ログインمرّ أسبوعٌ كاملٌ سادت فيه الڤيلا حالة من الاستنفار الهادئ. كان كريم يواصل الليل بالنهار في شركته لمراجعة كراسة الشروط الخاصة بـ "مناقصة المعمار الكبرى"، تلك الصفقة التي ستحدد ملامح التوسع الجديد لمجموعته. وفي الوقت ذاته، كان الشك يساوره في أن ظهور "طاهر جاد الله" المفاجئ وعرضه الخيالي لشراء أرض الصعيد ليس سوى مناورة ذكية لإرباكه وتشتيت انتباهه عن تفاصيل المناقصة.من جانبها، لم تقف رانيا مكتوفة الأيدي؛ بل نسقت مع محامي العائلة لإرسال مندوب قانوني خاص إلى مسقط رأس والدها في الصعيد، بهدف فحص السجلات العقارية القديمة في المحكمة الابتدائية هناك، والتحقق من صحة العقود التي أخرجها طاهر.في صباح يوم الخميس، كانت رانيا تجلس في مكتبها الجديد بالتجمع الخامس، تراجع بعض المخططات الهندسية لفيلا جديدة استلمت تشطيبها. أضفى نجاح المكتب عليها رونقاً وثقة بالنفس، وجعلها تشعر بأنها تبني جداراً من الاستقلالية الحقيقية.قُطع تركيزها بدخول صديقتها "مي" وهي تحمل ملفاً صغيراً، والابتسامة تعلو وجهها:– "صباح الخير يا رانيا.. العميل بتاع ڤيلا الشروق وافق على التصاميم المبدئية كاملة، وطالب نحدد ميعاد التوقيع بكر
ساد صمتٌ ثقيل في أرجاء المكتب فور أن نطق طاهر بنبرته الهادئة الحادة. كانت عينان كريم تثقبان الشاب الشاب الجالس أمامه كصقر يترصد لخصمه؛ فالاسم "جاد الله" لم يكن اسماً عابراً في دنيا البيزنس والمعمار، بل كان يمثل واحدة من أكبر العائلات الاستثمارية في الجنوب التي حاولت مراراً اختراق سوق العاصمة وضرب مناقصات شركته في السنوات الأخيرة.التفت كريم ببطء نحو طاهر، واستند بذراعيه على الطاولة بثبات وقال بصوت خفيض يقطر بالحدّة والرزانة:– "أهلاً يا أستاذ طاهر.. بس أظن إن المقابلات التجارية اللي بالشكل ده بتكون أوراق وأرقام، مش ذكريات وأحلام قديمة. والد رانيا المرحوم عبد الرحمن بيه متوفي من سنين، وعيلته ليها ملكية مسجلة ومستقرة، فتقصد إيه بكلمة 'حق كان مفروض يرجع'؟"ابتسم طاهر ابتسامة خفيفة لم تصل لعينيه الجادتين، ونقل نظره ببراعة بين كريم ورانيا، متجاهلاً نبرة التحدي في صوت كريم:– "أهلاً بكريم بيه.. طبعاً عارف شغلك واسمك في السوق كويس. بس موضوع الأرض ده يخص عيلة 'عبد الرحمن' وعيلتنا بشكل مباشر. والدي الله يرحمه كان شريك مناصفة بعقود ابتدائية في قطعة الأرض الكبيرة دي قبل ما الظروف تتغير ووالد ران
ساد الصمت لثوانٍ عبر الخط، بينما كانت رانيا تحدق في الأوراق المفرودة على مكتبها الأنيق. أعادها كلام أحمد سنينًا إلى الخلف، إلى ذكريات قديمة حول والدها الراحل وأملاكه النائية في جنوب مصر، تلك التركة المعقدة التي طالما اعتبرتها العائلة ملفًا طواه الزمن ولا طائل من نبشه.سألت رانيا بنبرة فاحصة تشوبها الحذر:– "محامي مين يا أحمد؟ وده عرف رقمك منين أساسًا؟ والأهم من ده كله، ليه يطلب يقابلني أنا بالذات مش أنت بصفتك الراجل اللي ماسك أوراق العيلة؟"تنهد أحمد بقلق ظاهر وقال:– "أنا سألته نفس الأسئلة دي يا رانيا.. الراجل كلمني بأسلوب راقي جدًا ومحترف، وقال إن الموكل بتاعه مشتري جاد ومستعد يدفع عربون خيالي فورًا، بس شرطه الوحيد إن التفاوض والتوقيع يتم مع الشريكة الأساسية في التركة اللي هي أنتِ، بحجة إن اسمه وسمعته في السوق مش عايزهم يظهروا للعلن دلوقتي."أرجعت رانيا ظهرها إلى مقعدها الجلدي، وأخذت تقلب القلم بين أصابعها. كانت في بداية مرحلة استقرار مهني ونفسي، وبدأت تحصد ثمار نجاح مكتبها الجديد وتستعيد دفء زواجها مع كريم، ودخول سر جديد أو صفقة غامضة في هذا التوقيت بالذات جعل جهاز الإنذار الداخلي
