LOGINتسمرت عيناها على الخاتم الفضي الملطخ بالدماء الطازجة، القابع في منتصف كفه العريضة كشاهد قبر على آخر آمالها في النجاة. كان النقش البارز على المعدن البارد يصرخ بحقيقة مرعبة، حقيقة حاول العقل رفضها بكل ما أوتي من قوة. «لم يعد قادراً على التحدث إلى الأبد»... رددت كلماته في تجويف جمجمتها كصدى جرس إنذار في مدينة مهجورة، تزامناً مع ابتسامته المائلة التي لم تكن سوى قناع هش لبركان يغلي في أعماقه. لكن، وقبل أن تستوعب قمر حجم الكارثة، وقبل أن تنطق شفتيها المرتجفتين بكلمة دفاع واحدة، حدث ما لم يكن في الحسبان. تلاشت تلك الابتسامة الشيطانية عن شفتيه فجأة، وتحولت عيناه الزمرديتان الحادتان إلى زجاج باهت فقد بريقه. اهتز جسده الضخم بعنف، وكأن جبلاً من الجرانيت قد تصدع من الداخل. الجرح الغائر في كتفه، والذي تجاهله بصلابة أسطورية طوال الساعات الماضية، بدأ يطالبه بالثمن الباهظ. النزيف الداخلي والإرهاق الجسدي والنفسي، وتلك المعركة الطاحنة التي خاضها لحمايتها، تضافرت جميعها لتسقط أقوى رجال المافيا وأكثرهم رعباً.
سقط على ركبتيه ببطء قاتل، وتهاوى جسده للأمام، ليلقي بثقله كاملاً عليها. شهقت قمر برعب وهي تتلقفه بين ذراعيها، تسقط معه على الأرضية الخشبية الباردة تحت وطأة وزنه الهائل. «لا... لا تفعل هذا بي الآن!» صرخت بصوت مخنوق والدموع تنهمر من عينيها كشلال من الجمر، بينما كانت تحاول سند رأسه على صدرها. كان يتنفس بصعوبة بالغة، وصدره العاري يرتفع ويهبط في حشرجة تنذر بالخطر. رفعت يدها المرتجفة لتتلمس وجهه؛ كان يحترق بحمى مستعرة، وجبينه يتصبب عرقاً بارداً يمتزج بقطرات الدماء التي لطخت ملامحه القاسية. في تلك اللحظة، تبخر كل خوفها منه، وتلاشت كل شكوكها حول كونه وحشاً يتلاعب بها. لم ترَ أمامها سوى الرجل الذي أحبته بكيانها كله، الرجل الذي جعل من جسده درعاً ليتلقى رصاصة الموت بدلاً منها. الصراع النفسي الذي كان يمزق أحشاءها بلغ ذروته. قلبها يصرخ بها أن تبقى، أن تصرخ مستنجدة بحراسه، أن تموت بجانبه ولا تتركه في لحظة ضعفه الوحيدة. لكن عقلها، ذلك الجزء الملعون الذي أيقظته مكالمة الهاتف ورسالة سلافة، كان يهمس لها بحقيقة لا يمكن تجاهلها: طالما بقيت هنا، ستظل أسيرة لهذه الدوامة من الأكاذيب والغموض. إذا كان الخاتم الذي في يده يعود لطارق حقاً، فمن الذي هاتفها منذ قليل؟ وإذا كان طارق قد مات، فمن الذي ينتظرها في الغابة؟ هل نصب لها فخاً جديداً؟ أم أن هناك عدواً آخر يتلاعب بهما معاً؟ أدركت قمر بحدس أنثوي عميق، أن بقاءها في هذا القصر المدمر لن يجلب سوى المزيد من الدماء، وأن الحقيقة الوحيدة القادرة على إنقاذهما تكمن في الخارج، في تلك الغابة المظلمة التي تنتظرها. بقلب ينزف ألماً يفوق ألم جرحه، سحبت جسدها من تحته بصعوبة بالغة، ووسدت رأسه على إحدى الوسائد الحريرية الملقاة على الأرض. انحنت نحوه، وطبعت قبلة طويلة، حارقة، ومبللة بالدموع على شفتيه الباردتين، قبلة حملت كل اعتذارات الكون وكل وعود العشق الأبدي. «سأعود... أقسم لك بحياتي أنني سأعود، لكن يجب أن أعرف من أكون، ومن يحاول