Home / مافيا / الظل / مائدة القيادة

Share

مائدة القيادة

last update publish date: 2026-06-03 05:23:57

انقضت ساعات الصباح الأولى ثقيلة وخانقة خلف الأبواب الخشبية السميكة للجناح الغربي المحصن، لتعلن حركة الأقدام المنظمة والوقعات الرنانة لرجال النخبة عن بدء مرحلة جديدة من مراحل الأسر الطوعي الذي فرضته طبيعة الليلة الشرسة على روح حارسة التاريخ. انفتح الباب النحاسي العريض لجناح إيلينا ببطء شديد وانسيابية صامتة، لتدلف من خلاله الخادمة العجوز ذات الوجه الصخري الصارم والثياب القطنية الداكنة، وتنحني برأسها باحترام مطلق لا حراك فيه، نابسة بصوت منخفض ورخيم يحمل الأوامر الصارمة لسيد القصر: "إيلينا.. الدون أليساندرو ينتظركِ الليلة على مائدة القيادة الشاسعة في قاعة الطعام الكبرى؛ فالحرب بالخارج قد وضعت أوزارها، والزعيم يطلب حضوركِ الشخصي لتناول وجبتكِ الأولى بجانبه تحت طوق الرعاية المشددة."

قامت إيلينا عن سريرها الحريري العاجي بآلية ميتة وجسد واهن يرتجف ارتعاشاً طفيفاً متصلاً من فرط الجوع والصدمة السيكولوجية الشاملة، وارتدت ثوباً قطنياً رقيقاً وناصع البياض قدمته لها الخادمات، ثوب خلا تماماً من بقع الدم والغبار الجاف لكنه غرس في مسام روحها غصة حارقة تذكرها بـالقيود الحديدية غير المرئية التي تطوق حريتها المسلوبة. سارت بخطوات متثاقلة، واهية، ومحكومة بـأنفة جريحة وشجن مرير تتبع خطى الحراس الشخصيين الأشداء الذين طوقوا مسارها ببنادقهم الأوتوماتيكية المشرعة، عبر الممرات الرخامية الطويلة والمقوسة للجناح الغربي التي كانت تنضح برائحة الشمع المعتق والرخام البارد الذي طُهر من آثار خيانة رئيس الأمن البارحة.

دخلت قاعة الطعام الكبرى، وهي مساحة شاسعة ومهيبة جدرانها مغطاة بخشب الجوز الداكن والمصقول، وتتدلى من سقفها المرتفع ثريات كريستالية ضخمة تطلق أضواءً ذهبية باهتة تتقاطع مع خيوط غسق الليل الفضي الذي بدأ يتسلل عبر النوافذ الزجاجية العريضة. وفي وسط القاعة، تنتصب مائدة القيادة المستطيلة والشاسعة المصنوعة من خشب الأبنوس الأسود النادر، حيث كانت الأطباق الفضية الفاخرة والكؤوس الكريستالية مترعة بـالأطعمة والمشروبات التوسكانية المعتقة المعزولة، لتعكس التناقض الصارخ بين فظاعة دمار البارحة ورفاهية العيش التي يفرضها وحش الشمال داخل حصنه المنيع.

عند رأس المائدة الشاسعة، متربعاً بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة التي كانت تملأ المكان مهابة وطغياناً، كان يجلس أليساندرو. ارتدا قميصاً حريرياً أسود اللون ترك أزراره العلوية مفتوحة لتظهر بوضوح اللفائف الطبية والضمادات البيضاء الثقيلة التي تطوق خاصرته وصدره العريض، ويمسك بيده اليمنى الموشومة برأس عصاه الفضية الأثرية التي يستند عليها بثبات صخري وعنفوان صلب يرفض الاعتراف بالنزيف الشديد أو الضعف الجسدي أمام رجاله. ملامحه الرجولية الحادة كانت تحمل شحوباً أرستقراطياً ساحراً، وعيناه الرماديتين الباردتين اللتين عاد إليهما ركودهما المخيف ثبتتا بنظرة تملك مطلق وهوس أعمى على ملامح إيلينا الشاحبة كالمرمر وهي تقترب من محرابه الصامت.

جلس ماركو على الجانب الأيمن للمائدة، وعدل سترة بذلته السوداء الرسمية باحترام يملؤه الولاء المطلق، بينما كانت التقارير الورقية والملفات السرية المشفرة مبعثرة أمامه تعكس التحركات العسكرية والسياسية لإبادة فلول عائلة ليون ومتابعة خيوط مؤامرة الدون ماتيو في إقليم لوكا. أشار أليساندرو بـلمحة صغيرة من عينيه الرماديتين نحو المقعد المخملي الداكن المقابل له مباشرة والملاصق لجانبه، ليجبر إيلينا بـسلطته الباردة على الجلوس قريباً منه لدرجة تداخلت فيها ظلال أجسادهم تحت الضوء الذهبي الشاحب.

