LOGINخرج إياد من الممر الخفي يحمل يارا المغمى عليها. جسدها الضئيل يرتكز على صدره، ورأسها يتدلى شاحباً. شعر بحرارتها رغم برد الشارع. عند الزاوية انتظرته سيارة سوداء مصفحة، يستند إليها ريان ببدلته وسيجارته وابتسامة تهكمية حادة.
"فشلتَ مرة أخرى يا إياد؟" قال ريان بنبرة تقطر سخرية وهو يرمي العقب أرضاً ويدوسه بحذائه. شدّ إياد على جسد يارا بغضب مكتوم، وعيناه تشتعلان خلف النظارة الداكنة. "اتصلتُ بك ثلاث مرات على الشفرة الخاصة… لماذا لم تأتِ؟" عدّل ريان ياقته ببرود: "تداخلت الترددات في المنطقة." نظرت عيناه إلى كتف يارا الممزق، فغطاها إياد بسرعة. ضحك ريان مستفزاً: "ما هذا؟ سيناريو ليلى مجدداً؟ ألم تتعلم حين خسرت العائلة الملايين وكاد أبونا يموت بسبب قلبك الضعيف؟" تصلّب جسد إياد، وبرزت عروق عنقه. الصوت الذي خرج منه كان منخفضاً لكنه يحمل تهديداً واضحاً. "أغلق فمك يا ريان، وافتح الباب." صمت ريان ثم فتح الباب. وضع إياد يارا بعناية وانطلقت السيارة في صمت الليل، وهو يحدق في وجهها الشاحب والوشم الذي يحرق ذاكرته. في قصر آل فارس المخيف وقف نادر أمام النافذة يرتشف قهوته. حين دخل إياد بلا القطعة، التفت ببطء وعيناه القاسيتان كالجليد تثبتان عليه. "خسرتَ القطعة…" قال نادر بصوت هادئ ومحيّر، يحمل تهديداً أشد من أي صراخ. "سنة كاملة من التخطيط، والنتيجة أن عصابة حوراني أخذت الذهب والرمز، وأنت عدتَ بجهد ضائع." "كانت هناك كمين، ونظام الاتصال حُجب،" رد إياد بثبات، رغم أن الغضب يغلي داخله. وقعت عينا نادر فجأة على الفتاة الممددة على الأريكة خلف إياد. انحرف حاجباه قليلاً، ونبرة صوته تغيرت إلى شيء أقرب إلى التقزز. "ومن هذه القمامة التي أحضرتها معك؟" "كانت في المكان الخطأ… رأتنا ورأت الحراس،" قال إياد محاولاً إبعاد الشبهة عن الوشم الذي رآه، وعن الإحساس الغريب الذي لازمه منذ لمسة الشفاه تلك في الغرفة. نظر إليها نادر بحدة باردة. "إذن هي شاهدة. خذوها إلى القبو الأوسط، قيدوا يديها. لا طعام ولا ماء حتى أقرر كيف أتنصل من جثتها دون أن تترك أثراً." أومأ الحراس، وحملوا يارا بعيداً. ظل إياد واقفاً للحظة، يده تتشبث بحافة الأريكة، قبل أن يخرج دون كلمة إضافية. استيقظت يارا على برودة الخرسانة، يداها مكبلتان بسلاسل. الغرفة مظلمة ومصباحها أصفر. رأسها يؤلمها، وذكريات القطعة والوشم تندفع، والألم يمتد لكتفيها. انفتح الباب الحديدي بصوت صرير حاد. دخل رجل عريض الكتفين، ترتسم على وجهه حيوية باردة وقسوة لا تخطئها العين. ظنته يارا فوراً الرجل نفسه الذي دافع عنها في الفندق — نفس الملامح، نفس القامة — فصرخت بغضب: "أنت! لماذا قيدتني؟ أنقذتني لتجلسني في قفص؟" اقترب نادر ببطء، ووقف أمامها مباشرة. انحنى قليلاً مستعرضاً طوله الفارع ليجعلها تشعر بضآلتها. ابتسامة سخرية حقيرة ارتسمت على شفتيه. "أنقذتكِ؟" قال بصوت خفيض مستفز. "أنتِ توهمين نفسكِ يا هذه. أنا لم أنقذ في حياتي حشرة، فما بالك بامرأة رخيصة تتسلل للمزادات الشبيهة ببيوت الدعارة؟" صُدمت يارا من تغير نبرته وشخصيته الكاملة. العيون نفسها، لكن الروح مختلفة تماماً. "ماذا تقول؟ أنت قبل ساعات…" "قبل ساعات كنتُ مشغولاً بالتفكير في الطريقة التي سأمحوكِ بها من الوجود،" قاطعها ببرود يقطع كل أمل. طالع وجهها بتمعن، ثم ضحك بخفة. "انتظري… ملامحكِ ليست غريبة. يارا… صحفية مطرودة وابنة الباحث الفاشل؟" احمرّ وجهها غضباً. "أبي ليس فاشلاً! أبي تم تلفيق التهمة له!" سحب نادر كرسياً خشبياً وجلس أمامه معكوساً، متكئاً بظهره على مسنده، وقال بنبرة مليئة بالإهانة: "والدكِ مات كالحشرة المخمورة، وهو يقود سيارته كالقتلة ومعه طفل في السابعة عشرة ودعه للهاوية. تقرير الشرطة لم يكذب… كان يتعاطى المخدرات ويتجرع الكحول ليهرب من ديونه بعد أن أفلست شركته وطُرِدتم إلى الشارع." "كذب! أبي لم يلمس الخمر طوال حياته!" صرخت يارا والدموع تغلي في عينيها، وهي تحاول سحب السلاسل بقوة حتى أدمت معصميها. "أنتم آل فارس… أنتم من سرقتم أبحاثه وغلقتم شركته!" وقف نادر ببطء، ووطأ بقدمه على حافة السلسلة الملقاة أرضاً ليشد يدها إلى الأسفل. الألم جعلها تئن، لكنه لم يهتم. "سواء أعجبكِ التقرير أم لا… هذه هي الحقيقة. والدكِ كان لصاً ومدمناً، وأنتِ لستِ سوى ابنة لص تحاول لعب دور البطلة. استمتعي بليلتكِ الأخيرة هنا، لأن القاع هو المكان الوحيد الذي تناسبكِ الإقامة فيه." استدار وغادر الحجرة، تاركاً الباب يغلق خلفه بصوت ثقيل. بقيت يارا تصارع صدى السلاسل وشهقات الغضب والظلم. انكمشت على نفسها في العتمة، والسلاسل تهتز مع كل حركة. انسابت الصور كالشريط الأسود في ذاكرتها: المطر الغزير تلك الليلة في روسيا عندما تلقت مكالمة النعي… جثة أخيها صاحب السبعة عشر عاماً وأبيها الملقاة في المشرحة… تقارير الشرطة المزيفة التي اتهمت والدها بالتزوير والسرقة والانتحار بداعي الخوف من سجن ثلاثين عاماً… انسحاب المساهمين وفقدان المنزل… ثم طردها التعسفي من جريدتها حين حاولت فتح الملف. ضغطت على أسنانها حتى كادت تتكسر. "لن أموت هنا… سأفضح آل فارس جميعاً." في جناح الجدة لولا دخل إياد بوجل وهمس لها مضطرباً. "جدتي… لقد رأيتُ الرمز." رفعت الجدة رأسها ببطء، وعيناها الغائمتان تتسعان فجأة. "عن أي رمز تتحدث؟" "الوشم… على ظهر الفتاة التي أحضرناها الليلة. الرمز اليوناني الغائر في منتصف الوشم الأزرق… يتوهج عند الاقتراب." سقطت المسبحة من يد الجدة. تلون وجهها بالاصفرار المفاجئ، ووقفت بجهد غير متوقع وهي تمسك بياقة إياد بحدة لم يعرفها من قبل. "هل تدرك ما تقوله يا إياد؟… الرمز المفقود هنا؟" "هي في القبو الأسفل… نادر يريد…" قاطعته الجدة بصوت يرتجف رهبة وغضباً في آن واحد: "خذني إليها… حالاً!"دفع نادر باب الشركة بخطوات ثابتة، يحاول فرض هيبته المعتادة. الطابق العلوي كان هادئاً بشكل غريب. دفع باب قاعة الإدارة بقوة، فتجمد في مكانه. طارق يجلس في المقعد الرئيسي بكل ثقة. العم نواف بجانبه، وجهه بارد كالجليد. اقترب نادر غاضباً: — ماذا تفعل هنا؟ رفعه نواف يده بصوت قاطع: — لا ترفع صوتك. طُردتم من القيادة العليا. المنصب انتقل إلى طارق وأخيه يزيد. أنت مجرد نائب الآن، وأنا أحكم تحت صلاحيات طارق. اندفع نادر إلى الأمام: — هل جننتم؟ تتنازلون للعدو بهذه السهولة؟ ابتسم طارق ابتسامة مستفزة ودفع تقريراً على الطاولة: — ليست جنوناً، أرقاماً. خمسة عشر مستذئباً قتلوا في أسبوع واحد بسبب فوضاك. لولا أموال عائلتي لسحقكم الشياطين منذ أيام. خرج نادر من القاعة محطماً. الدم يغلي في عروقه. رأى في كل شيء وجه يارا. السبب. من مكتبه المظلم أمر مديره: — جهّز الصندوق الأسود. الهدية المرعبة. وأكتب الرسالة بيدي. كتب بخط غاضب: «هل صدقتِ حقاً أنني أميل إليكِ عاطفياً؟ افتحيه بنفسكِ.» وصل الصندوق إلى القصر. أخذته يارا ببرود ووضعته جانباً. قبلت دعوة إياد للخروج. أرادت أن تهرب من الأفكار التي تحاصرها. ذ
