LOGIN
كان الضوء الخافت يتسلل من بين الستائر الثقيلة، يلامس أرضية غرفة النوم الفسيحة كأنه يتردد في الدخول.
لوكا بنيت كان على الأرض، جسمه ممدود في وضع الضغط، العضلات تتحرك بانتظام قاسٍ تحت قميص التدريب الأسود الضيق. العرق يتصبب على جبينه، لكن عينيه كانتا فارغتين… كأن الجسد هنا والروح في مكان آخر. "صفقة البارحة لم تكن كما توقعت… لكن لا بأس" همس لنفسه رفع نفسه مرة أخرى، والتنفس يخرج من صدره بعمق. "فوق ذلك… كسبت مليارين إضافيين على الأقل" اردف ابتسامة صغيرة باردة مرت على شفتيه ثم اختفت فورًا. فجأة قطع الصمت صرخة حادة جاء من الطابق العلوي. — تيليا! انهضي الآن! المسرحية اليوم وأنا لن أتحمل هذا الكسل مرة أخرى! لوكا توقف عن التمرين، رفع رأسه ببطء. تيفاني لم تكن في الغرفة… كانت في الطابق العلوي تصرخ على ابنتها كما تفعل كل مرة قبل أي عرض. نهض، مسح العرق بمنشفة، وخرج من الغرفة بهدوء القطط. على باب غرفة تيليا، وجد تيفاني واقفة بشعرها المصفف بعناية وفستانها الصباحي الأنيق، بينما الباب نصف مفتوح. تيليا كانت لا تزال ملفوفة في اللحاف، صوتها أجش من النوم: — لن أستيقظ… أنتِ تكررين الحوار نفسه في كل مرة. تيفاني شهقت غيظًا: — واو، إيفا موهوبة بالفطرة! وأنت يا أنتوني تتحسن! أوه، موكي الصغيرة مبدعة! أنا سئمت! يبدو الموضوع كحفلة إهانة لي! ستمدحين الكل ولن توجهي لي كلمة واحدة. أنا أيضًا موهوبة ومبدعة وجميلة وأتحسن… لكن لن يتم مدحي. ببساطة لأن السيدة بنيت العزيزة لا تريد! ثم بصوت أخفض، مليء بالسم: — أكره إيفا اللعينة… لوكا طرق الباب بإصبعه مرتين فقط، بصوت هادئ لكنه يملأ الممر: — تيليا. مسرحية اليوم مهمة. نظرت تيفاني إليه، فسألها بصوت منخفض: — هل ستقومون بالمسرحية هنا في المنزل؟ متى؟ أجابت وهي تضبط سوارها: — مسرح الجامعة تعطّل. ومسرحي الخاص يحتاج وقتًا أطول. ووكالة المواهب مسرحها صغير جدًا… لذلك مسرح القصر مناسب اليوم. انفتح الباب فجأة. تيليا ظهرت بوجه منتفخ من النوم، شعرها البني القصير مبعثر: — أمي دعتهم للإقامة في القصر المجاور الصغير… قصر الضيوف. وحضرت لهم غداء معنا. أعتقد أنكِ تنوين أن تسلمي العمل في الوكالة لإيفا! لوكا وضع يده على كتف ابنته بحنان ظاهري: — اهدئي. أمك لا تقصد شيئًا من هذا. أغلقت تيليا الباب في وجهيهما بقوة، وصوتها جاء مكتومًا من خلف الخشب: — أعلم أن أمي تتمنى لو كانت إيفا مكاني… وأنها ابنتكما بدلًا مني لأنها موهوبة. لكن أنت يا أبي؟ أنا ابنتك الوحيدة وهي غريبة عنك. أمي تحبها لأنها متفوقة… وأنت لماذا تدافع عنها؟ وقف لوكا أمام الباب المغلق، تيفاني خلفه تراقبه. وضع كفه على الخشب وقال بصوت دافئ يفيض بالأبوة: — عزيزتي الصغيرة… أنا لا أحب أحدًا بقدرك، ولا يهمني غيرك. هل يمكنني أن أفضل أحدًا عليكِ؟ هيا… أحضرتُ لكِ الهدية التي كنتِ تريدينها. لكن عينيه لم تكونا هنا. لسانه تحرك همسًا، بصوت لا يسمعه أحد غير نفسه: — آسف يا طفلتي الجميلة… --- في الخارج، توقفت الحافلة الكبيرة أمام البوابة الرئيسية للقصر. الباب انفتح، ونزلت فتاة. إيفا كلارك. جميلة بشكلٍ غير منطقي… كأن الطبيعة قررت أن تبالغ هذه المرة. قوامها ممتلئ وجذاب، خصرها نحيل كأنه منحوت، والمنحنيات الأنثوية تبرز حتى تحت الهودي الأسود الفضفاض والبنطلون البوهيمي الواسع. شعرها يتمايل مع حركتها، ووجهها يحمل تلك الملامح التي تجعل المرء يتوقف لحظة دون أن يدري لماذا. وعلى كتفها حقيبة كبيرة ثقيلة… ملابس الشخصيات، ملابسها لأيام، مكياج، أدوية، أوراق دراسة، ثلاث روايات، وطعام يكفي ليومين لأنها لم تكن تعلم أنهم سيأكلون هنا. بجانبها كان أنتوني… شاب إيطالي الملامح، شعره داكن مموج، وعيناه خضراوان واضحتان، وجسد رياضي تحت قميص بسيط. مد يده بسرعة حين تعثرت إيفا في أول درجة. — حذارِ… أمسكت بذراعه، ضحكت بخفة، ثم رفع الحقيبة الثقيلة وهو يضحك: — هل وضعتِ بيتك كله داخل هذه الحقيبة؟ أم لعلك تنوين سرقة القصر ووضعه فيها؟ هل يوجد أشخاص داخلها؟ ضحكت إيفا بصوت عالٍ صافٍ، فضحك هو أيضًا. — هذا ما لديّ… — حسنًا… لكننا سنقيم عندهم ونأكل عندهم. من المؤكد أن لديهم أغطية ومراوح، لم يكن هناك داعٍ لأن تحضري بطانية ومروحة. في اللحظة نفسها نزلت تيفاني وتيليا ولوكا من السلم الرئيسي. تيليا كانت قد تجهزت في دقائق: فستان أبيض عاجي يلتف حول جسدها، مجوهرات زمرد تتلألأ على عنقها وأذنيها، شعرها البني القصير مصفف بعناية، ومكياج احترافي يخفي أي أثر للنوم. اقتربت من إيفا بحماس مبالغ فيه وابتسامة عريضة مزيفة: — إيفااا! تعالي معي للأعلى… سأريكِ عدة أشياء. هدايا أحضرها والدي بمناسبة أني حصلت على دور «سيلا» في هذه المسرحية. ثم أضافت بنبرة حلوة لكنها مسمومة: — ماذا أحضر لكِ والدك؟ أنتوني نظر إليها بصدمة واضحة… الجميع يعرف أن إيفا يتيمة. اعتذرت تيليا بسرعة: — آسفة حقًا… ثم رفعت حاجبها: — ليس حقًا. لا توجد هدية تكافئ دور «آرا». فهو دور البطولة. ولو كنتُ أخذته كان دادي سيحضر لي أي شيء أطلبه. شددت على كلمة «دادي»، ثم التفتت إلى أبيها بابتسامة مدللة: — أليس كذلك يا دادي؟ لوكا نظر إليها، وصوته جاء هادئًا ودافئًا كالعادة: — هو كذلك… يا روح دادي. وفي داخله، خلف الوجه الهادئ تمامًا، مرّت جملة واحدة فقط: *(محقة يا تيليا… أي هدية تطلبها مدللة دادي… سيقدمها لها).* أنتوني كسر الصمت فجأة: — موكي لن تأتي… سقطت من على الدرج منذ يومين. روبي وكييف سيأتيان في الحافلة التالية. وقف لوكا في الخلف، يراقب الفتاة ذات الهودي الأسود وهي تضحك لشيء قاله أنتوني. يده كانت في جيب بنطاله، مقبوضة بشدة… لكن وجهه لم يتغير قيد أنملة.خيّم صمت ثقيل على مكتب المدير التنفيذي، لا يقطعه سوى عقرب الساعة الجدارية الذي بدا أعلى صوتًا من المعتاد. كانت الشمس تميل نحو الغروب، وشعاعها الأحمر يتسلل عبر الواجهة الزجاجية فيصبغ الطاولة بلون الدم.جلس لوكا في مقعده الجلدي، وأصابعه مشبّكة أمامه. وقف الرجال الثلاثة قبالته: باركر وهاريس وويلز، وفي يد باركر ملف رقيق ترتجف حوافّه.