تسجيل الدخولظلت ليان تنظر إلى الصورة في يدها.
ثم رفعت عينيها إلى ياسين. — مين الراجل ده؟ لم يجب فورًا. كانت ملامحه مختلفة هذه المرة. لم يكن خائفًا. كان فقط يحاول استرجاع شيء قديم من ذاكرته. قالت ليان بهدوء: — ياسين؟ أخذ نفسًا عميقًا. — اسمه فارس. — فارس مين؟ — فارس كان شخصًا قريبًا من أبوكي. — قريب منه إزاي؟ — شغل. — وبعدين؟ سكت قليلًا. — اختفى. — وأبوك قال لك إنه مات؟ — أيوه. ظلت تنظر إلى الصورة. — وماما كانت تعرفه؟ رفعت الأم رأسها. — نعم. قالت ليان: — ونورا؟ — كانت تعرفه أيضًا. جلست ليان على الكرسي. شعرت أن الأسئلة بدأت تتكاثر. لكن ياسين جلس بجانبها. أمسك يدها. — مش لازم تعرفي كل حاجة النهارده. نظرت إليه. — بس أنا عايزة أفهم. — وهتفهمي. ثم أضاف: — واحدة واحدة. تنفست ببطء. — معاك؟ ابتسم. — معاكِ. ⸻ بعد أن غادرت والدتها الغرفة، بقيت ليان وياسين وحدهما. وضعت الصورة على الطاولة. ثم قالت: — أنت لما شفت الصورة اتغيرت. — عشان افتكرت حاجة. — إيه؟ — كنت صغير وقتها. — كام سنة؟ — حوالي عشرين. — وشفته؟ — مرة واحدة. — فين؟ — عند أبوكي. صمت. ثم قال: — كنت رايح له، ولقيت فارس هناك. — واتكلم معاك؟ — سألني سؤال غريب. — إيه؟ نظر إليها. — سألني: “لو في يوم اختفت ليان، هتعمل إيه؟” اتسعت عيناها. — قال لك كده؟ — أيوه. — وإنت قلت له إيه؟ ابتسم ياسين ابتسامة صغيرة. — قلت له: “هفضل أدور عليها.” سكتت ليان. ثم قالت: — وده قبل جوازنا؟ — بسنين. — وأبوك كان عارف إنك هتحبني؟ — لا. — طب إزاي… قاطعها: — يمكن لأن بعض الناس بتشوف حاجات إحنا مش بنشوفها. نظرت إليه. — وأنا؟ — إيه؟ — أنت شفت فيا إيه أول مرة؟ ضحك. — مش هنرجع للسؤال ده تاني. — ليه؟ — عشان كل مرة بجاوب، بتسألي سؤال أصعب. — جاوب. اقترب منها. — شفت واحدة عنيدة. ضحكت. — بس؟ — وطيبة. — بس؟ — وبتخبي خوفها ورا القوة. صمتت. ثم قالت: — كمل. — وشفت إنني مش هعرف أنساكي. ابتسمت. — وده حصل فعلًا. — للأسف. ضحكت. ثم وضعت رأسها على كتفه. ⸻ في الصباح، كانت ليان تقف أمام المرآة. وضعت القلادة القديمة حول رقبتها. نظر ياسين إليها من خلفها. — مناسبة عليكي. — بجد؟ — آه. — غريبة. — إيه؟ — حاسة إنها بتاعتي. — يمكن لأنها كانت بتاعتك فعلًا. نظرت إلى انعكاسهما في المرآة. — ياسين؟ — نعم؟ — أنا مبسوطة. — ليه؟ — رغم كل اللي حصل. — وأنا. — عارفة ليه؟ — ليه؟ — لأنني أخيرًا مش بحس إني لوحدي. اقترب منها. — عمرك ما كنتِ لوحدك. — حتى لما كنت بعيد؟ — حتى وقتها. ثم قال: — بس دلوقتي مش هبعد. ابتسمت. — وعد؟ — وعد. ⸻ في الظهيرة، جاءت والدة ليان. كانت تحمل ملفًا صغيرًا. جلست أمامهما. قالت: — قبل ما أحكي عن فارس، لازم أقول حاجة مهمة. انتظرت ليان. — أبوكي لم يكن يعرف أن فارس سيختفي. — أمال؟ — كان يعرف أن هناك خطرًا حوله. قال ياسين: — هل فارس كان جزءًا من حماية ليان؟ هزت الأم رأسها. — بطريقة ما. سألت ليان: — يعني كان بيحميني؟ — كان يراقب الخطر. — ليه؟ سكتت الأم. ثم قالت: — لأن الشخص الذي كان يبحث عنكِ وقتها… لم يكن يعرف أنكِ أنتِ المقصودة. تجمدت ليان. لكن الأم أكملت بسرعة: — لا تخافي. هذا كان منذ سنوات. قال ياسين: — ومن كان يبحث عنها؟ نظرت الأم إليه. — هذا الجزء… لا أعرفه بالكامل. ثم وضعت الملف على الطاولة. — لكن فارس يعرف. قالت ليان: — وفين هو؟ لم تجب. ثم نظرت إلى ياسين. — لهذا السبب اتصلت نورا. سأل ياسين: — تعرف مكانه؟ أومأت. — أعتقد أنه ما زال حيًا. ساد الصمت. لكن ليان لم تشعر بالذعر. مدت يدها إلى ياسين. أمسكها فورًا. قالت: — مهما كان، هنواجهه سوا. ابتسم. — زي كل مرة. نظرت إليه. — بس عندي شرط. — إيه؟ — بعد ما نخلص، نرجع نعمل يوم عادي. ضحك. — موافق. — من غير صور. — موافق. — من غير أسرار. — دي صعبة. نظرت إليه. — ياسين! ضحك. — حاضر. ثم ضغط على يدها. وفي تلك اللحظة، لم يكن أهم شيء بالنسبة لليان هو معرفة أين اختفى فارس. كان أهم شيء أنها لم تعد تخشى الطريق. لأنها كانت تعرف من سيكون بجانبها في نهايته. ياسين. الرجل الذي لم تختره عائلتها لها… بل اختاره قلبها بنفسه.لم تفهم ليان جملة فؤاد.— مش أبي بالطريقة اللي أظنها؟قالت وهي تنظر إليه:— يعني إيه؟لم يجب فورًا.كان الجميع ينتظر.وأخيرًا قال:— أنا والدكِ بالدم.توقفت ليان.— لكن؟— لكن محمود هو الرجل اللي ربّاكِ.قال مالك:— يعني فؤاد أبونا الحقيقي؟— أيوه.قالت سارة:— وليه اتقال لنا إن محمود أبونا؟أجاب فؤاد:— لأن الحقيقة كانت هتقتلكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول نفس الجملة.اقتربت نادين منها.— المرة دي لازم تسمعي للنهاية.قالت ليان:— اتفضلي.أخذت نادين الصورة القديمة.— والدتك وفؤاد كانوا متزوجين قبل محمود.تجمدت ليان.— متزوجين؟أومأت.— نعم.— وإزاي؟— انفصلوا بعد ولادة مالك.نظر مالك إلى فؤاد.— ليه؟قال فؤاد:— لأنني كنت أعمل مع والدكِ في المشروع.سألت ليان:— أي مشروع؟— مشروع حماية الأطفال الذين كانت الشبكة تطاردهم.قال آدم:— ومالك كان واحدًا منهم؟— نعم.قالت سارة:— وأنا؟— أنتِ كنتِ الأصغر.ثم نظر إلى ليان.— وأنتِ كنتِ آخر طفلة.قالت ليان:— ورامي؟— رامي لم يكن من أطفال المشروع.تغير وجه رامي.— إيه؟قال فؤاد:— رامي ابني من زواج آخر.توقفت ليان.— يعني مش أخونا؟أجاب:
