LOGINبعد أقل من نصف ساعة وصلت الحافلة الثانية.
توقفت بهدوء أمام المدخل الرئيسي، وانفتحت أبوابها ليخرج منها شخصان فقط. روبي كانت طويلة القامة، حادة الملامح، وشعرها الأسود القصير يلامس رقبتها بتمرد واضح. ملابسها شبابية بسيطة لكنها تحمل طابعًا خاصًا يجعلها تبدو كمن اعتادت أن تلفت الأنظار دون أن تطلب ذلك. بجانبها سار كييف، أكثر هدوءًا من الجميع، بشعر أسود مسرّح بعناية وعينين داكنتين غائرتين قليلاً. حمل كلٌّ منهما حقيبته الصغيرة وانضمّا إلى المجموعة المنتظرة أمام الباب الضخم. ابتسمت تيفاني ابتسامة مهنية دقيقة، وقالت بصوت واضح: — حسنًا، اكتمل عددكم الآن. سأريكم غرف التبديل. ضعوا أمتعتكم وارتدوا ملابس مريحة. سنأخذ قسطًا من الراحة، ثم نبدأ البروفات. قادتهم عبر الممر الواسع ذي الأرضية المصقولة إلى جناح مخصّص للممثلين الضيوف. كانت الغرف فسيحة، المرايا كبيرة ومضيئة، المقاعد وثيرة، والإضاءة بيضاء ناصعة تُبرز كل تفصيلة. وضع الجميع حقائبهم على الرفوف الجانبية، ثم انسحب كلٌّ منهم إلى غرفته. دخلت إيفا إحدى الغرف الصغيرة وأغلقت الباب خلفها بهدوء. خلعت الهودي الأسود أولاً، ثم البنطلون البوهيمي، ثم ملابسها الداخلية. طوت كل قطعة بعناية فائقة ووضعتها داخل حقيبتها الكبيرة قبل أن ترتدي ملابس التدريب: قميصًا رماديًا فضفاضًا وبنطالًا رياضيًا أسود يلتصق بجسدها قليلاً. وقفت أمام المرآة وتأملت صورتها. قالت بصوت منخفض ممزوج بتوتر وإعجاب خفي: — غرفة القياس أكبر من منزلي. ثم أردفت بحزن مكتوم: — انتبهي لنفسك… أنتِ حتى لستِ ضيفة. حين خرجت وجدت حقيبتها مفتوحة قليلاً على الرف. تأمّلتها لحظة طويلة، ثم أغلقتها بهدوء دون أن تعير الأمر اهتمامًا كبيرًا. ربما تحرّكت أثناء تبديلها لملابسها. أو ربما لم تتحرك. في الطابق العلوي، داخل غرفة نوم لوكا، كان الرجل واقفًا أمام النافذة ويداه مدفونتان في جيبيه. دخلت تيفاني الغرفة وهي تنزع أقراطها الثقيلة. — ما بك؟ تبدو متوترًا منذ الصباح. أجاب دون أن يلتفت إليها: — لست مرتاحًا لوجود هؤلاء الطلاب هنا. وتيليا لا تحبهم. ابتسمت تيفاني ابتسامة متعبة، وألقت الأقراط على التسريحة الخشبية: — تيليا تكره أن يُمدح أحد أمامها. حتى إنها كرهت الخادمة لأننا أثنينا على فنجان قهوتها ذات صباح. لا تأخذ الأمر على محمل الجد. ابنتك تشبهك… لا تحب أن يسرق أحد الأضواء منها. اقتربت منه وطبعت على خدّه قبلة سريعة، ثم خرجت وأغلقت الباب بهدوء. مسح لوكا عن خده أثر القبلة، وارتكزت عيناه على الباب المغلق. فجأة بقي وحيدًا. استلقى على السرير الواسع ويداه خلف رأسه، وعيناه معلّقتان بالسقف الأبيض الناصع. ملأ الصمتُ الغرفة كأنه كائن حي. وعاد المشهد إلى ذاكرته بوضوح مزعج: يد أنتوني تمسك بذراع إيفا حين تعثّرت، والضحكة الخفيفة التي انسابت من شفتيها وهي تنظر إليه. أطبق لوكا فكّيه بقوة حتى أحس بألم خفيف في صدغيه. همس لنفسه بصوت لا يكاد يُسمع: — اللعنة عليك يا لوكا… لماذا لم تقتله؟ ثم أغمض عينيه. في غرفة نوم كبيرة أخرى، كان السرير ضخمًا والملاءات ناعمة كالحرير. ضحكت إيفا بتوتر وهي تلمس الستائر المارونية الثقيلة: — أوه… يبدو هذا حلمًا. أهذه غرفتي؟ هل أنتِ متأكدة يا آنسة بلير؟ أجابت الخادمة الشابة بسخرية باردة: — هذا ما سألته أنا أيضًا يا فتاة. لم تكوني لتحلمي أن تنظفي غرفة كهذه كخادمة… لكنك اليوم ستنامين فيها وحدك. عضّت إيفا شفتيها بقوة، ثم أجبرت نفسها على ابتسامة مفتعلة باردة: — آنسة بلير، أنا أقدّر أنك تعملين بجهد كبير، وربما تكونين مرهقة جدًا الآن. لكنني لا أنظف الغرف. أنا أمثل. أنا لست خادمة لأحد. أنا هنا لأنني ممثلة في هذا المسرح. أنتِ لم تمنحيني شيئًا. رحلت بلير وهي تتمتم بغضب: — وقحة. لمست إيفا الستائر مرة أخرى، ومرّرت أصابعها على القماش المخملي. — غريب… هذا لوني المفضل. كل شيء هنا غريب. خاصة هذا السيد بينيت. دخل كييف وروبي الغرفة فجأة. صاح كييف بصوت عالٍ مملوء بالدهشة: — اللعنة… إيفا، هذه الغرفة أفضل غرفة رأيتها في حياتي! تطل على الحديقة وحمام السباحة… وستائر ملونة. أخذ يتجول داخل الغرفة، يدخل ويخرج، يلمس الأشياء واللوحات المعلقة، ثم اختفى في الحمام ليعود بعد لحظات وهو يقول: — تبا… يوجد أيضًا حمام كبير جدًا وملئ بمواد التجميل والعناية. إنها أفضل غرفة حقًا. أردفت روبي بنبرة حادة: — أجل. باقي الغرف تبدو كأجنحة مستشفى كبيرة… لكن هذه كأنها جناح ملكي لوريث العرش. ضحكت إيفا محاولةً تخفيف التوتر: — الغرفة الأفضل للممثلة الأفضل. قاطعتها روبي بغضب: — بل قولي الغرفة الأجمل لذات الجسد الأجمل، أليس كذلك آنسة موهوبة؟ وضعت إيفا يدها بهدوء على كتف روبي وقالت بصوت منخفض: — توقفي عن تقليد تيليا يا روبي. أنتِ لستِ سيئة. لا تشبهينها. أنتِ فقط غاضبة… حسنا؟ خرج الجميع من الغرفة وبقيت إيفا وحدها. وقفت أمام النافذة الكبيرة تتأمل زهور الحديقة المنتشرة تحت ضوء المساء. هي لا تفهم سبب شعورها بالقلق العميق. لكنها تعرف أن كل من هنا لا يحبها. فهي لا تشبههم. ليست غنية مثل تيليا وأنتوني وكييف، وليست جريئة كروبي. استقرت عيناها على هيدرانجيا وحيدة زرقاء اللون تتمايل قليلاً مع النسيم. — تبا… هذه إحدى زهورها المفضلة أيضًا، ويبدو أنها جاءت حديثًا إلى المكان. أخذت نفسًا عميقًا تلاه آخر ثم ثالث، وقالت بنبرة متوجسة هادئة: — هل هذا طبيعي؟ اللون الماروني… زهور الهيدرانجيا… كل هذه مفضلاتي. هل طبيعي أن تجتمع كلها في مكان واحد؟ بقيت واقفة أمام النافذة دقائق طويلة، تراقب الحديقة وهي تغرق تدريجيًا في الظلام، وتشعر أن شيئًا ما في هذا المكان بدأ يلتف حولها ببطء… دون أن تعرف بعد ما هو.خيّم صمت ثقيل على مكتب المدير التنفيذي، لا يقطعه سوى عقرب الساعة الجدارية الذي بدا أعلى صوتًا من المعتاد. كانت الشمس تميل نحو الغروب، وشعاعها الأحمر يتسلل عبر الواجهة الزجاجية فيصبغ الطاولة بلون الدم.جلس لوكا في مقعده الجلدي، وأصابعه مشبّكة أمامه. وقف الرجال الثلاثة قبالته: باركر وهاريس وويلز، وفي يد باركر ملف رقيق ترتجف حوافّه.