Masukلم تكد القلعة الملكية تستقر في رغد الأمان والسلام بعد القصاص من الساحرة المتمردة، حتى شهدت قاعة العرش تحركاً غير عادي من نيرا—زوجة إلياس. لم تكن نيرا مجرد ساحرة أو قارئة طالع، بل كانت في أصلها أميرة مملكة أطلانطس المائية؛ حورية بحر ملهمة تمتلك قدرة التحول الأسطورية، فتكتسب جسداً بشرياً كاملاً بقدماً ساحرتين عندما تطأ اليابسة، وتستعيد ذيلها الحراشفي الماسي الخالد حين تلامس المياه العميقة.دخلت نيرا قاعة العرش بخطوات اضطرابية تناسب خطورة المشهد، وهي تحمل بين يديها بلورة أثيرية زرقاء تتدفق منها أضواء مائية ناعمة وأصداء تعاويذ مائية عتيقة.توقفت الأميرة نيرا في منتصف القاعة، ونظرت نحو الألفا ألكسندر واللونا أوركيد اللذين كانا يتفقدان الخرائط الشمالية برفقة سير أوريان وسيلين وإلياس.قالت نيرا بصوت رصين يحمل نبرة الجدية الشديدة والحنين لموطنها الأصلي:— "يا ألفا... يا لونا أوركيد... لقد وصلني توهج ناطق عبر أثير المعابد القديمة. بصفتي أميرة أطلانطس، لقد استقبلت رسالة عاجلة موجّهة من موطني ومملكتي القابعة في موقعها الأسطوري الخالد تحت مياه المحيط العظيم!"اقترب إلياس من زوجته نيرا، ووضع يده ع
تسامقت أعمدة الدخان المقدس فوق قمة "جبل الهمس"، حيث يقع الحجر الأسطوري الذي نُقشت على جوانبه تاريخ معاهدات القطيع الأول ومحاكمات المتمردين منذ نيف وثمانمائة عام. كانت الرياح الشمالية الباردة تعزف ألحاناً حزينة وشجية بين صخور الجرانيت الداكنة، بينما تجمعت قبائل المستذئبين وسحرة المعبد القديم في صفوف دائرية مهيبة تُحيط بساحة القصاص.كان الألفا ألكسندر يقف عند رأس ساحة الإعدام، ورداؤه الملكي الفروي المزين بالفضة والأرجوان يرفرف بمهابة مع حركة الهواء العليل. كانت هيلته الفضية تتوهج بشدة تعكس عودة نفوذه وذئبه القوي بكامل طاقته الأثيرية، وتتألق في عينيه الصارمتين نظرات العدالة التي لا تُداهن ولا تلين. وإلى جواره، كانت اللونا أوركيد تقف بثبات، ورداء نيرانها الفينيقية يشتعل بخفة ووقار عند أطراف قدميها، مضيفاً على حضورها هيبة ملكية جعلت حراس المعبد ينحنون احتراماً كلما التفتت نحوهم.على المنصة الحجرية، كانت الساحرة المتمردة مورغانا تجثو على ركبتيها، مقيدة بسلاسل الفولاذ الأثيري التي تمنع أي تدفق للسحر الأسود في عروقها. كانت عيناها القاتمتان تجولان بين وجوه الحاضرين برعب وانكسار، بعد أن أدركت أ
عاد الأربعة إلى الشقة مع هبوط غسق الليل على أحياء المدينة الحديثة. كانت أضواء الشوارع البرتقالية تتلألأ وتنعكس على زجاج النوافذ، بينما شقت سيارات الشرطة والإسعاف طريقها في الشوارع البعيدة متزامنة مع أصوات أجهزة الإنذار الهادئة.أغلق ألكسندر الباب الخشبي السميك بالمفتاح الحديدي، ثم وضع خلفه كرسياً خشبياً كإجراء أمني إضافي، متناسياً لبرهة أنه لم يعد في قلاعه المجهزة بأبواب الصولجان المصفحة. التفت إلى القاعة ونفض القليل من غبار المستودع عن كم جاكيته الجلدي، ثم قال بنبرة قيادية رصينة:— "مورغانا أصبحت كالطريدة الجريحة يا أوركيد. لقد رأت بوضوح أن تجردنا من الهالة والتحول لم يفرغ أجسادنا من خبرة القرون وقوة التدريب القتالي. لكن هربها عبر الباب الخلفي يعني أنها تملك ملاذاً آخر في هذه الأحياء المترامية."جلست أوركيد على الأريكة، وأمسكت كوباً من الماء البارد لترتشف منه، ثم رفعت رأسها وقالت بثبات:— "مورغانا ساحرة تعتمد على الخديعة وتغذية الحقد في قلوب الضعفاء. الرسالة التي تركتها على الجدار بالرماد تؤكد أنها مذعورة؛ السحر الذي جلبته معها ينفذ تدريجياً لأن أرض هذا العالم لا تمد التعاويذ بالطاقة