تجمدت ليان.لم تتحرك.الرجل الواقف عند الباب كان يحمل صورة والدها القديمة.لكن وجهه لم يكن وجه والدها.كان أكبر سنًا، وشعره رمادي، وملامحه مختلفة.قال ياسين:— مين إنت؟أجاب الرجل:— اسمي فؤاد.نظرت إليه ليان.— وبتقول إنك أبونا؟— أيوه.ضحك مالك بمرارة.— مستحيل.قال فؤاد:— عارف إنكم مش هتصدقوا.ثم وضع الصورة على الطاولة.— عشان كده جبت الدليل.اقتربت ليان.كانت الصورة قديمة جدًا.والدتها تقف في المنتصف.بجانبها رجل أصغر سنًا.وفي ذراعيه طفل.قالت ليان:— ده مين؟أجاب:— أنا.ثم أشار إلى الطفل.— وده مالك.تقدم مالك.— أنا؟— أيوه.قالت سارة:— لكن والدي كان اسمه محمود.تغير وجه فؤاد.— محمود كان زوج أمكم.سألته ليان:— مش أبويا؟صمت.ثم قال:— لا.ساد الصمت.شعرت ليان بأن كل شيء داخلها انهار.— يعني بابا اللي عشت وأنا فاكرة إنه أبويا… مش أبي؟أجاب فؤاد:— كان يحبكم.— أنا ما سألتش إذا كان يحبنا.نظرت إليه بعينين دامعتين.— أنا بسألك: هل هو أبي؟هز رأسه.— لا.قال مالك:— وإنت اختفيت ليه؟— لأن محمود عرف بوجودي.سألت ليان:— وماما؟خفض عينيه.— كانت تحاول تحميكم جميعًا.قالت سارة:—
لم تستطع ليان أن تتحرك.كانت كلمة نادين ما تزال معلقة في الهواء:«أنتم أربعة.»قال مالك:— مين الرابع؟لم تجب نادين.نظرت إلى سارة.ثم إلى آدم.وأخيرًا إلى ليان.قالت ليان:— قولي.أخرجت نادين ملفًا قديمًا.— الطفل الرابع اتولد قبل سارة ومالك وليان بسنوات.سأل ياسين:— من أمه؟— نفس الأم.تجمدت ليان.— أمي؟أومأت نادين.— أيوه.قالت سارة:— أنا كنت أعرف.نظر إليها مالك.— كنتِ تعرفي إن لينا أخ رابع؟— كنت أعرف إن عندنا أخًا.— فين؟خفضت سارة عينيها.— ما أعرفش.قالت نادين:— أنا أعرف.اقتربت ليان.— مين هو؟فتحت نادين الملف.كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل صغير.لم يكن وجهه واضحًا.لكن على كتفه ظهرت العلامة نفسها.قالت نادين:— اسمه عند الولادة كان نور.تجمدت ليان.— نور؟قالت سارة:— الاسم ده مش اسم ولد.أجابت نادين:— لأنه لم يكن اسمه الحقيقي.قلبت الصفحة.ظهر اسم آخر:«آدم.»نظر الجميع إلى آدم.لم يتحرك.قال ياسين:— تاني؟أجاب آدم بصوت منخفض:— أنا قلت لكم إني كنت الطفل ٣٠٩.قالت نادين:— لكن الطفل ٣٠٩ لم يكن آدم.تجمد آدم.— إيه؟قالت نادين:— أنت كنت الطفل الذي تم نقله بعده.ن
توقفت ليان أمام المرأة.لم تستطع الكلام.كانت ملامحها تشبه أمها بطريقة غريبة.لكن عينيها…كانتا تحملان شيئًا شعرت ليان أنها تعرفه منذ زمن.قالت المرأة:— ليان؟همست ليان:— سارة؟أومأت.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.لكن ياسين أمسك بذراعها.— استني.نظرت إليه.— دي ممكن تكون خدعة.قالت المرأة:— معاه حق.ثم أضافت:— بعد كل اللي حصل، أنا نفسي ما كنتش هصدقني.أخرجت شيئًا من جيبها.كانت قلادة صغيرة.نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.قالت:— دي كانت معايا يوم اختفائي.اقتربت ليان.— منين جبتيها؟— أمي أعطتهالي.تجمدت.— أمي؟— والدتك.نظرت ليان إلى مالك.— يعني هي قابلت أمي؟أجابته سارة:— أكتر من مرة.قال مالك:— وإنتِ كنتِ عارفة إننا إخوات؟هزت رأسها.— عرفت من زمان.— ليه ما رجعتيش؟خفضت عينيها.— لأنني كنت أعتقد إن رجوعي هيعرّضكم للخطر.قال ياسين:— مين كان بيهددك؟— كريم.تدخل آدم:— كريم كان يعرف مكانها؟— أيوه.ثم نظرت إلى ليان.— لكنه ما كانش يعرف كل شيء.قالت ليان:— إيه اللي ما كانش يعرفه؟أجابت سارة:— إن والدتك أخفت الدليل الأخير.— فين؟ابتسمت سارة بحزن.— معك.وضعت ليان يدها على ك
