FAZER LOGINلأول مرة منذ وقت طويل…
ساد الهدوء. لا رصاص. لا صراخ. لا مطاردات. فقط صوت البحر البعيد… والمطر الخفيف فوق النوافذ القديمة. المنزل المهجور بدا أكثر دفئًا ليلًا. الأطفال ناموا أخيرًا داخل الغرفة الصغيرة، متجمعين قرب بعضهم ببراءة غريبة وسط كل هذا الخراب. حتى كارما حين مرت بجانبهم… ابتسمت دون وعي. “يشبهون الملائكة وهم نائمون” همستها خرجت بخفوت. “وأنتِ؟” قالها ياسين خلفها مباشرة. التفتت نحوه، لتجده واقفًا قرب الباب يحمل بطانيتين. “أنا شيطانة طبعًا.” قالتها بسخرية خفيفة. لكن ياسين ابتسم فقط. ثم وضع إحدى البطانيات فوق طفلة صغيرة كانت ترتجف من البرد. الحركة البسيطة جعلت كارما تراقبه بصمت أطول مما يجب. “أنت مزعج.” قالتها فجأة. رفع حاجبه. “لماذا؟” تنهدت بخفوت. “لأنك تجعلني أشعر بأشياء لا أحبها.” الصمت الذي تلا جملتها كان مختلفًا. هادئًا. دافئًا. اقترب ياسين منها ببطء. “مثل ماذا؟” ضحكت بخفة متوترة هذه المرة. “لا أعرف… الأمان مثلًا.” نظر لها طويلًا. ثم رفع يده بهدوء، وأبعد خصلة شعر مبللة عن وجهها. الحركة وحدها جعلت قلبها يرتبك بشكل أزعجها. “كارما…” قال اسمها وكأنه يختبره. ثم اقترب أكثر. “أنا لا أريد أن أكون مجرد شخص ينجو معكِ.” تسارعت أنفاسها قليلًا. “إذن ماذا تريد؟” سألته بصوت أخفض. ابتسم بخفة، ثم قبّلها أخيرًا. قبلة هادئة. دافئة. وبطيئة بشكل يناقض كل الفوضى التي عاشوها. وللمرة الأولى… كارما لم تمزح. لم تهرب. لم تتظاهر بالبرود. بل أغمضت عينيها فقط، وتركت نفسها معه. كأن الاثنين يعترفان بشيء لم يقولا اسمه بعد. أما في الغرفة الأخرى… فكان الوضع مختلفًا تمامًا. لارا كانت واقفة قرب النافذة، ترتدي قميصًا أسود واسعًا، وشعرها ما زال رطبًا بعد الاستحمام. الضوء الخافت جعلها تبدو هادئة… لكن جواد يعرفها. ويعرف أن الهدوء عندها دائمًا يسبق العاصفة. “تراقبني مجددًا.” قالتها دون أن تلتفت. كان جالسًا على طرف السرير، عيناه لا تتركانها منذ دقائق. “لأنكِ جميلة بشكل يستفزني.” ابتسمت بخفة دون وعي. ثم التفتت نحوه أخيرًا. وهنا فقط… شعر جواد بذلك الاختناق القديم. ذلك الشيء الذي يصيبه كلما نظر لها وكأنه يراها لأول مرة. اقترب منها ببطء. حتى أصبحت المسافة بينهما شبه معدومة. “اليوم حين فقدتُك…” بدأ كلامه بصوت منخفض. ثم توقف للحظة. “فهمت أنني لن أتعافى منكِ أبدًا.” تغير شيء بعينيها فورًا. شيء ناعم جدًا… لا يظهر منها إلا له. “هذا ليس اعترافًا رومانسيًا جيدًا.” همستها خرجت قريبة جدًا من شفتيه. “لا يهم.” قالها، ثم جذبها إليه بعنف مشتاق. القبلة هذه المرة كانت مختلفة. ليست هادئة ككل مرة يحاول تهدئتها. بل مليئة بكل التوتر، والخوف، والاشتياق الذي كاد يمزقهما خلال الأيام الماضية. لارا اندمجت معه فورًا. بقوة. بجنون. وكأنها تحاول محو كل شيء سيئ حدث الليلة. يداه أمسكتا خصرها بقوة، بينما أصابعها تشبثت بقميصه وكأنها ترفض ابتعاده حتى للحظة. “أنتِ لي.” همسها خرجت قرب عنقها بأنفاس متقطعة. ضحكت بخفوت رغم اضطرابها. “مهووس.” “بكِ؟ نعم.” ثم قبّلها مجددًا بعنف أكبر، بينما هي لم تحاول تهدئته أصلًا. بل كانت تشتعل معه بنفس الجنون. الخوف الذي عاشاه قبل ساعات… تحول الآن لشغف حاد. كأنهما يتأكدان أن الآخر ما زال حيًا بين ذراعيه. وفي غرفة ثالثة… كانت ليلان نائمة أخيرًا. بعد ساعات طويلة من البكاء والانهيار. الضوء الخافت ينعكس فوق وجهها الشاحب، وأنفاسها خرجت متعبة حتى أثناء النوم. أما آدم… فكان جالسًا على الكرسي المقابل للسرير بصمت. منذ أكثر من ساعة. لم يتحرك تقريبًا. فقط يراقبها. يتأكد أنها لا ترتجف. أنها تتنفس بهدوء. وحين تحركت قليلًا أثناء نومها، توتر جسده كاملًا دون وعي. ثم تنفس ببطء، وأشاح عينيه للحظة. لا يفهم ما الذي يحدث له. ولا لماذا يشعر بالغضب كلما تذكر نظرتها المنكسرة. شفقة. كررها داخل رأسه مجددًا. لكن للمرة الأولى… لم يعد مقتنعًا تمامًا. أما سليم… فلم يستطع النوم أصلًا. خرج وحده قبل الفجر بقليل، يسير في الشوارع الرطبة القريبة من الميناء. المدينة كانت شبه فارغة بهذا الوقت. هادئة بشكل غريب. دخل متجرًا صغيرًا ما زال مفتوحًا، واشترى طعامًا، حليبًا للأطفال، وأدوية بسيطة. وخلال عودته… توقف للحظة أمام البحر. ينظر للمياه المظلمة بصمت طويل. قبل أن يتحول كل شيء إلى حرب. ثم همس بتعب: “كم بقي منا فعلًا؟” وفي المنزل… كانت الليلة تستمر بهدوئها النادر. هدوء مؤقت. كأن العالم منحهم استراحة قصيرة فقط…الإنذار داخل المختبر لم يتوقف.الضوء الأحمر كان يومض بعنف فوق الجميع، وصوت التحذير المعدني يتكرر بلا رحمة.“Security breach detected.”“Initiating lockdown.”لكن لا أحد كان يركز معه الآن.لأن لارا كانت ما تزال على الأرض، تتنفس بصعوبة، وعيناها فارغتان بشكل مرعب.“لارا.”جواد أمسك وجهها برفق، محاولًا إجبارها على التركيز عليه.“انظري إليّ.”لكنها لم تكن تراه.كانت ترى الدم.الكثير من الدم.صوت أمها وهي تبكي.“خذهما واهرب!”صوت تحطم الزجاج.صرخة ليلان الصغيرة.ثم—الرصاصة.شهقت بعنف وكأنها عادت للتو من الغرق.ثم دفعت يد جواد فجأة، وقفت مترنحة، وعيناها اتجهتا مباشرة نحو الشاشة.نحو والدها.“أنت قتلتها…”همستها خرجت مرتجفة، لكنها كانت مليئة بشيء أخطر من البكاء.الكراهية.الرجل على الشاشة ظل ينظر إليها بهدوء بارد.“نعم.”قالها ببساطة.“وفعلت ما كان يجب فعله.”انفجر الغضب داخلها فجأة.أطلقت النار على الشاشة مرة أخرى.الزجاج تناثر بكل مكان، لكن صورته ظهرت مجددًا على شاشة أخرى.ثم أخرى.ثم أخرى.حتى بدا وكأن المختبر كله يراقبهم بعينيه.“أنت مريض!”صرخت ليلان وهي تبكي.“كانت أمنا!”“وكانت خائنة.
