Share

الفصل 12: مشاكل مالية

Author: Ikram
last update publish date: 2026-09-19 00:00:07

في الجهة الأخرى من المدينة، كانت كارينا لا تزال تتجول مع أمها بين المتاجر، تحمل حقيبتها الصغيرة بينما بدت السعادة واضحة على وجهها. كانت تتوقف أمام بعض الواجهات، ثم تقترب من أمها لتريها قطعة ملابس أو حقيبة أو إكسسوارًا أعجبها، وكانت والدتها تستمع إليها بهدوء دون أن تستعجلها أو تجعلها تشعر بأن عليها اتخاذ قرار سريع.

كانت كارينا تشعر براحة غريبة في هذا اليوم، فمنذ استيقاظها لم تحاول أمها إجبارها على تذكر ما حدث في الغابة، ولم يسألها أحد عن المرأة أو الضباب أو ذلك الصوت الذي ما زال عالقًا في مكان بعيد داخل ذاكرتها.

ومع ذلك، كلما خفت ضجيج الشوارع من حولها، كانت تشعر للحظة قصيرة بأن هناك شيئًا يراقبها من مكان لا تستطيع تحديده، فتلتفت ببطء وتنظر خلفها وبين المارة والواجهات، لكنها لم تكن تجد شيئًا يستحق القلق.

وبعد أن تأكدت من خلو المكان خلفها، كانت تعود إلى جانب أمها وتتابع السير وكأن شيئًا لم يحدث، إلا أن ذلك الشعور الغريب ظل موجودًا في أعماقها دون أن تجد له تفسيرًا واضحًا.

رفعت أداة الاتصال أمام والدتها، وقالت بابتسامة صغيرة وهي تنظر إلى الرسالة التي أرسلتها: «أظن أن لوسيان غاضب مني قليلًا، وربما كان يجب أن أخبره بما اشتريته قبل أن أطلب منه استعمال المزيد من المال.»

نظرت إليها أمها من طرف عينها، ثم قالت: «هل أنفقتِ مبلغًا كبيرًا إلى درجة جعلتك تفكرين في طلب المزيد منه قبل انتهاء اليوم، أم أنك تحاولين الآن اختيار كلمات لطيفة حتى لا أعترض على ما فعلته؟»

ضحكت كارينا ورفعت يديها باستسلام، ثم قالت: «حسنًا، ربما أنفقت أكثر مما توقعت، لكنني لم أشترِ أشياء بلا فائدة، وكل شيء اخترته أعجبني فعلًا وأعتقد أنني سأستخدمه.»

هزت أمها رأسها، ثم أمسكت يدها برفق بينما تابعتا السير بين المتاجر، وقالت: «أنت تعرفين أن أخاك لن يتركك تحتاجين إلى شيء، لكنه يعرف أيضًا أنك قادرة على استغلال هذه النقطة بطريقة تجعل من الصعب عليه أن يرفض طلباتك.»

اتسعت عينا كارينا ببراءة مصطنعة، وقالت وهي تنظر إلى والدتها باستغراب واضح: «أنا أستغل لوسيان، وهل ترين أنني فعلًا أبدو كشخص قادر على القيام بمثل هذا الأمر المتعمد دون أن أشعر بالذنب؟»

ابتسمت أمها وهي تضغط على يدها قليلًا، ثم أجابت: «أنت تحديدًا تستطيعين فعل ذلك وأنت تبتسمين، ثم تنظرين إليه بتلك الطريقة التي تجعله ينسى كل الكلمات التي كان ينوي قولها لك قبل لحظات.»

ضحكت كارينا، ثم تابعت السير إلى جانبها وهي تنظر إلى واجهات المتاجر، ولم تعرف أن لوسيان كان في تلك اللحظة يصفها أمام أصدقائه بأنها كارثة مالية صغيرة لا يعرف كيف يضع لها حدًا مناسبًا.

فتح ناثان المجلد الجديد، وكان أكبر بكثير من سجل العوالم، بينما كان غلافه مصنوعًا من جلد داكن وعليه رسم لمجموعة من الكائنات السحرية المختلفة. مرر يده فوق الغلاف لحظة، ثم وضعه أمامهم بحيث يستطيع الجميع رؤية الصفحات بوضوح.