جلست إيلينا بثبات هادئ، وعيناها العسليتان الواسعتان الصافيتين تحدقان في الفراغ بركود يملؤه الذهول الصرف، وشعرت بـتلك القشعريرة الباردة والمألوفة تسري في أوصالها جراء القرب الجسدي والنفسي الحاد والمفاجئ بينهما؛ فرائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والدم المخفي تحت ثيابه الثمينة كانت تملأ الهواء وتخنق أنفاسها المتسارعة. ساد الصمت لبرهة طويلة بينهما، صمت أثقل من الجبال خنق كل محاولات الحوار، ليقطعه أليساندرو بنبرة منخفضة للغاية، رخيمة، وتحمل بحة الوجع المكتوم والكبرياء العنيف باللغة الفصحى الرصينة: "تناولي طعامكِ يا حارسة التاريخ.. فلا يليق بـالملكة غير المتوجة للكامورا أن تذبل ملامحها الطاهرة من فرط الجوع والسهد في قلب حصني المنيع. الدماء التي سالت البارحة غسلت خطايا فلورنسا، والغرز التي خاطتها أصابعكِ الباردة في خاصرتي أثبتت للقدر أن وجودكِ بجانبي غدا العهد الصامت والقانون الشخصي الذي أحمي أنفاسه بناري المشتعلة."

نظرت إليه إيلينا بثبات، وعيناها العسليتان تعكسان أنفة جريحة وشجناً مريرًا امتزج بكبرياء أنثوي رفض الانكسار أمام طغيانه، وقالت بصوت خافت، مبحوح، ويحمل رنين الرفض الصامت: "أنا لا أرى في هذه المائدة الفاخرة سوى مسلخ جديد يمتد فيه نفوذك المظلم ليطوق بقايا حريتي المسلوبة يا سيد أليساندرو. ثوبي الأبيض تم تطهيره من دمائك الدافئة بفضل الخادمات، لكن وعيي الباطن لا يزال مشبعاً بـأصوات القذائف وصراخ الرجال المحتضرين في السراديب السفلية تحت الأرض. أنت تجبرني على الجلوس بجانب عرشك الأسود، وتظن أن قوة سلاحك وجبروتك الأرستقراطي قادران على إنسانيتي وإجباري على قبول هذا القفص الذهبي الفاخر الذي يطوق أيامها بالدم والرماد."

تحركت تقاطيع وجه أليساندرو الصخرية حركية طفيفة تحت ضوء الثريات، وتخلى لأول مرة عن بروده المخيف وعنفوانه الصلب أمامها، وسحب يده اليمنى الموشومة ببطء شديد يصارع به طعنات الألم ليضع كفه القوية الدافئة فوق كفها الرقيقة والناعمة المستقرة فوق الطاولة الخشبية، وضغط عليها بثبات وعزم عطل كل حركتها، وقرب وجهه الشاحب منها لدرجة شعورها بحرارة أنفاسه المتسارعة التي تداعب وجهها الشاحب، ونبس بنبرة منخفضة للغاية، رخيمة، وتغلغلت في مسام روحها المعذبة لـتحدث تحولاً سيكولوجياً حاداً ومفاجئاً في مسار مشاعرهما المعقدة.

"القفص الذي تتحدثين عنه يا إيلينا هو الحصن الوحيد الذي يمنع الموت من اقتلاع طهر براءتكِ من هذا العالم المنافق الغادر،" خرج صوته رصيناً، حاداً، وممزوجاً بـعاطفة وحشية وتعلق سري مطبق كسر كل حصونه النفسية العتيدة أمامها. "أنتِ ترين فيّ وحشاً يحرك القتل بلمحة من عينيه، وهذا صحيح تماماً في كفن عالمي؛ لكنكِ هنا.. بجانبي، لستِ أسيرة خطفتها رغبتي الأنانية، بل أنتِ الترياق السحري والأنفاس الوحيدة التي تحمي روحي الملتوعة من الانهيار الكامل أمام الخيانات والمؤامرات السياسية التي تحيط بظلي. أصابعكِ الباردة التي عَمّدت خاصرتي بالدم البارحة قد نقشت ملامحكِ في عمق وجداني بحبر لا يموت، وأنا أفضل الهلاك والنزيف الليلة على أن أرى لمحة حزن أو خطر تقترب من عينيكِ العسليتين الطاهرتين وأنا أتنفس."

