ログインرفعت حاجبها معترضة. — لم أغب طويلًا؟ أحقًا؟ لقد مرّت سنوات منذ آخر مرة التقينا فيها! أظن أنك فقدت إحساسك بالوقت بسبب انشغالك الدائم. — ربما. أو ربما لأن بعض الأشخاص لا نشعر بمرور الوقت معهم، حتى لو ابتعدوا لسنوات. ابتسمت أليسار، وقد بدت عليها سعادة حقيقية بلقائه، ثم قالت: — ما زلت تجيد اختيار الكلمات المناسبة، إذن لم يتغير كل شيء. — وأنتِ ما زلتِ تبالغين في كل شيء. ضحكت وهي تهز رأسها، ثم أخذت تتأمله للحظة قبل أن تقول: — لا أصدق أننا التقينا بهذه الطريقة. كنت أظن أنني سأحتاج إلى ترتيب موعد مسبق معك حتى أتمكن من رؤيتك، بعدما أصبحت رجلًا يصعب الوصول إليه. — كان بإمكانك الاتصال بي. — وهل كنت ستجيب؟ توقف سليم لحظة، ثم ابتسم باعتراف ضمني. — حسنًا، ربما كان عليّ أن أقول إنكِ كنتِ ستحتاجين إلى المحاولة أكثر من مرة. — كنت أعلم ذلك! لا بد أنك ما زلت تحتفظ بعادتك القديمة في تجاهل المكالمات عندما تنشغل بالعمل. — لم تكن عادة، بل كانت ضرورة. — هذا ما كنت تقوله دائمًا. تبادلا نظرة ودودة، قبل أن تتغير ملامح أليسار قليلًا، وكأنها تذكرت أمرًا كانت تريد السؤال عنه. — با
تسللت حرارة الغيرة إلى صدر صبا، وتصاعدت في داخلها على نحو لم تستطع السيطرة عليه. حاولت أن تجد تفسيرًا لما تراه، لكنها لم تستطع منع الأفكار من التزاحم في رأسها. هي نفسها لم تكن قد فهمت طبيعة مشاعرها تجاه سليم بعد، ولم تكن مستعدة للاعتراف بأنها ما زالت تتأثر به إلى هذا الحد. ومع ذلك، فإن رؤية امرأة أخرى تلمس وجهه بهذه الألفة كانت كافية لتكشف لها شيئًا لم ترغب في رؤيته. لقد أغضبها المشهد أكثر مما ينبغي. والأسوأ من ذلك أنها لم تكن تملك أي حق واضح يسمح لها بالاعتراض. في منزل ندى كانت ندى لا تزال نائمة حين رنّ هاتفها، فامتدت يدها بتكاسل نحو الطاولة القريبة من السرير، والتقطته من دون أن تنظر إلى الشاشة جيدًا. حين رأت أن الاتصال وارد من الشركة، افترضت أنهم يتواصلون معها بشأن إجراءات استقالتها. أجابت بصوت لا يزال يحمل أثر النوم: — ألو؟ جاءها صوت رجل من الطرف الآخر: — صباح الخير، آنسة ندى. أنا المدير آسر. ما إن تعرفت إلى صوته حتى فتحت عينيها تمامًا، واعتدلت في جلستها، وقد عاد إليها غضب الأمس بكل تفاصيله. صمتت لحظة قصيرة قبل أن تجيبه ببرود: — ماذا تريد، سيد آسر؟ لم
في منزل سليم حاولت صبا النهوض، لكن سليم أحكم تمسكه بها، جاذبًا إياها نحوه أكثر. التفتت إليه باستنكار، وقالت: — سليم، دعني! لم يتركها فورًا، بل نظر إليها بابتسامة بدت وكأنه يستمتع بانزعاجها. — لماذا؟ ألم تعودي للاطمئنان عليّ؟ ضيّقت صبا عينيها، وقد أدركت أخيرًا أنه لم يكن مريضًا كما ادّعى. — لقد خدعتني! جعلتني أترك منزل ندى وأعود مسرعة لأنني ظننت أن بك مكروهًا. هل تدرك كم أقلقتني؟ لم تختفِ ابتسامته تمامًا، بل أجابها بهدوء: — لم أكذب عليكِ تمامًا. حدقت فيه صبا غير مصدقة. — ماذا تقصد؟ — شعرت فعلًا بالمرض حين لم أركِ. ساد الصمت للحظة، بينما راحت صبا تتأمل وجهه، تحاول أن تعرف إن كان يسخر منها أم يتحدث بجدية. لكنه بدا مرتاحًا إلى حد أثار حنقها أكثر. — أنت لا تُصدَّق! حاولت سحب يدها مجددًا، ثم قالت بوضوح: — عدت لأنني ظننت أنك مريض، لا لأنني كنت أرغب في رؤيتك. تبدلت ملامح سليم للحظة خاطفة، وخفتت ابتسامته قليلًا. لم تكن الكلمات قاسية في ظاهرها، لكنها أصابت موضعًا لم يكن مستعدًا للاعتراف بوجوده أصلًا. ومع ذلك، سرعان ما أخفى انزعاجه خلف ابتسامة جانبية. — فهمت
في منزل سليم كان سليم جالسًا في غرفة المعيشة، يتفقد هاتفه بين حين وآخر، بينما راحت عيناه تنتقلان إلى الساعة المعلقة على الحائط. لقد تأخرت صبا. لم يكن يعرف متى ستعود، لكنه لم يتوقع أن تطول غيبتها إلى هذا الوقت. التقط هاتفه وفتح محادثته معها، ثم كتب: «هل ستتأخرين في العمل؟» لم تمضِ سوى دقائق حتى وصل ردها: «أنا في منزل ندى.» توقف سليم عند رسالتها، وعقد حاجبيه قليلًا. ندى مجددًا؟ تذكر أنها بقيت في منزلها من قبل، وكيف أخبرته حينها أنها ستقضي الليلة هناك. وتطور المر ليام .لم يكن يريد أن يتكرر الأمر، ولا سيما بعد أن بدأ يشعر بأن وجود صبا في المنزل لم يعد أمرًا عاديًا يمكنه الاستغناء عنه بسهولة. وضع الهاتف جانبًا، ثم عاد والتقطه بعد لحظات. تردد قليلًا قبل أن يتصل بها، وحين جاءه صوت الرنين، بقي منتظرًا إجابتها بترقب لم يعترف به حتى لنفسه. في منزل ندى، نظرت صبا إلى اسم سليم على الشاشة. ترددت للحظات. لم تكن تعرف ما الذي يريده منها هذه المرة، ولا إن كان اتصاله متعلقًا بتأخرها أم بشيء آخر. ومع ذلك، أجابت أخيرًا. — ألو؟ جاءها صوته أهدأ مما توقعت: — صبا... — نعم؟ صمت سليم لحظة، ثم
— نعم، حدث سوء تفاهم اليوم. قاطعه رائد بنبرة حاسمة: — لا يهمني ما حدث بينكما. لا تقبل استقالتها، وأعِدها إلى الشركة. ازداد استغراب آسر. — ولماذا يا عمي؟ — لأنني لا أريد أن نخسر موظفة بكفاءتها. ندى نابغة في هذا المجال، فكيف نضيّع شخصًا مثلها بسبب سوء تفاهم؟ تردد آسر قليلًا قبل أن يقول: — لكن، بحسب ما أعلم، فإنها انضمت إلى الشركة مؤخرًا. أجابه رائد موضحًا: — لقد انضمت إلى الفرع مؤخرًا، أما قبل انتقالها إلى مدينة المنارة، فكانت تعمل تحت إشرافي، وقد قيّمت عملها بنفسي. وعندما انتقلت الى مدينت المناره أنا من طلب منها الانتقال إلى الفرع، لأنني كنت أعرف ما تستطيع تقديمه. صمت آسر، يستمع إلى عمه الذي تابع بنبرة لم تترك مجالًا للنقاش: — لذلك، افعل كل ما يلزم لحل سوء التفاهم وأعِدها إلى الشركة. لا أريد أن نخسر كفاءة حقيقية بسبب قرار متسرع. أجاب آسر، وقد أدرك أن الأمر لم يعد مجرد اقتراح: — حسنًا يا عمي، سأحاول حل المشكلة. قال رائد بحزم: — ليس الأمر محاولة فحسب، يا مدير آسر. هذا أمر. ثم أنهى المكالمة. ظل آسر ممسكًا بهاتفه للحظات، قبل أن يضعه جانبًا ويعود بنظره إلى الملفات أمامه. هذ
