ينظر إليها طويلًا. ثم قال: ــ ما زلتِ ابنتي... ولن يغير هذا الحكم شيئًا. انخفض رأس أروى. همست بصوت مرتجف: ــ سامحني يا عمي... لقد خيبت ظنك. هز رأسه بسرعة. ــ لم تخيبي ظني يومًا. مد يده. فوضعت يدها المقيدة فوق يده. ضغط عليها بحنان. ثم أخرج من جيبه مصحفًا صغيرًا. وقال: ــ احتفظي به. كلما ضاقت بك الدنيا... فاقرئي منه. ستجدين فيه ما يعيد لقلبك الطمأنينة. أخذته أروى بكلتا يديها. وضمته إلى صدرها. شعرت بحرارة دموعها تقترب من عينيها. لكنها تماسكت. قال العم بصوت اختلط بالألم: ــ اسمعيني جيدًا... مهما حدث هناك... لا تسمحي لأحد أن يسلبك قلبك. ارفعي رأسك دائمًا. فالخطأ لا ينهي الإنسان... إنما الاستسلام هو الذي ينهيه. أومأت أروى برأسها. كانت تريد أن تخبره بالحقيقة. أن ترتمي في حضنه. أن تقول له إنها لم تكن تريد أن يصل الأمر إلى هذا الحد. لكنها صمتت. كانت ترى أن اعترافها أصبح ثمنًا لا يمكن التراجع عنه. وقف العم. اقترب منها. ووضع يده فوق رأسها كما كان يفعل وهي طفلة. ثم قال: ــ سأزورك. ولن أدعك تشعرين أنك وحدك. أغمضت أروى عينيها للحظة. وحفظت صوته في قلبها... دون أن تعلم... أنها ستكون آخر مرة تسمعه فيها. خرج العم ببطء. وأغلق الباب خلفه. في الجهة الأخرى... خرج رائد من المحكمة. كان عمر جلال ينتظره عند المدخل. نظر إليه وقال: ــ إلى أين ستذهب؟ أجاب رائد دون أن يتوقف: ــ إلى الشركة. نظر إليه عمر بصمت. ثم اكتفى بمراقبته وهو يركب سيارته. انطلقت السيارة مبتعدة. وكأن رائد... قرر أن يدفن ألمه بين جدران العمل. عادت الشرطية إلى غرفة الاحتجاز. فتحت الباب. وقالت بهدوء: ــ حان وقت الرحيل. وقفت أروى. وضمت المصحف الصغير إلى صدرها. ثم مدت يديها لتُقيد من جديد. خرجت من الغرفة... تسير نحو المجهول. وكان أول باب من أبواب السجن... ينتظرها في نهاية الطريق.تغيرت ملامح أروى فورًا. ــ لا. ــ متأكدة؟ ــ نعم. أجابتها دون تردد هذه المرة. ــ لم يحدث شيء. ثم أضافت: ــ كنا نعمل فقط. توقفت لحظة، وكأنها تستعيد تفاصيل الرحلة. ــ وفي اليوم التالي لم أره إلا عندما عدنا. نظرت ليان إليها باهتمام. فأكملت: ــ بقيت في غرفتي أرتاح معظم الوقت، ثم التقينا في المطار. كانت أروى تقول الحقيقة كما تعرفها. فهي لم تكن تعرف ما حدث بعد أن فقدت وعيها. لم تكن تعرف أن رائد حملها بنفسه إلى الفندق. ولم تكن تعرف أنه بقي بجانبها حتى استعادت وعيها. بالنسبة إليها... لم يحدث بينهما شيء يتجاوز حدود العمل. ظلت ليان صامتة للحظات. ثم قالت: ــ هذا غريب. رفعت أروى حاجبها. ــ ماذا؟ ــ أنتِ لستِ أول فتاة تذهب مع رائد في رحلة عمل. ثم عقدت حاجبيها. ــ فلماذا حذرتك سماء أنتِ تحديدًا؟ لم تجد أروى جوابًا. نظرت إلى شاشة حاسوبها. ثم قالت بهدوء: ــ لا أعرف. لكن السؤال بقي عالقًا في ذهنها. لماذا هي تحديدًا؟ --- في الطابق العلوي... كان رائد جالسًا خلف مكتبه، منشغلًا بمراجعة بعض الملفات. ساد الهدوء في المكتب، إلى أن سمع طرقًا خفيفًا على الباب. رفع عينيه عن
