Masukكانت رائحة القش الجاف، وصهيل الأحصنة الخافت من الإسطبل المليء بالهدوء تنصهر كلها لتصنع شرنقة معزولة عن العالم الخارجي. غاب قصر تراميل، وغاب جاكسون، وغاب الخوف من افتضاح أمري؛ لم يعد هناك سوى هذا الجسد الدافئ الذي يحتضنني برغبة شريفة وعاتية. كنتُ أغمض عيني وأستسلم للذروة، شاعرةً بأنني أغسل كل الخطايا التي ارتكبتُها تحت سقف القصر. كان فيكتور يهمس باسمي في أذني كترنيمة مقدسة، وأنا أستجيب له بحركات متلهفة، طامرةً رأسي في عنقه لأستنشق رائحة الصابون البسيط التي يحملها، وهي رائحة تختلف كليًّا عن العطور الثقيلة والمصنعة التي يضعها رجال الطبقة الأرستقراطية. في تلك اللحظات، وفي قلب ذلك الكوخ المظلم، شعرتُ أنني حرة حقًّا، وأن هذا الجسد ملك لي وحده وليس مباعًا لأحد. نهضتُ من جانبه مبتعدة قليلًا وأنا أفتش عن ثيابي في العتمة؛ التقطتُها وبدأتُ أرتديها ببطء، ثم التفتُّ أردد جملة يشوبها السؤال والإجابة في آنٍ واحد: "لا شيء تغير.. أليس كذلك؟" سمعتُ حركات نهوضه واحتكاك أنامله بثيابه وهو يرتديها، بينما يجيب همهمتي بنبرة ممتلئة بالحيرة والرجاء المكسور: "ما زلتُ أريد علاقة طبيعية يا مونيكا.. لا زلت
الثاني عشر من مايو تكساس اكتشفتُ اليوم أنه قد مر شهر ويوم كامل على آخر لقاء لي مع فيكتور. تعجبتُ كثيرًا؛ لأن هذا الشهر بدا وكأنه سنة كاملة، ثقيلة، ومملة إلى أقصى حد، أغرقتني في علب تبغ متواصلة، وزجاجات كحول متعددة، وعدد لا نهائي من حلقات مسلسل "مينا تايلور"، خصوصًا البائس والحزين منها! منذ عشرة أيام كنتُ أتبرم وأتذمر من جلوس جاكسون وتحديقه الصامت بي، أما الآن، فلم أعد حتى أتطلع إليه أو أهتم بوجوده؛ فقط أجلس أمامه بملامح ساخرة، مستهزئة من أفعاله، غير مبالية به تمامًا. واتضح أن هذا السلوك بالذات يغضبه إلى أقصى حد.. وهذا الأمر أسعدني وشعرتُ تجاهه بنشوة انتقام صغيرة. بالأمس لم يستطع تحمل لامبالاتي الواضحة؛ تجرع ما كان يشربه دفعة واحدة، وجذبني ببطش من أعلى الأريكة، دافعًا إياي بقوة على الحائط المقابل. أنزل سروالي القصير وتبعه بسروالي الداخلي، ثم فك سحاب سرواله واقتحمني بعنف قسري هذه المرة، يدفعني مرة بعد مرة لأصطدم بالحائط البارد. بدا وكأنه يستجدي مني أي إحساس، أي صراخ، أو أي انفعال يذكره بأنني كائن حي؛ لكنني وللغرابة اللامتناهية لم أكن أشعر بأي شيء على الإطلاق! ابتعد عني أخيرً
الجزء التاسع عشر 1988 الخامس عشر من أبريل تكساس الاشتياق ليس عن الأشياء التي تفقدها في يومك؛ تلك الأشياء التي اعتدتَ وجودها وفجأة لم تعد موجودة. الاشتياق هو عن الأوقات الفارغة التي يتركها وراءه؛ والوقت الفارغ هو أخطر الأشياء على الإنسان، إذ ليس لديه شيء محدد ليعمله، ولا يستطيع أن يكمل عمل أي شيء خلاله. الاشتياق ليس عن الافتقاد الصرف، بل عن الوقت! خمسة أيام مرت منذ آخر لقاء مع فيكتور؛ لم يعجبه الوضع، وببساطة قرر ضمنيًّا ألا يواصل على هذا النحو، لذا ابتعد وقرر أن يترك أيامي فارغة ومترعة بالتفكير الشاق. جاكسون ما زال كما هو؛ يأتي كلما أراد أن يمارس الجنس معي، يفعلها ويذهب من جديد. وكل فرد من آل تراميل مشغول بعلاقاته، ونفوذه، وحياته الخاصة. أما أنا، فلدي الكثير جدًّا من الوقت الفارغ! أصبحتُ عصبية المزاج، وأدخن بشراهة، وأحتسي مشروبات كحولية عالية النسبة، وأستمع إلى موسيقى مزعجة وصاخبة دون أن أبالي. أنا لم أكن أبالي منذ زمن بعيد، لكنني كنتُ أحتفظ بذات المظهر المسيطر على أفعاله أمام آل تراميل؛ أرتدي قناع الزوجة الهادئة ذات الأصول العريقة والأخلاق الرزينة. لكنني الآن أصبحتُ لا
تنفست بحدة ثم سألته: "لماذا مهم جدًّا أن أقابل عائلتك وأنت تفعل المثل مع عائلتي.. لماذا؟" تساءلتُ بحدة بينما أشعر بحركته المبتعدة من خلفي؛ تركته يتحرك بينما أرى وجهه المكفهر من الضيق. واجهني بنظرات مستنكرة لسؤالي، وإجابة لاذعة عليه: "لماذا؟ لأنني أريد أن تكون لي حبيبة.. أريد أن أحظى بعلاقة عاطفية يا مونيكا!" "وماذا نكون الآن؟ صديقين يحتسيان القهوة المرة؟" إجابةٌ بلاذعة مماثلة بينما أتحرك لألتقط حمالة صدري وسروالي الداخلي. شعرتُ بحركة الفراش في الجهة المقابلة وبدا أنه يفعل المثل؛ تجاهل تعليقي الساخر وسمعتُ صوته الغاضب مع صوت احتكاك قماش الجينز ببشرته: "الآن أشعر كأنني في الأربعين، ونتقابل هنا لأنكِ امرأة متزوجة ولا تريدين أن يكتشف أحد الأمر!" تجمدتُ لدقيقة.. كيف وصف الأمر بهذه الدقة؟ كيف تكون للمصادفة دور قسري كهذا؟ ابتلعتُ أنفاسي وأكملتُ ارتداء الثوب الكريمي؛ أخذتُ شهيقًا ثم أخرجتُه ببطء قبل أن أجيب بسخرية مصطنعة: "يا له من خيال! يجب أن تجرب الكتابة في وقت ما." نهضتُ متجهة للحمام؛ فتحتُ الباب وتبعته الإضاءة، ووقفتُ أمام المرآة أمشط شعري. كنتُ أتشاغل عن مواجهته، لكنه
1988 الخامس عشر من مارس تكساس رغم أنني كنتُ أعرف أن الأمر لن يتوقف على مرة عابرة، إلا أنني أمامه لم أملك إلا أن أتابع؛ كأنني فقدتُ آلة التحكم التي سعيتُ لقرابة عام أن أصنعها لأتحكم في نفسي.. والأدهى أنني فقدتُها عمدًا! أنا على علاقة مع فيكتور رييس لمدة خمسة أشهر؛ أتركه يمارس معي الحب كل أسبوع، بينما أترك جاكسون يمارس الجنس معي حينما يعود للبيت. في بعض الأيام أعود من ممارسة حب حميمية، قوية، ومليئة بالشعور، لأجد جاكسون في المنزل يسحبني إلى ممارسة جنس عنيف بلا مشاعر. في نهاية اليوم أشعر بأنني عاهرة بالكامل؛ لا أستطيع الابتعاد عن فيكتور الذي يحب فتاة متخيلة أخرى، ولا أستطيع أن أصارح جاكسون بأنني لا أريد ممارسة الحب معه مرة أخرى. أريد مال جاكسون، وحب فيكتور! وأعشق شعور التقديس من كليهما.. أنا أتحول لامرأة تريد كل شيء! أنا أتحول لشيء لا أستطيع استيعابه؛ شيء كنتُ أمقته فيما مضى، لكنني الآن أرحب بأن يلتف حول رأسي في دخان أسود شيطاني. أنا حقًّا أناسب إحدى حلقات مسلسل "الشيطان امرأة"، وستكون حلقة مثيرة جدًّا؛ امرأة متزوجة تقيم علاقة غرامية كاملة مع أحد الشباب الجيدين في السر