قال ناثان: «بما أننا أنهينا موضوع العالم S، يمكننا العودة إلى الجزء الذي يفيدنا فعلًا في الاختبار، وهو فهم طبيعة الوحوش والبيئات التي قد نواجهها، لأن معرفة الكائنات لا تقل أهمية عن معرفة تعاويذنا ومعداتنا.»

جلس ريان بصورة أكثر جدية، بينما اقتربت إيلينا من الكتاب، وقالت: «ابدأ بالأرنب المعدني، فقد رأيته من قبل في بعض السجلات، لكنني لم أقرأ عنه بالتفصيل وأريد معرفة سبب ارتباطه بالمناطق الغنية بالخامات.»

فتح ناثان الصفحة، فظهر رسم أرنب أكبر قليلًا من الأرنب العادي، بجسد ممتلئ وأطراف قوية، وكان جلده يغطيه لمعان رمادي يشبه المعدن المصقول. بدت أذناه طويلتين، لكن أطرافهما كانت أكثر صلابة، بينما ظهرت أسنانه الأمامية بصورة واضحة وكأنها مصممة لقضم الأشياء القاسية.

قال ناثان وهو يشير إلى الرسم: «الأرنب المعدني يعيش غالبًا بالقرب من المناطق التي تحتوي على خامات معدنية، لأن جسمه يمتص كميات صغيرة من المعادن الموجودة في غذائه، ولهذا يصبح جلده أكثر صلابة كلما تقدم في العمر.»

أشارت إيلينا إلى أحد الأسطر، وقالت: «وهنا توجد ملاحظة تقول إن وجوده قد يكون دليلًا على وجود منجم أو خام قريب، ولذلك يمكن للباحثين استخدامه كعلامة طبيعية أثناء استكشاف المناطق.»

أومأ ناثان وقال: «صحيح، لكن هذا لا يعني أن الاقتراب منه آمن دائمًا، فهو عادة لا يهاجم البشر دون سبب، إلا أن سلوكه يتغير بسرعة إذا حوصر أو شعر بأن صغاره معرضون للخطر.»

قال ريان وهو ينظر إلى الأرنب في الرسم: «إذن هو مثال جيد على أن الحجم الصغير لا يعني الضعف، خصوصًا إذا كان جسمه قادرًا على تحمل الضربات بسبب المعادن التي امتصها على مدار سنوات.»

ابتسم لوسيان وقال: «بالضبط، وهذه نقطة يجب أن نتذكرها أثناء الاختبار، لأن الحكم على الوحش من حجمه أو شكله الخارجي قد يجعل الطالب يرتكب خطأ لا يمكن إصلاحه بعد ذلك.»

قلب ناثان الصفحة، فظهر قنفذ صغير مستدير تغطي جسده الأشواك، لكن ساقيه الخلفيتين كانتا أطول وأقوى بكثير من المعتاد، وكأن جسده تطور خصيصًا للقفز لمسافات مفاجئة.

قالت إيلينا وهي تنظر إلى الرسم: «هذا هو القنفذ النطاط، وأعتقد أن الاسم وحده يشرح الجزء الأكبر من قدرته.»

قرأ ناثان الوصف ثم قال: «يعيش في الغابات والمناطق العشبية، ويعتمد على القفز للهروب من الخطر، لكنه يستطيع استخدام القفزة نفسها للهجوم إذا شعر بالتهديد، كما أن أشواكه لا تنطلق من جسده مثل السهام، لكنها صلبة وحادة بما يكفي لإحداث جروح مؤلمة.»

قال ريان وهو يميل قليلًا نحو الرسم: «لا أرى أين تكمن المشكلة إذا كان يعتمد على الهروب، فربما يكفي أن نترك له طريقًا مفتوحًا حتى لا يضطر إلى مهاجمتنا.»

أجابه لوسيان وهو يقلب إحدى الصفحات أمامه: «المشكلة أنك ستراه أولًا وتظن أنه مخلوق بطيء، ثم تقترب منه دون انتباه، وعندما يقرر الهجوم لن يكون لديك وقت طويل لتغيير موقفك.»