— سيدي، انتهينا من الفحص.— وماذا وجدتم؟ — جاء صوت لوكا منخفضًا، خاليًا من أي انفعال.ابتلع باركر ريقه.— فحصنا هواتفنا وحساباتنا وسجلات دخولنا إلى الخوادم منذ شهر كامل. وراجعنا كاميرات الطابق، وبصمات الدخول، وحتى سجلّ الطباعة. لا شيء يا سيدي. لا رسالة، ولا مكالمة، ولا نسخة واحدة. المسرِّب ليس أحدنا.رفع لوكا عينيه ببطء.— كرّرها.— ليس أحدنا يا سيدي. أقسم لك...— لا أريد قسمًا. — قاطعه لوكا. — أريد تفسيرًا. الأرقام السرية لم يعرفها سواكم. فإن لم يكن أحدكم، فمن؟— لا نعرف. — تلعثم هاريس. — ربما هناك رجل رابع.— أحدهم رأى الملف دون أن نعلم يا سيدي. — أضاف ويلز
في ردهة القصر الكبير ، وقفت تيفاني بقامة مشدودة وابتسامة مهنية لم تتغير منذ أن نزل جون من الأعلى. أمامها جلس جون بلاك على الأريكة الجلدية، ساقًا فوق ساق، بهدوء رجل يعرف أن البيت الذي يجلس فيه ملك لخصم لا يملك ما يردّ به.كان في التاسعة والعشرين، بوجه منحوت وعينين رماديتين تزنان كل ما حولهما بنظرة واحدة: الثريا الكريستالية، واللوحات الباهظة، والخادمة التي تقف عند الجدار وتحبس أنفاسها. بدلته الفحمية خالية من أي تجعيدة، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة لا تكاد تُرى.أشارت تيفاني إلى الخادمة، فتقدمت بصينية فضية عليها فنجان يتصاعد منه البخار.— زوجي غير موجود الآن يا سيد بلاك، ولم تحدد موعدًا لزيارتك ، لكن حقا مجيئك أنقذ إيڤا ، لولا تدخلك السريع لماتت الفتاة.— لما يا سيدة بينيت ، هل كان خدم المنزل و الحرس ينوون تركها تغرق دون اخراجها ؟ ثم إن المواعيد للذين يخشون ألا يُستقبلوا يا سيدتي.ابتلعت تيفاني الجملة بابتسامتها نفسها. لم يذكر لوكا هذا الرجل أمامها بكلمة قط، ومع ذلك كان يجلس في صالونها كأنه يعرف كل زاوية فيه ، يتكلم معها كأنها متهمة.قالت با
قصر بينيت — غرفة التدريبارتفع صوت تيليا وسط القاعة الفسيحة، وقد اختفت ابتسامتها المتعالية خلف انفعال بدا حقيقيًّا أكثر مما ينبغي.— أتجرؤين على تحدِّي أوامري، آرا؟! أتظنين أن زواجك من الملك سيجعلك ندًّا لي؟!وقفت إيفا في موضعها، مرتدية ثوب المسرحية، وعيناها مثبتتان على تيليا بثبات أربكها.— لست بحاجة إلى أن أكون ندًّا لكِ يا ليدي سيلا. يكفي أنني أملك ما عجزتِ عن امتلاكه؛ كرامتي.تشنج فك تيليا.كانت تكره تلك النظرة الهادئة، تكره الطريقة التي تستطيع بها إيفا انتزاع إعجاب الجميع دون أن تتوسل إليه، وكأن وجودها وحده إهانة شخصية لها.اقتربت منها، متجاوزة العلامة المحددة لموضع الوقوف.— أعيدي الجملة!رفعت إيفا حاجبيها.— انتهى المشهد، تيليا.— قلت أعيديها!— وأنا قلت إن المشهد انتهى.في اللحظة التالية، دفعتها تيليا بكلتا يديها.لم يكن الدفع جزءًا من النص.تراجعت إيفا مترنحة، واصطدمت قدمها بحافة السجادة الممتدة قرب باب الشرفة. حاولت التشبث بذراع تيليا، لكن
