LOGINاستندت الجدة لولا على عصاها، وعيناها تطالعان الظلام بريبة، بينما اندفع إياد خلفها. حين رأى يارا مستلقية على الخرسانة الباردة وكتفاها يرتجفان، تجمد لحظة ثم جثا يفك القيود بسرعة محمومة. لمس جلدها فشعر بحرارة غريبة تذكره بالغرفة 107.
سحبت يارا يديها بعنف وتراجعت إلى الجدار صارخة: "لا تلمسني! أنتم عائلة مجانين! تارة كحشرة وتارة كمنقذ؟ ماذا تريدون مني؟" لم يجبها إياد، ونظرته سقطت على كتفيها والوشم المتوهج. اقتربت الجدة وتلمست الرمز اليوناني بإصبعها. انقبضت يارا وعدّلت فستانها: "هل أصلح لوحة في متحفكم؟" استدارت العجوز ومضت . أمر إياد الخادمة: "خذيها للجناح العلوي، ملابس وطعام." سخرت يارا: "انفصام حاد! أي وجه حقيقي؟" فتجاهلها تماماً. في المكتب الرئيسي وقف نادر أمام النافذة وعروقه تكاد تنفجر. صرخ عمه نواف من الهاتف: "خسرنا المناقصة! طارق حوراني يضع يده على الجوهرة. القطعة ملعونة! أزهقت روح صاحبها بيدي وهشمت رأسه، لكن اللعنة ترفض الخضوع!" أغلق نادر الخط، شرب خمره، وأمر حارسه: "إلى الحانة... جهزوا امرأة معصوبة العينين." في الجناح العلوي خرجت يارا من الحمام بملابس سوداء، ونبشت الأدراج حتى وجدت صورة لإياد مع فتاة حسناء كتب عليها: "ليلى... الجرح الذي لا يبرأ". دست الصورة في جيبها وتسللت هاربة، مدركة أن البقاء يعني الموت. وفي منتصف الطريق نحو الباحة الخلفية، جف الدم في عروقها حين رأت رجلاً يتكئ على العمود... كان ريان يرتدي سترة جلدية سوداء وسروالاً بسيطاً، بين أصابعه سيجارة مشتعلة، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة خطيرة حادة تشبه نصل خنجر. نظراته تلتهمها ببطء من رأسها حتى قدميها. تراجعت يارا خطوة للخلف، وعيناها تتسعان بذهول: "أنت... أنت مجنون بلا شك! قبل قليل كنت ترتدي ثياباً رسمية وتصدر الأوامر في الأسفل، وفي مجرد ساعة غيرت مظهرك وشخصيتك ثلاث مرات!" أطلق ريان زفيراً طويلاً من دخان سيجارته، واستقام بجسده ببطء. مال برأسه جانباً وهو يتأملها بنظرات تفترس جهلها، والاستمتاع يقطر من عينيه اللعوبتين. كان يعلم تماماً أنها تخلط بينه وبين أخويه، وهذا اللبس كان بالنسبة له أمتع لعبة. خطا نحوها خطوة خفيفة، حتى صار قريباً جداً. همس بنبرة تقطر خباثة وتهكماً وإغراءً خطيراً: "يا للروعة... ألهذه الدرجة أنا مبهر حتى تلاحظين كل تفصيلة في تقلباتي؟ عموماً يا جميلة... إن كنتِ تفكرين بالهرب، فالطريق من هناك..." أشار بيده نحو المخرج السري، ثم أردف بضحكة خفيضة مستفزة وهو يقترب أكثر حتى شعرت بأنفاسه على خدها: "لكنني لو كنتُ مكانكِ، لما كلفتُ نفسي عناء الركض... فالكلاب هنا لا ترحم الأجساد الطرية. وأنتِ... تبدو لذيذة جداً لتُترك للطريق." وقفت يارا في الظل، تشاهد حراساً يُدخلون امرأة ملفوفة برداء رقص شرقي فاضح، وعلى عينيها عصابة سوداء سميكة. سمعت الحارس يهمس: "السيد نادر ينتظركِ في الداخل". توقفت ضربات قلبها. اسم "نادر" أطلق الوحش القابع في صدرها. تتبعت المرأة إلى غرفة التبديل الخلفية. وبحركة خاطفة التقطت تمثالاً نحاسياً ثقيلاً وهوت به على رأس الراقصة من الخلف، لتسقط الأخيرة فاقدة الوعي دون