أضافت إيلينا وهي تبتسم: «ولهذا من الأفضل أن تتذكر دائمًا أن بعض الكائنات لا تحتاج إلى قوة كبيرة حتى تسبب لك إصابة، بل تحتاج فقط إلى سرعة مفاجئة ومكان مناسب للهجوم.»

ضحك ريان وقال: «حسنًا، وصلت الرسالة، ولن أقترب من القنفذ النطاط إذا صادفته في أي مكان، وسأترك له الغابة كاملة حتى لا يشعر بأن وجودي يمثل تهديدًا.»

ابتسم ناثان، لكنه لم يقلب الصفحة مباشرة، بل نظر إلى الرسم مرة أخرى قبل أن ينتقل إلى الكائن التالي، وكأنه يريد أن يحافظ على تسلسل الدرس بدل أن يحول المعلومات إلى قائمة أسماء منفصلة.

لكن عندما ظهرت الصفحة التالية، تغيرت ملامح الجميع بصورة واضحة.

كان الرسم مختلفًا عن الرسومات السابقة؛ فقد ظهر عفريت قصير القامة، لكن جسده لم يكن طبيعيًا، إذ كان جلده أخضر رماديًا ومغطى ببقع داكنة، ووجهه عريضًا ذا جبهة منخفضة وأنف بارز، بينما كانت أذناه طويلتين ومدببتين وفمه واسعًا بأسنان صغيرة حادة وغير متساوية.

كانت عيناه ضيقتين شديدتي اللمعان، وأصابعه طويلة تنتهي بأظافر سوداء قاسية، إلا أن هذا لم يكن أكثر ما أثار انتباههم، لأن الرسم أظهر خلفه مخلوقًا آخر يشبهه في الأصل، لكنه تغير بطريقة جعلت النظر إليه مزعجًا.

كانت إحدى ذراعيه أطول من الأخرى، وساقه اليمنى أكثر سمكًا من اليسرى، بينما برزت المفاصل تحت الجلد وامتدت نتوءات عظمية صغيرة فوق كتفه وظهره. كان فكه أعرض من الطبيعي، وأسنانُه أطول، وبعض أجزاء جلده بدا وكأنها نمت فوق بعضها بطريقة غير متناسقة.

خفضت إيلينا عينيها للحظة، ثم قالت بملامح متجهمة: «هذا الكائن مختلف تمامًا عن بقية الوحوش التي قرأنا عنها، فحتى الرسم وحده يجعلني أشعر بأن هناك شيئًا خاطئًا في تكوينه.»

قال ناثان وهو يثبت إصبعه على الصفحة: «العفريت المتحول، وهذا النوع تحديدًا ليس سلالة طبيعية معروفة، بل تشير السجلات إلى ظهوره نتيجة تجارب سحرية قديمة، مع عدم وجود اتفاق واضح حول الجهة التي قامت بهذه التجارب.»

رفع لوسيان عينيه عن الرسم، وقال: «إذن التحول ليس تطورًا طبيعيًا حدث لهذا النوع عبر الأجيال، بل نتيجة تدخل سحري مباشر في أجساد العفاريت نفسها.»

أومأ ناثان وقال: «هذا هو التفسير الأقرب وفق السجلات المتوفرة، كما أن قدرة التحويل لا تمنح العفريت قوة إضافية فقط، بل تغير طريقة تكيف جسده مع البيئة، ولذلك يصبح القضاء على هذه الكائنات أصعب إذا تمكنت من الانتشار داخل منطقة واحدة.»

سأل ريان وهو يراقب الرسم بحذر: «وماذا تفعل جماعات العفاريت العادية بالبشر عندما تعثر عليهم، وهل تختلف طريقة تعاملها معنا عن طريقة تعامل المتحولين؟»

أجاب ناثان: «يختلف السلوك حسب المجموعة والمنطقة، فبعض الجماعات تنظر إلى البشر كغذاء، بينما تحاول جماعات أخرى أسرهم واستخدامهم كعبيد، ولذلك لا يمكن وضع جميع العفاريت تحت قاعدة واحدة عند دراسة سلوكها.»

