LOGINا
أورورا بروكس
تلك الغرفة اللعينة؛ صور السلاسل والأسواط المعلقة على جدرانها تجعلها غرفة تعذيب بامتياز، ورائحة الحشرات والخضراوات المتعفنة تزكم الأنوف، لن أدخلها ولو على جثتي. تمسكت بيده وغرست أظافري بها بقوة؛ لأنني لم أعد أدرك ما علي فعله.
أطلق قبضته متألماً، وكان صوت توجعه يشعرني بالارتياح. اغتنمت فرصة تفحصه ليده ودفعته على الأدراج؛ لم يوقفني صراخ أمي باسمي عن الركض للخارج، حملت حذائي بين يدي وركضت مبتعدة عن المنزل بكل ما أوتيت من قوة.
بدا شكلي مرعباً وأنا أجري بأرجل هزيلة، ودموعي المنهمرة لا تريد التوقف، بينما الأحجار الصغيرة تمزق قاع قدمي الحافيتين بلا رأفة.
"لا أريد تلك الغرفة.. لا."
توغل صوت عرفته جيداً بين كلماتي الهيستيرية: "أورورا!"
كانت خطواته خلفي سريعة، لكن خطواتي المجنونة فاقته بأمتار. كنت أردد تلك الجملة المحفورة بقلبي منذ طفولتي بنبرة ممزقة: "لا أرغب بالنوم في تلك الغرفة المظلمة.. الأسواط.. الصراصير."
احتدم صوته خلفي، وصدى أنفاسه يصلني بعنف: "توقفي!"
لم أتوقف، بل واصلت المشي بسرعة وأنا أتحدث مع نفسي بجنون.
"أرو!" صاح باسمي عندما أشبك أصابعه بقفا رأسي وأدارني إليه.
تردد اسمي مختصراً بطريقة عنيفة على فاهه أرعبني. كنت قريبة من مقلتيه المتلألئتين، وفاهه ينفث دخاناً كثيفاً برائحة السجائر.
ردد بلكنة حادة: "أنتِ تخرجين أسوأ ما بي."
تراقصت عدستاي فوق سوداويته الساحرة، وأجبته بصوت مختنق: "لماذا لا تتفاهمون إلا بالعنف؟"
ظل حاجبه مقروناً بصاحبه في منظر مرعب؛ رمى سيجارته وهو لا يزال متشبثاً بخصلات شعري: "كم مرة ناديتُ عليكِ ولم تتوقفي؟ أجيبي!"
دفعته بقوة لكنه لم يتزحزح. "لا أريد.. ابتعد عني."
لانت ملامحه لبرهة، فظننت أنني مثيرة للشفقة: "لا تشفق عليّ، لا أحتاج رحمتك."
أجابني بكبرياء: "لا أشفق على أحد، ولا عليكِ."
استنشقتُ ماء أنفي بكبرياء مماثل، فسألني بنبرة خافتة: "إلى أين كنتِ ذاهبة؟ ما الذي يجري معكِ؟"
تمتمت بحبال صوتية مرتعدة: "إلى البحر.. هربت من تلك الغرفة."
ابتسم بخفوت؛ يا إلهي، إنه يبتسم: "أليس بعيداً؟"
حركت رأسي نفياً: "لا! يمكنني الركض من ذلك الشارع إلى آخر نقطة، عندها سأكون فوق جرف الشاطئ، وبعدها سأنزل عبر طريق صخري إلى الرمال."
حمحم بهدوء وعيونه تتراقص فوق وجهي: "ألا تخافين الوقوع؟"
اغرورقت عيوني بالدموع: "لقد وقعتُ ألف مرة في ذلك المنزل، السقوط بسبب الحجارة لن يؤلمني."
اعتلته ملامح الاستغراب وأرخى قبضته على مضض: "لنذهب."
مسح دموعي بلين، فسألته باستفهام: "إلى أين؟"
رد بتسلط: "سنذهب إلى حيث تريدين."
سار أمامي بخطوات حثيثة، وهيئته المظلمة جرتني خلفه. ظل ساكتاً طوال الوقت مستهلكاً ثلاث سجائر.
عندما وصلنا إلى الجرف، نظر إليّ: "أنتِ بالفعل ذكية، لكنكِ تحبين المخاطرة كثيراً."
تبسمت بخفة: "هل أعتبره إطراءً؟"
نشر دخانه فوق وجهي: "وغريبة أطوار أيضاً."
"لماذا اعتبرتني غريبة أطوار؟"
تعابير وجهه الجامدة لم توحِ بأي ردة فعل: "قبل قليل كنتِ في حالة هيستيرية، ولم تمر عشر دقائق حتى بدأتِ في الابتسام."