— سيدي، انتهينا من الفحص.— وماذا وجدتم؟ — جاء صوت لوكا منخفضًا، خاليًا من أي انفعال.ابتلع باركر ريقه.— فحصنا هواتفنا وحساباتنا وسجلات دخولنا إلى الخوادم منذ شهر كامل. وراجعنا كاميرات الطابق، وبصمات الدخول، وحتى سجلّ الطباعة. لا شيء يا سيدي. لا رسالة، ولا مكالمة، ولا نسخة واحدة. المسرِّب ليس أحدنا.رفع لوكا عينيه ببطء.— كرّرها.— ليس أحدنا يا سيدي. أقسم لك...— لا أريد قسمًا. — قاطعه لوكا. — أريد تفسيرًا. الأرقام السرية لم يعرفها سواكم. فإن لم يكن أحدكم، فمن؟— لا نعرف. — تلعثم هاريس. — ربما هناك رجل رابع.— أحدهم رأى الملف دون أن نعلم يا سيدي. — أضاف ويلز
في ردهة القصر الكبير ، وقفت تيفاني بقامة مشدودة وابتسامة مهنية لم تتغير منذ أن نزل جون من الأعلى. أمامها جلس جون بلاك على الأريكة الجلدية، ساقًا فوق ساق، بهدوء رجل يعرف أن البيت الذي يجلس فيه ملك لخصم لا يملك ما يردّ به.كان في التاسعة والعشرين، بوجه منحوت وعينين رماديتين تزنان كل ما حولهما بنظرة واحدة: الثريا الكريستالية، واللوحات الباهظة، والخادمة التي تقف عند الجدار وتحبس أنفاسها. بدلته الفحمية خالية من أي تجعيدة، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة لا تكاد تُرى.أشارت تيفاني إلى الخادمة، فتقدمت بصينية فضية عليها فنجان يتصاعد منه البخار.— زوجي غير موجود الآن يا سيد بلاك، ولم تحدد موعدًا لزيارتك ، لكن حقا مجيئك أنقذ إيڤا ، لولا تدخلك السريع لماتت الفتاة.— لما يا سيدة بينيت ، هل كان خدم المنزل و الحرس ينوون تركها تغرق دون اخراجها ؟ ثم إن المواعيد للذين يخشون ألا يُستقبلوا يا سيدتي.ابتلعت تيفاني الجملة بابتسامتها نفسها. لم يذكر لوكا هذا الرجل أمامها بكلمة قط، ومع ذلك كان يجلس في صالونها كأنه يعرف كل زاوية فيه ، يتكلم معها كأنها متهمة.قالت با
قصر بينيت — غرفة التدريبارتفع صوت تيليا وسط القاعة الفسيحة، وقد اختفت ابتسامتها المتعالية خلف انفعال بدا حقيقيًّا أكثر مما ينبغي.— أتجرؤين على تحدِّي أوامري، آرا؟! أتظنين أن زواجك من الملك سيجعلك ندًّا لي؟!وقفت إيفا في موضعها، مرتدية ثوب المسرحية، وعيناها مثبتتان على تيليا بثبات أربكها.— لست بحاجة إلى أن أكون ندًّا لكِ يا ليدي سيلا. يكفي أنني أملك ما عجزتِ عن امتلاكه؛ كرامتي.تشنج فك تيليا.كانت تكره تلك النظرة الهادئة، تكره الطريقة التي تستطيع بها إيفا انتزاع إعجاب الجميع دون أن تتوسل إليه، وكأن وجودها وحده إهانة شخصية لها.اقتربت منها، متجاوزة العلامة المحددة لموضع الوقوف.— أعيدي الجملة!رفعت إيفا حاجبيها.— انتهى المشهد، تيليا.— قلت أعيديها!— وأنا قلت إن المشهد انتهى.في اللحظة التالية، دفعتها تيليا بكلتا يديها.لم يكن الدفع جزءًا من النص.تراجعت إيفا مترنحة، واصطدمت قدمها بحافة السجادة الممتدة قرب باب الشرفة. حاولت التشبث بذراع تيليا، لكن
