LOGINخيّم صمت ثقيل على مكتب المدير التنفيذي، لا يقطعه سوى عقرب الساعة الجدارية الذي بدا أعلى صوتًا من المعتاد. كانت الشمس تميل نحو الغروب، وشعاعها الأحمر يتسلل عبر الواجهة الزجاجية فيصبغ الطاولة بلون الدم.
جلس لوكا في مقعده الجلدي، وأصابعه مشبّكة أمامه. وقف الرجال الثلاثة قبالته: باركر وهاريس وويلز، وفي يد باركر ملف رقيق ترتجف حوافّه. — سيدي، انتهينا من الفحص. — وماذا وجدتم؟ — جاء صوت لوكا منخفضًا، خاليًا من أي انفعال. ابتلع باركر ريقه. — فحصنا هواتفنا وحساباتنا وسجلات دخولنا إلى الخوادم منذ شهر كامل. وراجعنا كاميرات الطابق، وبصمات الدخول، وحتى سجلّ الطباعة. لا شيء يا سيدي. لا رسالة، ولا مكالمة، ولا نسخة واحدة. المسرِّب ليس أحدنا. رفع لوكا عينيه ببطء. — كرّرها. — ليس أحدنا يا سيدي. أقسم لك... — لا أريد قسمًا. — قاطعه لوكا. — أريد تفسيرًا. الأرقام السرية لم يعرفها سواكم. فإن لم يكن أحدكم، فمن؟ — لا نعرف. — تلعثم هاريس. — ربما هناك رجل رابع. — أحدهم رأى الملف دون أن نعلم يا سيدي. — أضاف ويلز بصوت متحشرج. — لا يوجد تفسير آخر. — رأى الملف؟ — رفع لوكا حاجبه. — في أي غرفة؟ على أي شاشة؟ أمام أي عين؟ — لا نعرف بعد. سقطت كلمة «رابع» في الغرفة كحجر في بئر عميقة، وتردد صداها في صمت لا يجرؤ أحد على كسره. نهض لوكا فجأة، فارتدّ المقعد خلفه واصطدم بالزجاج. قبض يده وضرب سطح الطاولة، فارتجّت الأقلام والأوراق. — رجل رابع؟ تقفون أمامي بعد سبعة أشهر من العمل لتخبروني أن في شركتي خائنًا لا تعرفون اسمه؟ كم تقاضيتم لتحرسوا هذه الأرقام؟ أجيبوني! تراجع ويلز خطوة. وفي اللحظة نفسها، حين مال لوكا إلى الأمام، انزلقت القطعة الحريرية في جيبه الداخلي، واحتكّت بصدره العاري تحت القميص. كان القماش ما زال محتفظًا برطوبة خفيفة لم تجفّ بعد، وبرائحة تعرفها روحه قبل أنفه. توقفت الكلمات في حلقه. اتسعت عيناه لحظة، ثم ارتخى فكّه المشدود. اختفى الاحمرار من عنقه، وانفرجت قبضته ببطء كأن يدًا غير مرئية فتحتها إصبعًا إصبعًا. خرج من صدره نفس طويل مرتجف، وعلى أثره صوت خافت لم يسمعه أحد منهم من قبل: أنّة مكتومة، متهدجة، أقرب إلى الاستسلام. — آه... تبادل الرجال الثلاثة نظرة ذاهلة. رمش باركر مرتين. قبل ثانية كان الرجل أمامه على وشك أن يقتلهم جميعًا، أما الآن فقد استند إلى الطاولة بكلتا يديه ورأسه مائل قليلًا، كمن تجرّع كأسًا من الخمر دفعة واحدة. عيناه نصف مغمضتين، وأنفاسه ثقيلة، وعلى شفتيه ما يشبه الابتسامة و كأنه يقول : —(هنا يا صغيرتي... دادي هنا. اهدئي... دادي لن يغضب الآن.) تحرك لوكا قليلًا ليعتدل، فاحتك الحرير بصدره من جديد، فانحنى كتفاه وتأوّه مرة أخرى، أخفض هذه المرة، بصوت يكاد يكون همسًا. — سيدي؟ — جاء صوت باركر حذرًا. — هل أنت بخير؟ — بخير. — خرج الصوت ناعمًا بغرابة. — بخير تمامًا. — إن كنت تحتاج إلى قسط من الراحة يا سيدي... — تجرأ ويلز. — الراحة؟ — ابتسم لوكا ابتسامة مسترخية أربكتهم أكثر مما أربكهم غضبه. — لم أشعر في حياتي بمثل هذه الراحة. هذا بالضبط ما يخيفني. سار نحو النافذة بخطوات بطيئة متثاقلة، وكل خطوة تحرّك القماش على صدره فتخرج من حلقه أنفاس مبحوحة لا يستطيع كتمها. كان يقاوم الابتسامة ويفشل. وقف هاريس مشدوهًا؛ فثلاثون عامًا من العمل مع كبار رجال الأعمال لم تُرِه مثل هذا المشهد. — من أين لك هذا الهدوء يا سيدي؟ — لم يتمالك ويلز نفسه. — قبل لحظة فقط... — الجميع للخارج. لم يتحرك أحد من مكانه و كأن صوته كان مرتخيا لدرجة أنه لم يُسمع مرّر لوكا كفّه على جبهته، ثم على وجهه كله، وحين رفعها كان قد استعاد بعض ملامحه الباردة، لكن بقي في عينيه بريق غريب لا يليق بهذه الساعة. — اخرجوا الآن. ابحثوا عن الرجل الرابع. لديكم الليلة كلها. ومن يحمل لي خبرًا آخر غير اسمه... فلا حاجة لي به. وإن تسرّب شيء جديد قبل أن أعرف من هو، فستدفعون الثمن من حياتكم لا من رواتبكم. خرج الرجال الثلاثة بخطوات متعجلة. وحين أُغلق الباب خلفهم، أسند لوكا ظهره إلى الجدار الزجاجي وأغمض عينيه. أخرج القطعة السوداء من جيبه بأصابع مرتجفة، وضغطها على صدره كمن يخشى أن تُنتزع منه، وهمس: «هذا كل ما أحتاجه. أنتِ فقط». ثم أعادها إلى مكانها بحذر شديد. وفي الممر همس هاريس: — هل رأيتما ما رأيت؟ ما الذي أصاب الرجل؟ — لا أعرف. — أجاب باركر وهو يمسح عرقه. — لكنني لا أريد أن أعرف. — هل هو مريض؟ — سأل ويلز. — ما رأيته لم يكن مرضًا. حدّق باركر في الباب المغلق. في متجر فاخر واسع في قلب المدينة، وقف جون بلاك أمام رفوف الحلوى، وفي ذراعه باقة ورد كبيرة من الورد الأبيض والوردي. كان البائعون يختلسون النظر إليه من بعيد، يتهامسون بإعجاب، ولا أحد منهم يعرف أن هذا الرجل ذاته يفاوض على الصفقات بأسنان لا ترحم. وخلفه وقف حارس ضخم بوجه جامد يحمل السلة، لا يجرؤ على إبداء أي رأي في ذوق سيده. حمل لوحين من الشوكولاتة بالحليب، ثم لوحًا ثالثًا من الشوكولاتة بالبندق، ووضعها كلها في السلة. أخرج هاتفه من جيبه، وضغط رقمًا واحدًا، فجاءه الرنين مرة واحدة فقط. — حلوتي. — لانت نبرته على الفور. — أنا في المتجر الآن. أحضرت الشوكولاتة التي طلبتها، والورد أيضًا... لا، لن أنساه. ما نوع رقائق البطاطس التي تريدينها؟ Lays؟ ألديك نكهة محددة؟ أصغى لحظة، فارتسمت على شفتيه ابتسامة صافية. — بطعم اللحم المشوي؟ — ضحك بخفة. — حسنًا يا حلوتي. سأحضر لك كيسين كبيرين، ولن أترك لك عذرًا لتقولي إنني بخلت عليك. سكت مرة أخرى، ثم تغيّر صوته إلى نبرة أرقّ. — وسأحضر لك أيضًا ما لم تطلبيه، فأنتِ يا عمري تستحقين أكثر مما تطلبين أبدًا. ولا تنزلي من الفراش. سأصعد إليك بنفسي حالما أصل. وتذكّري أن غدًا موعد الطبيب، لذلك تناولي عشاءك كاملًا ونامي باكرًا. هل وعدتِني؟ مدّ يده إلى الرف وحمل كيسين من الشيبس بطعم اللحم المشوي، فنظرت إليه الفتاة التي تقف عند الصندوق بدهشة، وكادت تسقط الأكياس من يدها. — هل هي هدية يا سيدي؟ — سألته بصوت متردد. — كل ما في هذه السلة هدية يا آنسة. انها لحبيبة قلبي. ثم دفع الحساب بابتسامته الحانية نفسها، وقد نسي أنه كان قبل ساعة يرفض الماء في بيت خصمه. خرج إلى الرصيف، فاقترب منه الحارس بخطوة سريعة. — سيدي، هل نعود إلى الشركة؟ هناك أخبار عن... — لا. — قاطعه جون دون أن يلتفت. — إلى البيت أولًا. اليوم حلوتي أهم من كل الصفقات. وإن سأل أحد، فأنا في اجتماع. --- في غرفته بالقصر الرئيسي، كان إيثان يذرع الأرض ذهابًا وإيابًا، وقد تورّمت أصابعه من اللكمة، لكنه لم يشعر بها. جلس على حافة السرير، ثم نهض، ثم عاد يجلس، ومرآة الخزانة تعكس وجهًا لا يشبهه: عينان تائهتان، وفكّ متشنج. *(تيليا حاولت قتلها؟)* لم يكن يصدّق. أو لعله لم يرد أن يصدّق. كان يعرف تيليا جيدا إنها اخته الوحيدة يعرفها منذ الطفولة ويعرف نوبات غضبها وأدواتها الصغيرة في الإيذاء، لكن بين جرح الكبرياء وجرح الجسد مسافة لم يتخيل يومًا أن تعبرها. تيليا التي كبرت أمام عينيه، المدللة المتكبرة التي تحب لفت الأنظار... هل تصل بها الغيرة إلى هذا الحد؟ كان يذكر كيف تعضّ شفتها كلما أثنى أحدهم على إيفا و يذكر انها اخافت خادمة لأنهم مدحو قهوتها، وكيف تحوّلت ضحكتها حينها إلى صوت معدني بارد سلم على إيڤا العام الماضي . لكنه ظنّ يومها أن ذلك مجرد غيرة بنات. — مستحيل. — قال بصوت مسموع لغرفة فارغة. — لا يمكن. لكن صورة أنتوني وإصبعه الممدودة نحو الباب عادت تطارده. «الحوادث لا يبتسم أصحابها بعدها». وفي أثرها عادت صورة أخرى لم يدعُها: إيفا في الممر بينما كان يحملها جون بلاك ، حين التقت عيناهما مصادفة و هي بالكاد تأخذ أنفاسها ، ابتسمت ابتسامة صغيرة سريعة، كأنها لم تقصد أن تبتسم ، ابتسامة شخص كان على وشك الموت . أطبق على قبضته. داخل رأسه اصوات تتكلم *(لماذا يؤلمني هذا كل هذا الألم؟ لا ينبغي أن يكون الحب مؤلما هكذا... لكنه كذلك عندما يكون موجها لإيڤا انها ليست مجرد فتاة من فرقة أمه ، إنها إيڤا ، الفتاة التي يحبها منذ عامين دون يقول حتى لنفسه)* *(وأنتوني... ذلك الفتى الذي لا يفارقها، ويمسك ذراعها كل مرة كأنها ملكه. لماذا يضايقني مرآه إلى هذا الحد؟ هل هي غيرة، هل أنا مجنون لا حق لي بالغيرة ، هي حتى لا تعرف مشاعري )* ثم، كمن يوبّخ نفسه، شدّ شعره بقبضته. نظر إلى الباب، ثم إلى الجدار الذي يفصله عن الغرفة المقابلة لغرفتها. شيء ما في صدره انقبض. — لا أحبها. — همس. — لا يمكن أن أحبها. — و كأن لي الخيار أن أحبها أك لا. ولم يصدّق نفسه. نهض وفتح الباب نصف فتحة، وأطلّ على الممر الصامت. كان باب إيفا مغلقًا، وخيط رفيع من الضوء الخافت يتسلل من تحته. وقف لحظة طويلة لا يعرف ما الذي ينتظره، ثم أغلق بابه بهدوء، كما يغلق المرء نافذة على ريح لا يريد الاعتراف ببرودتها. —غدًا سأسأل تيليا وجهًا لوجه، ولن أقبل منها كذبة واحدة. عند حافة الظلام، وقف لوكا أمام نافذة مكتبه الواسعة، ويداه في جيبيه، والمدينة تتلألأ تحت قدميه بآلاف الأضواء الصغيرة. كانت الشمس قد غابت منذ دقائق، ولم يبقَ من النهار سوى خيط برتقالي باهت يتلاشى عند الأفق. رأى انعكاسه في الزجاج: رجل في الأربعين، ببدلة سوداء وعينين متعبتين، يبتسم لشيء لا يراه سواه. لم يكن يرى شيئًا من المدينة. كان يرى فقط وجهًا واحدًا: وجه إيفا وهي تنزل من الحافلة، تضحك لشيء ما، وشعرها يتطاير مع الريح. ارتسمت على شفتيه ابتسامة لا يدري بها. ارتفعت يده اليمنى من تلقاء نفسها نحو صدره، وربتت على الجيب الداخلي بحنو، كما يُربَّت على رأس طفل نائم. عادت إليه تفاصيلها الصغيرة واحدة بعد أخرى: الهودي الأسود الفضفاض، والحقيبة الثقيلة التي حملها عنها ذلك الفتى المزعج ، والضحكة التي لم تكن موجهة إليه. أطبق فكّيه لحظة، ثم ارتخى مرة أخرى تمامًا حين لامست أصابعه القماش. — تبقى القليل فقط يا روح دادي . رنّ هاتفه فجأة على الطاولة خلفه. استدار ببطء، وعبس. كان الرقم على الشاشة غريبًا، لا اسم له ولا ذاكرة. تردد لحظة، ثم مدّ يده وفتح الخط. — من المتحدث؟ لم يأتِه سوى صوت أنفاس هادئة، ثم جاء صوت منخفض من الطرف الآخر، وبدأ يتكلم دون مقدمات. أصغى لوكا. تجمّد في مكانه، حتى يده التي كانت تربّت على صدره قبل لحظة توقفت عن الحركة. وتبدّل لون وجهه شيئًا فشيئًا، حتى اختفت ابتسامته تمامًا. — ماذا؟؟!......خيّم صمت ثقيل على مكتب المدير التنفيذي، لا يقطعه سوى عقرب الساعة الجدارية الذي بدا أعلى صوتًا من المعتاد. كانت الشمس تميل نحو الغروب، وشعاعها الأحمر يتسلل عبر الواجهة الزجاجية فيصبغ الطاولة بلون الدم.جلس لوكا في مقعده الجلدي، وأصابعه مشبّكة أمامه. وقف الرجال الثلاثة قبالته: باركر وهاريس وويلز، وفي يد باركر ملف رقيق ترتجف حوافّه.— سيدي، انتهينا من الفحص.— وماذا وجدتم؟ — جاء صوت لوكا منخفضًا، خاليًا من أي انفعال.ابتلع باركر ريقه.— فحصنا هواتفنا وحساباتنا وسجلات دخولنا إلى الخوادم منذ شهر كامل. وراجعنا كاميرات الطابق، وبصمات الدخول، وحتى سجلّ الطباعة. لا شيء يا سيدي. لا رسالة، ولا مكالمة، ولا نسخة واحدة. المسرِّب ليس أحدنا.رفع لوكا عينيه ببطء.— كرّرها.— ليس أحدنا يا سيدي. أقسم لك...— لا أريد قسمًا. — قاطعه لوكا. — أريد تفسيرًا. الأرقام السرية لم يعرفها سواكم. فإن لم يكن أحدكم، فمن؟— لا نعرف. — تلعثم هاريس. — ربما هناك رجل رابع.— أحدهم رأى الملف دون أن نعلم يا سيدي. — أضاف ويلز