في قاعة مظلمة ساكنة تقع في أعماق البحر الأبيض المتوسط قبالة سواحل اليونان، بعيداً عن أعين البشر وعالم المستذئبين، انعقد اجتماع طارئ لأمراء مملكة الشياطين الخمسة. تصدرت الطاولة الحجرية الطويلة القائدة الشيطانية الكبرى. امرأة ذات هيبة طاغية وجمال مظلم يجمد الدم. رفعت الكأس الزجاجية المليئة بسائل قرمزي داكن، ونظرت إليهم بابتسامة ماكرة: — أخيراً... وصلت الرسالة إلى وجهتها. عرفت تلك الفتاة عالمها الحقيقي، وباتت تدرك بوضوح من هم أعداؤها. رفع الجميع كؤوسهم بصمت مشوب بالترقب. تابعت بنبرة حازمة: — نحن لا نتحرك بعجرفة الألفا، بل بالصبر والمكيدة. الوشم على ظهرها يقودنا خطوة بخطوة إلى الكنز. سأجعلها تأتي إلى أحضاننا طوعاً. أريدها هنا غداً في هذا القاع، سراً ودون أن يرف جفن لأحد من آل فارس. سأعرف كيف أروضها، وستنضم إلينا بكامل إرادتها. علق أحد الأمراء بتساؤل حاد: — لكن الخريطة لا تزال مختفية يا سيدتي، والوشم وحده قد لا يكفي. — بل يكفي لنعرف أين تختبئ بدقة. الأهم الآن أن نكسب ولاءها ونزرع الحقد والسم في عقلها ضد قاتلي أبيها. بالتزامن مع عتمة القاع، كانت يارا واقفة متسمرة أمام زجاج حمام غرفت
نزلت يارا بخطوات مرتعشة تتبع العجوز لولا عبر ممرات القصر الحجرية المعتتمة، ورائحة الغبار والزمن القديم تملأ الأرجاء. توقفت العجوز أمام باب حديدي ثقيل نقشت عليه رموز غريبة، ودفعته بصمت ليصدر صريراً بطيئاً يكشف عن قاعة مظلمة تضيئها طلاسم زرقاء خافتة. التفتت الجدة لولا، ونظرت إليها بنظرة نافذة: — "أعلم جيداً أنكِ فتاة عصرية، بشرية بالكامل، لا تؤمنين بكل هذه الخرافات. لكن... أحياناً تتجاوز الحقيقة كل ما تخيلته عقول البشر." انتفضت يارا، وعقدت حاجبيها بعدم تصديق: — "عن أي حقيقة تتحدثين؟ كفوا عن هذه الألعاب السخيفة!" اقتربت العجوز ببطء ممسكة بعصاها، وفتحت مخطوطة جلدية قديمة تزينها رسومات معقدة لذئاب بشرية وعوالم مظلمة: — "العالم الذي تعيشين فيه ليس سوى قشرة رقيقة. هناك ما وراء الحدود؛ عائلة آل فارس، الألفا، المستذئبون الذين يحقنون التوازن في هذا الكوكب، ومن بينهم نادر. وهناك في المقابل، مملكة الشياطين التي تتربص بالجميع. أما أنتِ، فالوشم على ظهركِ ليس عبثاً، بل هو مفتاح طاقة سيجعلكِ يوماً مساعدة للألفا، ومحور صراع لا يرحم." كان ريان يقف في زاوية القاعة المظلمة، يراقب الحوار بصمت مطب
