ANMELDENدخلت ليان المطبخ وهي تحمل آخر طبق. وضعتْه فوق الرخامة. ثم التفتت إلى أمها. كانت مريم تغسل الأطباق بصمت. لكن ملامحها بدت أكثر هدوءًا من بداية المساء. اقتربت ليان منها. ثم قالت بابتسامة صغيرة: "أمي..." نظرت إليها مريم. "نعم؟" ترددت ليان قليلًا. ثم قالت بعفوية: "خالي... رائع." توقفت يد مريم عن غسل الطبق. ثم ابتسمت لأول مرة منذ بداية تلك الليلة. "أعجبك؟" أومأت ليان بسرعة. "كثيرًا." "كنت أظنه شخصًا غامضًا..." "لكن عندما جلس معنا..." "شعرت أنه لطيف جدًا." ثم ضحكت بخفة. "ويحكي قصصًا جميلة أيضًا." ضحكت مريم بهدوء. "هذا هو سامر..." "كان دائمًا يعرف كيف يجعل من حوله يبتسمون." اقتربت ليان أكثر. ثم سألت باستغراب: "لكن..." "إذا كان بهذه الروعة..." "لماذا لم أعرفه من قبل؟" ساد الصمت للحظات. أغلقت مريم صنبور الماء. ثم مسحت يديها بالمنشفة. وقالت بهدوء: "لأن الظروف فرقتنا سنوات طويلة." ثم ابتسمت وهي تنظر إلى ابنتها. "لكن الآن..." "سترينه كثيرًا." اتسعت عينا ليان قليلًا. "حقًا؟" هزت مريم رأسها. "نعم." ابتسمت ليان بس
دخل سامر إلى غرفة الجلوس بخطوات هادئة.جلس في المكان الذي أشار إليه سالم.أما مريم...فبقيت واقفة لثوانٍ.وكأنها لا تعرف أين تجلس.قطع سالم الصمت قائلًا:"مر وقت طويل."رفع سامر نظره إليه.ثم أجاب بهدوء:"أطول مما توقعت."ساد الصمت.لم يكن صمت راحة...بل صمت رجلين يحاول كلٌّ منهما قراءة الآخر.شعرت ليان أن الجو أثقل من مجرد عشاء عائلي.كأن هناك حديثًا كاملًا يدور...لكن دون كلمات.دخلت مريم وهي تحمل آخر الأطباق.وضعتها على المائدة وقالت بهدوء:"تفضلوا...""الطعام جاهز."انتقل الجميع إلى غرفة الطعام.جلس سالم في مكانه المعتاد.وجلست مريم بجواره.أما ليان...فجلست في المقعد المقابل لسامر.بدأ العشاء وسط صمت قصير.لم يُسمع سوى صوت الأطباق.ولاحظت ليان أن أمها تتجنب النظر إلى سامر منذ دخوله.أما هو...فكان هادئًا على غير ما توقعت.رفع سامر نظره نحوها.وقال بابتسامة خفيفة:"انتهت الامتحانات أخيرًا، أليس كذلك؟"أجابت:"نعم.""وأشعر أنني لن أفتح كتابًا لمدة أسبوع."ضحك ضحكة خفيفة."هذا حق مشروع بعد الامتحانات."ابتسمت ليان لأول مرة منذ بداية العشاء.ثم قالت بعفوية:"وأنت؟""هل كنت تكره الامت
في صباح اليوم التالي... استيقظت مريم وهي تشعر بثقل غريب في صدرها. لم تنم جيدًا. كلما أغمضت عينيها... سمعت صوت سالم وهو يقول: "ادعيه للعشاء." --- في المطبخ... كانت تحضر الإفطار بصمت. دخل سالم كعادته. جلس إلى الطاولة. شرب قهوته بهدوء. ولم يذكر سامر. ولم يسأل إن كانت قد تواصلت معه. تصرف وكأن الأمر انتهى. لكن هذا جعل مريم أكثر توترًا. --- بعد مغادرته إلى العمل... أخرجت هاتفها. فتحت المحادثة الأخيرة. كانت