مشاركة

العودة من الحافة

مؤلف: أ.أ
last update تاريخ النشر: 2026-05-22 07:19:47

الوقت مرّ ببطء قاتل.

كل دقيقة خارج تلك الغرفة بدت كأنها ساعة كاملة.

لارا كانت ما تزال واقفة قرب الباب.

لم تجلس. لم تتحرك. حتى أنفاسها بدت حذرة، كأن أي حركة مفاجئة قد تسرق جواد منها مجددًا.

داخل الغرفة…

كان سليم يعمل بصمت متوتر.

الدماء ما تزال تغطي يديه، والعرق ينزلق فوق جبينه رغم برودة المكان.

“النبض؟”

سأل حسام بسرعة.

ضغط سليم أصابعه فوق عنق جواد للحظات.

ثم زفر ببطء.

“ضعيف… لكنه موجود.”

حسام أغلق عينيه براحة قصيرة.

“تبًا… كدت أكره الحياة أكثر.”

لكن سليم لم يبدُ مرتاحًا بالكامل.

“هو لم ينجُ بعد.”

قالها بصراحة.

“إذا لم يستيقظ خلال الساعات القادمة…”

لم يكمل.

لم يحتج لذلك أصلًا.

أما بالخارج…

فكان الصمت يلتهم الجميع.

حتى الأطفال ناموا أخيرًا من شدة التعب والبكاء.

كارما كانت مستندة على الحائط قرب ياسين، رأسها فوق كتفه، وعيناها نصف مغلقتين من الإرهاق.

لكنها لم تنم.

ولا أحد استطاع النوم فعلًا.

“هي لم تتحرك منذ عرفَت.”

همست كارما وهي تنظر نحو لارا.

ياسين تبع نظرتها.

لارا بدت كتمثال.

وجه شاحب. عينان فارغتان. ويد ترتجف أحيانًا دون وعي.

“هي خائفة.”

قالها بهدوء.

ضحكت كارما بمرارة خفيفة.

“لم أتخيل يومًا أن أرى لارا تخاف هكذا.”

هو أيضًا.

لم يتخيل.

أما ليلان…

فكانت جالسة قرب النافذة المكسورة قليلًا، تراقب المطر بالخارج.

وآدم يجلس بجانبها بصمت.

قريب جدًا.

أقرب من أي وقت سابق.

“كيف حال يدك؟”

سألته بهدوء وهي تنظر للضماد الملفوف حول قبضته.

نظر ليده وكأنه نسي إصابتها أصلًا.

“لا أشعر بها.”

“أنت ضربت الحائط كأنك تحاول قتله.”

ابتسم ابتسامة قصيرة متعبة.

“كنت أحاول ألا أنهار.”

نظرت له لثوانٍ.

ثم قالت بصوت منخفض:

“كنت منهارًا بالفعل.”

التفت لها ببطء.

وكانت تلك أول مرة تنظر له مباشرة دون خوف أو حذر.

فقط… فهم.

“عندما ظننته مات…”

همست وهي تعود بعينيها للمطر.

“شعرت أن العالم توقف للحظة.”

راقبها آدم بصمت.

ثم قال:

“وأنتِ؟”

“ماذا عني؟”

“ماذا شعرتِ؟”

سكتت للحظات طويلة.

ثم ابتسمت ابتسامة حزينة جدًا.

“أنني تعبت من خسارة الناس.”

شيء بعينيه تغيّر فورًا.

ثم دون تفكير تقريبًا…

مد يده ولمس أصابعها برفق.

لم يبعدها هذه المرة.

ولا هي فعلت.

أما لارا…

فكانت تسمع كل شيء حولها وكأنه بعيد جدًا.

كل تركيزها كان خلف ذلك الباب.

معه.

وفجأة—

صدر صوت حركة بالداخل.

تجمدت فورًا.

ثم انفتح الباب أخيرًا.

خرج سليم.

مرهق. شاحب. وعيناه ممتلئتان بالتعب.

لارا اقتربت منه مباشرة.

“؟”

لم تستطع حتى تكوين سؤال كامل.

نظر لها سليم للحظة طويلة.

ثم قال أخيرًا:

“هو حي.”

شهقة خرجت منها وكأنها كانت تحبس أنفاسها منذ ساعات.

“لكن…”

أكمل بسرعة.

“ما زال بخطر.”

هزت رأسها فورًا.

“لا يهم.”

