LOGINفي صباح اليوم التالي، استيقظت ليان وهي تشعر أن هناك شيئًا مختلفًا.
لم تكن تعرف ما هو. لكنها كانت تشعر بأن ياسين أخفى عنها شيئًا. ليس لأنه كذب عليها… بل لأن صمته كان أطول من المعتاد. فتحت عينيها، فوجدته جالسًا بجانب النافذة، يتحدث في الهاتف بصوت منخفض. ما إن شعر بأنها استيقظت، أنهى المكالمة. ابتسم لها. — صباح الخير. نظرت إليه. — صباح الخير. اقترب منها. — نمتي كويس؟ — آه. ثم صمتت قليلًا. — وإنت؟ — أحسن لما شوفتك صحيت. ابتسمت. لكنها لم تجبه. لاحظ ذلك. جلس بجانبها. — في حاجة؟ — إنت عايز تقول لي حاجة؟ تردد للحظة. — ليه بتسألي؟ — عشان حاساك ساكت. ابتسم. — يمكن عشان بحاول أختار كلامي. — ليه؟ نظر إليها مباشرة. — عشان مش عايز أخوفك. خفضت عينيها. — أنا مش بخاف من الحقيقة زي زمان. — عارف. — بس بخاف من إنك تسكت عنها. أمسك يدها. — مش هسكت. ثم أضاف: — بس في حاجات مش بتاعتي أقولها. رفعت عينيها إليه. فهمت فورًا أنه يتحدث عن الصورة. — نورا؟ أومأ. — أيوه. — قالت لك ما تقوليش؟ — قالت لي أكلم مامتك الأول. سكتت ليان. ثم قالت: — وأنا؟ — إنتِ أهم حد في الموضوع. — طب ليه مش بتقول لي؟ — عشان لو عرفت منكِ والدتك بدل ما تعرفي مني، يمكن يكون أحسن. ظلت تنظر إليه. ثم قالت: — كنت هزعل منك لو أخفيت عني. — عارف. — بس دلوقتي مش زعلانة. — ليه؟ ابتسمت. — عشان أنت قلتلي إنك مش بتخبي… أنت بس مستني الوقت الصح. تنفس ياسين براحة. ثم قال: — تعالي. — فين؟ — نعمل فطار. ضحكت. — هو كل مشكلة عندك حلها الأكل؟ — تقريبًا. ⸻ بعد الإفطار، خرجت ليان إلى والدتها. وجدتها تجلس في الحديقة. جلست بجانبها دون أن تتحدث. قالت الأم: — عايزة تسأليني عن حاجة. — أيوه. — عن الصورة؟ توقفت ليان. — إنتِ عارفة؟ ابتسمت الأم بحزن. — كنت مستنياكي. أخرجت ليان هاتفها وفتحت الصورة. — مين البنت دي؟ ظلت الأم تنظر إلى الصورة طويلًا. ثم أغمضت عينيها. — كنت عارفة إن اليوم ده هييجي. اقتربت ليان منها. — ماما… رفعت الأم يدها. — قبل ما أقولك، عايزة أسألك سؤال. — إيه؟ — لو الحقيقة كانت أصعب مما تتخيلي… هتقدري تسمعيها؟ فكرت ليان قليلًا. ثم قالت: — لو كنتِ هتكوني معايا… أيوه. احتضنتها الأم. — وأنا هكون معاكي. سكتتا طويلًا. ثم قالت الأم: — البنت دي كانت قريبة منك جدًا. — أختي؟ توقفت الأم. لم تجب. وهذا الصمت كان كافيًا. لكن قبل أن تكمل، دخل ياسين إلى الحديقة. قال: — آسف. نظرت إليه ليان. — لا، تعال. جلس بجانبها. أمسكت يده. قالت الأم: — واضح إن ياسين بقى جزء من كل حاجة. ابتسمت ليان. — هو مش جزء… هو نص الحكاية. نظر ياسين إليها. — وأنا موافق. ضحكت. ثم قالت الأم: — البنت دي لم تكن مجرد طفلة ظهرت في حياتك. نظرت ليان إليها. — مين هي؟ قالت الأم بهدوء: — كانت سببًا في قرار اتخذه أبوك غيّر حياتكم كلّكم. سأل ياسين: — هل هي مرتبطة بالقلادة؟ نظرت الأم إليه. ثم إلى ليان. — نعم. فتحت ليان حقيبتها وأخرجت القلادة. وضعتها أمام والدتها. — الحرفين دول… ل.م. أخذت الأم القلادة. تغير وجهها. — كنت أعرف إن القلادة دي هترجعلك يومًا. — معناها إيه؟ رفعت الأم عينيها إليها. — معناها إن أبوك ما كانش بيحاول يخبي عنك شخصًا… ثم توقفت. — كان بيحاول يحمي شخصين. سأل ياسين: — ليان والشخص الثاني؟ أومأت الأم. — أيوه. شعرت ليان بقشعريرة. — مين الشخص الثاني؟ وقبل أن تجيب الأم، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة. كان الاسم: نورا. رفعت الهاتف. لكنها لم تجب. قالت ليان: — ردي. نظرت الأم إليها. — متأكدة؟ — أيوه. أجابت المكالمة. جاء صوت نورا: — حان الوقت؟ أغلقت الأم عينيها. ثم قالت: — أيوه. صمتت نورا لحظات. ثم قالت: — إذن أخبريها. فتحت ليان عينيها. — أخبريني بإيه؟ لم تجب الأم. بل مدت يدها وأمسكت يد ابنتها. قالت بصوت متردد: — ليان… اقترب ياسين منها وأمسك يدها الأخرى. — أنا هنا. نظرت إليه. ابتسم لها. — مهما كان. تنفست بعمق. ثم قالت والدتها: — الفتاة التي رأيتها في الصورة… توقفت. كانت الدموع تلمع في عينيها. — لم تكن غريبة عنكِ. سألت ليان بصوت مرتجف: — أمال كانت مين؟ نظرت الأم إليها طويلًا. ثم قالت: — كانت الشخص الوحيد الذي ظل قريبًا منكِ طوال سنوات… دون أن تعرفي من تكون. ساد الصمت. لم تكمل الأم. ولم تسأل ليان مرة أخرى. فقط شعرت بيد ياسين تضغط على يدها. ولأول مرة، لم يكن المجهول هو ما أخافها. كان السؤال الوحيد الذي ظل في رأسها: كيف يمكن لشخص أن يكون قريبًا مني طوال كل هذه السنوات… وأنا لا أعرفه؟لم تفهم ليان جملة فؤاد.— مش أبي بالطريقة اللي أظنها؟قالت وهي تنظر إليه:— يعني إيه؟لم يجب فورًا.كان الجميع ينتظر.وأخيرًا قال:— أنا والدكِ بالدم.توقفت ليان.— لكن؟— لكن محمود هو الرجل اللي ربّاكِ.قال مالك:— يعني فؤاد أبونا الحقيقي؟— أيوه.قالت سارة:— وليه اتقال لنا إن محمود أبونا؟أجاب فؤاد:— لأن الحقيقة كانت هتقتلكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول نفس الجملة.اقتربت نادين منها.— المرة دي لازم تسمعي للنهاية.قالت ليان:— اتفضلي.أخذت نادين الصورة القديمة.— والدتك وفؤاد كانوا متزوجين قبل محمود.تجمدت ليان.— متزوجين؟أومأت.— نعم.— وإزاي؟— انفصلوا بعد ولادة مالك.نظر مالك إلى فؤاد.— ليه؟قال فؤاد:— لأنني كنت أعمل مع والدكِ في المشروع.سألت ليان:— أي مشروع؟— مشروع حماية الأطفال الذين كانت الشبكة تطاردهم.قال آدم:— ومالك كان واحدًا منهم؟— نعم.قالت سارة:— وأنا؟— أنتِ كنتِ الأصغر.ثم نظر إلى ليان.— وأنتِ كنتِ آخر طفلة.قالت ليان:— ورامي؟— رامي لم يكن من أطفال المشروع.تغير وجه رامي.— إيه؟قال فؤاد:— رامي ابني من زواج آخر.توقفت ليان.— يعني مش أخونا؟أجاب:
تجمدت ليان.لم تتحرك.الرجل الواقف عند الباب كان يحمل صورة والدها القديمة.لكن وجهه لم يكن وجه والدها.كان أكبر سنًا، وشعره رمادي، وملامحه مختلفة.قال ياسين:— مين إنت؟أجاب الرجل:— اسمي فؤاد.نظرت إليه ليان.— وبتقول إنك أبونا؟— أيوه.ضحك مالك بمرارة.— مستحيل.قال فؤاد:— عارف إنكم مش هتصدقوا.ثم وضع الصورة على الطاولة.— عشان كده جبت الدليل.اقتربت ليان.كانت الصورة قديمة جدًا.والدتها تقف في المنتصف.بجانبها رجل أصغر سنًا.وفي ذراعيه طفل.قالت ليان:— ده مين؟أجاب:— أنا.ثم أشار إلى الطفل.— وده مالك.تقدم مالك.— أنا؟— أيوه.قالت سارة:— لكن والدي كان اسمه محمود.تغير وجه فؤاد.— محمود كان زوج أمكم.سألته ليان:— مش أبويا؟صمت.ثم قال:— لا.ساد الصمت.شعرت ليان بأن كل شيء داخلها انهار.— يعني بابا اللي عشت وأنا فاكرة إنه أبويا… مش أبي؟أجاب فؤاد:— كان يحبكم.— أنا ما سألتش إذا كان يحبنا.نظرت إليه بعينين دامعتين.— أنا بسألك: هل هو أبي؟هز رأسه.— لا.قال مالك:— وإنت اختفيت ليه؟— لأن محمود عرف بوجودي.سألت ليان:— وماما؟خفض عينيه.— كانت تحاول تحميكم جميعًا.قالت سارة:—
لم تستطع ليان أن تتحرك.كانت كلمة نادين ما تزال معلقة في الهواء:«أنتم أربعة.»قال مالك:— مين الرابع؟لم تجب نادين.نظرت إلى سارة.ثم إلى آدم.وأخيرًا إلى ليان.قالت ليان:— قولي.أخرجت نادين ملفًا قديمًا.— الطفل الرابع اتولد قبل سارة ومالك وليان بسنوات.سأل ياسين:— من أمه؟— نفس الأم.تجمدت ليان.— أمي؟أومأت نادين.— أيوه.قالت سارة:— أنا كنت أعرف.نظر إليها مالك.— كنتِ تعرفي إن لينا أخ رابع؟— كنت أعرف إن عندنا أخًا.— فين؟خفضت سارة عينيها.— ما أعرفش.قالت نادين:— أنا أعرف.اقتربت ليان.— مين هو؟فتحت نادين الملف.كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل صغير.لم يكن وجهه واضحًا.لكن على كتفه ظهرت العلامة نفسها.قالت نادين:— اسمه عند الولادة كان نور.تجمدت ليان.— نور؟قالت سارة:— الاسم ده مش اسم ولد.أجابت نادين:— لأنه لم يكن اسمه الحقيقي.قلبت الصفحة.ظهر اسم آخر:«آدم.»نظر الجميع إلى آدم.لم يتحرك.قال ياسين:— تاني؟أجاب آدم بصوت منخفض:— أنا قلت لكم إني كنت الطفل ٣٠٩.قالت نادين:— لكن الطفل ٣٠٩ لم يكن آدم.تجمد آدم.— إيه؟قالت نادين:— أنت كنت الطفل الذي تم نقله بعده.ن
توقفت ليان أمام المرأة.لم تستطع الكلام.كانت ملامحها تشبه أمها بطريقة غريبة.لكن عينيها…كانتا تحملان شيئًا شعرت ليان أنها تعرفه منذ زمن.قالت المرأة:— ليان؟همست ليان:— سارة؟أومأت.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.لكن ياسين أمسك بذراعها.— استني.نظرت إليه.— دي ممكن تكون خدعة.قالت المرأة:— معاه حق.ثم أضافت:— بعد كل اللي حصل، أنا نفسي ما كنتش هصدقني.أخرجت شيئًا من جيبها.كانت قلادة صغيرة.نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.قالت:— دي كانت معايا يوم اختفائي.اقتربت ليان.— منين جبتيها؟— أمي أعطتهالي.تجمدت.— أمي؟— والدتك.نظرت ليان إلى مالك.