رفعت حاجبي: "أنت لا تعلم ما أمر به؛ فجميع الذين يعانون هم الأكثر ابتساماً."
قفز فوق الحجارة ومد يده لي؛ ترددتُ ثم فعلت. "نحن نزوّر آلامنا بضحكات من صميم القلب."
تشبث بي جيداً قبل أن أقفز بجانبه. زفر بخنقة: "لستُ كذلك."
غمغمت بفضول: "هل تعاني؟ في الحقيقة شعرت بهذا."
حطت أقدامنا على الرمال الباردة، فتسلقت ذراعه متجمدة: "يا إلهي، باردة!"
سلط بصره عليّ وأبعدني قليلاً: "ابقِ بعيدة."
لكمت كتفه بحماس كأنني وجدت صديقاً جديداً، لكنه أصر على أسنانه بتذمر: "آسفة! لن أعيدها."
عندما اقتربنا من الماء، قال بتكتم: "أعيديها مرة أخرى، وسترين ما الذي أستطيع فعله بكِ."
سألته ببلاهة وأنا أتأمل النجوم: "ما الذي تستطيع فعله بي أيها القبطان؟"
رتب مشبك الفراشة على جانب شعري، وبدا صوته مخنوقاً: "لا شيء غير إعادة صياغتكِ."
حولت بصري إلى عينيه: "ما الذي تقصده؟"
أبعد بصره عني إلى الأمواج: "لا شيء يا صغيرة.. ثم اصمتي، أكره ثرثرة النساء."
تمشيتُ نحو رغوة الماء وقلت بصوت مرتفع: "هذا يعني أن لك تجارب عديدة مع النساء، أيها الكاذب."
طوق قفا عنقي بأنامله حتى اختنقت: "أنا لست كاذباً يا صغيرة."
وعندما تأوهتُ، أطلق سراحي ومرر كفه بنعومة: "لا أملك متسعاً من الوقت لتكوين علاقات، ليس شغفي حتى."
حركت عنقي بعفوية: "لا دخل لي بك، لماذا تسرد علي قصة حياتك الآن؟"
انتبهتُ إلى كفه التي بدأت بالارتعاش: "يدك ثانية.. ما بها؟ هل تعاني من مرض ما؟"
انتشلها من يدي، لكن جوابه صدمني: "مشاكل في القلب والأعصاب."
رفعت أعيني إليه بدموع ساخنة: "أنت مريض قلب؟"
حرك رأسه إيجاباً: "غريب! أليس كذلك؟"
مسحت دمعتي بسرعة: "أنت لا تبدو كذلك بالمرة.. في الحقيقة، الجميع مصابون بأمراض قلبية سواء أكانت قبيحة أم حميدة."
تنهد بخنقة كأنه أزاح صخرة عن صدره. "آسفة لأنني أكثرتُ الكلام، تخصصي هو الفلسفة."
ألقى نظرة على محياي: "هذا ظاهر."
أزال يده بعيداً وخاطبني بغموض: "لنذهب."
التف عائداً، فركضت خلفه كطفلة: "إلى أين؟"
رد بهدوء واضطراب نبرته يبرز مع قشعريرة تملكته: "إلى منزلي، ليس بعيداً عن هنا، فهو على الشاطئ."