ثم دفعت الباب ودخلت قبل أن يمنعها أحد.

الغرفة كانت هادئة جدًا.

رائحة الدم والدواء تملؤها.

وجواد…

مستلقي فوق السرير القديم، شاحب، وأنفاسه بطيئة، لكن موجودة.

توقفت لارا مكانها.

فقط تنظر له.

كأنها تحتاج التأكد ألف مرة أنه حقيقي.

ثم اقتربت ببطء.

وجلست بجانبه.

يدها المرتجفة لمست وجنته برفق شديد.

دافئة.

ليس باردة كالسابق.

وعندها فقط…

انهارت مجددًا.

لكن بصمت هذه المرة.

دموع هادئة انزلقت فوق وجهها بينما تنحني نحوه.

“أكرهك…”

همستها خرجت مختنقة بالبكاء.

“أكرهك لأنك أخفتني هكذا.”

لم يرد طبعًا.

لكنه تنفس ببطء، وصدره ارتفع قليلًا تحت يدها.

وذلك وحده كان كافيًا ليعيدها للحياة.

ثم فجأة…

تحركت أصابعه بشكل خافت.

تجمدت لارا فورًا.

رفعت رأسها بسرعة نحوه.

“جواد؟”

جفناه ارتجفا قليلًا.

ثم فتح عينيه بصعوبة شديدة.

الرؤية أمامه كانت ضبابية، لكن أول شيء رآه…

كان لارا.

تبكي.

حدق بها لثوانٍ طويلة بتعب.

ثم همس بصوت بالكاد خرج:

“لماذا تبكين؟ قلت لكِ إنني لن أموت.”

ضحكة مختنقة خرجت منها مع البكاء فورًا.

ثم أمسكت وجهه بكلتا يديها بعنف خائف.

“أنت حقير…”

قالتها وهي تبكي وتضحك بنفس الوقت.

“حقير لأنك جعلتني أعيش هذا.”

ابتسم ابتسامته الصغيرة المتعبة.

ثم رفع يده بصعوبة شديدة…

ولمس شعرها.

“لكنكِ عدتِ لي.”

شهقت بخفة، ثم انحنت نحوه وقبلته بقوة.

قبلة طويلة مرتجفة، ممتلئة بالخوف والراحة والاشتياق والنجاة.

وفي الخارج…

كان الجميع يسمع صوت بكائها المكتوم داخل الغرفة.

لكن هذه المرة…

لم يكن بكاء فقد.

بل بكاء شخص عاد إليه قلبه بعد أن توقف.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   المرحلة الأخيرة

    الإنذار داخل المختبر لم يتوقف.الضوء الأحمر كان يومض بعنف فوق الجميع، وصوت التحذير المعدني يتكرر بلا رحمة.“Security breach detected.”“Initiating lockdown.”لكن لا أحد كان يركز معه الآن.لأن لارا كانت ما تزال على الأرض، تتنفس بصعوبة، وعيناها فارغتان بشكل مرعب.“لارا.”جواد أمسك وجهها برفق، محاولًا إجبارها على التركيز عليه.“انظري إليّ.”لكنها لم تكن تراه.كانت ترى الدم.الكثير من الدم.صوت أمها وهي تبكي.“خذهما واهرب!”صوت تحطم الزجاج.صرخة ليلان الصغيرة.ثم—الرصاصة.شهقت بعنف وكأنها عادت للتو من الغرق.ثم دفعت يد جواد فجأة، وقفت مترنحة، وعيناها اتجهتا مباشرة نحو الشاشة.نحو والدها.“أنت قتلتها…”همستها خرجت مرتجفة، لكنها كانت مليئة بشيء أخطر من البكاء.الكراهية.الرجل على الشاشة ظل ينظر إليها بهدوء بارد.“نعم.”قالها ببساطة.“وفعلت ما كان يجب فعله.”انفجر الغضب داخلها فجأة.أطلقت النار على الشاشة مرة أخرى.الزجاج تناثر بكل مكان، لكن صورته ظهرت مجددًا على شاشة أخرى.ثم أخرى.ثم أخرى.حتى بدا وكأن المختبر كله يراقبهم بعينيه.“أنت مريض!”صرخت ليلان وهي تبكي.“كانت أمنا!”“وكانت خائنة.

