Share

الجزء الثالث

last update publish date: 2026-04-25 21:25:02

​ما هي إلا جزء مختبئ داخلي..

​كان الحضن الدافئ كفيلاً بجعل جسدها يسترخي رغم الشعلة التي في قلبها. حسنية امرأة بصيرة، ورغم ذلك تملك مكانة عالية في ترجمة المشاعر. طفلة لا تزال لا تفهم شيئاً في الدنيا، تعرضت للاختطاف والاغتصاب وقتلت طفلتها أمام عينيها.. هذا كله كفيل بجعلها تنهار.

​أما في الخارج، فكان السيد غالي واقفاً يحفر قبراً صغيراً حتى شعر بامرأة خلفه.

المرأة: سيد غالي.. غسلتُ الصغيرة، عظم الله اجركم.

السيد غالي: شكر الله سعيكِ.

تقدم السيد غالي وحمل الطفلة التي كانت رائحة المسك تنبعث منها، ووضعها داخل الحفرة. وما إن وضع يده على المجرفة ليرمي عليها التراب حتى شعر بيدين باردتين فوق يديه. التفت فإذا هي الشقراء، رفعت عينيها نحوه كأنها تخبره أن يتراجع، فلبى طلبها وتراجع للخلف.

حملت المجرفة الحديدية وبدأت تدفع التراب ببطء نحو تلك الحفرة، شيئاً فشيئاً غطى التراب أجزاء الكفن الأبيض.. كفن صغيرتها. كان السيد غالي يكتفي بالنظر إليها بقلة حيلة، وعادت به الذاكرة إلى الوراء.

​في صباح هذا اليوم، كان السيد غالي جالساً يراقب الخيل التي يربيها، بعباءته وطربوشه، وكان يبدو عليه أنه رجل وقور يتقي الله. شعر باهتزاز هاتفه، رأى اسم المتصل فأغمض عينيه بقوة ثم فتحهما.

السيد غالي: أهلاً.

المتصل: جاء الوقت الذي ستخدمني فيه.. احمِ الشقراء، أنا قادم قريباً، وويل لك إن مسها أذى.

السيد غالي بتنهيدة: الله لن يغفر لك.

المتصل بصوت هادئ: لم يسبق لك أن رأيت أحداً خلق شيطاناً ولا يزال لديه أمل في غفران الرب.

​أيقظه من ذكرياته صوت شهقات تلك الشقراء؛ كانت متمسكة بالقبر بقوة. اقترب منها ببطء واحتضنها يحاول مواساتها، وأبعدها عن القبر.. قبر ابنتها وطفلتها الأولى.

​مرت أيام كثيرة، كانت تالا خلالها تقضي النهار كله في الغرفة، وبالليل تقف قرب قبر ابنتها حتى يبزغ الفجر فتعود لتغلق غرفتها على نفسها، ولم يكن أحد يعرف ماذا تفعل هناك أبداً.

​في اليوم السابع، عند الساعة الخامسة صباحاً، كانت جالسة بهدوء تضّم رجليها إليها بثوبها الخفيف. كانت النافذة تُدخل نسيماً بارداً يرتطم بجسدها الذي كان أشد برودة من ذاك النسيم. كانت تسمع بعض الهمسات الحارة قرب أذنها، همس شيطاني لم تستطع تمييز كلماته. كانت تشعر كأن طيفاً بشرياً أسود يقترب منها ببطء شديد ويحضنها ليلتحما في جسد واحد، كأن روحها انقسمت لشطرين. أمسكت مكان قلبها بألم وخفضت رأسها مدة، ثم رفعته بنظرة باردة قاتلة، كأن روح الطفلة الخائفة قد اندثرت، وجاء مكانها شيء أعظم. أصبحت عيناها كأنها مكان لنار جهنم جديدة.

​استقامت من مكانها وفتحت باب الغرفة بهدوء، ألقت نظرة باردة على المكان وخرجت. كان السكون والهدوء يعمان الطريق، فابتعدت كثيراً عن المزرعة حافية القدمين. كانت الحقول تحيط بها من كل جانب، وسمعت صوت شبان سكارى فابتسمت بهدوء. حولت نظرها لشيء لامع، كان منجلاً مما يُحصد به، حملته بهدوء وقربته من رأسها الحاد ووضعت طرف إصبعها عليه، وجرته ببطء حتى رأت قطرة دم فابتسمت ولعقت إصبعها بهدوء.

​بخطوات هادئة وقفت أمام ثلاثة شبان نظروا إليها بإعجاب وشهوة، فستانها الخفيف يبرز تفاصيل جسدها. صفر أحد الشبان بإعجاب ونهض يتمايل نحوها وبنبرة ثملة قال: يا إلهي، ما هذا الجمال.