عادت أروى إلى مكتبها بعد لقائها بسماء، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.جلست أمام حاسوبها، وضعت الملفات إلى جانبها، ثم حاولت العودة إلى عملها وكأن شيئًا لم يحدث.فتحت أحد المستندات.قرأت السطر الأول.ثم أعادته مرة أخرى.لكن الكلمات لم تدخل إلى ذهنها.أغلقت الملف ببطء، وأسندت ظهرها إلى الكرسي.كانت كلمات سماء لا تزال تتردد في رأسها."أتمنى أن يكون رائد قد عاملكِ بلطف."ثم..."هو لا يعرف كيف يتصرف مع الفتيات أحيانًا."وأخيرًا..."على الأغلب شعر بالمسؤولية لأنك موظفة في شركته."رفعت أروى عينيها نحو الشاشة.لم تكن ساذجة.كانت تعرف أن بعض الكلمات تحمل معنى أبعد من ظاهرها.لكنها لم تستطع أن تحدد بالضبط ما الذي أرادت سماء قوله.هل كانت تحاول تحذيرها؟أم أنها كانت مجرد امرأة فضولية أرادت معرفة طبيعة العلاقة بين أروى ورائد؟تنهدت أروى.ــ ربما أنا أبالغ في التفكير.لكنها لم تقتنع بكلماتها.في تلك اللحظة، رفعت ليان رأسها من خلف مكتبها.لاحظت شرود أروى منذ فترة، فنهضت واتجهت نحوها.وقفت بجانب مكتبها وقالت:ــ أروى؟لم تجب أروى فورًا.ــ أروى!انتبهت أخيرًا، ورفعت رأسها.ــ نعم؟ابتسمت ليان.ــ أين ذهبت
كانت أروى تسير في ممرات الشركة، تحمل بين يديها بعض الملفات التي طلبت منها ليان مراجعتها.كان يومها يسير بصورة طبيعية، لكن شيئًا واحدًا استطاع أن يسرق انتباهها من بين كل ما حولها.سمير.رأته من بعيد.كان يقف بالقرب من أحد الموظفين، يتحدث معه حول بعض الأمور المتعلقة بالعمل.توقفت خطوات أروى دون أن تشعر.بقيت عيناها معلقتين به لثوانٍ.لم تقترب منه.لم تحاول أن تلفت انتباهه.حتى إنها لم تسمح لنفسها بأن تطيل النظر إليه.لكن مجرد رؤيته كان كافيًا لإعادة الكثير من الأشياء التي ظنت أنها دفنتها منذ سنوات.ثلاث سنوات.ثلاث سنوات كاملة مرت منذ آخر مرة كان فيها سمير جزءًا من حياتها.ثلاث سنوات تغير فيها الكثير.ربما تغيرت هي...وربما تغير هو أيضًا.خفضت عينيها عن مكانه، ثم تابعت سيرها.لكن سؤال ليان عاد إليها من جديد."هل ما زلتِ تحبينه؟"تنفست ببطء.لم تكن تملك إجابة.وفي الحقيقة...لم تكن متأكدة حتى من رغبتها في معرفة الإجابة.وضعت يدها على جبينها عندما شعرت بثقل بسيط في رأسها.ربما كان التعب لا يزال أقوى مما ظنت.لذلك قررت أن تتوقف قليلًا.اتجهت نحو دورة مياه الموظفات.---دخلت أروى إلى الحمام
بعد عودتها من الرحله مرّ يوم أروى في الشركة بصورة طبيعية.لم يحدث شيء استثنائي منذ الصباح، وكأن الأيام قررت أخيرًا أن تمنحها بعض الهدوء بعد ما مرت به خلال رحلة العمل.كانت تتحرك بين المكاتب كالمعتاد، ترتب الملفات، تراجع بعض الأوراق، وتساعد ليان في إنهاء المهام المتراكمة.ورغم أنها استعادت جزءًا كبيرًا من نشاطها، فإن التعب لم يختفِ تمامًا.كان يظهر في عينيها حين تظن أن لا أحد يراقبها.وفي الطريقة التي تتوقف بها أحيانًا لثوانٍ، تأخذ نفسًا عميقًا، ثم تعود إلى عملها وكأن شيئًا لم يكن.