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الشيء الذي دفنوه داخلها

    الصمت داخل المختبر أصبح خانقًا بعد كلمات والد لارا.“لأن المرحلة الأخيرة بدأت أخيرًا.”الأضواء الحمراء كانت تومض فوقهم بعنف، تعكس ظلالًا مشوهة على الوجوه المتوترة.لكن لارا لم تعد ترى شيئًا حولها.كانت تنظر فقط إلى وجه أبيها على الشاشة.نفس النظرة القديمة. نفس البرود. ونفس الإحساس المقرف الذي كان يجعلها تشعر دائمًا أنها ليست “ابنته”… بل شيء يملكه.“ما الذي تقصده؟”سأل سليم بحدة.لكن الرجل تجاهله تمامًا.عيناه بقيتا مثبتتين على لارا.وكأن باقي الموجودين غير مهمين أصلًا.“كبرتِ أكثر مما توقعت.”قالها بهدوء غريب.“لكن ما زلت أراكِ بوضوح.”“وأنا لا أريد رؤيتك أصلًا.”ردت لارا ببرود قاتل.ابتسم.ابتسامة صغيرة باردة جدًا.“الكراهية دائمًا كانت تليق بكِ.”جواد تحرك خطوة أمامها فورًا.“لا تتحدث معها.”قالها بصوت منخفض، لكن خطير بما يكفي ليجعل حتى آدم ينظر له بحذر.هذه المرة…نظر الأب إليه أخيرًا.وصمت لثوانٍ طويلة.ثم ضحك بخفوت.“ما زلت حيًا إذًا.”“للأسف بالنسبة لك.”رد جواد ببرود.لكن الرجل لم يبدُ منزعجًا.بل نظر إليه بطريقة جعلت التوتر يزداد داخل المكان.كأنه ينظر لشيء صنعه بنفسه… ثم خرج

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   ما تبقى بعد الانفجار

    الانفجار ابتلع الممر بالكامل.الحرارة اندفعت خلفهم كوحش هائج، والهواء نفسه تحول إلى كتلة نارية دفعت الجميع بعنف للأمام.لارا فقدت توازنها فورًا، لكن جواد جذبها إليه قبل أن ترتطم بالأرض.ثم سقطا معًا فوق المياه القذرة التي غمرت أرضية الممر.الصراخ، الدخان، وصوت المعدن المنهار…كل شيء اختلط بشكل مرعب.“الأطفال!”صرخت ليلان وسط الفوضى.“هم معي!”ردت كارما وهي تحاول حماية طفل صغير بجسدها بينما ياسين يسندها من الخلف.أما سليم فكان يسعل بعنف، وقد امتلأ وجهه بالغبار والدماء الصغيرة الناتجة عن الشظايا.“تحركوا!”صرخ آدم رغم الألم الوحشي بذراعه المصابة.“السقف ينهار!”وبالفعل…بدأت التشققات تنتشر فوقهم بسرعة.قطع معدنية ضخمة سقطت خلفهم، وأغلقت الممر الذي أتوا منه بالكامل.توقف الجميع للحظة، ينظرون للخلف بصمت ثقيل.التجربة رقم تسعة…اختفى.ابتلعه الانفجار.لكن كلماته الأخيرة بقيت عالقة داخل رأس جواد كطعنة.“لا تدعهم يعيدونك للقفص…”أنفاسه أصبحت أثقل، والأصوات داخل رأسه عادت مجددًا بشكل أبعد وأضعف.لارا لاحظت شروده فورًا.“جواد.”همست وهي تمسك يده.نظر لها ببطء، وكأنه عاد للتو من مكان بعيد جدًا.

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   المختبر القديم

    الصمت الذي أعقب كلمات جواد كان أسوأ من صوت الإنذار نفسه.“إنه أحد المختبرات القديمة.”الضوء الأحمر الخافت جعل الممر يبدو كأنه جزء من كابوس قديم.الجدران المعدنية المتآكلة. المياه القذرة تحت أقدامهم. ورائحة الصدأ والدم القديم…كل شيء بالمكان بدا ميتًا.لكن ليس مهجورًا.ليلان ضمت الأطفال إليها فورًا.“ماذا يعني مختبر؟”سألت بصوت مرتبك وخائف.جواد لم يجب مباشرة.كانت عيناه تتحركان ببطء فوق الجدران، وكأن المكان يوقظ داخله ذكريات لا يريدها.أما كيان…فنظرته أصبحت أكثر حذرًا لأول مرة.“لم يكن من المفترض أن يبقى هذا المكان موجودًا.”قالها بهدوء.سليم ضحك بسخرية عصبية.“رائع. كل دقيقة نكتشف أن حياتنا أسوأ مما توقعنا.”لكن آدم لم يكن ينظر إلا لجواد.لاحظ شحوب وجهه. توتر كتفيه. ويده التي انقبضت بقوة حتى برزت عروقها.“جواد.”قالها بهدوء هذه المرة.“هل تستطيع المتابعة؟”صمت لثوانٍ.ثم أومأ ببطء.لكن لارا عرفت فورًا أنه يكذب.لأنها كانت تشعر بارتجاف يده.اقتربت منه أكثر دون كلام، فنظر لها للحظة قصيرة.لحظة ممتلئة بتعب هائل.“إذا شعرت بأي شيء غريب… تخبرني فورًا.”همست.ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.متع