ابتسمت له بهدوء بينما يدها اليسرى متمسكة بالمنجل خلف ظهرها. وضعت يدها اليمنى على وجهه بحركة مثيرة تضغط على شفتيه وابتسامة قاتلة على وجهها. وضعت يدها على كتفه وهو يتبع حركاتها حتى ركع على قدميه أمامها، بينما الشابان الآخران يراقبان هذه الفاتنة. قربت يدها من عنقه تعبث به بهدوء، وكان إصبعها فوق تفاحة آدم الخاصة به، وقبل أن ينطق بأي حرف شعر بشيء حاد يمر عليه. أمسك عنقه والدماء الغزيرة تخرج منه وسقط أرضاً يصارع ألماً مميتاً.

​أما الشابان اللذان كانا يتفرجان، فوقفا بسرعة مصدومين وهما يريانه يرتعش بقوة منحور العنق. حاول أحدهما الهرب لكنها لمحته، وبمنجلها الملطخ بالدم رمته بدقة وسرعة حتى انغرس في ظهره، فسقط هو الآخر يصرخ بألم، لكنها تقدمت بهدوء كأنها ليست المسؤولة عن المجزرة الدموية التي تحدث. اقتربت منه وزادت غرس المنجل داخله لتتأكد أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة.

​بسرعة أصبح هناك جثتان قربها، فالتفتت للأخير الذي كان يمسك رأسه وراكعاً على رجليه. اقتربت منه بهدوء ورفعت ذقنه بإصبعين حتى تقابل مع عينيها الرماديتين.

تالا: لم يكن عليكم إغضابي.. تماديتم بلا قياس، أنا هنا وسأصحح كل أخطائكم.

كان الشاب يرتجف ولم يستطع النهوض من الأرض. التفتت لتغادر، فتنفس الشاب براحة، لكن من شدة فرحته ببقائه حياً لم يلاحظ أنها استدارت وأصبحت خلفه مباشرة، فغرست المنجل داخل قلبه ليشهق شهقة واحدة ويسقط أرضاً.

​ثلاثة شباب فقدوا أرواحهم قبل الفجر بدقائق، وقاتلتهم بقربهم بفستان ملطخ بابتسامة نصر متلذذة بكل هذه الدماء حولها. ابتعدت عن مسرح الجريمة وعادت من حيث جاءت بهدوء وبأقدامها المخدوشة لأنها تمشي دون حذاء. دخلت المزرعة وتوجهت ببرود نحو ذاك القبر الصغير ووضعت يدها الملطخة بالدماء فوقه.

تالا بصوت رقيق خافت: لوجين.

نطقت اسم صغيرتها ووضعت رأسها على تراب القبر قبل أن تغمض عينيها براحة.

​فتحت أعينها بعد نصف ساعة تنظر إلى المكان الذي هي فيه باستغراب، كيف وصلت إلى هنا؟ وما زاد صدمتها هو يداها الملطختان بالدماء. بدأت ترتجف وعيناها جاحظتان بصدمة ممزوجة بالخوف. شعرت بيدين تمسكان يديها، رفعت عينيها اللتين يتغير لونهما بين الأزرق والرمادي، وكانت شفتاها ترتعشان للشخص الذي يقف قربها. كان رجلاً أربعينياً، أبيض الشعر، ملامحه خشنة وأسمر اللون. نظر إليها ومركزاً في عينيها وبصوت منخفض وباحّ قال: شقراء.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • انثى تغري الهلاك    الجزء [18_19]

    ​▪️التفاتة واحدة إليكِ.. فأصبح العنق مشلولاً مجمداً▪️​شعر بثقل يديها فوق يديه ورأى تشبثها به، فرسم ابتسامة رضا على رد الفعل العفوي الصادر منها. اتجه بها بخطوات موزونة وبطيئة نحو الباب لينزلا إلى مكان الحفل، بينما كانت عيناها تلمعان كطفلة صغيرة.. تالا الفتاة البريئة، بجمال نقي كنقاء الملائكة.​كانت تمسك طرف فستانها لتتمكن من النزول على الدرج، ويدها الأخرى تتشبث بذراع أمير، تنظر بفضول جليّ بعينيها الرماديتين إلى الناس الواقفين في الحديقة. أخيراً وصلا، فرأت النساء اللاتي يرتدين ملابس راقية تشير إلى أنهن نساء نبيلات حضرن رفقة أزواجهن، وأخريات بملابس لافتة. شعرت بأمير يلتفت وينظر إليها قائلاً:​"ابقِي بجانبي حتى لا تضيعي."​هزت رأسها بالموافقة وتوغلا أكثر بين الحضور. كانت ترسم ابتسامة ساحرة على وجهها، رغم شعورها بالتوتر والخجل من الأنظار التي تلاحقها وتستكشف جمالها، حتى ضغطت على يد أمير، الذي بدوره انزعج من تلك العيون المراقبة، فاتجه بها إلى طاولة بعيدة قليلاً عن الأنظار. كانت الموسيقى الكلاسيكية الهادئة تضفي لمسة خاصة على المكان، يتخللها صوت اصطدام الكؤوس. بدأت تستكشف الأجواء بعينيها حتى