رنّ هاتف صبا، وحين أجابت، جاءها صوت ندى مثقلًا بالحزن. — صبا، هل يمكنكِ المجيء إليّ؟ أحتاج إلى صديقة أتحدث معها قليلًا. لم تتردد صبا في السؤال عن السبب، بل أجابتها مباشرة: — سأأتي إليكِ الآن. أين أنتِ؟ — في المنزل. — حسنًا، انتظريني. أنهت صبا المكالمة، ونهضت من مكانها، ثم حملت حقيبتها وتوجهت إلى منزل ندى. ما إن دخلت حتى وجدتها جالسة أمام التلفاز، شاردة لا يبدو أنها تتابع ما يُعرض على الشاشة. وما إن وقعت عينا ندى عليها حتى نهضت مسرعة وعانقتها، وهي تقول بصوت حزين: — صبا، شكرًا لأنكِ جئتِ. أنا حزينة حقًا. بادلتها صبا العناق وربّتت على ظهرها برفق. — ماذا حدث؟ ابتعدت ندى عنها قليلًا، ثم قالت: — لقد استقلت. اتسعت عينا صبا دهشة. — ماذا؟ استقلتِ؟ ألم تقولي إنكِ مرتاحة في العمل؟ تنهدت ندى، ثم عادت لتجلس على الأريكة. — كنت مرتاحة حين كان المدير عمر يتولى الإدارة، لكن بعد أن تغيّر المدير، تغيّر كل شيء. كانت صبا تعرف أن ندى تعمل في الشركة الفرعية التابعة لشركات سليم، وأن آسر الراشد هو المدير الجديد هناك. لذلك سألتها مباشرة: — ماذا فعل لكِ آسر؟ التفتت ندى إليها باستغراب. — كيف
عاد سليم وصبا إلى المنزل في صمت شبه كامل.كان الطريق بينهما هادئاً، لا يقطعه سوى صوت السيارة.ما إن وصلا حتى دخل سليم مباشرة إلى الغرفة.التقط ملابسه واتجه إلى الحمام دون أن ينطق بكلمة.وقفت صبا للحظات تراقب الباب المغلق ثم توجهت إلى غرفة المعيشة.فتحت حاسوبها المحمول وجلست تراجع بعض الملفات المتبق
جلست صبا في مكتبها تحاول التركيز على الملفات أمامها، لكن عقلها كان مزدحماً بالأفكار.كانت تقرأ الأرقام والتقارير دون أن تستوعبها فعلياً.فجأة، قطع رنين هاتفها الصمت داخل المكتب.نظرت إلى الشاشة لتجد اسم نسرين يظهر أمامها.شعرت بتردد قبل أن ترد، لكنها أجابت في النهاية.قالت نسرين بصوت دافئ: "صبا حبي
في صباح اليوم التالي، استيقظت صبا على ضوء الشمس المتسلل إلى غرفتها.شعرت بثقل في رأسها وإرهاق يسيطر على جسدها.أدركت أنها استيقظت متأخرة على غير عادتها تماماً.اعتادت أن تستيقظ باكراً لتحضير الإفطار قبل أن يستيقظ سليم.حاولت تذكر متى نامت في الليلة الماضية، لكنها لم تستطع.يبدو أنها غفت بعد ساعات ط
الفصل الأوللم أكن أتخيل أن يوم زفافي سيكون بداية قصة لم أفهم فصولها بعد.اسمي صبا، أبلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً، فتاة عادية الملامح لكنني أؤمن أن لكل إنسان شيئاً يميّزه.أعمل خبيرة في مجال الطاقة المتجددة، وكان عملي دائماً ملجأي الذي أجد فيه نفسي الحقيقية.عندما رأيت سليم لأول مرة شعرت أن قلبي