أورورا بروكس تفحَّصتُ هيئة القبطان ألكسندر الفاحشة كما فعل هو بتعمق؛ جسده وهو يرتدي تلك البذلة الموحدَّة خطف أنفاسي ولجم لساني عند آخر حرف نطقتُ به.قبل أن يتحدث مارتن بغضب يحاول توبيخي، نطق القبطان ببرود غلَّف بُحَّته:"يمكنك الذهاب أيها المهندس."ارتخت ملامحه الناسفة ثم توجَّه إلى الباب بدون أن ينظر إليّ؛ راقني كيف منعه من إصدار بنت كلمة أخرى عليّ.ارتخى السيد ألكسندر فوق كرسيه الجلدي يعبث بقلم حِبري بين أنامله، شعيراته الغرابية تنسدل فوق نصف جبهته الأيمن."كان إحضاركِ إليَّ سهلاً يا أورورا."كمَّشتُ قبضتي حول حقيبتي وقلت بصبر:"ما الذي تريده مني تحديداً؟"أغمضت عيناي لبرهة حتى أمسك أعصابي من التلف؛ حبالي الصوتية كانت ترتعش مع كل حرف أخرجه."أعلم بأن رفضك لخطوبة ابنِك وشقيقتي من أجل إخضاعي لك، ما الذي تريده مني إذاً؟"رمى القلم فوق مكتبه المزيَّن بمجسَّمات لسفن خشبية صغيرة مع مقود من الطراز القديم."ما الذي أريده منكِ! هل أنتِ جادة في كلامكِ يا صغيرة؟"هتفتُ بأوصال وشيكة على الانفجار:"اسمي أورورا بروكس وليس صغيرة، حسناً!"قصف جفنيه كردة فعل منزعجة من حدة صوتي الذي ارتفع فجأة، وقف
أورورا بروكس لم أكن يوماً فتاة تنحني لأحد، ولم يلوِ ذراعي شخص آخر غير والدي؛ لأنه يعلم بأنني ضعيفة عند ضعفهما، حتى إنني أستطيع منح عنقي للمشنقة في سبيل حياة أختي آيفي وأميليا.بريئتان بشكل عجيب، وذنبهما أنهما أنجِبتَا داخل عائلة مريضة من جميع الجوانب؛ مشاكل عائلية لا تنتهي، وقسوة أبوية، وعقد استعمرت معنا منذ أن فتحنا أعيننا بين جدرانها.صباح آخر أستيقظ فيه على هدف لا أودُّ تحقيقه، ووجه لا أرغب بمقابلته مجدداً بعد ما جرى بيننا بالأمس.قبل أن أفتح الباب سمعت صوت آيفي تنادي باسمي، بصوت منخفض يتجنب إيقاظ النائمين:"أورورا."التفتُّ إليها فالتفتت خصلاتي معي أيضاً:"أجل آيفي."اقتربت مني وعيونها الدامعة تحاسب نفسها:"هل سأضعكِ في وضع محرج يا أختي؟""سنتكلم بعقلانية؛ يجب أن يعلم بأنكما تحبان بعضكما البعض، ورفضه لن يزيد أو ينقص شيئاً."حركت رأسها بإحراج بدا على ملامحها الشاحبة؛ لم تغمض جفناً لليلة كاملة إلى الآن. طوقت أكتافها برفق:"عيونكِ الجميلة حمراء بسبب السهر؛ نامي قليلاً صغيرتي."عانقتني بقوة، فلويت ذراعيّ على خصرها وبادلتها بحرارة:"أحبكِ أختي."استنشقت الهواء من بين شعيراتي المتشاحنة
اورورا بروكس دخلت غرفة أخرى بجانب السابقة، كانت هادئة ما دامت أنفاس ذلك الرجل بعيدة عني.استلقيت فوق أريكة واسعة ثم حاولت النوم جاهدًا، لم يزرني إلا بعد ساعتين من التخمين فيما حصل بيننا.ضعفت له لأنني كنت هشة، بعد هذه اللحظة لن يلمسني ولو على جثتي.شق الصباح سمائه بأنوار ذهبية، ففتحت أعيني بتثاقل فوق سرير واسع داخل غرفة واسعة.نظرت إلى هيئتي البديئة، شعري مخبل وملابسي غير منظمة وكأنني كنت بحرب هالكة."لقد كنت فوق أريكة في الغرفة المجاورة، من أتى بي إلى هنا؟"بدوار متفاقم قمت من فوق السرير أترنح يمينا وشمالا فتحت الباب ثم سرت في الرواق أبحث عن وجه القبطان بتركيز مشوش.وصلت إلى الأسفل بعد تفتيش مخفق، فسمعت صوت ضوضاء من غرفة غارقة في الطابق تحت الأرضي، نزلت عبر السلم إليه.وجدته بدون لباس يغطي صدره، يرتدي سروالا رياضيا فقط، جسده العضلي أخذ كل نظراتي وصرف الباقي إلى لكماته القوية على كيس الملاكمة.توقف عن اللكم عندما شعر بعيوني الواسعة تراقبه عن كثب."صباح الخير يا صغيرة."دحرجت عدستاي إلى السقف بقلّة حيلة."صباح الويلات لأنني هنا."قطرات العرق تتسرب من خصلاته الأمامية أهدته مشهدا إباحيا
