Home / الرومانسية / أوتار القمر الأخيرة / الفصل السادس عشر : المطاردة تحت المطر

Share

الفصل السادس عشر : المطاردة تحت المطر

last update publish date: 2026-06-24 19:50:53

كانت السماء ملبدة بالغيوم حين ضغط رفيق على دواسة الوقود بقوة.

انعكست أضواء السيارة السوداء على مرآته الخلفية كعينين تراقبانه في الظلام.

في البداية حاول إقناع نفسه بأنها مجرد صدفة.

لكن السيارة لم تبتعد.

ولم تتجاوز طريقها.

بل بقيت خلفه تمامًا.

كلما زادت سرعته، زادت سرعتها.

وكلما غير اتجاهه، غيرت اتجاهها.

عندها أدرك أن الأمر لم يعد مجرد شك.

كان يُلاحق بالفعل.

قبض على المقود بقوة.

وتذكر كلمات الرجل المجهول داخل المستودع.

"إذا لم نستطع إيقاف رفيق... فسنستخدم الفتاة."

شعر بقشعريرة باردة تسري في جسده.

لم يكن خائفًا على نفسه.

بل على نورة.

كانت تلك الفكرة وحدها كافية لتجعله يواصل القيادة بلا تردد.

---

في الجهة الأخرى من المدينة، كانت نورة تسير على الشاطئ المعتاد.

كانت الأمواج هادئة على غير العادة.

لكن قلبها لم يكن كذلك.

منذ أن انقطع الاتصال مع رفيق وهي تشعر بانقباض غريب.

حاولت الاتصال به أكثر من مرة.

لكن هاتفه ظل خارج التغطية.

جلست على المقعد الخشبي القريب من البحر.

وأخرجت دفترها الصغير.

فتحت صفحة جديدة.

وحاولت الكتابة.

لكن الكلمات رفضت الخروج.

كانت تفكر فيه.

في صوته.

في القلق الذي شعرت به أثناء المكالمة الأخيرة.

وفي السؤال الذي لم يتوقف عن مطاردتها.

ماذا كان يريد أن يقول لها؟

---

أما رفيق، فكان يحاول التخلص من السيارة السوداء.

انعطف نحو طريق جبلي فرعي.

كانت الأمطار قد بدأت بالهطول.

وأصبحت الرؤية أصعب.

لكن السيارة المجهولة لم تتراجع.

بل اقتربت أكثر.

وفجأة...

اصطدمت بمؤخرة سيارته.

اهتزت السيارة بعنف.

وكاد يفقد السيطرة عليها.

شد المقود بسرعة.

واستعاد توازنه في اللحظة الأخيرة.

اتسعت عيناه.

لم تعد مجرد مطاردة.

بل محاولة واضحة لإيقافه.

أو ربما لشيء أسوأ.

ضغط على الهاتف وحاول الاتصال بسامر.

بعد عدة ثوانٍ أجاب الأخير.

قال رفيق بسرعة:

"إنهم خلفي."

قفز سامر من مكانه.

وقال:

"أين أنت؟"

أخبره بالموقع.

ثم انقطع الاتصال بسبب ضعف الشبكة.

نظر سامر إلى الشاشة بقلق.

وشعر أن الأمور خرجت عن السيطرة.

---

في تلك الليلة، عاد الرجل المجهول إلى منزله القديم.

كان المنزل يقع في أطراف المدينة.

بعيدًا عن الأنظار.

دخل غرفة صغيرة في الطابق العلوي.

وأغلق الباب خلفه.

ثم جلس أمام مجموعة من الصور المنتشرة فوق الطاولة.

صور لرفيق.

وصور لنورة.

وصور أخرى لأشخاص ارتبطوا بالقضية منذ سنوات طويلة.

أمسك صورة نورة.

وظل يتأملها للحظات.

ثم قال بصوت منخفض:

"أحيانًا يكون الحب أقوى نقطة ضعف."

دخل رجل آخر إلى الغرفة.

وسأله:

"هل سنبدأ؟"

رفع الرجل المجهول رأسه.

وأجاب:

"ليس بعد."

"دعه يقترب أكثر من الحقيقة."

"عندها فقط سيسقط كل شيء."

---

في صباح اليوم التالي، استيقظت نورة على صوت طرق خفيف على الباب.