تدميرنا» همست في أذنه بكلمات متقطعة، قبل أن تنهض بسرعة، وتتجه نحو الخزانة المحطمة. ارتدت بنطالاً أسود ضيقاً وسترة جلدية داكنة وحذاءً متيناً يليق بالهرب، ثم اتجهت نحو النافذة البانورامية المهشمة. كان الظلام يلف العالم الخارجي، والرياح الباردة تعوي كذئاب جائعة. تسلقت حافة النافذة بحذر، وبدأت في الهبوط عبر تعريشات اللبلاب الكثيفة والأعمدة الحجرية المتصدعة بفعل الانفجار. كانت يداها تنجرحان بفعل الحجارة المدببة، وقدميها تنزلقان مراراً، لكن إصرارها على كشف الحقيقة كان يمنحها قوة خارقة. عندما لامست قدماها الأرض الرطبة خارج أسوار القصر، ابتلعها ضباب الغابة الكثيف فوراً. كان الصقيع ينهش عظامها، وروائح الأشجار المتعفنة والتراب المبلل تخنق أنفاسها. ركضت بين الأشجار العملاقة كشبح تائه، تتعثر بجذور الأشجار البارزة، وتتجنب الأغصان المتشابكة التي كانت تمزق ملابسها وتخدش وجهها كأصابع شياطين تحاول منعها من التقدم. كانت كل خطوة تبعدها عن القصر تزيد من تمزق روحها، وكأن هناك حبلاً سرياً غير مرئي يربطها بنبضات قلب الرجل الملقى على الأرضية الخشبية خلفها، يشتد ويختنق كلما ابتعدت. بعد ربع ساعة من الركض الأعمى، وصلت إلى إحداثيات المكان الذي حدده المتصل. كانت بقعة صغيرة خالية من الأشجار، يضيئها نور قمر شاحب يتسلل بصعوبة عبر سحب الخريف الكثيفة. وقفت تلهث، تستدير في كل الاتجاهات، وعيناها تحاولان اختراق العتمة. «طارق؟» نادت بصوت مرتجف، مبحوح، ابتلعته الرياح الباردة. «هل أنت هنا؟» من بين ظلال الأشجار الكثيفة، انفصل طيف أسود وبدأ يقترب منها بخطوات هادئة، رتيبة، ومحسوبة. تجمدت الدماء في عروق قمر، وتراجعت خطوة للخلف غريزياً. ظهر الرجل تحت ضوء القمر الشاحب؛ كان طويلاً، يرتدي معطفاً طويلاً أسود اللون، وملامحه حادة كشفرة سكين. لكن الصدمة الحقيقية التي شلت تفكيرها لم تكن في ظهوره، بل في يديه... كانت كلتا يديه سليمتين، وأصابعه كاملة! الخاتم الملطخ بالدماء الذي أراه إياها زعيم المافيا لم يكن له إذن! «لقد أتيتِ أخيراً يا قمر... أو يجب أن أقول، يا ظل القمر؟» تحدث الرجل بنبرة باردة، خالية من أي مشاعر، نبرة لا تمت بصلة للصوت المذعور والملهوف الذي سمعته عبر الهاتف. «أنت... أنت لست شقيقي...» تراجعت قمر خطوة أخرى، والرعب يزحف إلى كل خلية في جسدها. «من أنت؟ ولماذا ادعيت ذلك؟ الخاتم... هو قال إنه قتلك!» انفجر الرجل في ضحكة قاسية، مجردة من الإنسانية، صدى ضحكته تردد في الغابة كعواء ذئب منتصر. «الخاتم؟ تقصدين ذلك الخردة الفضية التي ألبستها لأحد الحمقى الذين استأجرتهم لاقتحام القصر؟ كان مجرد طعم مبتذل، تكتيك رخيص لإلهاء وحشكِ العاشق وجعله يظن أنه تخلص من التهديد الحقيقي. لقد أرسلت ذلك المعتوه ليُقتل عمداً، فقط لكي أتيح لكِ فرصة الهرب والوصول إليّ.» «لماذا؟» صرخت قمر، والدموع تحرق عينيها من شدة الخذلان والصدمة. «لماذا تفعل كل هذا؟ من أنت بحق الجحيم؟» توقف الرجل عن الضحك، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة ومفترسة، وعيناه تلمعان بكراهية خالصة. «أنا المهندس الحقيقي لكل ما تعيشينه يا عزيزتي. أنا من دبر حادث السير الذي قتل عائلتكِ ودمر دماغكِ. أنا من استغل غيبوبتكِ الطويلة لغرس ذكريات مزيفة في عقلكِ الباطن. لقد أقنعتكِ بأنكِ 'ظل القمر'، العقل المدبر الإجرامي، الخائنة التي تسللت لتدمير إمبراطوريته. أردت أن أجعلكِ السلاح المثالي لقتله.» اتسعت عينا قمر بذهول مرعب، وشعرت بأن الهواء قد سُحب من رئتيها بالكامل. «أنت... أنت من مسح ذاكرتي؟ كل ما كنت أظنه ذنبي... كل شعوري بالذنب تجاهه... كان كذبة؟ أنا لست خائنة؟» «أنتِ مجرد بيدق تافه يا قمر، أداة رخيصة استخدمتها لاختراق حصونه التي لا تقهر،» بصق كلماته بقسوة مفرطة. «كنت أعلم أنه مهووس بكِ، وأنه سيستعيدكِ مهما كلفه الأمر. خطتي كانت بسيطة: أجعلكِ تعتقدين أنكِ مجرمة، أدفعكِ للجنون بالرسائل المشفرة والمكالمات الوهمية، حتى تنهاري وتقتليه بيدكِ، أو تدفعيه لقتلكِ فينهار هو ويفقد عقله وإمبراطوريته. لكنكِ فشلتِ! خضعتِ لعشقكِ الساذج له ورفضتِ قتله في لحظة ضعفه!» أخرج الرجل مسدساً أسود لامعاً من تحت معطفه، وصوبه مباشرة نحو صدرها. «بما أنكِ فقدتِ فائدتكِ كحصان طروادة، وبما أن وحشكِ يحتضر الآن بسبب خطأه في حمايتكِ، لم يعد لكِ أي لزوم في هذه المسرحية.» أغمضت قمر عينيها، مستسلمة للموت الذي بدا كرحمة أمام هذا الحجم من الخداع البشري. لم تكن تبكي خوفاً من الرصاصة، بل بكت لأنها أدركت أخيراً مدى نقاء حبها له، ومدى ظلمها لنفسها حين اعتقدت أنها وحش مثله. تمنت فقط لو استطاعت أن تعود إليه، أن تحتضنه للمرة الأخيرة، وتخبره أنها بريئة، وأن عشقها له كان الحقيقة الوحيدة في عالم الأكاذيب هذا. انتظرت دوي الرصاصة التي ستخترق قلبها، لكن بدلاً من ذلك، شق سكون الغابة هدير مرعب، زئير غير بشري تردد صداه بين الأشجار كغضب إلهي مدمر. انطلقت رصاصة، نعم، لكنها لم تخرج من مسدس الرجل الذي يقف أمامها.وقف أمامها، يلهث قليلاً، رائحة الهواء البارد والليل مختلطة برائحته الرجولية الطاغية. لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بتأملها من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها، وعيناه تلتهمان كل تفصيلة فيها تحت ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل من النافذة. كانت تبدو كإلهة إغريقية في ثوبها الزمردي الذي يعانق جسدها، وشعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها كشلال من الليل. لم تستطع تحمل المسافة التي تفصل بينهما، ولا الصمت الذي يلفهما. «أنت مجنون!» همست بصوت مختنق بالدموع والشوق، وهي تندفع نحوه وتضرب بقبضتيها الصغيرتين على صدره الصلب. «أنت زعيم أكبر إمبراطورية في العالم السفلي، وتتسلل من النافذة كالطائشين المراهقين؟ ماذا لو رآك حراسك؟ ماذا لو ظنوا أنك متسلل وأطلقوا النار؟ كيف تكسر قواعدك الأمنية التي وضعتها بنفسك؟».أمسك بقبضتيها اللتين تضربان صدره، وجذبهما إليه بقوة، ليثبتهما خلف ظهرها، مقرباً إياها حتى التصق جسدها النحيل بجسده الضخم. انحنى بوجهه نحوها، حتى لامست أنفاسه الحارة شفتيها المرتجفتين. «لتذهب القواعد الأمنية إلى الجحيم، ولتحترق تقاليد العائلات، وليفنى العالم بأسره إذا كان الثمن هو أن أقضي ليلة واحدة بعيداً