انقبض قلب إيلينا بعنف، وتراجعت الأنفاس في صدرها الرقيق لثوانٍ معدودة من فرط المفاجأة والقرب النفسي الحاد والتقارب الوجداني الغامض والمخيف الذي سرى في أوصالها كالتيار الدافئ؛ فلأول مرة شعرت بـصدق كلماته ونبرة الوجع الحقيقي والمحب الحارق التي تختبئ خلف قناعه الصخري البارد. لم تسحب يدها النحيلة من بين كفيه القويتين الموشومتين هذه المرة؛ بل استسلمت بضعف شديد وسمحت لقبضته الثمينة بتطويق أصابعها بالكامل، ونظرت في عمق عينيه الرماديتين اللتين خلتا من الجبروت لتستقر فيهما لوعة التعلق السري والرجاء الخفي، وشعرت بغصة حارقة في صدرها المنهك اختلطت بنبرة جديدة وغامضة من التفاهم الصامت والجاذبية المظلمة التي بدأت تنبت وتتجذر في أعماق روحها المعذبة تجاه هذا السجان الذي يتأهب لحرق الأرض ومن عليها للاحتفاظ بنور وجودها حياً داخل ظله المطبق.

قالت بصوت خافت، مبحوح، وعيناها العسليتان تغرقان بـالدموع المنهمرة بحرية لتمسح آثار الوجع: "ماضيك قاسٍ ومملوء بالرماد يا أليساندرو، وهوسك بنقائي وتملكك المطلق لروحي يخيفني لدرجة تشل حركتي وتجعلني أشعر بأنني أفقد نفسي وبراءتي الفنية خطوة بخطوة داخل أسوار قصرك. أنا أنقذتُ جسدك مراراً لأنني امرأة تكره الفناء وتعيش لترميم الحياة، ولكنني الليلة.. وأنا أنظر في عينيك الرماديتين.. أشعر بـذهول حقيقي وبخوف غامض من هذا الرابط السري والمخيف الذي ينمو بيننا في العتمة، رابط يجعل دقات قلبي المنهك تتسارع بإيقاع مغاير كلما اقتربت أصابعك الموشومة من جلدي، ويجعلني أدرك بغصة حارقة أن خيوط قدري قد نُسجت بحبر واحد مع قدرك، ولا فكاك لي من نيران عالمك المظلم الذي حاصر تفاصيل حياتي الساكنة."

تحركت يد أليساندرو الموشومة برقة بالغة وبطء شديد، ورفع أصابعه الطويلة ليمسح برفق وعمق دمعة ساخنة وطويلة كانت تنحدر فوق وجنتها الشاحبة، وتلمس بشرتها الناعمة النظيفة بلمسات دافئة تغلغلت في مسام روحها المعذبة وطردت برودة الخوف والسراديب السفلية التي سكنت عظامها طوال الليل. التقت نظراتهم الصافية في صمت حاد وعميق تفصل بين ملامحه سنتيمترات قليلة، وشعرت إيلينا بـدفء حضنه ونبرة التقارب الوجداني الرفيع تذيب آخر بقايا عنادها المكسور ومقاومتها الواهنة، مستسلمة بالكامل لـسلطة المصير المشترك وللطاعة الإجبارية الغامضة التي نبتت في جوفها تجاه الوحش الجريح الذي جعل من سلامتها العقيدة الوحيدة التي تحرك وجدانه وتثبت سلطته المطلقة في قلب إمبراطورية الدم والرماد.

التفت ماركو نحو المائدة بركود صامت يملؤه الاحترام المكبوت والتقدير لشجاعة إيلينا وأنفتها التي جعلت وحش الشمال ينكسر جسدياً ونفسياً أمام عينيها العسليتين، ونحن بصوت حاد ورنان تردد صداه بين الجدران الخشبية الداكنة ليقطع اللحظة الوجدانية الدافئة ويجلب واقع البنادق والمؤامرات السياسية مجدداً إلى الطاولة: "دون أليساندرو.. التقارير الاستخباراتية الجديدة من فرعنا في ميلانو وروما تؤكد أن حلف عائلات صقلية ونابولي قد بدأوا بالفعل في سحب فلول جيوشهم الممزقة من حدود إقليم توسكانا بعد رؤيتهم لـمجزرة الأسوار الخارجية البارحة وبطش رجالنا الصارم الذي أباد فصائل عائلة ليون بالكامل بالدم والنار. الدون ماتيو زعيم شبكة التهريب الغربية في لوكا بات وحيداً الآن ومكشوفاً عسكرياً بعد انقشاع الحلف الخارجي وتصفية رئيس أمن جناحنا الغربي الخائن، ورجالنا ينتظرون الأوامر الصارمة لتحريك القافلة العسكرية المدرعة بالأسلحة الثقيلة لإبادة معقله وتطهير الإقليم بالكامل من بذور الخيانة الغادرة."

