LOGINبمجرد أن أغلق فيكتور الباب خلفه، نهض ماركوس عن الطاولة كالمجنون وعيناه تتطاير منهما شرارات الغضب. اندفع إلى الخارج وتبع فيكتور في الممر المظلم، وقبل أن يصل فيكتور إلى الباب الخارجي، انقضّ عليه ماركوس وأمسك به عنوة من ياقة قميصه الأسود بعنف، وصاح بنبرة مخنوقة ومرتعبة: ماركوس - هل أنتَ مغفل؟! لماذا تتفوه بهذا الكلام اللعين أمام أبي؟! لم يهتز فيكتور، بل ظل واقفاً بكل برود وجفاء، وأنزل نظراته الرمادية الساخرة ببطء نحو يد ماركوس الممسكة بياقته، وأجابه بنبرة هادئة ومستفزة: فيكتور - ولماذا لا أقول؟ اشتدت قشعريرة الغضب في جسد ماركوس وهزّه بقوة قائلاً: ماركوس - هل تريد فضح أمري وجلب المتاعب لنا، أم ماذا دهاك؟! أطلق فيكتور ضحكة خافتة وباردة، ثم ضيق عينيه ونظر في عمق عيني ماركوس ملقياً بكلمات كالصخر: فيكتور - إذا كنتَ تخاف من عواقب ما تفعله في الخفاء، فلا تفعله من الأساس.. لا تفعله وتجلس أمامي ترتجف كجرذ ذليل، أنا لا أخاف من أفعالي أبداً. جزّ ماركوس على أسنانه وقال بكبرياء جريح: ماركوس - لا تقارن نفسك بي إطلاقاً! فيكتور - ولِمَ لا؟ أنا على الأقل تخلصتُ من المشكلة
لم تكمل الخادمة كلامها المرتجف، حتى انقطع صوتها تماماً ودُفع الباب الخشبي الثقيل. اقتحم فيكتور المكان بخطوات بطيئة، باردة، وممزوجة بتحدٍّ صارخ خرق هدوء القاعة. جال بعينيه الرماديتين على الوجوه، ثم أطلق ضحكة ساخرة رنت في أرجاء الغرفة وهو يقول برداءة: فيكتور - أووه.. العائلة جميعها مجتمعة هنا؟ يبدو أنني اخترتُ التوقيت المناسب تماماً. تصلب مارسيل في جلسته، وضرب بكفه على حافة الطاولة، وخرج صوته جهورياً قاطعاً: مارسيل - ماذا تفعل هنا؟ هل يعلم ابوك بقدومك ؟ لم يهتم فيكتور بغضب الزعيم العجوز، بل مشى ببرود مستفز باتجاه الطاولة، وسحب مقعداً وجلس بثقة مقابل مارسيل تماماً، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة تقطر بكل خبث، ومال بجسده قائلاً: فيكتور - يبدو أن والدي لم يعد يستطيع حضور الاجتماعات.. كما أنني سمعتُ أن منزلكَ أصبح أكثر حيوية مؤخراً. نظر إليه مارسيل بنظرات ثاقبة، وقالك بجفاف: مارسيل - وصلتك أخبار كثيرة على ما يبدو. هز فيكتور كتفيه بـلا مبالاة، وأدار كأساً فارغة أمامه وهو يجيب: فيكتور - يصعب ألا تصل.. أحد الأبناء يُسمم أخاه، والآخر يرد بإطلاق النار على رجال أخيه
وجدتُ سواراً من حجر اليشم الأخضر. رفعته بدهشة وقلت: لوسيا - إنه جميل جداً… شكراً لك. ابتسم ماركوس بثقة. ماركوس - كنت أعلم أنه سيلائمك ، انه حجر اليشيم معروف جداً بجماله وسعره شعرتُ بنظرات إيفان الحادة تستقر على أخيه للحظات قبل أن يعود لتناول الطعام مارسل - كيف تعرفتِ إلى إيفان يا صغيرتي؟ كنتُ أعلم أن هذا السؤال سيُطرح، لكن عندما سمعته بأذني ازداد توتري. ألقيتُ نظرة سريعة نحو إيفان، لكنه لم يساعدني إطلاقاً. لوسيا - بالصدفة. شعرتُ أن إجابتي لم تكن كافية، فأضفتُ بسرعة: لوسيا - التقينا أكثر من مرة… ثم اعتدنا الحديث. ابتسم مارسيل وقال: مارسيل - أجمل قصص الحب تبدأ بصدفة. لوسيا - نعم، أنت محق يا سيد مارسيل. ثم سألني مجدداً: مارسيل - هل هو رومانسي معك ؟ لوسيا - اختنقت بالماء الذي كنت اشربه واجبت نعم ، يحاول ان يكون في الحقيقه مارسل - وهل يتحدث معكِ، أم أنه دائماً مشغول بعمله؟ ابتسمتُ قليلاً وأجبت: لوسيا - أنا من أتحدث معه كثيراً، وربما ضاق ذرعاً بحديثي. ضحك مارسيل على مزحتي، ثم قال: مارسيل - وما أكثر شيء يعجبكِ فيه؟
