LOGINتوقفت السيارة أخيراً أمام بوابة حديدية شاهقة، كانت تفتح بصمت مريب يشبه صمت المقابر. لم تكن هناك أي إضاءة في الحديقة الواسعة التي مررنا بها، فقط الأشجار العارية التي كانت أغصانها تمتد كأصابع غاضبة نحو السماء. هذا القصر لم يكن منزلاً؛ كان قلعةً صُممت لتعزل ساكنها عن العالم، وتضمن لمن بداخلها ألا يخرج أبداً.
نزل إياد أولاً، ثم فتح الباب لي وأشار بيده ببرود. "تفضلي. لا أحب أن أنتظر." مشيتُ بخطواتٍ متعثرة على الرخام البارد. كان كل شيء في هذا المكان يوحي بالفخامة، لكنها فخامة موحشة؛ تماثيل رخامية ذات نظراتٍ فارغة، لوحات زيتية لمشاهد حروب قديمة، وستائر ثقيلة تحجب أي أثر للحياة الخارجية. شعرتُ أنني دخلتُ إلى بطن وحشٍ من الحجر. أوصلني إلى جناحٍ في الطابق العلوي، كان واسعاً ومؤثثاً بذوقٍ لا يخلو من القسوة. "هذا هو مكانكِ،" قال وهو يقف عند الباب، يغلق المخرج بجسده الضخم. "لن تغادري هذا الجناح دون إذني. يوجد طعام، ملابس، وكل ما قد تحتاجينه. لكن لا تختبري صبري." اقتربتُ منه خطوة، مدفوعةً بغضبي الذي تغلب على خوفي. "هل تعتقد أنني سأقبل بهذا؟ أنت تختطفني! هذا جريمة يعاقب عليها القانون!" ضحك إياد، وكانت ضحكته صدىً في الغرفة الفارغة. اقترب مني بسرعة خاطفة، وبحركة واحدة، حاصرني بين جسده والجدار. شعرتُ ببرودة قميصه، وبأنفاسه التي كانت تلسع بشرة وجهي. "القانون؟ في عالمي، أنا القانون. وفي عالمكِ الصغير، لا أحد يعلم حتى أنكِ مفقودة. هل تظنين حقاً أن أحداً سيبحث عنكِ في هذه المدينة المظلمة؟" ابتلعتُ ريقي بصعوبة. كان قريباً جداً، لدرجة أنني بدأت أشم رائحة عطر خشب الصندل الممزوج برائحة البارود الخفيفة التي لا تزال عالقة في ثيابه. كانت عيناه، اللتان تشبهان نصلين من الفولاذ، تراقب نبضات عنقي المضطربة. "أنتَ مهووس،" همستُ، ولم أكن أعلم إن كنتُ أصفه أم أحذر نفسي. رفع إياد يده، ومرر إصبعه على طول خط فكي ببطءٍ مرعب، قبل أن يتوقف عند ذقني ويرفع رأسي لأواجهه. "ربما. لكن الهوس هو الوقود الذي يجعلني أبقى على قيد الحياة. والآن، أنتِ جزء من هذا الوقود، يا نور. اجعلي وجودكِ هنا أسهل على نفسكِ، لأنني لا أملكُ في قاموسي كلمة 'إفراج'." استدار ورحل، تاركاً خلفه باباً موصداً بمفتاحٍ لم أسمع صوته، بل شعرتُ بضغطه في روحي. وقفتُ لثوانٍ في صمتٍ مطبق، قبل أن أنهار على أقرب مقعد. لم يكن الخوف هو ما يمزقني، بل إدراك أنني، وبطريقةٍ لا أفهمها، بدأتُ أشعر بفضولٍ مسموم تجاه الرجل الذي يملك حياتي الآن. فتحتُ حقيبتي الجلدية التي كانت لا تزال بيدي. أخرجتُ تصاميمي، تلك الأوراق التي كنتُ أراها بالأمسِ مستقبلي، ورأيتها الآن مجرد خربشاتٍ لا قيمة لها في هذا العالم المظلم. لكن في زاوية واحدة من التصميم، وجدتُ شيئاً... لم أكن قد رسمته. كانت رسالة صغيرة، مكتوبة بخطٍ غريبٍ لم أعهده: "لا تثقي بابتسامته، ولا تخافي من غضبه. الحقيقة مخبأة في الظلال التي يرتديها." تسمرتُ في مكاني. من وضع هذه الرسالة؟ هل كنتُ مراقبة حتى قبل أن أدخل فندق "سيرينا"؟ كانت هذه بداية الغموض، بداية الرحلة التي ستغير كل شيء. تلك الرسالة كانت بمثابة شرارة في غرفة مليئة بالبارود. وضعتُ الورقة على الطاولة، وأصابعِي ترتجف. لم تكن مجرد كلمات؛ كانت نذير شؤم، وتذكيراً بأنني لستُ وحدي في هذه اللعبة القذرة. نهضتُ من مقعدي، وبدأتُ أجوب الجناح بحثاً عن أي مخرج أو ثغرة. كل زاوية كانت تنبض بالفخامة الخانقة؛ سجاد فاخر، ستائر من الحرير الداكن، وتحفٌ فنية تبدو وكأنها تراقب حركاتي بعيونٍ جامدة. بعد دقائق من البحث المحموم، توقفتُ أمام مرآةٍ ضخمة في زاوية الغرفة. كانت تبدو طبيعية، لكن انعكاس الضوء عليها من النافذة جعلني ألاحظ شيئاً غريباً؛ حافة المرآة ليست متصلة بالجدار بإحكام. بقلبٍ يقرع طبول الحرب، ضغطتُ بإصبعي على الحافة، ولدهشتي، تحركت المرآة قليلاً لتكشف عن فجوةٍ ضيقة في الجدار. لم أتردد. تسللتُ عبر الفجوة، لأجد نفسي في ممرٍ صغيرٍ جداً، مظلم، يفوح برائحة الغبار والرطوبة. كان هذا الممر يمتد خلف الجدران، وكأنه نفقٌ سريٌّ صممه شخصٌ لا يريد أن يراه أحد. سرتُ فيه بحذر، وخطواتي تكاد تكون صامتة، حتى وصلتُ إلى فتحةٍ صغيرة تطل على مكتب "إياد" في الطابق السفلي. من خلال الفتحة، رأيتُه. كان يجلس خلف مكتبه المهيب، محاطاً بشاشات عرضٍ ضخمة تظهر زوايا مختلفة من القصر، بما في ذلك الجناح الذي كنتُ فيه قبل قليل. كانت عيناه، اللتان أرهبتا المدينة، تلمعان بتركيزٍ حاد وهو يراجع ملفاتٍ ورقية لا تكاد تظهر ملامحها في الضوء الخافت للمكتب. لم يكن وحده. كان يقف أمامه رجلٌ ملثم، ملامحه غير واضحة، يتحدثان بصوتٍ خفيض لم أستطع تمييز كلماته. فجأة، توقف إياد عن الحديث، ورفع رأسه ببطء نحو شاشة العرض التي كانت تظهر غرفتي. اتسعت عيناي من الرعب؛ لقد كان يراقبني! "أعلم أنها ليست نائمة،" قال إياد بصوتٍ حاد اخترق الهدوء، وكأنه يوجه كلامه إليّ مباشرة. "أعلم أنها اكتشفت الفجوة خلف المرآة منذ لحظات. دعها تعتقد أنها ذكية، فذكاؤها هو الخيط الذي سيقودها إلى حيث أريد." تجمد الدم في عروقي. لقد كان يعلم! كنتُ مجرد فأرٍ يركض في متاهةٍ صممها هو مسبقاً. شعرتُ بالدوار، وتراجعتُ للخلف، لكنني اصطدمتُ بقطعة خشبية بارزة في الممر، فأصدرت صوتاً خفيفاً. صمتَ إياد في المكتب الأسفل. ارتفع رأسه ببطء، ونظر مباشرة إلى الجهة التي كنتُ أختبئ فيها، وكأنه يرى خلف الجدران. "نور،" نادى بصوتٍ هادئ، هدوءٍ يسبق العاصفة، "الاستكشاف ممتع، لكنه خطير. عودي إلى جناحكِ الآن، قبل أن أضطر للقدوم وإعادتكِ بنفسي." ركضتُ عائدةً عبر الممر، دقات قلبي تكاد تمزق صدري. دخلتُ من الفجوة، وأغلقتُ المرآة خلفي، وألقيتُ بنفسي على السرير، متظاهرةً بالنوم وأنا أتنفس بصعوبة. بعد لحظات، سمعتُ صوت فتح الباب بهدوء. دخل إياد، ووقفتُ أسمع وقع خطواته تقترب مني حتى توقفت بجانب السرير. لم يلمسني، لكنني شعرتُ بوجوده يطغى على المكان. "لا تلعبي بالنار، يا نور،" همس في أذني. "فأنا لا أمانع أن أحترق، لكنني لن أسمح لكِ بالنجاة من ألسنة لهبي." غادر الغرفة، وأغلق الباب. بقيتُ مستلقيةً في الظلام، أدركُ أنني لم أعد سجينة هذا القصر فحسب، بل سجينة هوسِ رجلٍ يرى في تلاعبي به مجرد تسليةٍ أخرى في لعبته الكبرى.