لم يكن الظلام الذي ابتلع قمر في تلك اللحظة مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل كان ظلاماً حياً، يتنفس، ويزحف نحو رئتيها ليعتصر آخر ذرات الأكسجين فيهما. سعلت بعنف بينما كان الغاز الكيميائي اللاذع يتسرب من فتحات التهوية، يحرق حنجرتها ويغشي عينيها بدموع لا إرادية. جسدها الذي كان قبل ثوانٍ ينبض بنشوة التتويج، أصبح الآن يرتجف تحت وطأة فستان الزفاف الذي بدا وكأنه يضيق حول خصرها وعنقها كأفعى تعتصر فريستها. الرقاقة الإلكترونية الحمراء كانت لا تزال تومض على الأرض كعين شيطانية تراقب احتضارها، والقطعة القماشية السوداء التي تحمل شعار «المجلس الأعلى» بدت وكأنها تبتسم بسخرية من سذاجتها. حاولت الزحف نحو الباب الفولاذي، تضرب عليه بقبضتيها اللتين بدأتا تفقدان قوتهما، لكن صوت ضرباتها كان يضيع في الفراغ العازل للصوت. أغمضت عينيها، وبدأ وعيها يتلاشى، وفي تلك اللحظة التي استسلمت فيها فكرة الموت لتعانق روحها، اهتزت الأرض من تحتها.لم يكن صوتاً عادياً، بل كان انفجاراً أصم مزق طبلة الأذن، أعقبه تحطم الباب الفولاذي الذي اقتُلع من مفصلاته ليطير في الهواء ويسقط بجلجلة مرعبة. ومن وسط سحب الدخان الكثيف والغاز المتسر
كان الفستان تحفة فنية تتجاوز حدود الخيال، مزيجاً من الرقة الملائكية والفخامة الملكية. صُنع من الحرير الإيطالي الخالص بلونه الأبيض العاجي، والذي ينسدل بنعومة فائقة ليعانق منحنيات جسدها بدقة متناهية. الكورسيه العلوي كان مطرزاً يدوياً بخيوط الفضة الدقيقة وآلاف القطع من الألماس الحر وحبات اللؤلؤ الصافية، والتي صُفت لتشكل نقوشاً لأزهار برية متشابكة، تمتد من صدرها وتتلاشى تدريجياً نحو الخصر النحيل. الأكمام كانت طويلة ومصنوعة من الدانتيل الفرنسي الشفاف، الذي يزين ذراعيها كوشم أبيض دقيق، بينما كان الظهر مكشوفاً بشكل V عميق، يبرز بشرتها المرمرية الصافية، وينتهي بفيونكة حريرية ضخمة ينسدل منها ذيل الفستان الطويل جداً، والذي يمتد لعدة أمتار خلفها على السجاد المخملي كغيمة بيضاء تلامس الأرض. الطرحة كانت من التول الشفاف للغاية، مثبتة على شعرها الأسود الفاحم المرفوع جزئياً بتاج ألماسي صُمم خصيصاً ليحمل شعار عائلة حبيبها. كانت تنظر إلى انعكاسها في المرآة، بالكاد تتعرف على نفسها. لم تكن تلك الفتاة الخائفة، فاقدة الذاكرة، التي كانت تركض في الغابات؛ كانت تبدو وكأنها إمبراطورة متوجة، قوية، طاغية الأنوثة،
تلاشى صدى الصوت المشوه في أرجاء الجناح الملكي كأنه همسة شيطانية تبخرت في هواء الفجر البارد، مخلفاً وراءه صمتاً مرعباً يثقل الصدر ويخنق الأنفاس. وقف البطل جامداً كتمثال من الجرانيت الأسود، وعيناه الزمرديتان مثبتتان على الهاتف الفضائي والقلادة الفضية الملطخة بدماء والدته. «المجلس الأعلى»... الكلمة بحد ذاتها كانت تعتبر أسطورة في العالم السفلي، خرافة يتناقلها زعماء المافيا في جلساتهم المغلقة بخفوت، ككيان خفي يحكم العالم من وراء الستار، يصنع الملوك ويسقط