صرخة. خلال دقائق كانت يارا قد جردتها من رداء الرقص الأحمر المثير، المطرز بسلاسل ذهبية رفيعة تكشف أكثر مما تستر. شدت العصابة السوداء على عينيها بإحكام، واستنشقت نفساً عميقاً دخلت الحانة خافضة رأسها. كان نادر يجلس على الأريكة الجلدية العريضة، كأسه في يده، وعيناه المحمرتان يكسوهما السكر والغضب. بدأت الموسيقى الدافئة الثقيلة، وانساب جسد يارا مع الألحان بتناغم قاتل. لم تكن ترقص كراقصة مأجورة، بل كانت تتحرك بديناميكية أنثى تخطط لجريمة. تمايل خصرها بالقرب منه، ودوران السلاسل الذهبية على بشرتها الناعمة كان يرسل شرارات في الهواء. اقتربت أكثر، حتى لامست ركبتها ساقيه المفتوحتين. مالت بجسدها فوق صدره ببطء متعمد، وحركت وركيها بحركة دائرية بطيئة جعلت أنفاسه تتقطع. استنشق نادر رائحتها، فتجمد كأسه في الهواء. العطر لم يكن العطر المعتاد... كان خليطاً من الياسمين البري ورائحة مطر نفاذة تتسلل إلى أعماقه وتثير وحشه المكبوت. "ما هذا..." همس نادر بصوت مبحوح ومثقل بالخمر. "أول مرة... تجرؤ فيها امرأة على سحبي بهذه الطريقة." امتدت يداه القويتان ليمسك بخصرها العاري تقريباً، وسحبها بقوة نحو الأريكة الخلفية في الغرفة المظلمة. أصابعه غاصت في لحمها، وشعرت بحرارة يديه تحرق جلدها. استسلم لها كلياً، مسلوب الإرادة تحت تأثير الخمر ورائحتها التي أشعلت فيه رغبة غير مفهومة. حاول رفع العصابة ليراها، لكنها منعته بحركة ناعمة ثم قاسية. ثبتته يارا على السرير الخشبي، وبأنامل جائعة تظاهرت بالإغراء وهي تسحب القيود الحديدية المعلقة على حافة السرير. وخلال ثوانٍ، وبحركة خاطفة ومتقنة، أغلقت القيود على معصميه القويين، مسمرة إياه إلى الهيكل الخشبي! "ماذا تفعلين؟" زمجر نادر وهو يحاول السحب، لكن الخمر جعل جسده ثقيلاً، والرغبة لا تزال تحرقه. نزعت يارا العصابة عن عينيها، وبمنتهى القسوة شدت العصابة نفسها وضغطت بها على عينيه هو لتلفه في عتمة مطلقة. سحبت الخنجر الفضي الصغير الذي خبأته بين طيات رداء الرقص، . انخفضت فوق وجهه حتى لامست شفتاها أذنه تقريباً، وهمست بصوت يقطر حداً وكراهية وصرامة تفلق الصخر: "والآن يا سيدي القاسي... كيف تشعر وأنت على بعد ملم واحد من الموت؟ أخبرني بحقيقة مقتل أبي... وإلا جززتُ عنقك كالنعجة!"دفع نادر باب الشركة بخطوات ثابتة، يحاول فرض هيبته المعتادة. الطابق العلوي كان هادئاً بشكل غريب. دفع باب قاعة الإدارة بقوة، فتجمد في مكانه. طارق يجلس في المقعد الرئيسي بكل ثقة. العم نواف بجانبه، وجهه بارد كالجليد. اقترب نادر غاضباً: — ماذا تفعل هنا؟ رفعه نواف يده بصوت قاطع: — لا ترفع صوتك. طُردتم من القيادة العليا. المنصب انتقل إلى طارق وأخيه يزيد. أنت مجرد نائب الآن، وأنا أحكم تحت صلاحيات طارق. اندفع نادر إلى الأمام: — هل جننتم؟ تتنازلون للعدو بهذه السهولة؟ ابتسم طارق ابتسامة مستفزة ودفع تقريراً على الطاولة: — ليست جنوناً، أرقاماً. خمسة عشر مستذئباً قتلوا في أسبوع واحد بسبب فوضاك. لولا أموال عائلتي لسحقكم الشياطين منذ أيام. خرج نادر من القاعة محطماً. الدم يغلي في عروقه. رأى في كل شيء وجه يارا. السبب. من مكتبه المظلم أمر مديره: — جهّز الصندوق الأسود. الهدية المرعبة. وأكتب الرسالة بيدي. كتب بخط غاضب: «هل صدقتِ حقاً أنني أميل إليكِ عاطفياً؟ افتحيه بنفسكِ.» وصل الصندوق إلى القصر. أخذته يارا ببرود ووضعته جانباً. قبلت دعوة إياد للخروج. أرادت أن تهرب من الأفكار التي تحاصرها. ذ