الصمت داخل المختبر أصبح خانقًا بعد كلمات والد لارا.“لأن المرحلة الأخيرة بدأت أخيرًا.”الأضواء الحمراء كانت تومض فوقهم بعنف، تعكس ظلالًا مشوهة على الوجوه المتوترة.لكن لارا لم تعد ترى شيئًا حولها.كانت تنظر فقط إلى وجه أبيها على الشاشة.نفس النظرة القديمة. نفس البرود. ونفس الإحساس المقرف الذي كان يجعلها تشعر دائمًا أنها ليست “ابنته”… بل شيء يملكه.“ما الذي تقصده؟”سأل سليم بحدة.لكن الرجل تجاهله تمامًا.عيناه بقيتا مثبتتين على لارا.وكأن باقي الموجودين غير مهمين أصلًا.“كبرتِ أكثر مما توقعت.”قالها بهدوء غريب.“لكن ما زلت أراكِ بوضوح.”“وأنا لا أريد رؤيتك أصلًا.”ردت لارا ببرود قاتل.ابتسم.ابتسامة صغيرة باردة جدًا.“الكراهية دائمًا كانت تليق بكِ.”جواد تحرك خطوة أمامها فورًا.“لا تتحدث معها.”قالها بصوت منخفض، لكن خطير بما يكفي ليجعل حتى آدم ينظر له بحذر.هذه المرة…نظر الأب إليه أخيرًا.وصمت لثوانٍ طويلة.ثم ضحك بخفوت.“ما زلت حيًا إذًا.”“للأسف بالنسبة لك.”رد جواد ببرود.لكن الرجل لم يبدُ منزعجًا.بل نظر إليه بطريقة جعلت التوتر يزداد داخل المكان.كأنه ينظر لشيء صنعه بنفسه… ثم خرج
الانفجار ابتلع الممر بالكامل.الحرارة اندفعت خلفهم كوحش هائج، والهواء نفسه تحول إلى كتلة نارية دفعت الجميع بعنف للأمام.لارا فقدت توازنها فورًا، لكن جواد جذبها إليه قبل أن ترتطم بالأرض.ثم سقطا معًا فوق المياه القذرة التي غمرت أرضية الممر.الصراخ، الدخان، وصوت المعدن المنهار…كل شيء اختلط بشكل مرعب.“الأطفال!”صرخت ليلان وسط الفوضى.“هم معي!”ردت كارما وهي تحاول حماية طفل صغير بجسدها بينما ياسين يسندها من الخلف.أما سليم فكان يسعل بعنف، وقد امتلأ وجهه بالغبار والدماء الصغيرة الناتجة عن الشظايا.“تحركوا!”صرخ آدم رغم الألم الوحشي بذراعه المصابة.“السقف ينهار!”وبالفعل…بدأت التشققات تنتشر فوقهم بسرعة.قطع معدنية ضخمة سقطت خلفهم، وأغلقت الممر الذي أتوا منه بالكامل.توقف الجميع للحظة، ينظرون للخلف بصمت ثقيل.التجربة رقم تسعة…اختفى.ابتلعه الانفجار.لكن كلماته الأخيرة بقيت عالقة داخل رأس جواد كطعنة.“لا تدعهم يعيدونك للقفص…”أنفاسه أصبحت أثقل، والأصوات داخل رأسه عادت مجددًا بشكل أبعد وأضعف.لارا لاحظت شروده فورًا.“جواد.”همست وهي تمسك يده.نظر لها ببطء، وكأنه عاد للتو من مكان بعيد جدًا.
