Home / الرومانسية / أوتار القمر الأخيرة / الفصل الخامس عشر : بين الخوف والقلب

Share

الفصل الخامس عشر : بين الخوف والقلب

last update publish date: 2026-06-24 19:48:33

لم تنم نورة تلك الليلة.

بقيت جالسة على حافة سريرها، تمسك بالرسالة التي وجدتها على النافذة. كانت تقرأ الكلمات نفسها مرارًا، وكأنها تبحث عن معنى آخر غير ذلك المعنى الواضح والمخيف.

"ابتعدي عن رفيق إذا كنتِ تريدين أن تبقي بأمان."

لم تكن الرسالة طويلة.

لكنها نجحت في زرع القلق داخل قلبها.

منذ أسابيع قليلة فقط، كانت حياتها هادئة وبسيطة. مكتبة قديمة، بحر تعرف أسراره، وأحلام صغيرة تؤجلها كل يوم إلى الغد.

أما الآن، فقد أصبحت جزءًا من قصة لا تفهمها بالكامل.

قصة مليئة بالأسرار والوجوه الغامضة والرسائل المجهولة.

وضعت الورقة داخل درج مكتبها.

ثم وقفت أمام النافذة.

كانت السماء ما تزال مظلمة.

والبحر يبدو بعيدًا رغم قربه.

همست لنفسها:

"من أنت؟ وماذا تريد منا؟"

لكن الليل لم يجب.

---

في صباح اليوم التالي، استيقظ رفيق على صوت هاتفه.

كان المتصل سامر.

أجاب بسرعة.

فقال سامر دون مقدمات:

"يجب أن تأتي حالًا."

نهض رفيق من مكانه.

وسأله بقلق:

"ماذا حدث؟"

أجاب سامر:

"لقد اختفى."

تجمد رفيق للحظة.

كان يعرف فورًا عمّن يتحدث.

الشخص الذي اكتشفا صورته الليلة الماضية.

الشخص الذي بدأا يشكان في ارتباطه بالقضية.

قال رفيق:

"كيف؟"

رد سامر:

"ذهبت إلى منزله هذا الصباح."

"البيت فارغ."

"والجيران يقولون إنه غادر قبل الفجر."

أغلق رفيق الهاتف بسرعة.

وأدرك أن خصمهما عرف أنه أصبح مكشوفًا.

---

بعد ساعة، كان الاثنان يقفان داخل المنزل المهجور.

الأدراج مفتوحة.

الخزائن فارغة.

والأوراق المهمة اختفت.

لكن وسط الفوضى، وجد سامر شيئًا صغيرًا تحت الطاولة.

بطاقة قديمة.

التقطها ونظر إليها.

ثم ناولها إلى رفيق.

كانت بطاقة عضوية تعود إلى نادٍ بحري قديم يقع على أطراف المدينة.

قال سامر:

"هل تعتقد أنه تركها عمدًا؟"

أجاب رفيق:

"أو سقطت منه أثناء هروبه."

ثم أضاف:

"في الحالتين... سنذهب إلى هناك."

---

في تلك الأثناء، كانت نورة تحاول متابعة يومها بشكل طبيعي.

لكن عقلها كان منشغلًا بما حدث.

وعندما وصلت إلى المكتبة، لاحظ صاحبها العجوز شحوب وجهها.

فسألها:

"هل أنت بخير يا نورة؟"

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

وقالت:

"مجرد ليلة سيئة."

هز رأسه بتفهم.

ثم عاد إلى ترتيب الكتب.

لكن شيئًا ما جذب انتباه نورة.

كان هناك كتاب قديم موضوع فوق الطاولة.

لم تره من قبل.

اقتربت منه.

وعندما فتحته، سقطت منه ورقة صغيرة.

رفعتها باستغراب.

وكان مكتوبًا عليها:

"بعض الحقائق تختبئ داخل الكتب أكثر مما تختبئ داخل البشر."

تجمدت في مكانها.

كان الخط نفسه الموجود في الرسالة التي تلقتها الليلة الماضية.

---

عند الغروب، وصل رفيق وسامر إلى النادي البحري القديم.

كان المكان شبه مهجور.

وتحيط به مخازن قديمة وسفن متآكلة.