في قاعة مظلمة ساكنة تقع في أعماق البحر الأبيض المتوسط قبالة سواحل اليونان، بعيداً عن أعين البشر وعالم المستذئبين، انعقد اجتماع طارئ لأمراء مملكة الشياطين الخمسة. تصدرت الطاولة الحجرية الطويلة القائدة الشيطانية الكبرى. امرأة ذات هيبة طاغية وجمال مظلم يجمد الدم. رفعت الكأس الزجاجية المليئة بسائل قرمزي داكن، ونظرت إليهم بابتسامة ماكرة: — أخيراً... وصلت الرسالة إلى وجهتها. عرفت تلك الفتاة عالمها الحقيقي، وباتت تدرك بوضوح من هم أعداؤها. رفع الجميع كؤوسهم بصمت مشوب بالترقب. تابعت بنبرة حازمة: — نحن لا نتحرك بعجرفة الألفا، بل بالصبر والمكيدة. الوشم على ظهرها يقودنا خطوة بخطوة إلى الكنز. سأجعلها تأتي إلى أحضاننا طوعاً. أريدها هنا غداً في هذا القاع، سراً ودون أن يرف جفن لأحد من آل فارس. سأعرف كيف أروضها، وستنضم إلينا بكامل إرادتها. علق أحد الأمراء بتساؤل حاد: — لكن الخريطة لا تزال مختفية يا سيدتي، والوشم وحده قد لا يكفي. — بل يكفي لنعرف أين تختبئ بدقة. الأهم الآن أن نكسب ولاءها ونزرع الحقد والسم في عقلها ضد قاتلي أبيها. بالتزامن مع عتمة القاع، كانت يارا واقفة متسمرة أمام زجاج حمام غرفت
نزلت يارا بخطوات مرتعشة تتبع العجوز لولا عبر ممرات القصر الحجرية المعتتمة، ورائحة الغبار والزمن القديم تملأ الأرجاء. توقفت العجوز أمام باب حديدي ثقيل نقشت عليه رموز غريبة، ودفعته بصمت ليصدر صريراً بطيئاً يكشف عن قاعة مظلمة تضيئها طلاسم زرقاء خافتة. التفتت الجدة لولا، ونظرت إليها بنظرة نافذة: — "أعلم جيداً أنكِ فتاة عصرية، بشرية بالكامل، لا تؤمنين بكل هذه الخرافات. لكن... أحياناً تتجاوز الحقيقة كل ما تخيلته عقول البشر." انتفضت يارا، وعقدت حاجبيها بعدم تصديق: — "عن أي حقيقة تتحدثين؟ كفوا عن هذه الألعاب السخيفة!" اقتربت العجوز ببطء ممسكة بعصاها، وفتحت مخطوطة جلدية قديمة تزينها رسومات معقدة لذئاب بشرية وعوالم مظلمة: — "العالم الذي تعيشين فيه ليس سوى قشرة رقيقة. هناك ما وراء الحدود؛ عائلة آل فارس، الألفا، المستذئبون الذين يحقنون التوازن في هذا الكوكب، ومن بينهم نادر. وهناك في المقابل، مملكة الشياطين التي تتربص بالجميع. أما أنتِ، فالوشم على ظهركِ ليس عبثاً، بل هو مفتاح طاقة سيجعلكِ يوماً مساعدة للألفا، ومحور صراع لا يرحم." كان ريان يقف في زاوية القاعة المظلمة، يراقب الحوار بصمت مطب