ظلت ليان تحدق في الصورة.طفلة صغيرة بين ذراعي هالة.والتاريخ:٢٨ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— أنا كنت مع أمي في المستشفى.قال آدم:— أيوه.— إذن مين الطفلة دي؟لم يجب.اقتربت مريم وأخذت الصورة.قلبتها.كان خلفها رقم:٣٠٩.تغير وجهها.— لا…سألها مالك:— إيه؟قالت مريم:— الطفل ٣٠٩ ما كانش طفلًا مجهولًا.نظرت إليها ليان.— أمال؟— كان اسمًا مستعارًا.قال ياسين:— لمين؟رفعت مريم عينيها.— لليان.ساد الصمت.قالت ليان:— يعني أنا كنت المريضة ٣٠٩؟أومأت.— أيوه.قال آدم:— وده يفسر ليه السجلات كانت متناقضة.قالت ليان:— بس الصورة…— هالة كانت تحملك بعد ما خرجتِ من المستشفى.— خرجت؟— مؤقتًا.قال مالك:— والدتك كانت بتحاول تخفيك عن كريم.سألت ليان:— وسارة؟قالت مريم:— سارة كانت في نفس المبنى.— يعني أنا وسارة كنا مع بعض؟— لفترة قصيرة.بدأت ذكريات مبهمة تعود إلى ليان.ممر أبيض.صوت طفلة تضحك.امرأة تقول:— خدي بالك منها.ثم صوت آخر:— لازم نفصلهم.وضعت ليان يدها على رأسها.قال ياسين:— ليان؟— أنا فاكرة حاجة.اقترب منها.— إيه؟— كان فيه سريرين.نظر الجميع إليها.— وأنا كنت في واحد.توقفت.—
لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن الصورة.امرأة شابة تحملها بين ذراعيها.وخلفها ممر المستشفى.وفي زاوية الصورة، ظهر تاريخ:٢٧ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— دي كانت موجودة يوم ولادتي؟أومأ آدم.— أيوه.سأل ياسين:— اسمها إيه؟قال آدم:— نادية.تدخلت مريم:— اسمها الحقيقي مش نادية.نظرت إليها ليان.— أمال؟— هالة.تجمدت.قال مالك:— هالة زوجة كريم؟— أيوه.سألت ليان:— إيه علاقتها بأمي؟أجابت مريم:— كانوا يعرفوا بعض قبل سنوات من ولادتك.— منين؟— من والدك.صمتت ليان.— بابا كان يعرفها؟— كان يعرف زوجها، ويعرف إنها كانت بتساعده في بعض الأمور.قال ياسين:— أي أمور؟نظرت مريم إلى آدم.— نقل الأطفال.تغير وجه ليان.— الأطفال؟— أيوه.قال آدم:— هالة كانت واحدة من الأشخاص اللي بينقلوا الأطفال بين المستشفيات.قالت ليان:— ليه؟— عشان يختفوا من السجلات.سألت:— ومين كان بيطلب منها ده؟صمت آدم.ثم قال:— كريم.شعرت ليان بالاختناق.— يعني كريم كان يعرفني من يوم ولادتي؟— أيوه.— وكان عايزني أختفي؟— في البداية.— ليه؟أجاب آدم:— لأنك كنتِ تحملين العلامة.وضعت ليان يدها على كتفها.— العلامة اللي عندي؟