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الطريق الذي لا عودة منه

    صوت انهيار الصخور فوق النفق أصبح أعلى من الرصاص نفسه.الغبار ملأ الهواء، والجدران بدأت تهتز بعنف متقطع جعل الجميع يشعر أن المكان سيسقط فوق رؤوسهم بأي لحظة.لكن رغم ذلك…لم يتحرك أحد لثوانٍ.---لأنهم كانوا ينظرون فقط إلى جواد.المنهار بين ذراعي لارا.---أنفاسه كانت مضطربة بشكل مؤلم، وجسده يرتجف بعنف، وكأنه خرج للتو من حرب داخل عقله.أما لارا…فكانت تضمه بقوة، يدها تمر فوق شعره ببطء، وكأنها تحاول إعادته لنفسه قطعة قطعة.---ليلان حبست دموعها بصعوبة.حتى آدم، الذي رفع سلاحه قبل دقائق نحوه، خفضه ببطء الآن.---أما كيان…فظل يراقب بصمته المرعب المعتاد.لكن تلك النظرة الغامضة لم تختفِ من عينيه.---“علينا التحرك.”قالها سليم أخيرًا بعصبية وهو ينظر للسقف المتشقق.“النفق سينهار بالكامل.”---صوت انفجار آخر دوّى بعيدًا، ثم تبعته صرخات رجال المنظمة من الممر الأمامي.---“إنهم يدخلون من الجهة الثانية أيضًا!”صرخ حسام.---كارما أمسكت الأطفال بسرعة أكبر.“أقسم إذا متنا داخل هذا المكان سألعنكم جميعًا.”---رغم التوتر…خرجت ضحكة قصيرة متعبة من ياسين.ثم اقترب منها سريعًا، وأخذ طفلًا من بين ذراعيه

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الممر السفلي

    صوت الرصاص داخل النفق كان يقترب بسرعة مرعبة.صرخات الرجال. ارتطام الأحذية بالأرض المبللة. وأصوات الأطفال الخائفة…كل شيء اختلط داخل فوضى خانقة جعلت التنفس نفسه صعبًا.“لارا تحركي!”صرخ آدم من عند باب الممر السفلي وهو يساعد طفلين على النزول بسرعة.لكنها لم تبتعد عن جواد.كان جالسًا على ركبتيه الآن، يداه تضغطان رأسه بعنف، وأنفاسه خارجة بشكل متقطع ومؤلم.وكأن حربًا كاملة تدور داخل عقله.“جواد…”همست وهي تمسك وجهه مجددًا.“اسمع صوتي.”عيناه رفعتا نحوها ببطء.متعبتان. ضائعتان. وممتلئتان برعب لم تره فيه من قبل.“اهربي…”خرجت منه بصعوبة.“قبل أن—”رصاصة اخترقت الجدار قربهما.تناثر الحجر فوق كتف لارا، فالتفت الجميع فورًا.“إنهم دخلوا!”صرخ ياسين وهو يطلق النار نحو الممر الرئيسي.حسام كان يدفع الأطفال للداخل بسرعة.“تحركوا! بسرعة!”أما كيان…فما يزال واقفًا وسط الفوضى بهدوء مقلق.يراقب فقط.سليم أمسك ذراعه بعنف.“إما أن تتكلم أو تبتعد من أمامنا!”كيان أبعد يده ببرود.“لن ينجو أحد إذا فقد السيطرة بالكامل.”“ماذا يحدث له؟!”صرخت لارا.كيان نظر لها للحظة.ثم قال:“هناك أوامر مزروعة داخل عقله.”ال

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status