فبراير تكساس نُزل متواضع قرب أوستن الأميرات غير موجودات في الحياة الواقعية.. فقط العاهرات! لا أعلم أين سمعتُ ذلك، أو أنها مجرد جملة اخترعتُها كي أتقبل ما أفعله. كنتُ ألتقي بفيكتور مرات كثيرة في نزل متواضعة متفرقة على الطرق السريعة، وأستطيع القول إن هذا لم يكن يعجبه أبدًا؛ كان يريد علاقة عادية، وبدأت حججي الواهية بعائلتي المتشددة لا تقنعه! كان قد هاتفني على هاتف النُزل يعلمني بتأخره؛ فسيبدأ تعيينه قريبًا وباتت فكرة السفر للقاء حبيبته ساعتين صعبة وغير لطيفة لضابط شرطة يحاول صنع سمعة جيدة، ولكنني لم أكن أستطيع إعطاءه أكثر من ذلك. كل مرة يحاول فيها دفعي للتحدث حول علاقتنا أشغله بالإغواء الذي أجيده، فيتناسى الحديث حتى يسرقنا الوقت للقاء التالي. وكنتُ أحاول تلافي الاحتكاك مع عائلة جاكسون كي لا يشككوا في أمري، وللحظة تمنيتُ أن تستمر الحياة هكذا للأبد؛ ألا أضطر للتخلي عن أي شيء أبدًا. لكنني كنتُ أعرف أن الحياة لا يمكنها أن تسير هكذا للأبد؛ كنتُ أدرك أفضل من ذلك، لكن هذا لم يمنعني من الاستمتاع بكل دقيقة في الوقت الراهن. حضر ذات ليلة بعد ساعة كاملة، وعوضني جيدًا عن تأخيره؛ كنتُ أستمتع ب
8 1985 العشرين من نوفمبر أوريلو/تكساس الأحلام مقبرة الواقع. كنتُ منتشية هذا اليوم، لأنني وقفت أتبادل الابتسامات والنظرات مع مارت، ألطف صبي في المدرسة وبشهادة الجميع. ديفيد هو الحلم الأمريكي لكل فتاة في المدرسة، لكن ولا واحدة منهن آتت لها الجرأة لتحلم به خارج عقلها أو حتى خارج منزلها، أحيانا يخ
وقبل أيام كانت هناك سيدة في منتصف العمر تقريبًا، اختارت ثوب يناسب فتاة في السادسة عشر أكثر من كونه يناسب سيدة كبيرة، وقفت ورائها بجانب السيدة شمبرد التي تعيد تعديل الفستان ليناسب امرأة مثلها، وبينما آخذ أرقام القياسات و طالملاحظات التي تقولها السيدة شمبرد سمعت حديث المرأة بتعبيراتها الغير مبالية.
التاسع من نوفمبر حانوت الثرثرة في متجر الأثواب الذي يخص السيدة شمبرد في مركز المدينة حيث الثياب والفتيات والحكايات، دومًا ما تقول السيدة شمبرد أن قصص ديزني جاءت من متجر للفساتين، حيث الجميلات يجربون الفساتين ويثرثرون بالحكايات، في البداية سخرت من حديثها الحالم كمصممة أزياء آتية من القرن الماضي
61985 الأول من نوفمبر لا أحد يقدر يوم اعتيادي حتى يصادف يوم ملئ بالمفاجأت السيئة. يوم عادي جدًا أقرب إلي اعتيادي، طقس بارد وجاف ولا يثير أي شيء، ولا حتى يحاول أن يفعل. أروِقة المدرسة الملتوية شكلت المكان الأمثل للاحتشاد، اتقاء الجو الأجوف والمطر المحتمل، وبينما خطيت أنا إلى داخل المدرسة كان