ثم قلب الصفحة، لكنه توقف قبل أن يكمل القراءة، وكأن السطر التالي يحتاج إلى اختيار دقيق للكلمات.

قال ناثان ببطء: «أما المتحولون، فالسجلات تصفهم بطريقة مختلفة، ولذلك يجب أن ننتبه إلى هذه المعلومة إذا ظهر أحدهم أثناء الاختبار.»

نظر الجميع إليه، فتابع: «هم لا يتعاملون مع البشر وفق الفروق المعتادة بينهم، بل ينظرون إلى الإنسان باعتباره مادة يمكن استخدامها، والأسوأ أن قدرة التحويل لديهم تستطيع التأثير في أجساد البشر بطرق تجعلها تحمل نسل العفاريت المتحولة، وهو أمر لا يحدث في التكاثر الطبيعي.»

تجمدت إيلينا في مكانها، وشدت أصابعها حول حافة الكتاب بينما ظهر الاشمئزاز بوضوح على وجهها.

قالت بصوت منخفض: «هذه المعلومة وحدها كافية لجعل هذا النوع مختلفًا عن أي وحش آخر ندرسه، ولا أريد حتى أن أتخيل ما قد يحدث لمن يقع في أيديهم.»

أما ريان فقد اختفت ابتسامته تمامًا، وقال وهو ينظر إلى ناثان: «ومن كتب هذه التقارير، وهل لدينا أدلة حقيقية على حدوث هذه التغيرات، أم أن الأمر مجرد روايات قديمة انتقلت بين الباحثين دون تحقق؟»

أجاب ناثان: «هناك سجلات بحثية وتقارير عن أجساد تغيرت بصورة غير طبيعية، كما توجد تقارير عن مناطق ظهرت فيها هذه الكائنات، ولهذا لم يعد الأمر مجرد حكاية قديمة يمكن تجاهلها بسهولة.»

قال لوسيان بجدية: «إذن إذا صادفنا هذه الكائنات في أحد العوالم، فلا ينبغي أن نحاول اختبار قدراتها أو الاقتراب منها لمجرد معرفة قوتها، بل ننسحب ونبلغ الأكاديمية عن وجودها.»

أومأ ناثان موافقًا، وقال: «هذا هو التصرف الصحيح، لأن المعرفة مهمة، لكن الحصول عليها لا يستحق تعريض أنفسنا لخطر يمكن تجنبه.»

ساد الصمت للحظات، وكان الخوف هذه المرة مختلفًا عن الخوف من وحش قوي؛ فقد كان متعلقًا بشيء لا ينبغي أن يحدث لجسد الإنسان أصلًا، وبنوع من السحر القديم الذي تجاوز الحدود الطبيعية للكائنات.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل49:الرحيل

    نظرت إليها، وشعرت بأن الكلمات التي كنت أريد قولها أصبحت أثقل مما توقعت. لم يكن الأمر متعلقًا بالعصا وحدها، بل بالمغادرة التي اقتربت حتى لم يعد هناك شيء يؤجلها. حاولت الابتسام، لكنني وجدت نفسي أقترب منها وأعانقها بدلًا من الإجابة.احتضنتني أمي بقوة هادئة، ثم أبقت يدها على ظهري للحظات. لم تطلب مني أن أعدها بعودتي سريعًا، ولم تحاول إخفاء حقيقة أن الفراق صعب، بل اكتفت بأن تضمّني كما لو أنها تريد أن تمنحني بعض الطمأنينة أحملها معي.أغمضت عينيّ، واستنشقت رائحتها المألوفة، وشعرت بأنني عدت للحظات إلى الأيام التي كنت ألجأ فيها إلى حضنها كلما أخافني شيء. لم أكن أعرف كيف سأواجه الأيام المقبلة، ولا إن كنت سأتمكن من إخفاء ارتباكي أمام أشخاص لا أعرفهم، لكن ذراعيها حولي جعلتني أشعر بأنني ما زلت أملك مكانًا أستطيع العودة إليه مهما تغيرت الأشياء."اعتني بنفسك، كارينا.""سأفعل يا أمي."حاولت أن أجعل صوتي ثابتًا، لكنني لم أستطع منع الحزن من الظهور فيه. ابتعدت عنها قليلًا، فرفعت أمي يدها ولمست خدي بحنان، ثم ابتسمت لي ابتسامة صغيرة بدت وكأنها تخفي خ