فتحت الباب باستغراب.

ولم تجد أحدًا.

لكن على الأرض كان هناك ظرف أبيض.

شعرت بالخوف فورًا.

التقطته ببطء.

ثم دخلت إلى المنزل.

فتحت الظرف.

وكانت بداخله صورة.

مجرد صورة واحدة.

لكنها كانت كافية لتجعل الدم يتجمد في عروقها.

كانت صورة لرفيق.

التقطت من بعيد.

ويبدو فيها وكأنه يهرب من شيء ما.

أما خلف الصورة فكانت هناك جملة قصيرة:

"اسأليه عن الحقيقة."

ارتجفت يداها.

وشعرت بأن شخصًا ما يحاول جرها إلى داخل تلك الدوامة المظلمة.

---

عند الظهيرة، وصل رفيق أخيرًا إلى المدينة.

كان متعبًا.

ومنهكًا.

لكن أول ما فعله هو التوجه نحو المكتبة القديمة.

المكان الذي بدأت فيه كل الحكاية.

عندما دخل، لمح نورة بين الرفوف.

كانت تقف بالقرب من النافذة.

وحين رأته، شعرت براحة كبيرة.

لكن تلك الراحة اختلطت بالحيرة.

اقتربت منه.

وقالت:

"أين كنت؟"

ابتسم بتعب.

وأجاب:

"رحلة طويلة."

أخرجت الصورة من حقيبتها.

وقدمتها له.

تغيرت ملامحه فورًا.

ثم قرأ العبارة المكتوبة خلفها.

وعرف أن خصومه بدأوا يقتربون أكثر.

رفع رأسه نحوها.

فرأى القلق في عينيها.

وقالت بصوت خافت:

"رفيق..."

"ما الحقيقة التي يريدونني أن أعرفها؟"

ساد الصمت بينهما.

كان يعلم أن الوقت يقترب.

وأن الأسرار التي حاول إخفاءها عنها لن تبقى مخفية طويلًا.

جلسا قرب النافذة المطلة على البحر.

والمطر يطرق الزجاج بهدوء.

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

"إذا أخبرتك بكل شيء..."

"فقد يتغير كل ما تعرفينه عني."

لم تبعد عينيها عنه.

وأجابت:

"الحقيقة لا تخيفني."

لكن في أعماقها...

كانت تشعر أن الأيام القادمة ستحمل لهما اختبارًا لم يتوقعاه أبدًا.

وخارج المكتبة، كان رجل يقف تحت المطر.

يراقب النافذة بصمت.

ثم أخرج هاتفه.

وقال:

"لقد التقيا."

جاءه صوت بارد من الطرف الآخر:

"ممتاز."

"المرحلة التالية تبدأ الليلة."

نهاية الفصل السادس عشر

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل التاسع والاربعون : الجزء الأول: الرجل الذي لا يختبئ

    الجزء الأول: الرجل الذي لا يختبئلم ينم رفيق تلك الليلة.ظل صدى الكلمات الأخيرة يتردد في رأسه:"عندما يعثرون على النصف الآخر... سيعرف رفيق أن حياته كلها بدأت بكذبة."أغلق الدفتر ببطء.ثم نظر إلى ساعة يوسف الموضوعة على المكتب.للمرة الأولى، لم يشعر أن يوسف يترك له الألغاز عبثًا.بل كأن كل خطوة كانت تقوده إلى مواجهة لم يكن مستعدًا لها.---مع أول خيوط الفجر، اجتمع رفيق ومراد ونورة حول الطاولة.كان الصمت يسبق الحديث.قطع مراد السكون وهو يدفع ملفًا ورقيًا نحو رفيق."وجدت شيئًا عن كمال السالمي."فتح رفيق الملف.احتوى على صورة قديمة لرجل في الأربعينيات، ونبذة قصيرة عن حياته.لكن ما لفت انتباهه لم يكن الصورة...بل المهنة.موثق عقود رسمي.

