Share

الفصل الثامن عشر

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-07-10 08:17:17

تسللت أولى خيوط الشمس عبر النافذة الصغيرة العالية.

لم تكن كافية لإنارة الزنزانة...

لكنها كانت كافية لتوقظ أروى.

فتحت عينيها ببطء.

حدقت في السقف للحظات.

ظنت أنها ما زالت في غرفتها.

وأن ما عاشته خلال الأيام الماضية لم يكن سوى كابوس.

لكن صوت احتكاك المفاتيح بالأبواب...

وصوت إحدى السجانات وهي تنادي بأسماء السجينات...

أعادها إلى الحقيقة.

أغمضت عينيها مرة أخرى.

وتنفست ببطء.

ثم جلست على سريرها الحديدي.

ألقت نظرة حولها.

كانت الزنزانة هادئة.

السجينة المسنة كانت ترتب فراشها بهدوء.

وسلمى تجلس فوق سريرها وهي تمشط شعرها أمام مرآة صغيرة مكسورة.

أما سهام...

فكانت تجلس في زاوية الزنزانة تقرأ كتابًا قديمًا دون أن ترفع رأسها.

شعرت أروى بأنها غريبة...

وكأنها دخلت بيتًا لا تعرف أهله.

قطعت سلمى الصمت.

ابتسمت وهي تنظر إلى أروى.

ــ صباح الخير.

رفعت أروى رأسها.

ثم أجابت بصوت خافت:

ــ صباح النور.

ضحكت سلمى بخفة.

ــ يبدو أنك لم تنامي جيدًا.

لم تجب أروى.

فاكتفت سلمى بالابتسام.

ثم قالت وهي تشير إلى السجينة المسنة:

ــ هذه هناء...

لا تخافي منها.

إن غضبت عليك مرة...

ستسامحك عشر مرات.

ابتسمت هناء وهي تهز رأسها.

ــ لا تستمعي إلى كلامها...

إنها تبالغ دائمًا.

ضحكت سلمى.

ثم أشارت إلى السرير المقابل.

ــ أما هذه فهي سهام.

لا تنزعجي إذا لم تتحدث معك.

هي هكذا مع الجميع.

رفعت سهام عينيها عن الكتاب.

نظرت إلى أروى لثوانٍ.

ثم عادت إلى القراءة دون أن تنطق بكلمة.

ساد الصمت.

شعرت أروى بشيء من الحرج.

لكن هناء كسرت ذلك الصمت.

ــ لا تقلقي...

ستعتادين المكان مع الأيام.

ابتسمت أروى ابتسامة خفيفة.

ثم قالت:

ــ أتمنى ذلك.

ظلت سلمى تنظر إليها بفضول.

ثم سألتها:

ــ كم عمرك؟

ــ ثلاثة وعشرون عامًا.

اتسعت عينا سلمى.

ــ صغيرة جدًا...

ثم ترددت قليلًا قبل أن تسأل:

ــ وما الذي جاء بك إلى هنا؟

تجمدت ملامح أروى.

انخفض بصرها نحو الأرض.

وبعد لحظات من الصمت...

قالت بهدوء:

ــ حادث...

ولم تضف كلمة أخرى.

فهمت هناء أنها لا تريد الحديث.

فنظرت إلى سلمى.

وقالت بلطف:

ــ ليس كل جرح يحتاج إلى سؤال.

أدركت سلمى أنها تجاوزت حدودها.

فابتسمت باعتذار.

ــ معك حق.

لن أسأل مرة أخرى.

رفعت أروى رأسها.

ونظرت إليها.

ثم قالت بهدوء:

ــ شكرًا.

دوى صوت صفارة في الممر.

تبعها صوت السجانة.

ــ استعدوا...

وقت الخروج إلى الساحة.

وقفت السجينات.

ارتدت كل واحدة منهن معطفها.

أما أروى...

فوقفت مترددة.

اقتربت منها هناء.

وقالت بابتسامة مطمئنة:

ــ تعالي معنا.

لا تخافي.

خرجت السجينات الأربع من الزنزانة.

وسرن في الممر الطويل.