قبل السروال الداخلي قبلات صغيرة متلاحقة و هو يهمس:— أعلم أن مدللة دادي متعبة اليوم و حزينة أيضا لكن لا بأس الآن... أنتِ هنا مع دادي الذي حبك أكثر من روحه . أنا وأنتِ فقط. يا صغيرتي الجميلة.وضع قطعة الحرير السوداء بعناية على فخذه، وكأنها مصنوعة من الزجاج. أخذ يملس كل ثنية بأطراف أصابعه، ببطءٍ وبحالةٍ تشبه التعبد. مراقباً القماش تحت أصابعه.همس قائلاً: —آه منك يا أميرة دادي انظري إلى نفسك؛ رقيقة جداً، ومثالية للغاية. أنتِ أجمل شئ في هذا العالم ، أجمل شئ في حياة داديدادي سيدللكِ بلا حدود. —لدي مناقصة غدا عندما اربح سأحضر لك قلادة من العقيق الأحمر و أيضا سأحضر لك فرس عربية أصيلة و أخيرا عندما نكون معا للأبد كل ما عليك أن تخبريني فقط بما ترغبين ، وسيكون طلبكِ مُجاباً قبل بزوغ الفجر.تهدّج صوته وهو يضيف:—أنتِ روح "دادي"... لم تعد لديّ روحٌ خاصة بي.بدأ يعبث بهكما يعبث عاشقٌ مهووسٌ بجسد امرأة.رفعه الى وجهه مجددا يقبله و يشمه و يلعقه في مكان اخر و ع
داخل سيارة المايباخ الفاخرةأغلق لوكا الباب وجلس متجمداً للحظة، بينما كان صدره يعلو ويهبط بوتيرة سريعة للغاية. بدت الحقيبة الجلدية الموضوعة على مقعد الراكب وكأنها تنبض في زاوية رؤيته. و كأن إنسانا حيا يريد الخروج منها تحركت يده نحوها مرة لكنه سحب يده بسرعة و نظر الى بنطاله — تحكم في نفسك لوكا ، ليس هنا يا صغيري مرت دقائق كساعات طويلة خلالها امتدت يده للحقيبة ما يقارب العشر مراتيحاول كبح نفسه جهد المستطيعفجأة لامست أصابعه الحقيبة بتوجس ونظراته محمومةثم هبطت لتلامس بروزاً صلباً وثقيلاً يضغط بقوة ضد بنطاله. شتم بصوت خافت، وأصابعه تنقبض وتنبسط، قبل أن يستسلم أخيراً لرغبته.—تباً... أنا أتضور جوعاً. لم يصبر ليفتح الحقيبة بيدين مرتجفتين مزقها كالممسوس وأخرج منها سروالاً داخلياً من الحرير الأسود.يشبه كثيرا تلك القطعة التي خلعتها إيڤا في غرفة التبديل إن لم تكن هي نفسها وما إن لامس القماش الناعم -الذي بدا مستعملاً قليلاً- باصابعه الطويلة المرتجفة حتى سرت قشعريرة عنيفة
بعد ساعات قليلة فتحت تيفاني باب غرفة النوم بهدوء، كعادتها تمامًا. لم ترسل خادمًا لاستدعائه هذه المرة أيضًا؛ فهي تفضّل أن تأتي بنفسها. وقفت على العتبة لحظة قصيرة وهي تراقب ظهره قبل أن تقول بصوت ناعم: — الغداء جاهز. كان لوكا واقفًا أمام المرآة الكبيرة يضبط أكمام قميصه الأبيض بدقة متناهية. التفت إليها ببطء، وعيناه الهادئتان لم تكشفا عن أي شيء سوى برود مألوف. رد بصوت منخفض: — معي طعامي المفضل هنا في الغرفة. رفعت تيفاني حاجبيها في دهشة خفيفة، واقتربت خطوة: — وما هو؟ أنت ستأكل في غرفتك حقًا؟ منذ متى يا عزيزي؟ابتسم ابتسامة صغيرة نادرة، تلك الابتسامة التي نادرًا ما تظهر إلا في لحظات معينة. مرّ بجوارها وهو يقول: — لا… سآخذه معي وآكله في الشركة.ثم ضحك فجأة. ضحكة قصيرة خشنة غريبة على أذنيها، وغمز لها بعين واحدة قبل أن يخرج من الغرفة بخطوات واثقة ثقيلة. تجمدت تيفاني في مكانها. منذ متى وهو يضحك بهذا الشكل؟ ومنذ متى يغمز؟ لوكا يضحك و يغمز. انها معجزة.ضحكت هي الأخر