  • انثى تغري الهلاك    الفصل [16_17]

    أمير: ولكن.. بالأمس أنتِ.. (لزم الصمت مدة ثم نطق): ما هو آخر شيء تتذكرينه من ليلة أمس؟تالا: كنا نشاهد فيلم "الجميلة والوحش"، ومن بعدها نمت، هذا ما أتذكره.وضع يده على جبهته ونظر إليها، كانت تتحدث بجدية وملامحها هادئة، فتنهد وقال:أمير: حسناً.. انزلي لتناول فطوركِ وجهزي نفسكِ للحفلة.تالا (ابتسمت حتى ظهرت غمازتها): ستأتي للحفلة، أليس كذلك؟أمير: لا أعرف.شعر بيديها الدافئتين تمسكان كف يده الباردة، متشبثة به وهي تتحدث بنبرة ترجٍّ طفولية؛ فهي رغم أنها لم تتخطَّ سن التاسعة عشرة، إلا أن حركاتها العفوية تجعلها تبدو كطفلة ترجو والدها أن يسمح لها باللعب في الخارج.تالا: لا، أرجوك.. عدني أنك ستأتي، لا تتركني أنزل وحدي، سيكون هناك الكثير من الناس وسأتوتر إذا بقيت في مواجهتهم وحدي، أرجوك.نظر إليها وحرك رأسه بالموافقة. لم يشعر إلا وهي تعانقه وتتشبث به، أراد أن يبادلها العناق لكنه وجد أن قميصها الحريري قد ارتفع عن ظهرها وبان بياض بشرتها، فخجل من وضع يديه على جسدها، وخاف أن تنزعج من لمساته أو ربما لم يضمن سيطرته على نفسه، فقبض يديه خلفه. ابتعدت عنه وعيونها تلمع، بينما ركز هو في لون عينيها الذي سح

  • انثى تغري الهلاك    الفصل [15]

    قناع البراءة والقدر المحتوم​اشرقت شمس اليوم الموالي بخيوط ذهبية تسللت عبر الستائر المخملية لغرفة تالا الفاخرة، لتوقظ تلك الجميلة الساكنة في عالم من التناقضات. جلست أمام مرآتها العتيقة، تسرّح خصلات شعرها الأشقر الطويل الذي كان ينساب بين أصابعها كالحرير المنصهر. كانت تدندن بلحن خافت، صوتها الأنثوي الساحر يملأ أركان الغرفة بهدوء يبدد وحشة الصباح، غافلة عما يخبئه لها القدر خلف أبواب هذا القصر الموصدة.​فجأة، قُطع حبل دندنتها بوقع أقدام رصينة، وانفتح الباب ليدخل "جلال" بهيبته المعتادة، مرتدياً حلة رسمية سوداء توحي بجدية ما يخطط له. كان يحمل بين يديه صندوقاً متوسط الحجم، مغلفاً بعناية، وضعه فوق السرير ببطء وهو يتفرس في ملامح وجهها عبر انعكاس المرآة. اقترب منها خطوة بخطوة، وحين رأى اللطف يطل من عينيها الرماديتين، أيقن أن "الذئبة" قد غادرت لترك الساحة لشخصية تالا الرقيقة، تلك الفريسة السهلة في نظره.​جلال بنبرة أبوية مصطنعة: "صباح الخير يا تالا.. كيف حالكِ في هذا الصباح المشرق؟"تركت المشط من يدها والتفتت إليه بكامل جسدها، مجيبة بابتسامة دافئة: "أنا بخير يا جلال، أشعر اليوم بهدوء لم يعهده عق

  • انثى تغري الهلاك    الجزء [14]