أمضى كريم ورانيا بقية السهرة يجلسان جنباً إلى جنب أمام طاولة الصالة، حيث انغصبا في مراجعة بنود العقد وتعديل النقاط القانونية والتنفيذية بأسلوب هادئ ودافئ. كان صوت كريم وهو يشرح لها بعض التكتيكات في إدارة العقود يُسكن في قلب رانيا الطمأنينة القديمة، بينما كان كريم يستشعر لذة الاستناد التي حرمته منها الأيام الماضية؛ أن تلجأ إليه زوجته بملء إرادتها لطلب المشورة، دون أن تشعر بأن ذلك ينتقص من كبريائها أو استقلاليتها.عندما انتهى كريم من كتابة التعديلات بخط يده الأنيق، التفت إليها بابتسامة متزنة وقال:– "كده العقد مظبوط جداً يا رانيا.. وتقدرِ توقعي وأنتِ مطمنة تماماً."أخذت رانيا الأوراق، ومسحت بأصابعها الناعمة على يده المنبسطة فوق الطاولة، وقالت بصوت خفيض يقطر صدقاً:– "أنا من غير رأيك ودعمك بحس إن خطواتي ناقصة يا كريم.. مهما حاولت أكون قوية."نظر كريم في عينيها طويلاً، وشعر بموجة من الحنان تسترد مكانها في صدره. رفع يدها وقبّلها بوقار، وقال:– "وأنا ماليش قيمة ولا معنى لنجاحي لو ما كنتش سندك الحقيقي يا رانيا.. بس بلاش تبني السور ده بينّا تاني."أومأت رانيا برأسها بابتسامة رقيقة، وبدا وكأن
بدأت رانيا خطواتها الفعلية لإعادة إحياء مكتبها الخاص بالتصميم الداخلي والديكور. كانت تتحرك بحماس وثبات، تخرج صباحاً لمعاينة بعض المقار الإدارية الصغيرة في حي التجمع الخامس، وتلتقي بمهندسين وفنيين سابقين عملت معهم قبل زواجها. كان هذا الانشغال اليومي يمنحها نفساً جديداً وشعوراً بالاستعادة التدريجية لكيانها الشديد الذي طالما غاب خلف أسوار الڤيلا وأزمات عائلتها.على الجانب الآخر، كان كريم يتابع حركتها الدؤوبة بقلب متضارب؛ كان معجباً بعزيمتها وقدرتها على النهوض سريعاً، لكنه في الوقت ذاته كان يشعر بغربة تتسلل إلى تفاصيل حياته. لم تعد رانيا تتصل به أثناء النهار لتسأله عن موعد عودته، ولم تعد تنتظره عند الباب بابتسامتها القديمة؛ بل أصبحت المواعيد محددة، والأحاديث بينهما تغلب عليها العملية والرزانة المحسوبة.في منتصف الأسبوع، كانت رانيا تجلس مع صديقتها "مي" في أحد المقاهي القريبة من المقر الجديد الذي وقعت عقده المبدئي. كانت الأوراق والتصاميم مفرودة على الطاولة.قالت مي وهي تفحص المخططات الإدارية بابتسامة إعجاب:– "الموقع ممتاز يا رانيا، والتوزيع الهندسي للمكتب هيسمح لك تستقبلي عملاء تقال من أول
مرت الأيام التالية ببطء شديد، تحكمها آلية هادئة وجافة داخل الڤيلا. كان كريم ورانيا يتعاملان برقيّ ومودة رسمية أمام الجميع، يتبادلان التحية الصباحية ويتشاركان مائدة الطعام أحياناً، لكن الحديث بينهما تحول إلى عبارات قصيرة ومحدودة، تفادياً للخوض في أي نقاش قد يعيد فتح جراح الكبرياء والمواجهة.في صباح أحد الأيام، قررت رانيا الاتصال بصديقتها المقربة من أيام الجامعة "مي". كانت مي امرأة عملية، ذكية، تدير مؤسسة صغيرة للاستشارات العقارية والهندسية، ومرت بتجربة طلاق سابقة صقلت شخصيتها وجعلتها تنظر إلى العلاقات بمنظور موضوعي وواضح.التقتا في أحد المقاهي الهادئة بالزمالك. كانت رانيا تجلس ممسكة بفنجان القهوة، وعيناها تشيان بإرهاق نفسي لم تفلح في إخفائه خلف زينتها الأنيقة.استمعت مي إلى رانيا باهتمام شديد دون أن تقاطعها، وحين انتهت رانيا من سرد تفاصيل الأزمة المالية لأخيها، ودخول ابن عمها سامح، وتصاعد الجفاء بينها وبين كريم، أرجعت مي ظهرها إلى الخلف وتنهدت بعمق:– "أنتِ صح يا رانيا في إنك تسدي الدين وتوقفي ابن عمك عند حده.. بس غلطتِ لما خليتِ الموضوع يتحول لمعركة كبرياء بينك وبين جوزك."نظرت إليها