في ردهة القصر الكبير ، وقفت تيفاني بقامة مشدودة وابتسامة مهنية لم تتغير منذ أن نزل جون من الأعلى. أمامها جلس جون بلاك على الأريكة الجلدية، ساقًا فوق ساق، بهدوء رجل يعرف أن البيت الذي يجلس فيه ملك لخصم لا يملك ما يردّ به.كان في التاسعة والعشرين، بوجه منحوت وعينين رماديتين تزنان كل ما حولهما بنظرة واحدة: الثريا الكريستالية، واللوحات الباهظة، والخادمة التي تقف عند الجدار وتحبس أنفاسها. بدلته الفحمية خالية من أي تجعيدة، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة لا تكاد تُرى.أشارت تيفاني إلى الخادمة، فتقدمت بصينية فضية عليها فنجان يتصاعد منه البخار.— زوجي غير موجود الآن يا سيد بلاك، ولم تحدد موعدًا لزيارتك ، لكن حقا مجيئك أنقذ إيڤا ، لولا تدخلك السريع لماتت الفتاة.— لما يا سيدة بينيت ، هل كان خدم المنزل و الحرس ينوون تركها تغرق دون اخراجها ؟ ثم إن المواعيد للذين يخشون ألا يُستقبلوا يا سيدتي.ابتلعت تيفاني الجملة بابتسامتها نفسها. لم يذكر لوكا هذا الرجل أمامها بكلمة قط، ومع ذلك كان يجلس في صالونها كأنه يعرف كل زاوية فيه ، يتكلم معها كأنها متهمة.قالت با
قصر بينيت — غرفة التدريبارتفع صوت تيليا وسط القاعة الفسيحة، وقد اختفت ابتسامتها المتعالية خلف انفعال بدا حقيقيًّا أكثر مما ينبغي.— أتجرؤين على تحدِّي أوامري، آرا؟! أتظنين أن زواجك من الملك سيجعلك ندًّا لي؟!وقفت إيفا في موضعها، مرتدية ثوب المسرحية، وعيناها مثبتتان على تيليا بثبات أربكها.— لست بحاجة إلى أن أكون ندًّا لكِ يا ليدي سيلا. يكفي أنني أملك ما عجزتِ عن امتلاكه؛ كرامتي.تشنج فك تيليا.كانت تكره تلك النظرة الهادئة، تكره الطريقة التي تستطيع بها إيفا انتزاع إعجاب الجميع دون أن تتوسل إليه، وكأن وجودها وحده إهانة شخصية لها.اقتربت منها، متجاوزة العلامة المحددة لموضع الوقوف.— أعيدي الجملة!رفعت إيفا حاجبيها.— انتهى المشهد، تيليا.— قلت أعيديها!— وأنا قلت إن المشهد انتهى.في اللحظة التالية، دفعتها تيليا بكلتا يديها.لم يكن الدفع جزءًا من النص.تراجعت إيفا مترنحة، واصطدمت قدمها بحافة السجادة الممتدة قرب باب الشرفة. حاولت التشبث بذراع تيليا، لكن