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الثامن والأربعون

    الجزء الأول: الظل الذي عبر النافذةانطفأت شاشة الحاسوب.وفي اللحظة نفسها، غرق المنزل في ظلام كثيف.لم يعد يُرى شيء سوى خيط شاحب من ضوء القمر يتسلل عبر النافذة التي انفتحت ببطء، كأن يدًا خفية دفعتها من الخارج.حبس الجميع أنفاسهم.لم يتكلم أحد.ثم...صدر صوت خطوة فوق الأرضية الخشبية.كانت بطيئة.مدروسة.كأن صاحبها يعرف تفاصيل المنزل أكثر من أصحابه.رفع رفيق يده في الظلام، وهمس:"لا يتحرك أحد."شعر بأن نورة تقف خلفه مباشرة، وأن أنفاسها المرتجفة تقترب من كتفه.أما مراد، فبدأ يتحسس جيبه بحثًا عن مصباحه الصغير، محاولًا ألا يصدر أي صوت.لكن الخطوة الثانية جاءت أقرب.هذه المرة...كانت داخل الغرفة نفسها.انقبض قلب رفيق.هل جاء الرجل ليسرق الصورة؟أم ليتأكد أنهم رأوا ما لم يكن يجب أن يروه؟لم يمنحه عقله وقتًا للإجابة.اندفع نحو مصدر الصوت، مستعينًا بذاكرته لمكان الأثاث.وفي اللحظة نفسها، اصطدم بجسد شخص آخر.كانت الدفعة قوية.ترنح الاثنان.شعر رفيق بقبضة يد ترتطم بكتفه، ثم تنزلق مبتعدة.وقبل أن يمسك بمعطف الدخيل...اشتعل ضوء المصباح في يد مراد.شق شعاعه الظلام لثانية واحدة.وكانت ثانية كافية.رأ

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل السابع والأربعون

    الجزء الأول: ثمن الحقيقةظل رفيق واقفًا أمام باب المقهى، يقلب المفتاح البرونزي بين أصابعه.لم يركض خلف عادل.ولم يفتح الظرف.كان يشعر أن كليهما يحملان الحقيقة نفسها، لكن كلًا منهما يرويها بطريقة مختلفة.رفع بصره نحو الشارع.اختفت السيارة الرمادية.واختفى الرجل ذو المعطف الداكن.كأن اللقاء لم يحدث أصلًا.لكن ثقل الظرف في جيبه كان يؤكد أن كل ما عاشه قبل دقائق كان حقيقيًا.---عاد إلى المنزل مع اقتراب الغروب.كانت نورة أول من فتح الباب.ما إن رأته حتى ارتسمت على وجهها راحة حاولت إخفاءها.ابتسم رفيق ابتسامة متعبة.وقال بهدوء:"لقد عدت."أجابته وهي تتنفس بارتياح:"وأوفيت بوعدك."لم تكن الجملة طويلة، لكنها لامست شيئًا عميقًا في داخله.أدرك أن هناك من ينتظره في كل مرة يخرج فيها لمواجهة المجهول.---دخل مراد إلى غرفة الجلوس وهو يحمل حاسوبه المحمول."وجدت شيئًا."اجتمع الجميع حوله.ظهرت على الشاشة صورة قديمة لمبنى حجري ضخم.قال مراد:"قضيت ساعات أبحث عن الرمز الموجود على المفتاح."أشار إلى النقش."الطائر فوق الهلال."رفع رفيق رأسه."هل وجدته؟"أومأ مراد."هذا الشعار كان يخص مؤسسة خيرية أُغلقت

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل السادس والأربعون

    الجزء الأول: الرجل الذي نجاظل رفيق يحدق في الرجل المسن للحظات.لم يتحرك.ولم يرفع الرجل عينيه مرة أخرى.أعاد طي الصحيفة بعناية، ثم ارتشف رشفة هادئة من قهوته، وكأنه لا ينتظر أحدًا.لكن شيئًا في ملامحه كان يقول العكس.كان ينتظر...منذ سنوات.---عبر رفيق الشارع بخطوات مترددة.شعر بنظرات نورة تلاحقه من خلف نافذة المنزل.كان قد وعدها أن يعود.ولم يكن يريد أن يبدأ بكسر أول وعد بينهما.توقف أمام باب المقهى.أخرج القلادة الفضية التي أعطته إياها نورة.قبض عليها للحظة.ثم أخفاها داخل قميصه.ودخل.---رفع الرجل المسن نظره هذه المرة.ابتسم ابتسامة صغيرة."تأخرت ثلاث دقائق."جلس رفيق أمامه دون أن يمد يده للمصافحة.قال بهدوء:"من أنت؟"لم يجب الرجل مباشرة.بل دفع فنجان قهوة آخر نحو رفيق."اطمئن... ليست مرة."ارتجفت يد رفيق قليلًا.كانت الجملة نفسها التي قالها قبل دقائق لنورة.هل كان يراقبه؟أم أن الأمر مجرد مصادفة؟---قال الرجل بعدما لاحظ ارتباكه:"لا تنظر إليّ كعدو.""ولو كنت أريد قتلك... لما دعوتك إلى مكان مليء بالناس."ساد الصمت بينهما.ثم قال رفيق:"أعرف أنك كنت مع يوسف."أطرق الرجل برأسه."