عادت الصرامة والبرود الأرستقراطي لتكسو ملامح أليساندرو الحادية في لمح البصر، وتحولت عيناه الرماديتين الدافئتين مجدداً إلى شفرتين من الجمر المشتعل الذي ينذر بـالدمار الشامل وإبادة الخصوم دون رحمة، وسحب يده الموشومة عن كف إيلينا بسرعة، وقبض بقوة مرعبة على رأس عصاه الفضية الأثرية وضغط عليها حتى كاد خشبها العتيق أن ينفلق بين أصابعه، ونبس بنبرة منخفضة للغاية سرت في أوصال القاعة كالجليد: "ماتيو الكلب العجوز سيموت الليلة بأبشع الطرق ليكون العبرة الجديدة لعائلات إيطاليا بأكملها يا ماركو. تحريك القافلة العسكرية والسيارات المدرعة سيكون في منتصف الليل مباشرة، وأريد تفجير مستودعات أسلحتهم السرية في لوكا ومسح وجود عائلتهم بالكامل من السجلات الرسمية للأحياء. هذه الحرب لم تعد مجرد صراع نفوذ عادي على خطوط التهريب والحدود الجمركية، بل غدت حرب كبرياء وهوس مطلق لحماية نقاء المرأة التي جعلتُ من سلامتها قانوني الخاص وقدر الكامورا، وسأجعل من رأس ماتيو القربان الجديد الذي أثبت به للجميع أن من يتطاول على رغبة أليساندرو.. فقد كتب شهادة وفاته بيده وسيدفن في قاع جحيمي المظلم الذي لا يعرف معنى الرحمة أو التراجع."

ثم التفت نحو إيلينا وثبت نظراته الحادة المشتعلة بهوس التملك المطلق على عينيها العسليتين الواسعتين الصافيتين، وقال بنبرة رصينة وقاطعة كحد السيف المسموم: "أنتِ آتية معي في هذه القافلة العسكرية يا حارسة التاريخ؛ لن أترككِ الليلة بمفردكِ خلف جدران هذا القصر المنيع المكسور بعد أن نجحت الخيانة في اختراق ممراتي الداخلية البارحة. وجودكِ بجانبي داخل سيارتي المدرعة وتحت نظري الرمادي هو الأمان الوحيد المتبقي لكِ ولي في هذا العالم، ونقاؤكِ الطاهر سيشهد الليلة على انكسار ماتيو وتحطم عرشه الغادر تحت أقدامي بالدم والنار، لتتعلمي كيف يصنع السلام في عوالمنا بحرق القلاع وإبادة الخونة دون ترك أي مساحة للرحمة أو النسيان."

لم تملك إيلينا القدرة على الاعتراض أو رفع صوتها بـالعناد الجاف والمقاومة الواهنة الليلة؛ بل استسلمت بضعف شديد وتركت نظراتها العسلية تغرق في وعي كلماته المليئة بالهوس والتملك المطبق، مدركة بغصة حارقة في صدرها المنهك أن التقارب الوجداني الدافئ واللحظات السحرية الخاطفة التي عاشتها بجانبه قبل قليل قد أصبحت القيد المشتعل الحقيقي والأعمق الذي ربط روحها وبراءتها الفنية بمصيره وبناره المحرقة إلى الأبد، وبأن أنفاس المافيا قد غدت القدر المحتوم الذي سيقود حياتها الساكنة نحو الهاوية أو نحو العرش المظلم بجانبه في قلب الحرب الشرسة القادمة بالخارج والتي ستلتهم حدود توسكانا بأكملها الليلة بحرب إبادة شاملة وضارية لا ترحم أحداً.

قام أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة بثبات صخري وعنفوان صلب صدم الحاضرين، متجاهلاً جرح خاصرته النازف وغمر الضمادات بالدم الدافئ سراً تحت ثيابه السوداء الثمينة، وأمسك برأس عصاه الفضية، وسار بخطوات ثقيلة ورنانة أحدثت صوتاً منتظماً فوق الرخام المصقول لقاعة الطعام، مفسحاً المجال لبدء عمليات التعبئة والاستنفار العسكري الشامل لـرجال النخبة وجيوش الشمال الذين بدؤوا في التوافد خلف ماركو لتأمين الأسلحة الثقيلة وتجهيز السيارات المدرعة خارج الباحات الحديدية الكبرى للقصر، بانتظار العاصفة الدموية الجديدة التي توشك أن تقتحم إقليم لوكا وتكتب سطورها بحبر من الدم والرماد والنار التي لا ترحم أحداً في قلعة الظل الكامورا بانتظار صعود العرش المظلم واستقرار الأنفاس بجانبه إلى الأبد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status