كانت أروى تنظر إلى كل شيء حولها.

الأبواب الحديدية.

الجدران الباردة.

الحراس الواقفين في كل زاوية.

شعرت أن المكان أكبر بكثير مما تخيلته.

وصلن إلى ساحة السجن.

توقفت أروى في مكانها.

كانت الساحة مليئة بالسجينات.

بعضهن يتبادلن الحديث.

وأخريات يمشين في صمت.

وفي زاوية بعيدة...

كانت سجينتان تتشاجران بصوت مرتفع.

بينما جلست أخرى وحدها تنظر إلى السماء.

تأملت أروى الوجوه من حولها.

كل وجه...

كان يخفي قصة.

وكل عين...

كانت تحمل ألمًا مختلفًا.

همست دون أن تشعر:

ــ كم من الحكايات تختبئ خلف هذه الجدران...

سمعتها هناء.

فابتسمت بحزن.

ثم قالت:

ــ أكثر مما تتخيلين.

صمتت لحظة.

ثم أضافت وهي تنظر إلى السجينات:

ــ لا تحكمي على أحد من أول نظرة.

فهنا...

لكل إنسانة حكاية لا يعرفها إلا الله.

هزت أروى رأسها بصمت.

وشعرت أن كلمات هناء...

تشبه كلمات عمها.

انتهى وقت الفسحة.

بدأت السجينات يعدن إلى زنازينهن.

وأثناء سيرهن...

اقتربت هناء من أروى قليلًا.

وقالت بصوت منخفض حتى لا تسمعها الأخريات:

ــ أروى...

التفتت إليها.

أكملت هناء بهدوء:

ــ إذا أردتِ أن تعيشي هنا بسلام...

فلا تمنحي ثقتك بسرعة.

ولا تفتحي قلبك لكل من يبتسم في وجهك.

فليس كل وجهٍ بشوش...

يحمل نية طيبة.

نظرت أروى إليها باستغراب.

ثم أومأت برأسها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 85

    تغيرت ملامح أروى فورًا. ــ لا. ــ متأكدة؟ ــ نعم. أجابتها دون تردد هذه المرة. ــ لم يحدث شيء. ثم أضافت: ــ كنا نعمل فقط. توقفت لحظة، وكأنها تستعيد تفاصيل الرحلة. ــ وفي اليوم التالي لم أره إلا عندما عدنا. نظرت ليان إليها باهتمام. فأكملت: ــ بقيت في غرفتي أرتاح معظم الوقت، ثم التقينا في المطار. كانت أروى تقول الحقيقة كما تعرفها. فهي لم تكن تعرف ما حدث بعد أن فقدت وعيها. لم تكن تعرف أن رائد حملها بنفسه إلى الفندق. ولم تكن تعرف أنه بقي بجانبها حتى استعادت وعيها. بالنسبة إليها... لم يحدث بينهما شيء يتجاوز حدود العمل. ظلت ليان صامتة للحظات. ثم قالت: ــ هذا غريب. رفعت أروى حاجبها. ــ ماذا؟ ــ أنتِ لستِ أول فتاة تذهب مع رائد في رحلة عمل. ثم عقدت حاجبيها. ــ فلماذا حذرتك سماء أنتِ تحديدًا؟ لم تجد أروى جوابًا. نظرت إلى شاشة حاسوبها. ثم قالت بهدوء: ــ لا أعرف. لكن السؤال بقي عالقًا في ذهنها. لماذا هي تحديدًا؟ --- في الطابق العلوي... كان رائد جالسًا خلف مكتبه، منشغلًا بمراجعة بعض الملفات. ساد الهدوء في المكتب، إلى أن سمع طرقًا خفيفًا على الباب. رفع عينيه عن