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل48: هدية عند باب المنزل

    بقيت الشاشة أمامي لحظات أخرى، ثم خففت تركيزي عنها بعدما انتهيت من قراءة البيانات. لم تختفِ أهمية السجل لمجرد أنني قرأته؛ فقد أصبحت أعرف أن العصا ليست مجرد قطعة خشب مرصعة بالجواهر، بل أداة ذات وظيفة محددة وخصائص تحتاج إلى فهم قبل استخدامها. "هل فهمتِ ما تحتاجين إليه؟" سألت أمي، وهي تراقب وجهي. أومأت. "عرفت وظيفتها وبعض خصائصها، لكنني سأحتاج إلى وقت لأفهم كيفية استخدامها جيدًا." "وهذا أفضل من أن تتسرعي." مررت أمي يدها على كتفي، ثم رتبت طرف ملابسي الذي تحرك أثناء حمل الحقيبة. "لا أريدك أن تشعري بأن عليكِ معرفة كل شيء منذ اللحظة الأولى." خفضت عينيّ نحو العصا مرة أخرى، وأدرتها بين أصابعي لأتأمل الجواهر الصغيرة المثبتة حول رأسها المستدير. كان من الغريب أن أحمل أداة سحرية تخصني دون أن يكون لها اسم، خصوصًا أنني اعتدت منح أسماء حتى للأشياء التي لا تحتاج إليها. "أمي، هل يمكنني أن أختار لها اسمًا؟" سألت، وأنا أرفع العصا قليلًا أمامي. ابتسمت أمي. "بالطبع. إنها عصاكِ الآن، ومن حقكِ أن تختاري

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل47: بداية الحياة ما وراء العالم المألوف

    توقف في منتصف الطريق، ثم غيّر اتجاهه بعناد، فعلق الغرض عند طرف السجادة، وحاول سحبه مرة أخرى دون أن ينجح. راقبته للحظات، ثم قلت: "أعتقد أنه يحتاج إلى مساعدة." نظر لوسيان إلى الدب، ثم إليّ. "أظن أنكما تتشابهان أكثر مما تتصورين." "ماذا تقصد؟" "كل منكما يصر على إنهاء المهمة بطريقته، حتى عندما يكون هناك حل أسهل." ضيقت عينيّ نحوه. "يمكنني أن أتركك ترتب بقية الحقيبة وحدك." رفع حاجبيه مبتسمًا. "وهل هذا تهديد أم وعد؟" "يمكن أن يكون الاثنين." رفع يديه مستسلمًا، لكنه لم يخفِ ابتسامته، ثم انحنى والتقط الغرض الذي عجز الدب الصغير عن حمله ووضعه في مكانه. تابعت دينغ دينغ ترتيب الأغراض الأخرى، بينما ساعدني لوسيان في إغلاق الحقيبة، وأعدت فحص محتوياتها مرة أخيرة حتى أتأكد من أنني لم أنسَ شيئًا. "انتهيت،" أعلنت وأنا أبتعد عن السرير.

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل46:بين الذكرى والرحيل

    "أبي، هل يعني هذا أن العالم الذي نعيش فيه ليس سوى جزء صغير من عالم أكبر؟" ظل أبي ينظر إليّ للحظات، ثم وضع فنجانه على الطاولة بهدوء، وكأنه يريد أن يمنح سؤالي وقتًا كافيًا قبل أن يجيب. كانت أمي تجلس إلى جواري، بينما بقي لوسيان في المقعد المقابل، يستمع بصمت لم أعتده منه. قال أبي أخيرًا: "ما تعرفينه عن العالم لا يمثل إلا الجزء الذي عشتِ فيه حتى الآن. هناك أمور لا يمكن فهمها من خلال ما ترينه حولك فحسب، لأن تاريخ هذا العالم أقدم بكثير من الحكايات التي يتناقلها الناس." عقدت حاجبيّ وأنا أحاول استيعاب كلامه، ثم ملت قليلًا إلى الأمام. "وهل تقصد أن هناك عوالم أخرى فعلًا؟ عوالم مختلفة عن عالمنا، وليست مجرد أماكن بعيدة لم نزرها؟" أومأ أبي ببطء. "نعم، لكن معرفة وجودها لا تعني أن الوصول إليها أمر بسيط، ولا أن كل ما يُقال عنها صحيح. هناك تاريخ وراء عائلتنا، وأحداث جعلت معرفتنا بهذه الأمور مختلفة عن معرفة الآخرين." نظرت إلى أمي، فوجدتها تتابع الحديث بهدوء، ثم انتقلت عيناي إلى لوسيان الذي بدا أكثر اهتمامًا مما أظهره في البداية. لم يقاطع أبي، ولم يحاول إلقاء تعليق ساخر كما يفعل عادةً، وهذا وحده