الصمت الذي أعقب كلمات جواد كان أسوأ من صوت الإنذار نفسه.“إنه أحد المختبرات القديمة.”الضوء الأحمر الخافت جعل الممر يبدو كأنه جزء من كابوس قديم.الجدران المعدنية المتآكلة. المياه القذرة تحت أقدامهم. ورائحة الصدأ والدم القديم…كل شيء بالمكان بدا ميتًا.لكن ليس مهجورًا.ليلان ضمت الأطفال إليها فورًا.“ماذا يعني مختبر؟”سألت بصوت مرتبك وخائف.جواد لم يجب مباشرة.كانت عيناه تتحركان ببطء فوق الجدران، وكأن المكان يوقظ داخله ذكريات لا يريدها.أما كيان…فنظرته أصبحت أكثر حذرًا لأول مرة.“لم يكن من المفترض أن يبقى هذا المكان موجودًا.”قالها بهدوء.سليم ضحك بسخرية عصبية.“رائع. كل دقيقة نكتشف أن حياتنا أسوأ مما توقعنا.”لكن آدم لم يكن ينظر إلا لجواد.لاحظ شحوب وجهه. توتر كتفيه. ويده التي انقبضت بقوة حتى برزت عروقها.“جواد.”قالها بهدوء هذه المرة.“هل تستطيع المتابعة؟”صمت لثوانٍ.ثم أومأ ببطء.لكن لارا عرفت فورًا أنه يكذب.لأنها كانت تشعر بارتجاف يده.اقتربت منه أكثر دون كلام، فنظر لها للحظة قصيرة.لحظة ممتلئة بتعب هائل.“إذا شعرت بأي شيء غريب… تخبرني فورًا.”همست.ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.متع
صوت انهيار الصخور فوق النفق أصبح أعلى من الرصاص نفسه.الغبار ملأ الهواء، والجدران بدأت تهتز بعنف متقطع جعل الجميع يشعر أن المكان سيسقط فوق رؤوسهم بأي لحظة.لكن رغم ذلك…لم يتحرك أحد لثوانٍ.---لأنهم كانوا ينظرون فقط إلى جواد.المنهار بين ذراعي لارا.---أنفاسه كانت مضطربة بشكل مؤلم، وجسده يرتجف بعنف، وكأنه خرج للتو من حرب داخل عقله.أما لارا…فكانت تضمه بقوة، يدها تمر فوق شعره ببطء، وكأنها تحاول إعادته لنفسه قطعة قطعة.---ليلان حبست دموعها بصعوبة.حتى آدم، الذي رفع سلاحه قبل دقائق نحوه، خفضه ببطء الآن.---أما كيان…فظل يراقب بصمته المرعب المعتاد.لكن تلك النظرة الغامضة لم تختفِ من عينيه.---“علينا التحرك.”قالها سليم أخيرًا بعصبية وهو ينظر للسقف المتشقق.“النفق سينهار بالكامل.”---صوت انفجار آخر دوّى بعيدًا، ثم تبعته صرخات رجال المنظمة من الممر الأمامي.---“إنهم يدخلون من الجهة الثانية أيضًا!”صرخ حسام.---كارما أمسكت الأطفال بسرعة أكبر.“أقسم إذا متنا داخل هذا المكان سألعنكم جميعًا.”---رغم التوتر…خرجت ضحكة قصيرة متعبة من ياسين.ثم اقترب منها سريعًا، وأخذ طفلًا من بين ذراعيه
صوت الرصاص داخل النفق كان يقترب بسرعة مرعبة.صرخات الرجال. ارتطام الأحذية بالأرض المبللة. وأصوات الأطفال الخائفة…كل شيء اختلط داخل فوضى خانقة جعلت التنفس نفسه صعبًا.“لارا تحركي!”صرخ آدم من عند باب الممر السفلي وهو يساعد طفلين على النزول بسرعة.لكنها لم تبتعد عن جواد.كان جالسًا على ركبتيه الآن، يداه تضغطان رأسه بعنف، وأنفاسه خارجة بشكل متقطع ومؤلم.وكأن حربًا كاملة تدور داخل عقله.“جواد…”همست وهي تمسك وجهه مجددًا.“اسمع صوتي.”عيناه رفعتا نحوها ببطء.متعبتان. ضائعتان. وممتلئتان برعب لم تره فيه من قبل.“اهربي…”خرجت منه بصعوبة.“قبل أن—”رصاصة اخترقت الجدار قربهما.تناثر الحجر فوق كتف لارا، فالتفت الجميع فورًا.“إنهم دخلوا!”صرخ ياسين وهو يطلق النار نحو الممر الرئيسي.حسام كان يدفع الأطفال للداخل بسرعة.“تحركوا! بسرعة!”أما كيان…فما يزال واقفًا وسط الفوضى بهدوء مقلق.يراقب فقط.سليم أمسك ذراعه بعنف.“إما أن تتكلم أو تبتعد من أمامنا!”كيان أبعد يده ببرود.“لن ينجو أحد إذا فقد السيطرة بالكامل.”“ماذا يحدث له؟!”صرخت لارا.كيان نظر لها للحظة.ثم قال:“هناك أوامر مزروعة داخل عقله.”ال