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 84

    عادت أروى إلى مكتبها بعد لقائها بسماء، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.جلست أمام حاسوبها، وضعت الملفات إلى جانبها، ثم حاولت العودة إلى عملها وكأن شيئًا لم يحدث.فتحت أحد المستندات.قرأت السطر الأول.ثم أعادته مرة أخرى.لكن الكلمات لم تدخل إلى ذهنها.أغلقت الملف ببطء، وأسندت ظهرها إلى الكرسي.كانت كلمات سماء لا تزال تتردد في رأسها."أتمنى أن يكون رائد قد عاملكِ بلطف."ثم..."هو لا يعرف كيف يتصرف مع الفتيات أحيانًا."وأخيرًا..."على الأغلب شعر بالمسؤولية لأنك موظفة في شركته."رفعت أروى عينيها نحو الشاشة.لم تكن ساذجة.كانت تعرف أن بعض الكلمات تحمل معنى أبعد من ظاهرها.لكنها لم تستطع أن تحدد بالضبط ما الذي أرادت سماء قوله.هل كانت تحاول تحذيرها؟أم أنها كانت مجرد امرأة فضولية أرادت معرفة طبيعة العلاقة بين أروى ورائد؟تنهدت أروى.ــ ربما أنا أبالغ في التفكير.لكنها لم تقتنع بكلماتها.في تلك اللحظة، رفعت ليان رأسها من خلف مكتبها.لاحظت شرود أروى منذ فترة، فنهضت واتجهت نحوها.وقفت بجانب مكتبها وقالت:ــ أروى؟لم تجب أروى فورًا.ــ أروى!انتبهت أخيرًا، ورفعت رأسها.ــ نعم؟ابتسمت ليان.ــ أين ذهبت

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 82

    كانت أروى تسير في ممرات الشركة، تحمل بين يديها بعض الملفات التي طلبت منها ليان مراجعتها.كان يومها يسير بصورة طبيعية، لكن شيئًا واحدًا استطاع أن يسرق انتباهها من بين كل ما حولها.سمير.رأته من بعيد.كان يقف بالقرب من أحد الموظفين، يتحدث معه حول بعض الأمور المتعلقة بالعمل.توقفت خطوات أروى دون أن تشعر.بقيت عيناها معلقتين به لثوانٍ.لم تقترب منه.لم تحاول أن تلفت انتباهه.حتى إنها لم تسمح لنفسها بأن تطيل النظر إليه.لكن مجرد رؤيته كان كافيًا لإعادة الكثير من الأشياء التي ظنت أنها دفنتها منذ سنوات.ثلاث سنوات.ثلاث سنوات كاملة مرت منذ آخر مرة كان فيها سمير جزءًا من حياتها.ثلاث سنوات تغير فيها الكثير.ربما تغيرت هي...وربما تغير هو أيضًا.خفضت عينيها عن مكانه، ثم تابعت سيرها.لكن سؤال ليان عاد إليها من جديد."هل ما زلتِ تحبينه؟"تنفست ببطء.لم تكن تملك إجابة.وفي الحقيقة...لم تكن متأكدة حتى من رغبتها في معرفة الإجابة.وضعت يدها على جبينها عندما شعرت بثقل بسيط في رأسها.ربما كان التعب لا يزال أقوى مما ظنت.لذلك قررت أن تتوقف قليلًا.اتجهت نحو دورة مياه الموظفات.---دخلت أروى إلى الحمام

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 82

    بعد عودتها من الرحله مرّ يوم أروى في الشركة بصورة طبيعية.لم يحدث شيء استثنائي منذ الصباح، وكأن الأيام قررت أخيرًا أن تمنحها بعض الهدوء بعد ما مرت به خلال رحلة العمل.كانت تتحرك بين المكاتب كالمعتاد، ترتب الملفات، تراجع بعض الأوراق، وتساعد ليان في إنهاء المهام المتراكمة.ورغم أنها استعادت جزءًا كبيرًا من نشاطها، فإن التعب لم يختفِ تمامًا.كان يظهر في عينيها حين تظن أن لا أحد يراقبها.وفي الطريقة التي تتوقف بها أحيانًا لثوانٍ، تأخذ نفسًا عميقًا، ثم تعود إلى عملها وكأن شيئًا لم يكن.لاحظت ليان ذلك أكثر من مرة.لكنها لم تعلق.كانت تعرف أن أروى لا تحب أن يشعر الآخرون بالقلق عليها.ومع اقتراب منتصف النهار، كان القسم هادئًا نسبيًا.كانت أروى جالسة خلف مكتبها، تقلب صفحات أحد الملفات، بينما كانت ليان منشغلة أمام حاسوبها.وفجأة...صدر طرق خفيف على باب القسم.رفعت ليان رأسها.أما أروى فرفعت عينيها عن الملف.تكرر الطرق مرة أخرى.ثم انفتح الباب.ظهر سمير.تغيرت ملامح أروى قليلًا، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.قال سمير بابتسامة هادئة:ــ مرحبا أما أروى فقالت بهدوء:ــ تفضل.دخل سمير إلى القسم،

