LOGINلم تسقط مريم كما يسقط الجسد المتعب فقط.سقطت كأن اسمًا قديمًا دفعها من الداخل."ليلى…"خرج الاسم من فمها كأنها تنادي طفلة من آخر الليل، ثم انهارت بين ذراعي سامر قبل أن تصل يد ليان إليها.صرخت ليان:"ماما!"حاول سامر أن يمسكها، لكن ضعفه خذله، فسقط معها على ركبتيه. أسرعت ليان نحوهما، ووضعت يدها على وجه أمها.كان وجه مريم باردًا، شاحبًا، وعيناها مغمضتين بقوة كأنهما ترفضان رؤية الاسم المكتوب في الدفتر.قالت ليان بصوت يرتجف:"ماما، افتحي عيونك. أرجوكِ."نورا وقفت قرب الباب، ويداها على فمها. يوسف كان لا يزال يمسك ذراعه المصابة، لكنه اقترب خطوة، خائفًا من أن يتحرك أكثر فيكسر شيئًا. أما آدم فبقي واقفًا بين أبيه نادر وبين عادل، كأنه لا يعرف إلى أي جرح ينظر أولًا.قال عادل من عند الباب، بصوت منخفض ممتلئ برضا مخيف:"بعض الأسماء لا تعود بهدوء."رفع سامر رأسه إليه.كانت عيناه متعبتين، لكنه لم يبدُ ضعيفًا في تلك اللحظة."اخرس."ضحك عادل."بعد كل هذه السنوات، ما زلت تظن أن الأمر يتوقف عندما تقول اخرس."قالت ليان وهي تحتضن رأس أمها:"ما معنى هذا الاسم؟"لم يجب أحد.رفعت رأسها نحو سامر."أبي… من ليلى؟
لم يكن صوت آدم وحده هو الذي جاء من خلف الباب الأبيض.كان معه صوت خطوات.خطوات هادئة، محسوبة، تعرف الطريق كما يعرف اللص موضع النافذة الضعيفة في بيت قديم.قال آدم بصوت متعب:"ليان! لا تفتحي أي باب!"ثم جاء صوت عادل كنعان، قريبًا وباردًا:"تأخرت يا آدم… أبوك ينتظرك خلف القمر المكسور."تجمدت ليان أمام باب القمر المكسور.كان سامر خلفها، وقد خرج نصف جسده من الغرفة الحديدية بصعوبة. كان ضعيفًا، وجهه شاحب، ويداه ترتجفان من طول الحبس، لكن عينيه كانتا يقظتين. مريم كانت تقف إلى جانبه كأنها تخاف أن تلمسه فينكسر، أو أن تتركه فيختفي. أما نورا، فكانت تمسك الدفتر الكبير بكلتا يديها، ويوسف واقف أمامها كأنه يستطيع بجسده الصغير أن يمنع العالم كله من الوصول إليها.قالت ليان بصوت خافت:"آدم…"ظهر آدم عند نهاية الممر.كان وجهه متعبًا، وعلى طرف فمه أثر دم خفيف. لم يكن مقيدًا، لكن عادل كان خلفه مباشرة، يضع عصاه على كتفه لا كتهديد ظاهر، بل كتذكير بأن خطوة واحدة خاطئة قد تكلفهم الكثير.نظر آدم إلى ليان، ثم إلى سامر، ثم إلى باب القمر المكسور.تغير وجهه عندما رأى سامر حيًا.قال بصوت مبحوح:"سامر الخطيب…"أومأ سام
لم يكن الصوت قويًا.كان بعيدًا، متعبًا، كأنه خرج من صدر رجل ظلّ يتكلم مع الجدران طويلًا حتى نسيت الجدران كيف ترد.لكن مريم عرفته.لم تحتج إلى صورة، ولا ورقة، ولا خاتم، ولا شهادة. كل ما احتاجته كان ذلك الارتجاف الصغير في الهواء حين قال الصوت:"من فتح باب العين؟"وضعت يدها على فمها، واتسعت عيناها كأن الذاكرة انفتحت دفعة واحدة.همست:"سامر…"شعرت ليان أن جسدها كله توقف.سامر.الأب الذي صلّت عليه وهو حي.الاسم الذي كان يظهر في الصور والرسائل والخواتم.الرجل الذي قالت عنه جدتها إنه مات، ثم قالت الأوراق إنه اختفى، ثم قالت أمها الآن إنه خلف القمر.قال يوسف بصوت لا يكاد يُسمع:"هذا أبوكِ؟"لم تجب ليان.لم تكن تعرف كيف تجيب عن أبٍ لم تعرفه إلا كغياب.الصوت جاء مرة أخرى من عمق الممر:"من هناك؟"كانت مريم ترتجف. خطوة واحدة إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف. كأنها تريد الركض إليه، لكنها تخاف أن تصل فتكتشف أن الصوت مجرد ذكرى.قالت ليان، وهي تحاول أن تثبت صوتها:"نحن…"توقفت.كيف تعرف نفسها لرجل هو أبوها؟ هل تقول: أنا ليان؟ هل سيعرف الاسم؟ هل سيقول كما قالت مريم: ليان صغيرة؟ هل سيكسرها مرة أخرى وهو لا يت