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل45:كارينا بعد مراسم استيقاض 3

    ساد الصمت للحظة، وبقيت ابتسامة أمي معلقة على شفتيها وهي تنتظر ردنا. التفتُّ إلى لوسيان، فوجدته ينظر إليّ في اللحظة نفسها، وقد ارتفعت إحدى حاجبيه قليلًا في إشارة فهمتها على الفور. كان يعرف ما أفكر فيه، تمامًا كما كنت أعرف أنه يحاول تجنب المصير نفسه الذي ينتظرني إن قررت أمي استعادة إحدى قصص طفولتنا أمام الضيوف. تبادلنا نظرة سريعة، ولم أستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهي، بينما بدا أخي وكأنه يستعد للدفاع عن نفسه قبل أن توجه إليه أمي أي اتهام جديد. "لا حاجة لذلك، أمي،" قلنا معًا. ضحكت أمي، وأعادت كأسها إلى الطاولة، بينما انفجر الضيوف القريبون منا بالضحك. شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهي، لكنني لم أعد أشعر بالإحراج الذي كان ينتابني في بداية الأمسية. على العكس، وجدت نفسي أضحك معهم، وألقي نظرة جانبية على لوسيان الذي هز رأسه مستسلمًا، قبل أن يرفع كأسه إلى شفتيه وكأن الأمر لا يعنيه على الإطلاق. كان بارعًا في إخفاء انزعاجه خلف ملامح هادئة، لكنني لم أستطع تجاهل النظرة التي منحني إياها، وكأنها تحذرني من أن دوري في إحراجه سيأتي لاحقًا. كان ذلك ك

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل44:كارينا بعد مراسم استيقاض 2

    كانت طريقته في الرد كافية لتجعلني أضحك، فيما اكتفى أبي بإلقاء نظرة تحذيرية على الرجل الذي بدا أنه استمتع باستفزازه أكثر مما استمتع بالحديث معي. وحين ابتعد الضيف، انحنيت نحو أبي وهمست: "أريد أن أعرف ماذا فعلت." "لا تريدين." "هذا يعني أنك فعلت شيئًا يستحق أن أعرفه." "هذا يعني أنني كنت في السادسة عشرة يومًا ما، وأنني لا أريد أن أسمع تعليقًا من ابنتي طوال الأسبوع القادم." ضحكت، ثم تشبثت بذراعه لحظة قبل أن أتركه يستقبل ضيفًا آخر. كان الاحتفال يستعيد حيويته شيئًا فشيئًا بعد هدوء المراسم، وعادت الموسيقى الخافتة تتردد بين الأعمدة، فيما انشغل بعض الحاضرين بالحديث قرب النوافذ، وانتقل آخرون إلى الطاولات التي رُتبت عليها أطباق صغيرة من الحلوى والفواكه. كانت القاعة واسعة بما يكفي لتسمح للمجموعات بالتشكل والتفرق دون أن يتداخل حديث إحداها مع الأخرى كثيرًا، وقد ساعد الضوء الذهبي المنبعث من الثريات على منح المكان دفئًا جعلني أنسى، لبعض الوقت، رهبة الوقوف داخل دائرة الزئبق قبل دقائق. وحين بدأت أشعر بأنني قضيت نصف حياتي في تبادل التحيات، ظهر لوسيان أمامي حاملًا كأسًا من العصير، ثم مدّه إليّ. "اشر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status