分享

3

last update publish date: 2026-07-24 19:37:45

لم يكن البروفيسور هارون مجرد عالم.

كان رجلًا سبق عصره بعقود.

وقبل أن تنقسم الأرض إلى مدن محصنة وصحارى موحشة، كان اسمه يتردد في أكبر مراكز الأبحاث في العالم. لم يكن يبحث عن الشهرة أو الجوائز، بل كان يؤمن أن العلم خُلق لينقذ البشر، لا ليمنحهم سلطة أكبر.

وُلد هارون في مدينة ساحلية هادئة، وكان يقضي طفولته يفكك أجهزة الراديو القديمة ثم يعيد تركيبها بطريقة أفضل. في الخامسة عشرة صنع أول حاسوب صغير بقطعٍ مستعملة، وفي الثانية والعشرين حصل على الدكتوراه في الذكاء الاصطناعي والطاقة المستدامة، لتبدأ بعدها رحلة جعلت اسمه مرادفًا للعبقرية.

قاد عشرات المشاريع العلمية التي غيّرت حياة الملايين؛ ابتكر مفاعلات طاقة نظيفة تكفي مدينة كاملة، وطور أنظمة لتنقية المياه الملوثة، وصمم شبكة ذكاء اصطناعي قادرة على إدارة مدن بأكملها دون هدر للموارد.

لكن أعظم إنجازاته لم يكن اختراعًا...

بل إنسانة.

كانت سارة باحثة في علم الأحياء الجزيئي.

التقيا لأول مرة داخل مؤتمر علمي، حين وقفت تعارض إحدى نظرياته أمام مئات العلماء. لم يغضب هارون، بل ابتسم. وبعد انتهاء المؤتمر، طلب منها أن تناقشه من جديد.

استمر النقاش ساعات...

ثم تحول إلى صداقة.

ثم إلى شراكة علمية.

ثم إلى حبٍ لم يعرفه أيٌ منهما من قبل.

كانت سارة ترى في هارون الرجل الذي يحمل العالم فوق كتفيه، بينما كان هو يراها السبب الوحيد الذي يجعله يعود إلى المنزل مهما طال العمل.

كانت تضحك كلما غرق في معادلاته، وتضع كوب القهوة إلى جواره قائلة:

"لن تنقذ العالم وأنت تنسى أن تأكل."

فيبتسم كما لم يبتسم أمام أحد.

تزوجا بعد سنوات قليلة، لكنهما اتفقا على أمر واحد...

أن تكون الإنسانية هي طفلهما الأول.

عملا معًا على مشروع سري حمل الاسم الرمزي:

"سِفر الحياة".

كان المشروع يهدف إلى حفظ كل ما تحتاجه البشرية لإعادة بناء الحضارة إذا وقعت كارثة كبرى؛ كتب، خرائط، بذور النباتات، قواعد البيانات الطبية، وتصاميم التكنولوجيا الأساسية.

كانا يعلمان أن العالم يسير نحو حافة الهاوية.

لكن أحدًا لم يصدق تحذيراتهما.

ثم جاءت الحرب.

في الأيام الأولى، رفض هارون مغادرة المختبر.

كان يردد:

"إذا غادرنا الآن... فلن يبقى شيء للأجيال القادمة."

أما سارة، فكانت تساعد فرق الإنقاذ، وتعالج المصابين داخل المستشفيات الميدانية، رغم الخطر الذي يحيط بها.

وفي مساءٍ رمادي، بينما كان هارون يعمل على إغلاق آخر خادم يحفظ بيانات المشروع، دوى انفجار هائل هز المدينة.

اهتزت الأرض.

وانقطع الاتصال بسارة.

ركض كالمجنون بين الشوارع المحترقة، ينادي باسمها وسط الدخان والنيران، حتى وجد المستشفى الذي كانت تعمل فيه قد تحول إلى أنقاض.

ظل يحفر بيديه لساعات.

حتى نزفت أصابعه.

وحين وجدها...

كانت ساكنة.

تضم بين ذراعيها طفلًا صغيرًا أنقذته قبل لحظات من انهيار المبنى.