أورورا بروكس سقط بصري على صورة بين إطار خشبي و لوحة زجاجية، كانت لإمرأة ذات عيون سوداء وشعر قصير داكن اللون، سواده كان حالكا لكنَّها جميلة بعض الشيء.على عنقِها عقد ألماسي بحجر أبيض براق، تمتمت بأوصال مرتخية أتأمل وجهها جيدا."من هذه؟"استقام قاعدا بالكاد يفتح عينيه الناعسة، نبس بصوتٍ مختنق."من؟"التفتُ إليه ببرود ثم حملتُ الصورة في وجهه وعلى وجهي ابتسامة مستفزة.تكلّم من بين أسنانه بغيظ."سحقا."همَّ إلي بخطوات هوجاء اعتقدت بخطر محدق بي، كان كثور هائج عندما رأى من بالصورة كما لو أنني علّيت ثوبا أحمر بوجهه."ما بك؟ ستقتلني."اندفعت إلى الخلف غريزيًا، حالما وقف أمامي انتشل الصورة بجهالة.انتصب عنقه بشدة جاهلا منه يظهر كوحش آدمي."لا زلت تُخرجين أسوأ ما بي."لاحظت ارتعاشة يده وهي تطوق الإطار، صاح في وجهي بأسنان متراصة."ما الذي تظنين نفسكِ فيه وأنتِ تفتشين في أغراضي الخاصة؟"ضرب بالصورة عرض الحائط فانكسر الزجاج، عيوني الهلعة تتمحور حول مقلتيه الجمَّرية."لم أنوي التطفل على أغراضك."لم أره يوما بهذا الاشتعال المدمر، لم أره غير تلك الليلة واليوم في الأصل، شد على ذراعي باستفحال لشدّة ارت
أورورا بروكس "قد أمنحك السعادة التي تنقصك أو ربما حياة بسيطة كما أعيشها أنا."حرّك رأسه رافضًا، ثم شد على فكي بلين، غلظة صوته ازدادت درجة."أنت من ستعيشين حياتي بريسيوزا، فأنا لست مستعدًا لعيش حياة وردية كما تتخيلين."صفع وجهي بخفة، لم يؤلمني بل دغدغ بشرتي، ثم أتمم بحزم."الحياة ليست زهرية، آنسة فيلسوفة أفلاطون خسر التخمين، إنها لا ترحم ولا تمنح السعادة مجانًا."أجبت بالإيماءة، كان كلامه صحيحًا لدرجة وشكت على البكاء."أنت محق، لكن هذا لا يعني أن نتقوقع داخل دوامة الحزن، بقدر ما هي قاسية، بقدر ما هي لا تستحق."تمتم، ممرّرًا ظهر أنامله على رقبتي، ومع كل بوصة يطئها ببشرته أبلل شفاهي بخنقة متناغمة معه.إسودّت عيناه واعتلاه المكر من جديد."يكفي أن أتقوقع داخل ملامحك وهي منتصبة."أفرجت عن ضحكة متبعثرة، ثم ابتعدت عنه خطوات إلى الأمام، لا علم لي عن سحر هذا الرجل وما هي طرقه لتنويمي. هل لأنني متحرقة لبعض النسيان؟"منزلك مبهر، التصميم والديكورات تقول أن قبطان ما يسكُنه."رفعت رأسي إلى قمة السقف، فرأيت ثريا بأنوار متعددة، ذهبية اللون وقد تكون مصنوعة من الذهب."هل يمكنني التجوّل في الطابق العلو
أورورا بروكسخرجنا من الحمام ثم توجهنا معًا إلى غرفة الجلوس، اتساعها ولون الأرائك السوداء تتناسق مع مجسّمات السفن الخشبية وتماثيل الحيتان الغريبة الزرقاء."ما اسم هذا الحوت؟! شكله غريب ولا أعتقد بأنه قرش."، غمغمت بنبرة فضولية بعيون تتراقص فوق كل إنش من الفضاء.ألقى بصره على مجسّم الحوت بين يديه، أتفحّصه من كل الجوانب، رد على فضولي بسكون."الحوت الأزرق."توسعت عيناي بدهشة، أسمع عنه كثيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي."هل هو ذلك الحوت الذي يصدر صوتًا مرعبًا؟"حرّك رأسه بابتسامة باهتة، جلس أمامي مفرّقًا بين رجليه وفي يده كأس نبيذ ذهبي اللون.رجل عنيد، يحاول هدم جسدي بشدة."أجل هو."بدون تردّد أرسى كلماته في أذني، شحرجة الخمر التي استوطنت صوته أرعشت ما بين سيقاني، فوَضعت الأولى فوق الثانية."يمكنني أخذك لترينه مباشرة، إن كنت تريدين."بحماس شديد ضغطت على المجسّم بأناملي، قلت بسعادة تُرجمت ببريق عينيّ واتساع ثغري."أريد ذلك بشدة كابتن."بسواد حلّ مقلتيه، ضغط على أسنانه، يخاطبني بعنف."كابتن، هذه تشدني لارتكاب أشياء مقرفة وأنا لا أريد."بقيت ألعب بذلك المجسّم حتى أبعد التوتر عن تفكيري المقر