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 81

    بعد أن فتحت عينيهاكان الهدوء يملأ الغرفة.لم تكن أروى تعرف كم مر من الوقت.كل ما شعرت به في البداية هو ثقل غريب في رأسها، وكأنها استيقظت من نوم طويل جدًا.حاولت تحريك يدها.ثم فتحت عينيها ببطء.ظل بصرها مشوشًا لثوانٍ.نظرت إلى السقف.ثم إلى الغرفة من حولها.لم تكن في المستشفى.كانت في غرفتها بالفندق.حاولت أن تتذكر ما حدث.الاجتماع...الملفات...ثم الدوار.وضعت يدها على جبينها.ــ آه...خرج صوتها ضعيفًا.عندها تحرك الشخص الجالس بالقرب من النافذة.كان رائد.رفع عينيه إليها فورًا.نهض من مكانه واقترب من السرير.ــ استيقظتِ.نظرت إليه أروى باستغراب.ــ ماذا حدث؟توقف أمامها.ثم قال:ــ فقدتِ وعيكِ بعد الاجتماع.اتسعت عيناها قليلًا.ــ فقدت الوعي؟ــ نعم.حاولت أروى أن تتذكر.ثم قالت:ــ أنا آسفة.قطب رائد حاجبيه.ــ على ماذا؟خفضت عينيها.ــ عطلت الرحلة.نظر إليها للحظات.ــ لم تعطلي شيئًا.لكن نبرته كانت أكثر هدوءًا من المعتاد.ــ الطبيب فحصكِ.رفعت أروى عينيها إليه.ــ هل قال إنني بخير؟ــ قال إنكِ بحاجة إلى الراحة.تنفست براحة.ثم حاولت الجلوس.لكن رأسها دار قليلًا.مد رائد يده ليسند

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 80

    بعد ساعتين تقريبًا... رن منبه أروى. فتحت عينيها بصعوبة. لم تفهم للحظات أين هي. ثم تذكرت. الرحلة. الاجتماع. رائد. نهضت من السرير. شعرت بثقل شديد في رأسها. جلست للحظة. ثم وقفت. دخلت الحمام. غسلت وجهها بالماء البارد. رفعت رأسها ونظرت إلى المرآة. كان وجهها شاحبًا. وعيناها متعبتين. بقيت تنظر إلى نفسها للحظات. ثم همست: ــ لا بأس... سأتحمل. ارتدت ملابسها. جمعت الملفات التي أنهتها خلال الليل. ثم خرجت من الغرفة. --- في اللحظة نفسها تقريبًا... فتح باب الغرفة المقابلة. خرج رائد. توقفت أروى للحظة. رفع رائد عينيه إليها. ثم نظر إلى وجهها. توقف قليلًا. كان الشحوب واضحًا. وعيناها تكشفان أنها لم تنم إلا قليلًا. ثم وقعت عيناه على الملفات التي تحملها. قال: ــ هل انتهيتِ؟ أجابت بصوت هادئ: ــ نعم. نظر إليها مرة أخرى. كان يريد أن يقول شيئًا. لكنه لم يفعل. اكتفى بالقول: ــ لنذهب. هزت رأسها. وتوجهت معه نحو المصعد. أما رائد... فبقيت صورة وجهها الشاحب عالقة في ذهنه. ولأول مرة منذ بدأ انتقامه... بدأ يشعر أن العقاب الذي فرضه عليها... كان أثقل مما أراد حين خانها

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status