رحلت...

لكن الطفل عاش.

جلس هارون إلى جوارها حتى طلوع الشمس، غير قادر على البكاء.

ثم نزع خاتم زواجه ووضعه في يدها وهمس:

"لقد أنقذتِ الحياة حتى آخر نفس... وأنا سأحمي حلمنا حتى آخر يوم في عمري."

منذ ذلك اليوم، لم يتزوج مرة أخرى.

واختار أن يعيش في المخبأ البحري الذي أسسه سرًا قبل الحرب.

قضى عشرين عامًا يراقب العالم من خلف الشاشات، يصلح ما يستطيع إصلاحه، ويرسل إشارات مشفرة إلى المنشآت التي ما زالت تعمل، منتظرًا الشخص الذي يستطيع حمل الأمانة من بعده.

وكان يحتفظ في جيب معطفه القديم بصورة باهتة لسارة.

كل صباح يمسح عنها الغبار.

وكل مساء يحدثها كأنها ما زالت تجلس أمامه.

"اقترب الموعد يا سارة... لقد وجد الفتى الرسالة."

رفع نظره إلى الشاشة التي أظهرت وجه إلياس وهو يعبر الممر المضيء داخل المختبر.

ابتسم للمرة الثانية منذ عشرين عامًا.

لكن ابتسامته لم تدم طويلًا.

ففي إحدى الزوايا المظلمة من الشاشة، ظهر ظل شخص مجهول يراقب إلياس من بعيد...

شخص لم يكن من المفترض أن يكون حيًا بعد كل هذه السنوات.

وعندها فقط، أدرك البروفيسور هارون أن السباق قد بدأ

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • بعد عشرين عامًا    9

    قبل أن يصبح اسم فيكتور فولكوف مرادفًا للخوف...كان مجرد شاب يحلم بحياة هادئة.ولد قبل الحرب بسنوات في مدينة متقدمة، اشتهرت بجامعاتها ومختبراتها وأسواقها المزدحمة. كان يعيش مع والده، وهو رجل إطفاء لا يعرف الخوف، ووالدته، وهي طبيبة تعالج الفقراء دون أن تطلب منهم مقابلًا.أما فيكتور...فلم يكن يشبه زعيم مافيا.كان هادئًا، قليل الكلام، يعشق لعبة الشطرنج أكثر من أي شيء آخر. كان يقضي ساعات طويلة يدرس تحركات القطع، ويؤمن أن المعركة تُحسم بالعقل قبل أن تبدأ.كان والده يقول له دائمًا:"أقوى الرجال ليس من يهزم خصمه... بل من يمنع الحرب قبل أن تبدأ."وكان فيكتور يبتسم كلما سمع تلك الجملة.في الثالثة والعشرين من عمره، أصبح محللًا أمنيًا في إحدى الشركات التقنية الكبرى. كانت مهمته حماية قواعد البيانات والتنبؤ بالهجمات الإلكترونية.لم يحمل سلاحًا يومًا.ولم يشارك في قتال.وكان يظن أن الذكاء وحده قادر على حماية العالم.لكن الحرب جاءت...ولم تستأذن أحدًا.في الليلة الأولى للقصف، خرج والده لإنقاذ عائلة محاصرة تحت الأنقاض.ولم يعد.أما والدته...فبقيت في المستشفى تعالج المصابين حتى اللحظة الأخيرة.وعندما