— يعني هي قابلت أمي؟أجابته سارة:— أكتر من مرة.قال مالك:— وإنتِ كنتِ عارفة إننا إخوات؟هزت رأسها.— عرفت من زمان.— ليه ما رجعتيش؟خفضت عينيها.— لأنني كنت أعتقد إن رجوعي هيعرّضكم للخطر.قال ياسين:— مين كان بيهددك؟— كريم.تدخل آدم:— كريم كان يعرف مكانها؟— أيوه.ثم نظرت إلى ليان.— لكنه ما كانش يعرف كل شيء.قالت ليان:— إيه اللي ما كانش يعرفه؟أجابت سارة:— إن والدتك أخفت الدليل الأخير.— فين؟ابتسمت سارة بحزن.— معك.وضعت ليان يدها على ك
ظلت ليان تحدق في الصورة.طفلة صغيرة بين ذراعي هالة.والتاريخ:٢٨ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— أنا كنت مع أمي في المستشفى.قال آدم:— أيوه.— إذن مين الطفلة دي؟لم يجب.اقتربت مريم وأخذت الصورة.قلبتها.كان خلفها رقم:٣٠٩.تغير وجهها.— لا…سألها مالك:— إيه؟قالت مريم:— الطفل ٣٠٩ ما كانش طفلًا مجهولًا.نظرت إليها ليان.— أمال؟— كان اسمًا مستعارًا.قال ياسين:— لمين؟رفعت مريم عينيها.— لليان.ساد الصمت.قالت ليان:— يعني أنا كنت المريضة ٣٠٩؟أومأت.— أيوه.قال آدم:— وده يفسر ليه السجلات كانت متناقضة.قالت ليان:— بس الصورة…— هالة كانت تحملك بعد ما خرجتِ من المستشفى.— خرجت؟— مؤقتًا.قال مالك:— والدتك كانت بتحاول تخفيك عن كريم.سألت ليان:— وسارة؟قالت مريم:— سارة كانت في نفس المبنى.— يعني أنا وسارة كنا مع بعض؟— لفترة قصيرة.بدأت ذكريات مبهمة تعود إلى ليان.ممر أبيض.صوت طفلة تضحك.امرأة تقول:— خدي بالك منها.ثم صوت آخر:— لازم نفصلهم.وضعت ليان يدها على رأسها.قال ياسين:— ليان؟— أنا فاكرة حاجة.اقترب منها.— إيه؟— كان فيه سريرين.نظر الجميع إليها.— وأنا كنت في واحد.توقفت.—
لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن الصورة.امرأة شابة تحملها بين ذراعيها.وخلفها ممر المستشفى.وفي زاوية الصورة، ظهر تاريخ:٢٧ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— دي كانت موجودة يوم ولادتي؟أومأ آدم.— أيوه.سأل ياسين:— اسمها إيه؟قال آدم:— نادية.تدخلت مريم:— اسمها الحقيقي مش نادية.نظرت إليها ليان.— أمال؟— هالة.تجمدت.قال مالك:— هالة زوجة كريم؟— أيوه.سألت ليان:— إيه علاقتها بأمي؟أجابت مريم:— كانوا يعرفوا بعض قبل سنوات من ولادتك.— منين؟— من والدك.صمتت ليان.— بابا كان يعرفها؟— كان يعرف زوجها، ويعرف إنها كانت بتساعده في بعض الأمور.قال ياسين:— أي أمور؟نظرت مريم إلى آدم.— نقل الأطفال.تغير وجه ليان.— الأطفال؟— أيوه.قال آدم:— هالة كانت واحدة من الأشخاص اللي بينقلوا الأطفال بين المستشفيات.قالت ليان:— ليه؟— عشان يختفوا من السجلات.سألت:— ومين كان بيطلب منها ده؟صمت آدم.ثم قال:— كريم.شعرت ليان بالاختناق.— يعني كريم كان يعرفني من يوم ولادتي؟— أيوه.— وكان عايزني أختفي؟— في البداية.— ليه؟أجاب آدم:— لأنك كنتِ تحملين العلامة.وضعت ليان يدها على كتفها.— العلامة اللي عندي؟