لم تكن الجملة التي قالتها مريم واضحة للجميع."سامر… خلف القمر."لكنها كانت كافية لتجعل عادل كنعان يتوقف.لم يعد ينظر إلى ليان، ولا إلى الدفتر المفتوح، ولا إلى حرف الميم الذي كتبته مريم بيد مرتجفة. صار ينظر إلى الباب الأبيض في آخر غرفة الذاكرة، ذلك الباب الصغير الذي لم تنتبه إليه ليان إلا عندما التفتت مريم نحوه.كان الباب مختلفًا عن كل الأبواب التي مرت بها.ليس أخضر مثل باب البيت.ولا حديديًا مثل بيت السراج.ولا مخفيًا تحت عتبة أو خلف فرن.كان أبيض، باهتًا، وفي أعلاه قمر صغير مرسوم بخيط فضي. تحت القمر، كانت هناك يد مطرزة، يد كبيرة تمسك يدًا صغيرة.قالت فاطمة بصوت منخفض:"دار القمر."شدّت ليان يد أمها."ماذا يعني خلف القمر؟"نظرت مريم إلى الباب كما لو أنها ترى شيئًا لا يراه الآخرون."لا أعرف… لكن سامر قال لي: إذا نسيتِ الطريق، تذكري القمر."ابتسم عادل ابتسامة باردة."إذن ما زال في رأسكِ شيء نافع."وقف آدم أمامه."لن تقترب منها."نظر إليه عادل باستخفاف."ابتعد يا ابن نادر. لا تحمل شجاعة لا تعرف ثمنها."قال آدم بصوت ثابت رغم وجعه:"عرفت ثمن الصمت. الشجاعة أرخص."تحرك عادل خطوة، لكن رائد و
لم تتحرك ليان.كان الفجر قد بدأ يلمس أطراف السماء، لكن الضوء لم يدخل قلبها. وقفت عند نهاية الممر الحجري، والملف في يدها، وخلفها أنفاس متعبة: نورا، يوسف، آدم، رائد، فاطمة، أم حازم، وحازم الذي بالكاد يستطيع الوقوف.وأمامها، كانت المرأة.ثوب رمادي.وشاح أبيض باهت.وجه شاحب.عينان تعرفهما ليان دون أن تكون قد رأتهما هكذا من قبل.كانت تمسك بيد سعاد، كأنها تقودها أو تستند إليها، ولم يكن واضحًا من أنقذ من.ثم قالت المرأة بصوت ضائع:"من هذه الطفلة؟"لم تكن الجملة طويلة.لكنها كانت أقسى من كل ما قاله سليم، ومن كل ما أخفاه رائد، ومن كل الأبواب التي أُغلقت في وجه ليان.شعرت ليان أن الملف يسقط من يدها، لكن آدم أمسكه قبل أن يقع على الأرض. لم تنتبه له. لم تنتبه لشيء سوى وجه المرأة.همست:"ماما؟"لم تجب المرأة.نظرت إلى سعاد، ثم إلى ليان، كأنها تحاول أن تجد في وجه الطفلة شيئًا ضاع منها في مكان بعيد.قالت سعاد بصوت مكسور:"مريم… هذه ليان."تغير وجه المرأة عند الاسم.لم يكن تغيرًا كاملًا. لم يكن تذكرًا واضحًا. كان أشبه بوجع يمر في الجسد قبل أن يصل إلى العقل.رفعت يدها إلى صدرها."ليان…"قالت الكلمة ببط
لم يكن عادل كنعان يصرخ.كان يصفّق ببطء عند باب العيادة الأمامي، كأن ما يحدث أمامه عرضٌ رتّبه منذ زمن، وانتظر فقط أن يصل أبطاله إلى أماكنهم.وقفت ليان داخل الغرفة المخفية، ويدها على الجدار الذي جاء منه صوت حازم. كان قلبها يضرب بعنف.خلف هذا الجدار رجل حيّ.رجل وثّق موت أمها على الورق.رجل قال إن مريم خرجت.وإن سامر كان ينتظرها.ومن الخارج، كان عادل يقول ببرود:"افتحوا الجدار… أو أدفن حازم خلفه مرة ثانية."شهقت أم حازم وهي جاثية أمام الحجر."لا… لا يا عادل. ابني حي. لا تلمسه."ضحك عادل ضحكة خفيفة."أنتِ أكثر امرأة تعرف أن الحياة لا تكفي يا أم حازم. ابنكِ حي منذ سنوات، لكن هل عاش؟"ارتجف صوتها:"حرام عليك."قال:"الحرام كلمة صغيرة أمام الذاكرة."تقدّم آدم خطوة نحو باب الغرفة، لكن رائد أمسك ذراعه."لا تخرج."قال آدم بأسنان مشدودة:"هو وحده؟"رد رائد:"عادل لا يكون وحده حتى عندما تراه وحده."كان يوسف واقفًا قرب ليان، يحاول أن يبدو ثابتًا، لكنه كان ينظر إلى الباب كل لحظة. أما نورا، فكانت تمسك الدفتر تحت ثوبها، وميداليتها تضرب صدرها مع كل نفس.قالت ليان بصوت عالٍ:"أين سعاد؟"سكت عادل لحظة،