  • بعد عشرين عامًا    8

    "إذن... رافين تبحث عن الشيء نفسه."ثم أغلق الملف.وأصدر أمرًا جديدًا:"ابدؤوا الحرب."خلال أيام قليلة...اشتعلت المدن المهجورة.كل حي أصبح تابعًا لعصابة.كل طريق صار يحتاج إلى إذن للعبور.التحالفات تتغير كل ليلة.والخيانة أصبحت تجارة مربحة.أما المدنيون...فكانوا يدفعون الثمن.وفي الجانب الآخر من العالم...لم يكن إلياس يعرف شيئًا عن كل ذلك.كان هو ورفاقه يجلسون فوق تل مرتفع يشاهدون شروق الشمس.أشعل ريان النار ليعد الإفطار.أما ميرا...فكانت تحاول إصلاح جهاز قديم، لكنها انفجرت ضاحكة عندما قفز منه شرر صغير وأحرق خصلة من شعرها.قال ريان ساخرًا:"أظن أن الجهاز انتقم منك."ضحكت ليلى حتى دمعت عيناها.أما سامر، فكان يقرأ بصوت مرتفع قصة قديمة عن أناس أعادوا بناء مدينة بالحجارة، لا بالسلاح.جلس إلياس يستمع إليهم.وللمرة الأولى منذ غادر نوفا...شعر أنه لم يعد وحيدًا.لم يكن يملك جيشًا.ولا نفوذًا.ولا ثروة.لكنه كان يملك شيئًا لم تدرك العصابات قيمته.رفاقًا يثقون به.قال سامر وهو ينظر إلى الأفق:"أتعرفون ما الذي أبقى البشر أحياء بعد الحرب؟"أجاب ريان ضاحكًا:"الطعام المعلب."ضحكت ميرا وصفق إليا

  • بعد عشرين عامًا    7

    يعرف أن أحدًا سيموت.دخل أحد رجاله مسرعًا.ـ "سيدي... هناك أخبار من الشمال."رفع فيكتور فنجان القهوة بهدوء."تكلم."ـ "أحد المستكشفين فتح منشأة قديمة."ساد الصمت.ثم وضع فيكتور الفنجان ببطء."هل تأكدتم؟"ـ "نعم... إنها تحمل الرمز الأزرق."لأول مرة...تغيرت ملامح فيكتور.همس:"إذن... عاد الوريث."لكن منظمة "الظل الأسود" لم تكن الوحيدة.في شرق القارة...داخل ناطحة سحاب نصفها محطم...عاشت عصابة أخرى تعرف باسم...ذئاب الخرسانة.كان أفرادها لا يثقون بأحد.يرتدون أقنعة معدنية، ويتنقلون على دراجات سريعة بين أنقاض المدن، يهاجمون القوافل ثم يختفون قبل وصول أي نجدة.تقودهم امرأة اشتهرت بلقب...رافين.امرأة طويلة ذات شعر أبيض قصير، وعينين بلون العنبر.كانت مقاتلة لا تُهزم تقريبًا، وتضع على كتفها وشم جناح غراب.لم تكن تهتم بالمال.كانت تبحث عن شيء واحد فقط...الحقيقة التي أخفتها الحرب.ولهذا كانت ترفض العمل مع أي مافيا.وفي أقصى الجنوب...وسط الغابات الكثيفة...ظهرت جماعة ثالثة.لم يطلقوا على أنفسهم اسم عصابة.بل...حماة الرماد.كانوا يعيشون في حصن حجري قديم، ويرتدون عباءات رمادية، ويجمعون الكتب

  • بعد عشرين عامًا    6

    ضحكت ليلى وهي ترسم ملامح المباني المنهارة في دفترها.حتى إلياس ابتسم.كانت تلك اللحظات القصيرة من الضحك تمنحهم شعورًا بأن الحياة ما زالت تقاوم.بعد ساعات من البحث، توقف المفتاح الأزرق عن الوميض.أصبح يضيء باستمرار.نظر إلياس إلى الأرض.لم يكن هناك شيء سوى ساحة واسعة مليئة بالخرسانة المحطمة.ركع على ركبتيه وأزاح الغبار بيديه.ثم تجمد.ظهرت تحت التراب قطعة معدنية ناعمة، لا أثر للصدأ عليها.نادَى الجميع.بدأوا يزيلون الأنقاض بحذر.كلما رفعوا قطعة إسمنت، ظهر جزء آخر من بناء ضخم مدفون بالكامل.قالت ميرا وهي تطرق المعدن:"هذا ليس فولاذًا... لم أرَ مادة كهذه من قبل."وبعد ساعات من العمل...ظهر أمامهم باب دائري هائل، يبلغ ارتفاعه أكثر من عشرة أمتار.في منتصفه كان الرمز ذاته الذي رآه إلياس داخل المختبر.وإلى جانبه كلمات منقوشة:"المدينة الثالثة - أوريس."ساد الصمت.قال سامر بصوت خافت:"لم أقرأ هذا الاسم في أي كتاب..."حاول ريان دفع الباب.لم يتحرك.أخرجت ميرا أدواتها، وبدأت تفحص لوحة التحكم.لكنها لم تجد أزرارًا أو مقابض.اقترب إلياس دون أن يتكلم.رفع المفتاح الأزرق...وما إن اقترب من الباب حت