قبل السروال الداخلي قبلات صغيرة متلاحقة و هو يهمس:— أعلم أن مدللة دادي متعبة اليوم و حزينة أيضا لكن لا بأس الآن... أنتِ هنا مع دادي الذي حبك أكثر من روحه . أنا وأنتِ فقط. يا صغيرتي الجميلة.وضع قطعة الحرير السوداء بعناية على فخذه، وكأنها مصنوعة من الزجاج. أخذ يملس كل ثنية بأطراف أصابعه، ببطءٍ وبحالةٍ تشبه التعبد. مراقباً القماش تحت أصابعه.همس قائلاً: —آه منك يا أميرة دادي انظري إلى نفسك؛ رقيقة جداً، ومثالية للغاية. أنتِ أجمل شئ في هذا العالم ، أجمل شئ في حياة داديدادي سيدللكِ بلا حدود. —لدي مناقصة غدا عندما اربح سأحضر لك قلادة من العقيق الأحمر و أيضا سأحضر لك فرس عربية أصيلة و أخيرا عندما نكون معا للأبد كل ما عليك أن تخبريني فقط بما ترغبين ، وسيكون طلبكِ مُجاباً قبل بزوغ الفجر.تهدّج صوته وهو يضيف:—أنتِ روح "دادي"... لم تعد لديّ روحٌ خاصة بي.بدأ يعبث بهكما يعبث عاشقٌ مهووسٌ بجسد امرأة.رفعه الى وجهه مجددا يقبله و يشمه و يلعقه في مكان اخر و ع
داخل سيارة المايباخ الفاخرةأغلق لوكا الباب وجلس متجمداً للحظة، بينما كان صدره يعلو ويهبط بوتيرة سريعة للغاية. بدت الحقيبة الجلدية الموضوعة على مقعد الراكب وكأنها تنبض في زاوية رؤيته. و كأن إنسانا حيا يريد الخروج منها تحركت يده نحوها مرة لكنه سحب يده بسرعة و نظر الى بنطاله — تحكم في نفسك لوكا ، ليس هنا يا صغيري مرت دقائق كساعات طويلة خلالها امتدت يده للحقيبة ما يقارب العشر مراتيحاول كبح نفسه جهد المستطيعفجأة لامست أصابعه الحقيبة بتوجس ونظراته محمومةثم هبطت لتلامس بروزاً صلباً وثقيلاً يضغط بقوة ضد بنطاله. شتم بصوت خافت، وأصابعه تنقبض وتنبسط، قبل أن يستسلم أخيراً لرغبته.—تباً... أنا أتضور جوعاً. لم يصبر ليفتح الحقيبة بيدين مرتجفتين مزقها كالممسوس وأخرج منها سروالاً داخلياً من الحرير الأسود.يشبه كثيرا تلك القطعة التي خلعتها إيڤا في غرفة التبديل إن لم تكن هي نفسها وما إن لامس القماش الناعم -الذي بدا مستعملاً قليلاً- باصابعه الطويلة المرتجفة حتى سرت قشعريرة عنيفة
بعد ساعات قليلة فتحت تيفاني باب غرفة النوم بهدوء، كعادتها تمامًا. لم ترسل خادمًا لاستدعائه هذه المرة أيضًا؛ فهي تفضّل أن تأتي بنفسها. وقفت على العتبة لحظة قصيرة وهي تراقب ظهره قبل أن تقول بصوت ناعم: — الغداء جاهز. كان لوكا واقفًا أمام المرآة الكبيرة يضبط أكمام قميصه الأبيض بدقة متناهية. التفت إليها ببطء، وعيناه الهادئتان لم تكشفا عن أي شيء سوى برود مألوف. رد بصوت منخفض: — معي طعامي المفضل هنا في الغرفة. رفعت تيفاني حاجبيها في دهشة خفيفة، واقتربت خطوة: — وما هو؟ أنت ستأكل في غرفتك حقًا؟ منذ متى يا عزيزي؟ابتسم ابتسامة صغيرة نادرة، تلك الابتسامة التي نادرًا ما تظهر إلا في لحظات معينة. مرّ بجوارها وهو يقول: — لا… سآخذه معي وآكله في الشركة.ثم ضحك فجأة. ضحكة قصيرة خشنة غريبة على أذنيها، وغمز لها بعين واحدة قبل أن يخرج من الغرفة بخطوات واثقة ثقيلة. تجمدت تيفاني في مكانها. منذ متى وهو يضحك بهذا الشكل؟ ومنذ متى يغمز؟ لوكا يضحك و يغمز. انها معجزة.ضحكت هي الأخر