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الخامس والأربعون

    الجزء الأول: الوعد الذي أخفاه الصمتظل رفيق ممسكًا بالهاتف حتى بعد انقطاع الاتصال.لم يتحرك.لم يتكلم.كان الصوت الذي سمعه قبل لحظات لا يزال يتردد في أذنيه:"إذا أردت أن تعرف لماذا مات يوسف... تعال غدًا وحدك."أخفض الهاتف ببطء.كانت الغرفة صامتة، لكن داخله كان يعج بالأسئلة.لاحظت نورة شحوب وجهه.اقتربت منه بخطوات هادئة."من كان المتصل؟"رفع بصره إليها، ثم تردد.للمرة الأولى منذ بدأت رحلتهما، فكر في إخفاء الحقيقة عنها.ليس لأنه لا يثق بها...بل لأنه خاف عليها.قال بهدوء:"رقم مجهول."نظرت إليه طويلًا.كانت تعرف رفيق جيدًا.وحين يجيب بهذه القِصر، فهذا يعني أنه يخفي شيئًا.لكنها لم تضغط عليه.اكتفت بسؤال واحد:"هل نحن في خطر؟"صمت للحظات.ثم أجاب بصراحة:"لا أعرف."---تقدمت المرأة الغامضة، وأخذت ساعة يوسف من فوق الطاولة.تأملتها بحزن."كان يحملها معه في كل مكان."ثم أعادتها إلى رفيق."احتفظ بها... لأنها لم تعد مجرد ساعة."نظر إليها باستغراب."ماذا تقصدين؟"ابتسمت ابتسامة خفيفة."يوسف لم يكن يحتفظ بشيء عبثًا."نظر رفيق إلى الساعة.ثم إلى الورقة التي كانت مخبأة داخلها."ابحث عنها في الأشخ

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الرابع والأربعون

    الجزء الأول: بين الوعد والحقيقةظل رفيق واقفًا مكانه.كانت كلمات نورة، القادمة من خارج المنارة، تتردد في أذنيه:"رفيق... لا تفتح الظرف!"تجمدت يده فوق ختم الشمع الأحمر.نظر إلى الظرف.ثم إلى الباب المفتوح.ثم إلى مراد.قال مراد بصوت حازم:"إذا كانت نورة في الخارج... فمن الذي كان يصرخ باسمها قبل دقائق؟"لم يجب أحد.كان السؤال وحده كافيًا ليزرع الشك في قلوب الجميع.أعاد رفيق الظرف إلى جيبه ببطء.وقال:"لن أفتحه الآن."تنفست المرأة الغامضة الصعداء، وكأنها كانت تخشى تلك اللحظة منذ سنوات.---خرج الثلاثة من الغرفة السرية، وصعدوا درجات السلم الحجري بسرعة.كانت المنارة ساكنة.لم يبقَ فيها سوى صوت الريح وهي تضرب النوافذ القديمة.اندفع رفيق إلى الخارج.كانت نورة تقف قرب السيارة، تلهث، ووجهها شاحب.ما إن رأته حتى أسرعت نحوه.دون تفكير، أمسك بكتفيها."أين كنتِ؟"نظرت إليه بدهشة."كنت أبحث عنك."عقد حاجبيه."سمعنا صراخك من داخل المنارة."هزت رأسها بالنفي."لم أصرخ."ساد الصمت.أدرك الجميع أن شخصًا آخر كان يقلد صوتها.---أخفض رفيق يديه ببطء.للمرة الأولى، شعر بأن خصمه لا يكتفي بمراقبته.بل يعرف ن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status