الرسالة التي أرسلتها الليلة الماضية ما تزال أمامها: «سالم يريد دعوتك للعشاء الليلة.» لم يصلها أي رد حتى ذلك الوقت. ظلت تنظر إلى الشاشة لثوانٍ. ثم كتبت: «هل ستأتي؟» لم تنتظر طويلًا. وصلها الرد بعد دقائق: «سأكون هناك.» قرأت الرسالة أكثر من مرة. ثم أغلقت الهاتف ببطء. لكنها لم تشعر بالاطمئنان. --- في المدرسة... انتهى آخر امتحان. خرج الطلاب من القاعات وهم يصرخون فرحًا. البعض بدأ يخطط للخروج. والبعض الآخر كان يحتفل بانتهاء أسبوع طويل من التوتر. أما ليان... فلم تشعر بأي فرح حقيقي. كانت تفكر في الرجل الغريب. اقترب منها يوسف مبتسمًا. "انتهينا أخيرًا." هز
--- مرّ اليوم الرابع من الامتحانات… أهدأ من الخارج… وأثقل من الداخل. جلست ليان داخل القاعة. الأسئلة أمامها واضحة. لكن عقلها لم يكن حاضرًا بالكامل. كلما حاولت التركيز… عاد إلى ذهنها ذلك الرجل. من يكون؟ ولماذا قال إنه سمع عنها من شخصٍ يهمه أمرها؟ رنّ الجرس معلنًا نهاية الوقت. جمعت أوراقها بصمت. ثم خرجت من القاعة. --- عند بوابة المدرسة… كان يوسف ينتظرها كعادته. ابتسم عندما رآها. "كيف كان الامتحان؟" أجابت وهي تعدل حقيبتها: "لا بأس." ابتسم. "هذه أفضل من كلمة (جيد)." رفعت حاجبها قليلًا. فضحك وأضاف: "على الأقل اليوم اعترفت أنه أتعبك." هزّت رأسها بخفة. ثم سارا معًا. --- لم يكن يوسف كثير الكلام اليوم. تحدث قليلًا عن الامتحانات… وعن اقتراب نهايتها. ثم ترك الصمت يأخذ مكانه. وكان ذلك الصمت مريحًا أكثر من أي حديث. أما ليان… فكانت تنظر بين الحين والآخر إلى الطريق. وكأنها تنتظر ظهور شيء… أو شخص. لكن السيارة السوداء… لم تظهر. --- لاحظ يوسف ذلك. ثم قال بهدوء: "هل تبحثين عن الرجل الذي رأيناه أمس؟" توقفت ليان لحظة. ثم قالت: "لا… مجرد صدفة." "لا شيء مهم."
مرّ اليوم الثالث من الامتحانات ببطء.لكن بالنسبة إلى ليان…لم يكن الامتحان هو ما يشغلها.بل ذلك الرجل…والشعور الغريب الذي تركه في داخلها منذ أن رأته للمرة الأولى.خرجت من المدرسة بعد انتهاء الامتحان.وكعادتها…كان يوسف ينتظرها عند البوابة.ما إن رآها حتى ابتسم وقال:"كيف كان الامتحان؟"أجابت بهدوء:"جيد."ابتسم وهو يهز رأسه."إذن كان ممتازًا."ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، لكنها اختفت سريعًا.سارا في الطريق المعتاد.كان يوسف يتحدث عن سؤال لم يعرف إجابته.وعن بعض زملائهم الذين خرجوا يشتكون من صعوبة الامتحان.أما ليان…فكانت تستمع أكثر مما تتحدث.وفجأة…تباطأت خطواتها.وعلى الرصيف المقابل…كانت السيارة السوداء نفسها متوقفة.شعرت بقلبها يخفق أسرع قليلًا.لاحظ يوسف توقفها.فاتبع نظرتها.ورأى رجلًا يخرج من السيارة.كان سامر.أغلق الباب بهدوء.وتقدم بضع خطوات فقط.ثم توقف، محافظًا على مسافة واضحة بينه وبينهما.نظر إلى ليان وقال بصوت هادئ:"أعتذر إن كنت سببت لك انزعاجًا في المرة الماضية."ظلت تنظر إليه بحذر.ثم سألت:"هل تعرفني؟"ساد صمت قصير.ثم قال:"سمعت عنك… من شخص يهمه أمرك."ازدادت