[منظور فيكتور ] وقفتُ أمام المرآة أعدل أزرار قميصي الأسود ببطء. ارتديتُ الساعة في معصمي، ثم رفعتُ رأسي أتأمل انعكاسي. ابتسمت. كم مضى منذ آخر مرة شعرتُ فيها بهذا الفضول نفضتُ طرف سترتي وأخذتُ مفاتيح سيارتي. فيكتور - لنرَ إذن… أي نوع من الرجال جعل الجميع يتحدث عنه بهذه الطريقة. أشعلتُ سيجارة وغادرتُ المكان. طوال الطريق كانت كلمات ماريتا تتردد في رأسي. “إيفان ليس شخصاً يمكنك العبث معه.” ضحكتُ ساخراً. منذ متى أصبحتُ أخاف الرجال؟ خصوصاً أولئك الذين لم أقابلهم بعد. أخذتُ نفساً عميقاً من سيجارتي. ثم همستُ: فيكتور - أرضِ فضولي يا إيفان… ولا تخيب ظني [من منظور ماريتا] اليوم هو العشاء المنتظر لعائلة مارسيل. يبدو في الظاهر كأنه لا يهتم، لكنني متأكدة أنه متشوق لرؤية حبيبة ابنه الغالي. جهزتُ العشاء، ووضعتُ الأطباق والأكواب الفاخرة مع الشموع والزهور على الطاولة، وكان كل شيء جاهزاً. ارتديتُ فستاني وحليّ الكاملة. دخل مارسيل إلى الغرفة وبيده ربطات عنق، وسألني: مارسيل - أي واحدة أضع؟ أجبتُه بابتسامة: ماريتا - الزرقاء يا عزيزي، تتماشى مع بذلتك. ما
[من منظور ماريتا ] أطفأتُ شاشة هاتفي ببطء وأنا أراقب فيكتور من خلف سحابة الدخان المتصاعدة. كان يجلس أمامي مسترخياً على مقعده الجلدي، يعقد ساقاً فوق الأخرى وكأنه في نزهة هادئة، لكنني أعرف جيداً نوعية هذا الرجل… الرجال أمثاله لا يسترخون أبداً. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة وهو يدير كأسه بين أصابعه وقال: فيكتور - يبدو أن ابن زوجكِ اقترب كثيراً من الحقيقة. شعرتُ بالتوتر يتسلل إلى عنقي، لكنني حافظتُ على هدوئي وأجبته: ماريتا - أعرف ذلك. أطلق ضحكة خافتة وهو يهز رأسه. فيكتور - لا… لا أظن أنكِ تفهمين حجم المشكلة. ضيقتُ عينيّ نحوه. ماريتا - وما الذي لا أفهمه؟ مال بجسده إلى الأمام قليلاً وقال بنبرة هادئة أربكتني أكثر من الصراخ: فيكتور - إيفان لا يحقق في الحبوب فقط… إنه يحقق فيكِ أنتِ أيضاً. تجمدتُ للحظة. ماريتا - ماذا تعني؟ ارتشف رشفة من شرابه قبل أن يجيب: فيكتور - أعني أنه وصل إلى المعرض. ووصل إلى اللوحات. وربما وصل إلى أكثر مما تتوقعين. اشتدت قبضتي حول حقيبتي فوراً. ماريتا - كيف عرفت ذلك؟ ابتسم باستخفاف. فيكتور - لأنكِ لستِ الوحيد
[من منظور إيفان] حلّ المساء، وعدتُ إلى القصر والبرود يغلف ملامحي، وعقلي مثقل بأسرار القبو ومؤامرات ماريتا. صعدتُ الأدراج متجهاً إلى جناحي، وأثناء سيري في الممر المظلم، لمحتُ باب غرفة لوسيا موارباً ومفتوحاً قليلاً. توقفت خطواتي تلقائياً. اقتربتُ من الباب بحذر صامت، وجسدي كله تحفز عندما سمعتُ صوت صنبور المياه يتدفق من داخل حمام غرفتها.. كانت تغتسل . نظرت ، فوجدتُ القطة الصغيرة نائمة بسلام فوق الطاولة. مشيتُ باتجاهها، ولفت انتباهي أنها كانت تفترش جسدها فوق ورقة بيضاء. دفعتُ الباب بخفة ودخلتُ بخطوات لا تصدرتاً مددتُ يدي ببطء، وأبعدتُ القطة النائمة قليلاً دون أن أوقظها.. "...وسحبتُ الورقة. تصلبتُ في مكاني، وشعرتُ ببرودة مفاجئة تسري في أطرافي! لقد كانت صورتي.. رسمتني أنا! حدقتُ في تفاصيل الرسمة بصمت؛ لم تكن نظرة عيوني في الورقة حادة، قاسية، ومحملة بالموت كالعادة.. بل كانت عيناي تبدوان أكثر راحة، أكثر استرخاءً وصفاءً. كانت ملامحي على تلك الورقة تحمل سلاماً لم أختبره في حياتي قط. سلاماً ظننتُ أنني دفنته مع طفولتي الراحلة. انحنيتُ قليلاً، وتأملتُ الخطوط بأصابعي، وتلمستُ تفاصيل