لاحظت ليان ذلك أكثر من مرة.لكنها لم تعلق.كانت تعرف أن أروى لا تحب أن يشعر الآخرون بالقلق عليها.ومع اقتراب منتصف النهار، كان القسم هادئًا نسبيًا.كانت أروى جالسة خلف مكتبها، تقلب صفحات أحد الملفات، بينما كانت ليان منشغلة أمام حاسوبها.وفجأة...صدر طرق خفيف على باب القسم.رفعت ليان رأسها.أما أروى فرفعت عينيها عن الملف.تكرر الطرق مرة أخرى.ثم انفتح الباب.ظهر سمير.تغيرت ملامح أروى قليلًا، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.قال سمير بابتسامة هادئة:ــ مرحبا أما أروى فقالت بهدوء:ــ تفضل.دخل سمير إلى القسم،
بعد أن فتحت عينيهاكان الهدوء يملأ الغرفة.لم تكن أروى تعرف كم مر من الوقت.كل ما شعرت به في البداية هو ثقل غريب في رأسها، وكأنها استيقظت من نوم طويل جدًا.حاولت تحريك يدها.ثم فتحت عينيها ببطء.ظل بصرها مشوشًا لثوانٍ.نظرت إلى السقف.ثم إلى الغرفة من حولها.لم تكن في المستشفى.كانت في غرفتها بالفندق.حاولت أن تتذكر ما حدث.الاجتماع...الملفات...ثم الدوار.وضعت يدها على جبينها.ــ آه...خرج صوتها ضعيفًا.عندها تحرك الشخص الجالس بالقرب من النافذة.كان رائد.رفع عينيه إليها فورًا.نهض من مكانه واقترب من السرير.ــ استيقظتِ.نظرت إليه أروى باستغراب.ــ ماذا حدث؟توقف أمامها.ثم قال:ــ فقدتِ وعيكِ بعد الاجتماع.اتسعت عيناها قليلًا.ــ فقدت الوعي؟ــ نعم.حاولت أروى أن تتذكر.ثم قالت:ــ أنا آسفة.قطب رائد حاجبيه.ــ على ماذا؟خفضت عينيها.ــ عطلت الرحلة.نظر إليها للحظات.ــ لم تعطلي شيئًا.لكن نبرته كانت أكثر هدوءًا من المعتاد.ــ الطبيب فحصكِ.رفعت أروى عينيها إليه.ــ هل قال إنني بخير؟ــ قال إنكِ بحاجة إلى الراحة.تنفست براحة.ثم حاولت الجلوس.لكن رأسها دار قليلًا.مد رائد يده ليسند
بعد ساعتين تقريبًا... رن منبه أروى. فتحت عينيها بصعوبة. لم تفهم للحظات أين هي. ثم تذكرت. الرحلة. الاجتماع. رائد. نهضت من السرير. شعرت بثقل شديد في رأسها. جلست للحظة. ثم وقفت. دخلت الحمام. غسلت وجهها بالماء البارد. رفعت رأسها ونظرت إلى المرآة. كان وجهها شاحبًا. وعيناها متعبتين. بقيت تنظر إلى نفسها للحظات. ثم همست: ــ لا بأس... سأتحمل. ارتدت ملابسها. جمعت الملفات التي أنهتها خلال الليل. ثم خرجت من الغرفة. --- في اللحظة نفسها تقريبًا... فتح باب الغرفة المقابلة. خرج رائد. توقفت أروى للحظة. رفع رائد عينيه إليها. ثم نظر إلى وجهها. توقف قليلًا. كان الشحوب واضحًا. وعيناها تكشفان أنها لم تنم إلا قليلًا. ثم وقعت عيناه على الملفات التي تحملها. قال: ــ هل انتهيتِ؟ أجابت بصوت هادئ: ــ نعم. نظر إليها مرة أخرى. كان يريد أن يقول شيئًا. لكنه لم يفعل. اكتفى بالقول: ــ لنذهب. هزت رأسها. وتوجهت معه نحو المصعد. أما رائد... فبقيت صورة وجهها الشاحب عالقة في ذهنه. ولأول مرة منذ بدأ انتقامه... بدأ يشعر أن العقاب الذي فرضه عليها... كان أثقل مما أراد حين خانها