قبل السروال الداخلي قبلات صغيرة متلاحقة و هو يهمس:— أعلم أن مدللة دادي متعبة اليوم و حزينة أيضا لكن لا بأس الآن... أنتِ هنا مع دادي الذي حبك أكثر من روحه . أنا وأنتِ فقط. يا صغيرتي الجميلة.وضع قطعة الحرير السوداء بعناية على فخذه، وكأنها مصنوعة من الزجاج. أخذ يملس كل ثنية بأطراف أصابعه، ببطءٍ وبحالةٍ تشبه التعبد. مراقباً القماش تحت أصابعه.همس قائلاً: —آه منك يا أميرة دادي انظري إلى نفسك؛ رقيقة جداً، ومثالية للغاية. أنتِ أجمل شئ في هذا العالم ، أجمل شئ في حياة داديدادي سيدللكِ بلا حدود. —لدي مناقصة غدا عندما اربح سأحضر لك قلادة من العقيق الأحمر و أيضا سأحضر لك فرس عربية أصيلة و أخيرا عندما نكون معا للأبد كل ما عليك أن تخبريني فقط بما ترغبين ، وسيكون طلبكِ مُجاباً قبل بزوغ الفجر.تهدّج صوته وهو يضيف:—أنتِ روح "دادي"... لم تعد لديّ روحٌ خاصة بي.بدأ يعبث بهكما يعبث عاشقٌ مهووسٌ بجسد امرأة.رفعه الى وجهه مجددا يقبله و يشمه و يلعقه في مكان اخر و ع
داخل سيارة المايباخ الفاخرةأغلق لوكا الباب وجلس متجمداً للحظة، بينما كان صدره يعلو ويهبط بوتيرة سريعة للغاية. بدت الحقيبة الجلدية الموضوعة على مقعد الراكب وكأنها تنبض في زاوية رؤيته. و كأن إنسانا حيا يريد الخروج منها تحركت يده نحوها مرة لكنه سحب يده بسرعة و نظر الى بنطاله — تحكم في نفسك لوكا ، ليس هنا يا صغيري مرت دقائق كساعات طويلة خلالها امتدت يده للحقيبة ما يقارب العشر مراتيحاول كبح نفسه جهد المستطيعفجأة لامست أصابعه الحقيبة بتوجس ونظراته محمومةثم هبطت لتلامس بروزاً صلباً وثقيلاً يضغط بقوة ضد بنطاله. شتم بصوت خافت، وأصابعه تنقبض وتنبسط، قبل أن يستسلم أخيراً لرغبته.—تباً... أنا أتضور جوعاً. لم يصبر ليفتح الحقيبة بيدين مرتجفتين مزقها كالممسوس وأخرج منها سروالاً داخلياً من الحرير الأسود.يشبه كثيرا تلك القطعة التي خلعتها إيڤا في غرفة التبديل إن لم تكن هي نفسها وما إن لامس القماش الناعم -الذي بدا مستعملاً قليلاً- باصابعه الطويلة المرتجفة حتى سرت قشعريرة عنيفة
بعد ساعات قليلة فتحت تيفاني باب غرفة النوم بهدوء، كعادتها تمامًا. لم ترسل خادمًا لاستدعائه هذه المرة أيضًا؛ فهي تفضّل أن تأتي بنفسها. وقفت على العتبة لحظة قصيرة وهي تراقب ظهره قبل أن تقول بصوت ناعم: — الغداء جاهز. كان لوكا واقفًا أمام المرآة الكبيرة يضبط أكمام قميصه الأبيض بدقة متناهية. التفت إليها ببطء، وعيناه الهادئتان لم تكشفا عن أي شيء سوى برود مألوف. رد بصوت منخفض: — معي طعامي المفضل هنا في الغرفة. رفعت تيفاني حاجبيها في دهشة خفيفة، واقتربت خطوة: — وما هو؟ أنت ستأكل في غرفتك حقًا؟ منذ متى يا عزيزي؟ابتسم ابتسامة صغيرة نادرة، تلك الابتسامة التي نادرًا ما تظهر إلا في لحظات معينة. مرّ بجوارها وهو يقول: — لا… سآخذه معي وآكله في الشركة.ثم ضحك فجأة. ضحكة قصيرة خشنة غريبة على أذنيها، وغمز لها بعين واحدة قبل أن يخرج من الغرفة بخطوات واثقة ثقيلة. تجمدت تيفاني في مكانها. منذ متى وهو يضحك بهذا الشكل؟ ومنذ متى يغمز؟ لوكا يضحك و يغمز. انها معجزة.ضحكت هي الأخر