    ​كانت تتحدث بقوة وجرأة تتناقض تماماً مع شخصيتها الحقيقية الهشة والعفوية. كان أمير يراقبها بصمت مطبق، فماذا عساه أن يقول؟ وكيف يحاور أنثى تبرر جريمتها بمنطقية مرعبة؟ شعر بأنفاسها الساخنة تقترب منه، فرفع عينيه العسليتين لتصطدم بنظراتها الرمادية، وسمع صوتها الرنان يخاطبه:تالا: صدقني، لن تتحملني. ربما وقعت في إعجاب تالا، تلك الفتاة اللطيفة والجميلة، لكن كل شيء سيتغير؛ لأنني سأكون أنا المسيطرة في أغلب الأوقات. لا تبنِ أحلاماً كثيرة، لأنك المتضرر الوحيد في النهاية.(مررت يدها على لحيته ببطء وأكملت): أنت لطيف للغاية، وتستحق امرأة أفضل منا.. أعني نفسي وتالا معاً. ستصبح حياتك فوضى عارمة إن دخلتها، فلن تعرف متى تكون تالا هي المحكمة في هذا الجسد، ومتى أكون أنا.​ابتعدت عنه والتفتت لتغادر، لكنها شعرت بيده تقبض على معصمها وتجذبها نحوه بقوة حتى انحنت قربه، وغطى شعرها الأشقر وجهها. سمعت صوته الرجولي الهامس الذي جعلها تغمض عينيها، بينما كان يبعد خصلات شعرها ليتبين ملامح وجهها الفاتن:أمير: سأنقذها من هذا كله.. منكِ، ومن أي شخص ينوي أذيتها.رسمت ابتسامة استهزاء على شفتيها وفتحت عينيها لتنظر إليه:تال

  • انثى تغري الهلاك    الجزء [12_13]

    ​تالا: تعال بجانبي..​نظرت إليه وهي ترفع طرف الغطاء وتدعوه بعينيها الرماديتين. ابتلع ريقه بتوتر؛ ففكرة مشاركتها الغطاء ذاته شتتت تفكيره، لكنه اقترب وجلس بجوارها دون وعي منه. وضع الحاسوب المحمول على قدميه وبدأ يبحث عن فيلم ما، بينما كان يشعر بأنفاسها تداعب خده، حتى وضعت يدها بخفة فوق يده لتوقفه حين جذبها أحد الأفلام.تالا: هذا يبدو جميلاً..​نظر إلى الشاشة وعقد حاجبيه؛ كان فيلماً يجسد قصة "الجميلة والوحش" بشخصيات واقعية. شغل الفيلم بهدوء، وراقبها وهي تتابعه بتركيز شديد. طوال ساعة ونصف، كانت قد أسندت رأسها إلى كتفه واستغرقت في المشاهدة، غافلة عن عينيه اللتين لم تتوقفا عن تأملها. فجأة، دلت شفتيها بطفولية وقالت بصوت رقيق: هذا مجرد كذب.أمير: لماذا تقولين ذلك؟ القصة تريد إيصال معنى أن من يحبك حقاً، سيحبك كما أنت.تالا وهي ترفع رأسها لتنظر إليه: لو كان هذا صحيحاً، لما عاد الوحش أميراً في نهاية القصة، بل لبقي وحشاً وعاشا معاً.. لا أحد يحب الجانب المظلم والقبيح فيك.أمير وهو يضع يده على شعرها بهدوء: أحياناً يكون من الجيد ألا ندقق في حقيقة الأشياء يا تالا.​نظر إليها مطولاً، وكأنه يخشى الكلمات

  • انثى تغري الهلاك    الفصل الحادي عشر

    ​وضعت هي الأخرى يدها على جانب فمها مستغربة من حركته، حتى رأته يتحدث معها بلطف.أمير: كانت هناك القليل من الكريمة على جانب فمكِ.تالا بلطف: آااه.. شكراً.أمير: إذن، ما رأيكِ في الدروس التي تتلقينها؟تالا: أنا جيدة في اللغات، ولكنني أكره اللغة الفرنسية، إنها معقدة جدا. هل من الضروري أن أتعلمها؟أمير: فقط حاولي أن يطلق لسانكِ بها، لا تعلمين متى قد تحتاجين إليها.تالا: هل حقاً انخفض ضغطي؟ آخر شيء أتذكره هو أن جلال أدخلني إلى ممر طويل حتى وصلنا لقاعة ضخمة، هذا كل ما أتذكره.​ظهرت علامات الاستغراب على وجهه؛ فهو حين خرج من القصر كان قد سمع صوت إطلاق نار من المكان المخصص للتدريب على القنص، وحين اقترب رآها خارجة من الممر وجلال يسير بعيداً عنها.أمير: ألا تتذكرين أي صوت، كصوت الرصاص مثلاً؟هزت رأسها نفياً بطفولية، وتحدثت بنبرتها الساحرة: لا، أنا لا أتذكر أي صوت.نظر إليها أمير وهي تبادله النظرات فابتسم لها وأشار نحو الصحن: كُلي جيداً لكي لا ينخفض ضغطكِ مرة أخرى.قال كلمته وهمّ بالنهوض من بجانبها، حتى شعر بيديها الناعمتين على ذراعه. التفت ونظر في عينيها الرماديتين اللتين يستحيل ألا يغرق المرء في

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status