بدأا البحث بين المباني.

حتى وصلا إلى مستودع كبير قرب الرصيف.

كان الباب مواربًا.

اقتربا بحذر.

ثم دخلا.

ساد الظلام.

ولم يسمعا سوى صوت الأمواج في الخارج.

لكن فجأة...

وصلت إليهما أصوات حديث.

توقفا فورًا.

واختبآ خلف مجموعة من الصناديق الخشبية.

كان هناك رجلان في الطرف الآخر من المستودع.

أحدهما هو الشخص الذي اختفى صباحًا.

أما الآخر فكان مجهولًا.

قال الرجل المجهول:

"لقد عثروا على المزرعة."

أجاب الآخر بقلق:

"أعرف."

"ولن يتوقفوا الآن."

قال المجهول:

"لهذا يجب تنفيذ المرحلة التالية."

شعر رفيق بأن قلبه ينبض بقوة.

أما سامر فاقترب أكثر ليستمع.

ثم سمعا الجملة التي غيرت كل شيء.

قال الرجل المجهول:

"إذا لم نستطع إيقاف رفيق..."

"فسنستخدم الفتاة."

---

تجمد الدم في عروق رفيق.

كانت نورة هي المقصودة دون شك.

قبض على يديه بقوة.

وشعر برغبة عارمة في الخروج ومواجهتهما فورًا.

لكن سامر أمسك بذراعه.

وهمس:

"ليس الآن."

حاول رفيق السيطرة على غضبه.

وبقي مكانه.

بعد دقائق، غادر الرجلان المستودع.

وانطلقت سيارتهما في الظلام.

خرج رفيق من مخبئه.

وعيناه تشتعلان بالقلق.

قال بصوت حازم:

"يجب أن أعود إليها."

---

في تلك الليلة، قرر العودة إلى مدينته.

لم يعد يحتمل فكرة بقائه بعيدًا بينما الخطر يقترب من نورة.

وخلال الرحلة الطويلة، لم يتوقف عن التفكير.

في أول لقاء جمعهما.

في ضحكتها.

في الرسائل الصغيرة التي كانت تكتبها.

وفي اللحظات التي جعلته يشعر أن الحياة يمكن أن تكون أكثر دفئًا مما اعتقد.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة...

اعترف لنفسه بالحقيقة.

لقد أحبها.

ليس إعجابًا عابرًا.

ولا تعلقًا مؤقتًا.

بل حبًا حقيقيًا نما بصمت داخل قلبه.

---

أما نورة، فكانت تجلس قرب البحر عندما رن هاتفها.

نظرت إلى الشاشة.

واتسعت ابتسامتها فورًا.

كان رفيق.

أجابت بسرعة:

"مرحبًا."

سمعت صوته هادئًا هذه المرة.

لكن مختلفًا.

قال:

"نورة..."

توقفت للحظة.

وشعرت أن هناك شيئًا يريد قوله.

شيئًا انتظر طويلًا ليعترف به.

لكن قبل أن يتابع حديثه...

انقطع الاتصال فجأة.

نظر رفيق إلى الهاتف باستغراب.

ثم إلى الطريق أمامه.

إحدى السيارات السوداء كانت تسير خلفه منذ عدة كيلومترات.

وتقترب أكثر فأكثر.

بينما بدأت أخطر مطاردة في حياته.

نهاية الفصل الخامس عشر

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل خمسون

    الجزء الأول: أول خطوة نحو المواجهةلم يكد باب المنزل يُغلق خلف سليم حتى عاد الصمت يفرض نفسه.كانت كلماته الأخيرة ما تزال عالقة في أذهان الجميع.أما رفيق، فلم ينظر إلى الرسالة مرة أخرى.طواها بعناية، ووضعها داخل جيبه.ثم قال بصوت حاسم:"انتهى وقت الانتظار."رفع مراد رأسه."ماذا تقصد؟"استدار رفيق نحوه."منذ البداية ونحن نتحرك كما يريدون هم."اقترب من النافذة، وألقى نظرة على الشارع."كل خطوة خطوناها كانت رد فعل."ثم قبض يده."حان الوقت ليكونوا هم من يرد على خطواتنا."---تبادلت نورة ومراد النظرات.قالت نورة بهدوء:"وماذا ستفعل؟"التفت إليها.ولأ