كانت الغابة من حولنا تتنفس الغموض، وأشجارها العتيقة تبدو كحراسٍ صامتين لشاهدةٍ على انهيار عالمٍ بأكمله. لم نكن نعرف إلى أين تتجه بنا أقدامنا، لكننا كنا نعرف جيداً أن التوقف يعني الموت. كان المطر قد توقف، لكن الأرض الموحلة تحت أقدامنا كانت تعيق حركتنا، وتجعل كل خطوةٍ معركةً ضد الجاذبية والإرهاق. كان إياد يترنح بجانبي، وقد بدأ فقدان الدم يؤثر على توازنه، لكن يده لم تترك يدي أبداً؛ كانت قبضته هي الحبل الوحيد الذي يربطني بالحياة في هذا العالم الذي فقد توازنه.توقفنا في منطقةٍ كثيفة الأشجار، حيث لم يعد ضوء القمر قادراً على اختراق الغصون المتشابكة. استند إياد إلى جذع شجرة بلوط ضخمة، وأنزل رأسه بين يديه. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة، وصوت أنفاسه المتقطعة كان يمزق سكون الليل. "لا يمكننا المضي قدماً بهذه السرعة يا نور،" قال بصوتٍ خافت، مغموسٍ بالألم. "الجرح... إنه يزداد سوءاً."جلستُ بجانبه على الأرض، وبدأتُ أفتح حقيبة الإسعاف الصغيرة التي كنت قد انتزعتها من داخل القبو قبل هروبنا. كانت يدي ترتجف، ليس من الخوف، بل من الغضب الذي كان يغلي في عروقي. لقد خسرنا القصر، خسرنا كل ما كان يربطنا بهويتنا، وأ
كان الظلام في الأنفاق تحت قصر "أرينور" خانقاً، محملاً برائحة العفونة والتراب الرطب، لكنه كان بالنسبة لي ولك، يا إياد، رائحة الحياة التي انتزعناها من براثن الموت. لم يكن خروجنا عبر تلك الأنفاق هروباً عادياً؛ كان زحفاً في أحشاء الأرض، حيث كانت الجدران الحجرية القديمة تبدو وكأنها تراقب حركتنا. لم أكن أسمع سوى صوت أنفاسنا المتلاحقة وصوت ارتطام أقدامنا بالصخور. كان إياد يتكئ بجسده المنهك عليّ، وكان جرح كتفه لا يزال ينزف، يقطر دماً امتزج بتراب الأنفاق، لكنه لم يتوقف عن المضي قدماً، كانت إرادته أصلب من الحجر الذي يحيط بنا.بعد ساعات من الزحف، وصلنا إلى مخرجٍ مخفي خلف جدارٍ من اللبلاب المتسلق في أطراف الغابة المحيطة بالقصر. خرجنا إلى الهواء الطلق، وكان المطر لا يزال يهطل بغزارة، يغسل عن وجوهنا غبار المعركة، لكنه لم يغسل تلك الرعشة التي تسكن أعماقنا. توقفنا للحظة لنلتقط أنفاسنا. كان القصر في الخلف يشتعل، ألسنة اللهب تتصاعد منه كأنها صرخاتٍ حزينة، وكان دخانه الأسود يلطخ سماء الليل.في تلك اللحظة، ظهر من بين الأشجار ظلٌ مألوف. لم تكن حركةً عسكرية، بل كانت مشيةً واثقة ومستفزة. توقف الرجل، وأشعل س