الإمبراطوريات دون أن يترك أثراً. لقد ظن أنه وصل إلى قمة الهرم بقتله للزعيم الأكبر وإسقاطه لمؤسس الظل، لكنه الآن يدرك، وبمرارة لاذعة، أنه كان مجرد مصارع يقاتل في حلبة صغيرة، بينما يجلس سادة اللعبة الحقيقيون في المدرجات يراقبونه ببرود. سحق الهاتف الفضائي تحت كعب حذائه الثقيل حتى تحول إلى حطام دقيق، وانحنى ليلتقط قلادة والدته، قابضاً عليها بقوة حتى غاصت حوافها المعدنية في لحم كفه، لتختلط دماء الماضي بدماء الحاضر. التفت ببطء نحو السرير الدائري، حيث ترقد قمر غارقة في نوم عميق، أنفاسها هادئة، وملامحها الملائكية تفيض بسلام مؤقت. اقترب منها بخطوات
«أنتِ لستِ أسيرتي، ولستِ شريكتي فقط... أنتِ الملكة المطلقة لكل ما أملك، لكل حجر في هذا المكان، ولكل نبضة في هذا القلب المظلم. أوامركِ هي القانون، وغضبكِ هو العاصفة، ورضاكِ هو غايتي الوحيدة في هذا الوجود الجحيمي».أدمعت عيناها أمام هذا الاعتراف الذي يحمل استسلاماً تاماً من رجل لم يعرف الاستسلام يوماً. رفعت يديها وطوقت عنقه، ودفنت وجهها في صدره، لتستنشق عبير رجولته الطاغية الذي يختلط برائحة الانتصار. لم تكن هناك حاجة للكلمات، فالتلاحم الجسدي والروحي بينهما كان يروي ملحمة كاملة من العشق والولاء. انحنى وحملها بين ذراعيه كأنها أثمن جوهرة في الكون، وخطا بها خارج غرفة التحكم، متجهاً نحو الجناح الملكي الخاص بهما، الجناح الذي لم يطأه أحد سواه، والذي سيشهد الليلة طقوساً جديدة، طقوساً تعيد كتابة مفهوم الحب وسطوة العشق المتبادل.دخل بها الجناح الملكي الشاسع، الذي كان يجسد الفخامة المطلقة بأسلوب يجمع بين الغموض الكلاسيكي والرفاهية الحديثة. كانت الجدران مكسوة بالحرير الأسود والذهبي العتيق، تتوسط الغرفة سرير دائري ضخم مغطى بمفارش من المخمل القرمزي العميق الذي يحاكي لون الدماء والشغف. الأضواء كانت خا
ترددت أصداء كلمات القائد الميداني في فضاء الغابة المظلمة كتعويذة موت قديمة، لتسقط على روح قمر كجبل من الجليد السام الذي جمد الدماء في عروقها وأوقف نبض قلبها لثوانٍ بدت كأنها دهر كامل. «أبي... هو المؤسس؟ هو من أمر بالإبادة؟» همست بها شفتيها المرتجفتين وهي تتراجع ببطء، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى رمال متحركة تبتلع كل ذكرياتها، كل دموعها، وكل صلواتها التي رفعتها للسماء طوال عشر سنوات من الحداد الممزق. في تلك اللحظة السريالية، انشقت صفوف الحراس التابعين لفريق البطل، ليتقدم من بينهم رجل يسير بخطوات واثقة، هادئة، ومفعمة بغرور طاغٍ لا يتناسب أبداً مع هيئة السجين المقهور الذي رأته على الشاشة قبل دقائق. كان يرتدي بذلة سوداء أنيقة لا تشوبها شائبة، ووجهه الذي ظنته محفوراً بعذابات الأقبية كان يشع بنضارة قاسية، وعيناه... عيناه كانتا تحملان نفس البرود الجليدي الذي رأته في عيني الزعيم الأكبر، بل أشد فتكاً. كان هذا هو الرجل الذي بكت على قبره الفارغ، الرجل الذي شكل غيابه فجوة سوداء في روحها، يقف الآن أمامها حياً يُرزق، ليس كأب حنون عاد من الموت، بل كشيطان متجسد تربع على عرش الخراب الذي دمر حيات