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل التاسع والاربعون : الجزء الأول: الرجل الذي لا يختبئ

    الجزء الأول: الرجل الذي لا يختبئلم ينم رفيق تلك الليلة.ظل صدى الكلمات الأخيرة يتردد في رأسه:"عندما يعثرون على النصف الآخر... سيعرف رفيق أن حياته كلها بدأت بكذبة."أغلق الدفتر ببطء.ثم نظر إلى ساعة يوسف الموضوعة على المكتب.للمرة الأولى، لم يشعر أن يوسف يترك له الألغاز عبثًا.بل كأن كل خطوة كانت تقوده إلى مواجهة لم يكن مستعدًا لها.---مع أول خيوط الفجر، اجتمع رفيق ومراد ونورة حول الطاولة.كان الصمت يسبق الحديث.قطع مراد السكون وهو يدفع ملفًا ورقيًا نحو رفيق."وجدت شيئًا عن كمال السالمي."فتح رفيق الملف.احتوى على صورة قديمة لرجل في الأربعينيات، ونبذة قصيرة عن حياته.لكن ما لفت انتباهه لم يكن الصورة...بل المهنة.موثق عقود رسمي.

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الثامن والأربعون

    الجزء الأول: الظل الذي عبر النافذةانطفأت شاشة الحاسوب.وفي اللحظة نفسها، غرق المنزل في ظلام كثيف.لم يعد يُرى شيء سوى خيط شاحب من ضوء القمر يتسلل عبر النافذة التي انفتحت ببطء، كأن يدًا خفية دفعتها من الخارج.حبس الجميع أنفاسهم.لم يتكلم أحد.ثم...صدر صوت خطوة فوق الأرضية الخشبية.كانت بطيئة.مدروسة.كأن صاحبها يعرف تفاصيل المنزل أكثر من أصحابه.رفع رفيق يده في الظلام، وهمس:"لا يتحرك أحد."شعر بأن نورة تقف خلفه مباشرة، وأن أنفاسها المرتجفة تقترب من كتفه.أما مراد، فبدأ يتحسس جيبه بحثًا عن مصباحه الصغير، محاولًا ألا يصدر أي صوت.لكن الخطوة الثانية جاءت أقرب.هذه المرة...كانت داخل الغرفة نفسها.انقبض قلب رفيق.هل جاء الرجل ليسرق الصورة؟أم ليتأكد أنهم رأوا ما لم يكن يجب أن يروه؟لم يمنحه عقله وقتًا للإجابة.اندفع نحو مصدر الصوت، مستعينًا بذاكرته لمكان الأثاث.وفي اللحظة نفسها، اصطدم بجسد شخص آخر.كانت الدفعة قوية.ترنح الاثنان.شعر رفيق بقبضة يد ترتطم بكتفه، ثم تنزلق مبتعدة.وقبل أن يمسك بمعطف الدخيل...اشتعل ضوء المصباح في يد مراد.شق شعاعه الظلام لثانية واحدة.وكانت ثانية كافية.رأ

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل السابع والأربعون

    الجزء الأول: ثمن الحقيقةظل رفيق واقفًا أمام باب المقهى، يقلب المفتاح البرونزي بين أصابعه.لم يركض خلف عادل.ولم يفتح الظرف.كان يشعر أن كليهما يحملان الحقيقة نفسها، لكن كلًا منهما يرويها بطريقة مختلفة.رفع بصره نحو الشارع.اختفت السيارة الرمادية.واختفى الرجل ذو المعطف الداكن.كأن اللقاء لم يحدث أصلًا.لكن ثقل الظرف في جيبه كان يؤكد أن كل ما عاشه قبل دقائق كان حقيقيًا.---عاد إلى المنزل مع اقتراب الغروب.كانت نورة أول من فتح الباب.ما إن رأته حتى ارتسمت على وجهها راحة حاولت إخفاءها.ابتسم رفيق ابتسامة متعبة.وقال بهدوء:"لقد عدت."أجابته وهي تتنفس بارتياح:"وأوفيت بوعدك."لم تكن الجملة طويلة، لكنها لامست شيئًا عميقًا في داخله.أدرك أن هناك من ينتظره في كل مرة يخرج فيها لمواجهة المجهول.---دخل مراد إلى غرفة الجلوس وهو يحمل حاسوبه المحمول."وجدت شيئًا."اجتمع الجميع حوله.ظهرت على الشاشة صورة قديمة لمبنى حجري ضخم.قال مراد:"قضيت ساعات أبحث عن الرمز الموجود على المفتاح."أشار إلى النقش."الطائر فوق الهلال."رفع رفيق رأسه."هل وجدته؟"أومأ مراد."هذا الشعار كان يخص مؤسسة خيرية أُغلقت