مرّ اليوم الثاني من الامتحانات…أثقل من سابقه.كانت الممرات تمتلئ بالطلاب قبل بدء الاختبار.بعضهم يراجع في اللحظات الأخيرة،وبعضهم يضحك ليخفي توتره.أما ليان…فجلست في مقعدها بهدوء.كتابها مفتوح أمامها،لكن عينيها لم تكونا تقرآن شيئًا.شيء ما كان يشغلها أكثر من الورق.---رنّ الجرس.دخل المراقب.وبدأ الامتحان.مرّت الساعتان كأنهما دقائق طويلة متقطعة.وحين انتهى الوقت…خرج الطلاب من القاعة واحدًا تلو الآخر.كانت ليان تجمع أغراضها عندما اقترب منها يوسف.ابتسم وقال:"أظن أن هذا الامتحان كان أصعب من أمس."نظرت إليه بهدوء."قليلًا."ابتسم."إذن نحن متفقان."---خرجا معًا من المدرسة.هذه المرة لم يكن يوسف كثير الكلام.لم يعرف السبب...لكنه شعر أن صديقه يبدو أكثر هدوءًا من المعتاد.لذلك لم يحاول أن يملأ الطريق بالأحاديث كما يفعل دائمًا.اكتفى بالسير بجانبه.وبين الحين والآخر...كان يشير إلى شيء في الطريق، أو يعلّق على أحد زملائهم، فتجيبه بكلمة أو كلمتين.ولم يكن يحتاج إلى أكثر من ذلك.---على الجانب الآخر من الشارع…كانت سيارة سامر متوقفة بصمت.لكنه لم يترجل منها.كان يراقب المشهد كله دون أ
"مريم؟"---أغمضت مريم عينيها.---كان الصوت مألوفًا رغم السنوات الطويلة.---صوت أخيها سامر.---الشخص الذي لم تتحدث معه منذ زمن.---"سامر..."---ساد صمت قصير.---ثم قال بهدوء:"هل أنتِ بخير؟"---لم تعرف لماذا...لكن هذا السؤال وحده كاد يجعلها تبكي.---لأن أحدًا لم يسألها ذلك منذ سنوات.---ش
مرت الأيام التالية كما اعتادت ليان.مدرسة.ثم تدريب.ثم النادي الرياضي.ثم نادي ضبط النفس.ثم العودة إلى المنزل.---أصبحت الأيام متشابهة إلى درجة أنها بدأت تختلط داخل رأسها.---وفي كل صباح...كان سالم يراقبها بعينيه الحادتين.---وكلما عاد من العمل وسألها عن يومها...كان ينتظر الإجابة نفسها.---
مرت الأسابيع التالية بسرعة.أو هكذا بدت للجميع.أما بالنسبة إلى ليان...فكانت الأيام طويلة.طويلة جدًا.---مدرسة.ثم تدريب.ثم النادي الرياضي.ثم نادي ضبط النفس.ثم واجبات.ثم نوم.ثم إعادة كل شيء من جديد.---ومع مرور الوقت...بدأت تلاحظ شيئًا غريبًا.---لم يعد التعب يزعجها كما في السابق.---لم
استيقظت ليان قبل شروق الشمس بقليل.لم يكن المنبه قد رن بعد.لكنها استيقظت تلقائيًا.كما لو أن جسدها بدأ يتعلم نظامًا جديدًا دون أن يسألها.---جلست على حافة السرير.كانت عضلاتها تؤلمها.وكتفاها ثقيلين.وساقاها ما تزالان متعبتين من تدريب الأمس.---أغمضت عينيها للحظة.ثم نهضت.لأنها تعرف أن اليوم لن