Share

الفصل السادس عشر

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-07-09 09:05:20

ساد الصمت داخل قاعة المحكمة بعد النطق بالحكم.

لم تعد أروى تسمع شيئًا.

كانت كلمات القاضي ما تزال تتردد في رأسها...

"السجن خمس سنوات..."

اقتربت منها شرطيتان.

وضعت إحداهما الأصفاد في معصميها من جديد.

ثم قالت بهدوء:

ــ تعالي معنا.

سارت أروى دون مقاومة.

كانت خطواتها بطيئة...

وكأنها تسير فوق أرض لا تعرفها.

اقتادتها الشرطيتان إلى غرفة احتجاز صغيرة داخل المحكمة.

أُغلق الباب الحديدي خلفها.

جلست على المقعد الخشبي.

أغمضت عينيها.

لأول مرة منذ وقوع الحادث...

شعرت أن كل شيء انتهى.

بعد دقائق...

فتح الباب.

رفعت أروى رأسها.

دخل سمير.

كان وجهه شاحبًا.

وعيناه غارقتين في الاحمرار.

تقدم بخطوات مترددة.

ثم جلس أمامها.

ساد الصمت بينهما.

لم يعرف أيهما من المفترض أن يبدأ الحديث.

تنهد سمير طويلًا.

ثم قال بصوت مبحوح:

ــ لم أستطع أن أتركك دون أن أراك.

ابتسمت أروى ابتسامة باهتة.

ــ لا تقلق...

سأكون بخير.

أطرق سمير رأسه.

ثم قال وهو يعصر يديه بقوة:

ــ بخير؟

كيف تكونين بخير وأنا السبب في كل ما حدث؟

لو لم أطلب منك الخروج معي ذلك اليوم...

لما كنتِ هنا الآن.

هزت أروى رأسها بسرعة.

ــ لا...

لا تقل هذا.

ما حدث كان قضاءً وقدرًا.

رفع سمير عينيه إليها.

بدت الدموع تلمع فيهما.

ــ كنت أنا من يقود السيارة.

ولو لم أخرج بك...

لما ضاع مستقبلك.

ابتسمت أروى بحزن.

ــ ومستقبلك أنت أيضًا كان سيضيع.

ساد الصمت.

نظر إليها سمير طويلًا.

ثم قال:

ــ لن أنسى ما فعلته من أجلي.

ابتسمت أروى ابتسامة متعبة.

ــ لا أريد منك شيئًا...

فقط...

عش حياتك.

حقق أحلامك.

ولا تحمل نفسك ذنبًا ليس ذنبك.

ازدادت نظرات سمير اضطرابًا.

ثم وقف ببطء.

وقال بصوت خافت:

ــ سأنتظرك يا أروى.

مهما طال الزمن...

سأكون أول من يستقبلك عندما تخرجين.

لم تجب.

اكتفت بالنظر إليه.

استدار سمير.

وقبل أن يخرج...

التفت إليها مرة أخيرة.

ثم غادر الغرفة بصمت.

بقيت أروى تنظر إلى الباب المغلق.

وشعرت براحة صغيرة...

لأنها كانت تظن أنها أنقذت مستقبل الشخص الوحيد الذي وعدها بمساعدتها.

ولم تكن تعلم...

أنها كانت تمنحه الحياة التي خطط لها منذ البداية.

بعد دقائق...

فتح الباب مرة أخرى.

دخل عمها.

ما إن وقعت عيناه عليها...

حتى ارتسمت ابتسامة متعبة على وجهه.

اقترب منها.

وجلس أمامها.

ظل ينظر إليها طويلًا.

ثم قال:

ــ ما زلتِ ابنتي...

ولن يغير هذا الحكم شيئًا.

انخفض رأس أروى.

همست بصوت مرتجف:

ــ سامحني يا عمي...

لقد خيبت ظنك.

هز رأسه بسرعة.

ــ لم تخيبي ظني يومًا.

مد يده.

فوضعت يدها المقيدة فوق يده.

ضغط عليها بحنان.

ثم أخرج من جيبه مصحفًا صغيرًا.

وقال:

ــ احتفظي به.

كلما ضاقت بك الدنيا...

فاقرئي منه.

ستجدين فيه ما يعيد لقلبك الطمأنينة.

أخذته أروى بكلتا يديها.

وضمته إلى صدرها.

شعرت بحرارة دموعها تقترب من عينيها.

لكنها تماسكت.

قال العم بصوت اختلط بالألم:

ــ اسمعيني جيدًا...

مهما حدث هناك...

لا تسمحي لأحد أن يسلبك قلبك.

ارفعي رأسك دائمًا.

فالخطأ لا ينهي الإنسان...

إنما الاستسلام هو الذي ينهيه.

أومأت أروى برأسها.

كانت تريد أن تخبره بالحقيقة.

أن ترتمي في حضنه.

أن تقول له إنها لم تكن تريد أن يصل الأمر إلى هذا الحد.

لكنها صمتت.

كانت ترى أن اعترافها أصبح ثمنًا لا يمكن التراجع عنه.

وقف العم.

اقترب منها.

ووضع يده فوق رأسها كما كان يفعل وهي طفلة.

ثم قال:

ــ سأزورك.

ولن أدعك تشعرين أنك وحدك.

أغمضت أروى عينيها للحظة.

وحفظت صوته في قلبها...

دون أن تعلم...

أنها ستكون آخر مرة تسمعه فيها.

خرج العم ببطء.

وأغلق الباب خلفه.

في الجهة الأخرى...

خرج رائد من المحكمة.

كان عمر جلال ينتظره عند المدخل.

نظر إليه وقال:

ــ إلى أين ستذهب؟

أجاب رائد دون أن يتوقف:

ــ إلى الشركة.

نظر إليه عمر بصمت.

ثم اكتفى بمراقبته وهو يركب سيارته.

انطلقت السيارة مبتعدة.

وكأن رائد...

قرر أن يدفن ألمه بين جدران العمل.

عادت الشرطية إلى غرفة الاحتجاز.

فتحت الباب.

وقالت بهدوء:

ــ حان وقت الرحيل.

وقفت أروى.

وضمت المصحف الصغير إلى صدرها.

ثم مدت يديها لتُقيد من جديد.

خرجت من الغرفة...

تسير نحو المجهول.

وكان أول باب من أبواب السجن...

ينتظرها في نهاية الطريق.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 94

    ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 93

    استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 92

    وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 91

    لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 90

    بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 89

    أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status