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل السادس والأربعون

    الجزء الأول: الرجل الذي نجاظل رفيق يحدق في الرجل المسن للحظات.لم يتحرك.ولم يرفع الرجل عينيه مرة أخرى.أعاد طي الصحيفة بعناية، ثم ارتشف رشفة هادئة من قهوته، وكأنه لا ينتظر أحدًا.لكن شيئًا في ملامحه كان يقول العكس.كان ينتظر...منذ سنوات.---عبر رفيق الشارع بخطوات مترددة.شعر بنظرات نورة تلاحقه من خلف نافذة المنزل.كان قد وعدها أن يعود.ولم يكن يريد أن يبدأ بكسر أول وعد بينهما.توقف أمام باب المقهى.أخرج القلادة الفضية التي أعطته إياها نورة.قبض عليها للحظة.ثم أخفاها داخل قميصه.ودخل.---رفع الرجل المسن نظره هذه المرة.ابتسم ابتسامة صغيرة."تأخرت ثلاث دقائق."جلس رفيق أمامه دون أن يمد يده للمصافحة.قال بهدوء:"من أنت؟"لم يجب الرجل مباشرة.بل دفع فنجان قهوة آخر نحو رفيق."اطمئن... ليست مرة."ارتجفت يد رفيق قليلًا.كانت الجملة نفسها التي قالها قبل دقائق لنورة.هل كان يراقبه؟أم أن الأمر مجرد مصادفة؟---قال الرجل بعدما لاحظ ارتباكه:"لا تنظر إليّ كعدو.""ولو كنت أريد قتلك... لما دعوتك إلى مكان مليء بالناس."ساد الصمت بينهما.ثم قال رفيق:"أعرف أنك كنت مع يوسف."أطرق الرجل برأسه."

  • أوتار القمر الأخيرة   الفصل الخامس والأربعون

    الجزء الأول: الوعد الذي أخفاه الصمتظل رفيق ممسكًا بالهاتف حتى بعد انقطاع الاتصال.لم يتحرك.لم يتكلم.كان الصوت الذي سمعه قبل لحظات لا يزال يتردد في أذنيه:"إذا أردت أن تعرف لماذا مات يوسف... تعال غدًا وحدك."أخفض الهاتف ببطء.كانت الغرفة صامتة، لكن داخله كان يعج بالأسئلة.لاحظت نورة شحوب وجهه.اقتربت منه بخطوات هادئة."من كان المتصل؟"رفع بصره إليها، ثم تردد.للمرة الأولى منذ بدأت رحلتهما، فكر في إخفاء الحقيقة عنها.ليس لأنه لا يثق بها...بل لأنه خاف عليها.قال بهدوء:"رقم مجهول."نظرت إليه طويلًا.كانت تعرف رفيق جيدًا.وحين يجيب بهذه القِصر، فهذا يعني أنه يخفي شيئًا.لكنها لم تضغط عليه.اكتفت بسؤال واحد:"هل نحن في خطر؟"صمت للحظات.ثم أجاب بصراحة:"لا أعرف."---تقدمت المرأة الغامضة، وأخذت ساعة يوسف من فوق الطاولة.تأملتها بحزن."كان يحملها معه في كل مكان."ثم أعادتها إلى رفيق."احتفظ بها... لأنها لم تعد مجرد ساعة."نظر إليها باستغراب."ماذا تقصدين؟"ابتسمت ابتسامة خفيفة."يوسف لم يكن يحتفظ بشيء عبثًا."نظر رفيق إلى الساعة.ثم إلى الورقة التي كانت مخبأة داخلها."ابحث عنها في الأشخ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status