في سكون منزل بيان، غرق آدم في نوم ثقيل كأنه يهرب من العالم. راقبته يارا بهدوء ثم انسحبت كظلال الليل. مرت ليلتان بطيئتان كحلم مزعج، حتى انفجر الباب في الليلة الثالثة. دخل ريان بخطوات واثقة كالموت نفسه، بدلته القاتمة تبتلع الضوء وحارساه خلفه كشبحين صامتين. تجمدت يارا، ظهرها يلتصق بالحائط البارد، عيناها تشتعلان غضباً: «كيف وصلت إلى هنا؟!» خرجت بيان مرتجفة، دموعها تجري وهي تهمس بالخيانة: «نفوذهم لا يُقاوم... وعدوني ألا يمسوا آدم». انفجر غضب يارا كبركان، اتهمتها ببيع الصداقة بأبخس الأثمان. تقدم ريان بهدوء قاتل: «آدم بأمان تحت حمايتنا... انزلي باختيارك أو بالقوة». رفعت يارا رأسها بتحدٍ ناري: «سآتي... لكنني سأحرق جحرتكم من الداخل!» في السيارة الفاخرة التي كانت تخترق ظلام الليل بسرعة جنونية، لم تكن يارا جالسة في الخلف، بل جلست إلى جانبه في المقعد الأمامي مباشرة. عمّ صمت ثقيل ومكهرب أرجاء المقصورة، قبل أن يضغط ريان على المكابح فجأة ويتوقف في زاوية مظلمة ومنعزلة على جانب الطريق. التفت إليها ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة ومستفزة، ثم أخرج من جيب معطفه ملفاً طبياً رسمياً يحمل ختماً
في جناح الاجتماعات المعتم بقصر آل فارس، كان الغضب يخنق الهواء كضباب أسود. عاد إياد فجأة من مهمته داخل قلعة الشياطين، ورأى على الطاولة التقارير التي جمعها. رماها بحدة حتى تناثرت الأوراق، وهتف بنبرة محذرة تقطع الصمت: "هل تدركون ما يحدث حقاً؟! انهيار شركة آل فارس لا يعني ضياع المال فحسب... بل هو انهيار الدرع الحامي لقطيع الألفا بأكمله! إن سقطنا، فلن تتردد شياطين أستاروث في اجتياح أراضينا وإبادتنا عن بكرة أبيه. الجاسوس أكد أن الهجوم قادم خلال أيام!" هتف العم نواف بوجل واضح وهو يضرب الطاولة بيديه المرتعشتين: "عليك أن تتصرف يا نادر! العملاء ينسحبون واحداً تلو الآخر، وطارق حوراني يبتلع أسهمنا في البورصة علانية كأنه يلتهم جثة! افعل شيئاً قبل أن نصبح مجرد ذكرى!" وسط هذا الضغط الخانق، اجتمع التوأم الثلاثة سراً في غرفة العتمة مع الجدة لولا. كانت العجوز تجلس مستقيمة، وعيناها الثاقبتان تلمعان في الظلام. رفعت صوتها بحزم لم يُسمع منذ سنوات: "تلك الفتاة، يارا، ليست بشرية عادية. إنها تحمل في عروقها دماً هجيناً قديماً، وهي المفتاح الأساسي لخريطة الكنز الأسطوري الذي يحمي سلالتنا من الانقراض." عقد
في مدينة أثينا باليونان، جلس إياد في زاوية معتمة من مقهى مهجور يتبادل الحديث بحذر شديد مع جاسوس من قطيع الألفا متغلغل منذ أشهر داخل مملكة الشياطين. كان الرجل متوتراً، عيناه تتحركان باستمرار نحو الأبواب والنوافذ."أستاروث لم يعد ينتظر"، همس الجاسوس بصوت خفيض متقطع. "جمع ملوك الظلام السبعة في قاعة الدم السوداء. يخطط لهجوم شامل خلال الاسابيع القادمة يريد الجوهرة والرمز معاً. يقول إن حاملة دم لونا هي المفتاح الأخير، وإن لم يحصل عليها فسيحرق المدينة كلها ليجدها. هناك خائن داخل القصر يرسل له مواقعكم بدقة... شخص قريب جداً من العائلة."قبل أن يرد إياد، شعر فجأة بوخز حارق في صدره كأنه سكين ملتهب. تملّكته دوخة عنيفة أفقدته توازنه تماماً. ارتجفت عيناه واتسعتا، ثم توهجتا ببريق أزرق خافت لثوانٍ معدودة قبل أن يعود إلى طبيعته وهو يلهث.في اللحظة نفسها تماماً، على بعد آلاف الأميال، كان ريان يحقق مع أحد المجرمين في غرفة الاستجواب بمركز الشرطة. فجأة ضربته موجة ألم غامضة اجتاحت رأسه كصاعقة. استأذن بسرعة وهرع نحو الحمام، وأسند يديه المرتجفتين على المغسلة وهو يسكب الماء البارد على وجهه. رفع نظره إلى الم