لم يعد القصر قصراً. لقد تحول في غضون لحظات إلى متاهة من الجحيم، حيث اختلط صوت الرصاص الصامت—المكتوم بواسطة كاتمات الصوت—بصوت خطوات الأقدام التي كانت تطأ الرخام ببرودٍ قاتل. كنتُ أقف في مركز القبو، يداي لا تزالان مثبتتين على لوحة التحكم، لكن عينيّ كانتا عالقتين في الشاشات التي تعرض الممرات التي يغزوها الموت.رأيتُ إياد عبر الكاميرا رقم 7. كان يتحرك ببراعة القطة المفترسة في الممر الشرقي. لم يكن يقاتل من أجل البقاء فحسب، كان يقاتل من أجل فكرة، من أجل إرث، وربما من أجلي. سقط أحد المقتحمين، ثم آخر، قبل أن يدرك المهاجمون أنهم لا يواجهون حارساً عادياً، بل وحشاً محاصراً يعرف كل زاوية من زوايا هذا القصر. كان إياد يختفي في الظلال ويظهر خلفهم، حركةٌ واحدة، انحناءةٌ دقيقة، ثم إطلاق نارٍ مدروس. لم يكن يهدر رصاصةً واحدة."إياد، إنهم يحيطون بك من جهة المكتبة!" صرختُ في الميكروفون المربوط بالسماعات الخفية التي يرتديها.أجابني صوته، وكان هادئاً بشكلٍ مرعب رغم القتال: "استمري في عزل الممرات يا نور. لا تسمحي لهم بالوصول إلى القبو. سأفتح لكِ طريقاً للخروج إذا تدهورت الأمور، لكن لا تخرجي قبل أن أؤكد لك."
كان الهدوء في قصر "أرينور" تلك الليلة مريباً، ثقيلاً لدرجة أنني كنت أشعر بضغط الهواء في أذنيّ. لم يكن مجرد صمتٍ عادي؛ كان صمتاً مشحوناً، وكأن أركان القصر نفسها تحبس أنفاسها استعداداً لشيءٍ وشيك. قضيت الساعات الماضية في القبو، محاطةً بشاشات المراقبة التي كانت تعرض أروقة القصر الخالية، بينما كان إياد يتنقل بين الخرائط والأسلحة، يراجع خطط الدفاع ببرودٍ يثير الأعصاب، بينما كان "كريم" يقبع في الغرفة المخصصة له في الطابق العلوي، تحت حراسةٍ خفية لم تكن ترضيه.وقفتُ أمام الشاشات، أراقب حركة الظلال في الممرات. كانت الأنوار الخافتة تتراقص على الجدران، وتخلق أشكالاً مشوهة تزيد من حدة توتري. كان عقلي لا يزال عالقاً في الحوار الذي دار بيننا منذ ساعات، والشك الذي بدأ يتسلل إلى قلبي مثل السم البطئ. لماذا عاد كريم الآن؟ وكيف عرف بمكاني؟ كلما نظرتُ إلى انعكاسي في الشاشة السوداء، كنت أرى وجهاً لامرأةٍ تغيرت كثيراً منذ أن دخلت هذا القصر؛ لم أعد تلك الفتاة التي تبحث عن أمانٍ مفقود، بل أصبحت امرأةً تدرك أن الأمان في هذا العالم هو مجرد كذبةٍ نختلقها لنستمر.التفتُّ نحو إياد. كان يفكك سلاحه بهدوء، ثم يعيد ت
كان الهدوء في قصر "أرينور" يميل إلى الكآبة تلك الليلة، وكأن القصر نفسه يشعر بالتوتر الذي يسري في أروقتنا بعد اختراقنا لنظام المنظمة. كنتُ وإياد في القبو، محاطين بشاشاتٍ تعرض خرائط تقنية وتفاصيلَ عن تحركات "الظلال". فجأة، دوّى صوت جرس الباب الرئيسي في أرجاء القصر، وهو صوتٌ لم نعتد سماعه في هذا الوقت المتأخر من الليل.تصلب إياد في مكانه، وسحب سلاحه بلمحة بصر. "لا أحد يأتي إلى هنا،" همس بنبرةٍ خافتة ومحذرة. "ابقِ هنا، نور. لا تتحركي."نظرتُ إلى الكاميرات الأمنية التي قمنا بتفعيلها. عند البوابة الرئيسية، كان يقف رجلٌ يرتدي معطفاً طويلاً، مبللاً بمياه الأمطار التي بدأت تهطل بغزارة. لم يكن يرتدي زياً عسكرياً، بل ملابس مدنية أنيقة، وكان يبدو كشخصٍ جاء ليطرق باباً يعرفه جيداً. حين رفع رأسه نحو الكاميرا، توقف نبضي تماماً."كريم؟" همستُ بذهول.كان كريم، صديق طفولتي، الشخص الذي ظننتُ أنني فقدته في حادثة اختفاء والدي قبل سنوات. كان هو الشخص الوحيد الذي شاركني ذكريات قبل أن يتحول عالمي إلى هذا الجحيم. كيف وصل إلى هنا؟ وكيف عرف مكان هذا القصر؟نزل إياد معي إلى البهو الرئيسي، كان جسده مشدوداً كوتر ق