  • بعد عشرين عامًا    5

    لأول مرة منذ سنوات...لم يبدأ الصباح بصوت صفارات الإنذار.بل بزقزقة عصافير.وقف إلياس على قمة تلٍ يطل على وادٍ أخضر لم يظهر على أي خريطة قديمة. كانت الأشجار تتمايل مع النسيم، وتجري المياه الصافية بين الصخور، حتى بدا المكان وكأنه نجا من الحرب بمعجزة.ابتسم دون أن يشعر.نسي للحظة أنه يعيش في عالمٍ يحتضر.في الطرف الآخر من الوادي، كان هناك مخيم صغير يسكنه عدد من الرحالة.ولم يكونوا متشابهين أبدًا.أول من اقترب منه شاب طويل القامة، عريض الكتفين، يحمل على ظهره حقيبة تكاد تكون أكبر منه.ابتسم وقال بثقة:"أنا ريان... وإذا ضللتم الطريق، فأنا من يعيده لكم."كان ريان لا يتوقف عن الحديث، يروي القصص ويضحك حتى في أصعب المواقف. يعرف اتجاهات النجوم، ويستطيع قراءة آثار الأقدام على الأرض كما لو كانت كتابًا مفتوحًا. وجوده يجعل الرحلة أخف، حتى عندما تكون مليئة بالمخاطر.ومن خلفه خرجت فتاة ذات شعر قصير مجعد، كانت تمسك بمفك براغٍ أكثر مما تمسك بالسلاح.قالت وهي تنظر إلى جهاز إلياس المعطل:"أعطني خمس دقائق... وإن لم أصلحه، فلك أن تعتبرني أسوأ مهندسة في العالم."كانت ميرا تعشق تفكيك كل شيء وإعادة تركيبه. فض

  • بعد عشرين عامًا    4

    الفصل السادس: الظواهر التي لا تفسير لهابعد عشرين عامًا من انتهاء الحرب...لم يكن الخراب أكثر ما يرعب الناجين.بل الأشياء...التي لم يجد لها أحد تفسيرًا.حتى البروفيسور هارون، الذي كرّس حياته للعلم، كتب في إحدى مذكراته:"هناك ظواهر رأيتها بعيني... ولو أخبرت بها العلماء قبل الحرب لاتهموني بالجنون."في كل ليلة، عند الساعة الثانية عشرة تمامًا، يسمع سكان القرى المهجورة صوت قطار يعبر السكك القديمة.صوت المحرك...صوت العجلات...حتى صفارته الحادة.لكن عندما يخرج أحد ليراه...لا يجد شيئًا.الغريب أن السكة نفسها انتهت منذ سنوات، وجُرفت أجزاء كبيرة منها في الحرب.ومع ذلك...يستمر القطار في المرور كل ليلة.ويقال إن من يحاول السير خلف الصوت...لا يعود أبدًا.في أطلال إحدى المدن الغربية، أفاد المستكشفون أنهم رأوا أطفالًا يرتدون ملابس بيضاء نظيفة.كانوا يضحكون ويركضون بين المباني المهدمة.لكن كل من اقترب منهم...اختفوا.لم يتركوا أثر أقدام.ولا صوتًا.ولا حتى ظلًا.المثير للرعب أن الصور التي التقطتها الطائرات المسيّرة لم تُظهر وجود أي أطفال.لكن أجهزة تسجيل الصوت التقطت ضحكاتهم بوضوح.في منطقة تعرف

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status