في سكون منزل بيان، غرق آدم في نوم ثقيل كأنه يهرب من العالم. راقبته يارا بهدوء ثم انسحبت كظلال الليل. مرت ليلتان بطيئتان كحلم مزعج، حتى انفجر الباب في الليلة الثالثة. دخل ريان بخطوات واثقة كالموت نفسه، بدلته القاتمة تبتلع الضوء وحارساه خلفه كشبحين صامتين. تجمدت يارا، ظهرها يلتصق بالحائط البارد، عيناها تشتعلان غضباً: «كيف وصلت إلى هنا؟!» خرجت بيان مرتجفة، دموعها تجري وهي تهمس بالخيانة: «نفوذهم لا يُقاوم... وعدوني ألا يمسوا آدم». انفجر غضب يارا كبركان، اتهمتها ببيع الصداقة بأبخس الأثمان. تقدم ريان بهدوء قاتل: «آدم بأمان تحت حمايتنا... انزلي باختيارك أو بالقوة». رفعت يارا رأسها بتحدٍ ناري: «سآتي... لكنني سأحرق جحرتكم من الداخل!» في السيارة الفاخرة التي كانت تخترق ظلام الليل بسرعة جنونية، لم تكن يارا جالسة في الخلف، بل جلست إلى جانبه في المقعد الأمامي مباشرة. عمّ صمت ثقيل ومكهرب أرجاء المقصورة، قبل أن يضغط ريان على المكابح فجأة ويتوقف في زاوية مظلمة ومنعزلة على جانب الطريق. التفت إليها ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة ومستفزة، ثم أخرج من جيب معطفه ملفاً طبياً رسمياً يحمل ختماً
في جناح الاجتماعات المعتم بقصر آل فارس، كان الغضب يخنق الهواء كضباب أسود. عاد إياد فجأة من مهمته داخل قلعة الشياطين، ورأى على الطاولة التقارير التي جمعها. رماها بحدة حتى تناثرت الأوراق، وهتف بنبرة محذرة تقطع الصمت: "هل تدركون ما يحدث حقاً؟! انهيار شركة آل فارس لا يعني ضياع المال فحسب... بل هو انهيار الدرع الحامي لقطيع الألفا بأكمله! إن سقطنا، فلن تتردد شياطين أستاروث في اجتياح أراضينا وإبادتنا عن بكرة أبيه. الجاسوس أكد أن الهجوم قادم خلال أيام!" هتف العم نواف بوجل واضح وهو يضرب الطاولة بيديه المرتعشتين: "عليك أن تتصرف يا نادر! العملاء ينسحبون واحداً تلو الآخر، وطارق حوراني يبتلع أسهمنا في البورصة علانية كأنه يلتهم جثة! افعل شيئاً قبل أن نصبح مجرد ذكرى!" وسط هذا الضغط الخانق، اجتمع التوأم الثلاثة سراً في غرفة العتمة مع الجدة لولا. كانت العجوز تجلس مستقيمة، وعيناها الثاقبتان تلمعان في الظلام. رفعت صوتها بحزم لم يُسمع منذ سنوات: "تلك الفتاة، يارا، ليست بشرية عادية. إنها تحمل في عروقها دماً هجيناً قديماً، وهي المفتاح الأساسي لخريطة الكنز الأسطوري الذي يحمي سلالتنا من الانقراض." عقد
في مدينة أثينا باليونان، جلس إياد في زاوية معتمة من مقهى مهجور يتبادل الحديث بحذر شديد مع جاسوس من قطيع الألفا متغلغل منذ أشهر داخل مملكة الشياطين. كان الرجل متوتراً، عيناه تتحركان باستمرار نحو الأبواب والنوافذ."أستاروث لم يعد ينتظر"، همس الجاسوس بصوت خفيض متقطع. "جمع ملوك الظلام السبعة في قاعة الدم السوداء. يخطط لهجوم شامل خلال الاسابيع القادمة يريد الجوهرة والرمز معاً. يقول إن حاملة دم لونا هي المفتاح الأخير، وإن لم يحصل عليها فسيحرق المدينة كلها ليجدها. هناك خائن داخل القصر يرسل له مواقعكم بدقة... شخص قريب جداً من العائلة."قبل أن يرد إياد، شعر فجأة بوخز حارق في صدره كأنه سكين ملتهب. تملّكته دوخة عنيفة أفقدته توازنه تماماً. ارتجفت عيناه واتسعتا، ثم توهجتا ببريق أزرق خافت لثوانٍ معدودة قبل أن يعود إلى طبيعته وهو يلهث.في اللحظة نفسها تماماً، على بعد آلاف الأميال، كان ريان يحقق مع أحد المجرمين في غرفة الاستجواب بمركز الشرطة. فجأة ضربته موجة ألم غامضة اجتاحت رأسه كصاعقة. استأذن بسرعة وهرع نحو الحمام، وأسند يديه المرتجفتين على المغسلة وهو يسكب الماء البارد على وجهه. رفع نظره إلى الم