كانت الغرفة غارقة في صمتٍ مريب، لا يكسره سوى طنين أجهزة الخادم (Server) المكدسة في زوايا القبو. لم تعد هذه المساحة مجرد سجنٍ أو مخبأ، بل تحولت إلى غرفة عمليات حربية. الهواء هنا كان ثقيلاً، مشحوناً بالأدرينالين والتوتر؛ فقد وصلنا إلى لحظة الحقيقة، اللحظة التي قررنا فيها أن ننتقل من مرحلة الدفاع إلى الهجوم. جلستُ أمام الشاشات المتعددة، كانت أصابعي تتحرك بسرعةٍ تكاد تكون غير مرئية على لوحة المفاتيح. خلفي، كان إياد يقف كحارسٍ لا يغفل، عيناه تتنقلان بين الشاشات والباب الفولاذي للقبو، يده تقبض على سلاحه كأن الخطر قد يقتحم علينا المكان في أي ثانية. كانت نظراته تلاحق كل حركة أقوم بها، لم يكن يراقب فقط، بل كان يحلل، وكأنه يرى في سرعة بديهتي انعكاساً للرجل الذي كان يثق به: والدي. "نور، المنظمة بدأت تلاحظ ثغرات في جدار الحماية الخاص بهم،" همس إياد، صوته كان عميقاً وهادئاً بشكلٍ مرعب. "لديهم بروتوكول تدمير ذاتي (Kill Switch). إذا اكتشفوا أننا داخل نظامهم، سيقومون بمسح كل شيء، بما في ذلك الأدلة التي نحتاجها لإثبات تورطهم." توقفتُ للحظة، استجمعتُ تركيزي. "لن يمسحوا شيئاً، إياد. أنا لا أحاول اختر
كان القبو يغرق في سكونٍ ثقيل، سكونٌ لا يقطعه إلا صوت دوران المراوح في أجهزة الحاسوب التي تئن تحت وطأة البيانات المشفرة، وأنفاسي المتلاحقة التي بدأت تهدأ تدريجياً. بعد أن نجحنا في فك الشفرات، لم تعد الملفات مجرد ورقٍ أو بياناتٍ رقمية؛ تحولت إلى أشباحٍ من ماضٍ لم أعش تفاصيله، لكنني أعيش تبعاته في كل
وقفتُ في وسط القبو، محاطةً بجدرانٍ من الملفات والصور التي كانت يوماً ما تمثل كابوسي، والآن باتت تمثل خريطة طريقي. الهواء في الأسفل كان لا يزال بارداً، لكنه لم يعد يبعث على الرعب؛ فقد تغير شيء ما في داخلي، شيءٌ عميقٌ كسر الطوق الذي كان يربط روحي بالخوف.كان إياد يقف على بعد خطواتٍ مني، يراقبني بصمت،
تراجع الباب الحديدي الضخم إلى الخلف ببطءٍ مهيب، كاشفاً عن عتمةٍ ليست كباقي العتمة؛ كانت عتمةً محملةً برائحة الغبار الممزوجة برائحةٍ قديمة، شيءٌ يشبه عطر إياد، لكنه أكثر حدةً وقسوة. في تلك اللحظة، لم تعد الساعة تشير إلى الزمن، بل توقف كل شيء. الهواء الذي تسلل من الداخل كان بارداً، جعل جلدي يقشعر، لك
كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل عندما استيقظتُ من غفوةٍ قصيرة لم تكن أكثر من كابوسٍ متصل. لم يغمض لي جفن، فجسدي كان في حالة استنفار دائم. في هذا القصر، حتى الهواء بدا مشحوناً، وكأن الجدران نفسها تراقب أنفاسي. قمتُ من فوق السرير، ومشيت بخطواتٍ وأجلة نحو المرآة الكبيرة في زاوية الغرفة.