استيقظ الأربعة في الصباح الباكر على صوت زئير محركات السيارات المارة في الشارع السفلي. شقت أشعة الشمس الذهبية خيوطها عبر ستائر الشقة الناعمة، لتكشف عن مشهد خالي من الغبار بعد جهود التنظيف الشاقة في اليوم السابق.كان ألكسندر يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، وقد ارتدى قميصه الأسود وجاكيته الجلدي، واضعاً يديه في جيبي بنطاله. كانت نظراته الفضية الصارمة تتابع حركة المارة وحافلات النقل العامة بذهول محارب لم يعتد على رؤية مدن تصنع من الأسمنت والحديد دون دروع أو حراس يقفون على الأبراج.اقتربت أوركيد منه بخطوات هادئة، وضعت يدها الرقيقة على كتفه العريض وقالت وهي تبتسم:— "بماذا تفكر يا ألكسندر؟ هل ما زلت تبحث عن هالة ذئبك؟"التفت إليها ألكسندر، وضمها إلى صدره بحنان وثبات وهو ينظر إلى عينيها:— "أفكر في كيفية عيش القوم هنا في هذه الصناديق الأسمنتية المتراصة... بلا هالة تحميهم، وبلا أشجار تنبض بالحياة كغابة الهامس. لكن الأكثر غرابة هو أنني رغم فقداني لهالة ذئبي ومخالبي، أشعر بطمأنينة لأنني بجواركِ."في الصالة، كان أوريان يتجادل مع سيلين حول "جهاز التحكم عن بعد" (الريموت كنترول). كان أوريان يمسك
لم تهنأ القلعة الملكية بالهدوء الذي تلا إغلاق دوامة "عين الشمال"؛ فبينما كان الظلام يلف السلاسل الجبلية المحيطة بقطيع الألفا، انبعث ضوء زمردي مفاجئ في منتصف قاعة العرش. لم تكن البلورة الأثيرية تصدر مجرد توهج عابر، بل انقلبت حرارتها فجأة لترسل رسالة زجاجية عتيقة طفت في الهواء واستقرت مباشرة بين يدي الألفا ألكسندر!قبض ألكسندر على الرسالة بيديه الصلبتين، وما إن فض غلافها الناري حتى فاحت رائحة الكبريت والرماد القاتم. كانت الرسالة مكتوبة بدم سحري نادراً ما يُستخدم إلا في التعاويذ السوداء الشديدة الخطورة. امتقع وجه ألكسندر وهو يقرأ الكلمات المحفورة، وتوهجت حدقتاه باللون الفضي الثائر، ثم التفت نحو زوجته أوركيد والحاضرين في القاعة وقال بصوت رجولي صارم هز أرجاء المكان:— "إنها مورغانا... الساحرة المتمردة التي ظننا جميعاً أنها قُتلت في حرب المعابد القديمة."تقدمت أوركيد نحو زوجها، ورداء نيرانها الخفيف يرفرف بحذر، وقالت بصوت نابع من خوف محكوم بالحرص:— "مورغانا؟! كيف ذلك يا ألكسندر؟ الساحرة قُطعت طاقاتها وحُبست في أعمق طبقات الأثير منذ عقود!"رد ألكسندر وهو ينظر إلى أسفل الرسالة حيث ظهرت رموز غ
ظل الصندوق الأبنوسي مفتوحاً على المنضدة الرخامية أمام ألسنة اللهب المتراقصة في المدفأة الملكية. كان المستطيل الزجاجي المظلم يربض بين يدي اللونا أوركيد كأنه قطعةٌ هبطت من نيزكٍ سقط من سماء غريبة؛ جمادٌ صامت لا ينبض بالحياة، لكنه يحمل بين ثناياه رفات عالم كامل عاشت فيه قبل أن تطأ قدمها أرض القطيع.كانت سيلين ترقد على أريكتها، وقد انساب الدفء في جسدها بعد أن سُحب السهم المسموم من كتفها، لكن عينيها الزرقاوين كانتا تشعان بفضول لم يطفئه الجرح. وإلى جوارها مباشرة كان يجلس القائد نيثان ممسكاً بيد إيلينا بحنان، منصتاً برفقة أوريان وإلياس ونيرا إلى كل كلمة. نادراً ما كانت أوركيد تتحدث عن أيامها الأولى بتلك التفاصيل الدقيقة؛ فلطالما كانت بالنسبة لجميع أبناء المملكة والفرسان اللونا الأسطورية، سيدة العنقاء التي تخرج من الرماد كالنور، رفيقة الألفا ألكسندر التي لا تُهزم. أما أن تكون مجرد فتاة تنتمي لمدنٍ من الأسمنت والحديد، تتحرك بين الآلات الصامتة دون مخالب أو تعاويذ، فذاك سرٌّ جعل حتى نيثان والفرسان في القاعة يتسمرون في أماكنهم من فرط الدهشة.اقترب أوريان بخطوات خفيفة، ونزل على ركبتيه بالقرب من طا







