LOGINلم يكن البروفيسور هارون مجرد عالم.
كان رجلًا سبق عصره بعقود. وقبل أن تنقسم الأرض إلى مدن محصنة وصحارى موحشة، كان اسمه يتردد في أكبر مراكز الأبحاث في العالم. لم يكن يبحث عن الشهرة أو الجوائز، بل كان يؤمن أن العلم خُلق لينقذ البشر، لا ليمنحهم سلطة أكبر. وُلد هارون في مدينة ساحلية هادئة، وكان يقضي طفولته يفكك أجهزة الراديو القديمة ثم يعيد تركيبها بطريقة أفضل. في الخامسة عشرة صنع أول حاسوب صغير بقطعٍ مستعملة، وفي الثانية والعشرين حصل على الدكتوراه في الذكاء الاصطناعي والطاقة المستدامة، لتبدأ بعدها رحلة جعلت اسمه مرادفًا للعبقرية. قاد عشرات المشاريع العلمية التي غيّرت حياة الملايين؛ ابتكر مفاعلات طاقة نظيفة تكفي مدينة كاملة، وطور أنظمة لتنقية المياه الملوثة، وصمم شبكة ذكاء اصطناعي قادرة على إدارة مدن بأكملها دون هدر للموارد. لكن أعظم إنجازاته لم يكن اختراعًا... بل إنسانة. كانت سارة باحثة في علم الأحياء الجزيئي. التقيا لأول مرة داخل مؤتمر علمي، حين وقفت تعارض إحدى نظرياته أمام مئات العلماء. لم يغضب هارون، بل ابتسم. وبعد انتهاء المؤتمر، طلب منها أن تناقشه من جديد. استمر النقاش ساعات... ثم تحول إلى صداقة. ثم إلى شراكة علمية. ثم إلى حبٍ لم يعرفه أيٌ منهما من قبل. كانت سارة ترى في هارون الرجل الذي يحمل العالم فوق كتفيه، بينما كان هو يراها السبب الوحيد الذي يجعله يعود إلى المنزل مهما طال العمل. كانت تضحك كلما غرق في معادلاته، وتضع كوب القهوة إلى جواره قائلة: "لن تنقذ العالم وأنت تنسى أن تأكل." فيبتسم كما لم يبتسم أمام أحد. تزوجا بعد سنوات قليلة، لكنهما اتفقا على أمر واحد... أن تكون الإنسانية هي طفلهما الأول. عملا معًا على مشروع سري حمل الاسم الرمزي: "سِفر الحياة". كان المشروع يهدف إلى حفظ كل ما تحتاجه البشرية لإعادة بناء الحضارة إذا وقعت كارثة كبرى؛ كتب، خرائط، بذور النباتات، قواعد البيانات الطبية، وتصاميم التكنولوجيا الأساسية. كانا يعلمان أن العالم يسير نحو حافة الهاوية. لكن أحدًا لم يصدق تحذيراتهما. ثم جاءت الحرب. في الأيام الأولى، رفض هارون مغادرة المختبر. كان يردد: "إذا غادرنا الآن... فلن يبقى شيء للأجيال القادمة." أما سارة، فكانت تساعد فرق الإنقاذ، وتعالج المصابين داخل المستشفيات الميدانية، رغم الخطر الذي يحيط بها. وفي مساءٍ رمادي، بينما كان هارون يعمل على إغلاق آخر خادم يحفظ بيانات المشروع، دوى انفجار هائل هز المدينة. اهتزت الأرض. وانقطع الاتصال بسارة. ركض كالمجنون بين الشوارع المحترقة، ينادي باسمها وسط الدخان والنيران، حتى وجد المستشفى الذي كانت تعمل فيه قد تحول إلى أنقاض. ظل يحفر بيديه لساعات. حتى نزفت أصابعه. وحين وجدها... كانت ساكنة. تضم بين ذراعيها طفلًا صغيرًا أنقذته قبل لحظات من انهيار المبنى. رحلت... لكن الطفل عاش. جلس هارون إلى جوارها حتى طلوع الشمس، غير قادر على البكاء. ثم نزع خاتم زواجه ووضعه في يدها وهمس: "لقد أنقذتِ الحياة حتى آخر نفس... وأنا سأحمي حلمنا حتى آخر يوم في عمري." منذ ذلك اليوم، لم يتزوج مرة أخرى. واختار أن يعيش في المخبأ البحري الذي أسسه سرًا قبل الحرب. قضى عشرين عامًا يراقب العالم من خلف الشاشات، يصلح ما يستطيع إصلاحه، ويرسل إشارات مشفرة إلى المنشآت التي ما زالت تعمل، منتظرًا الشخص الذي يستطيع حمل الأمانة من بعده. وكان يحتفظ في جيب معطفه القديم بصورة باهتة لسارة. كل صباح يمسح عنها الغبار. وكل مساء يحدثها كأنها ما زالت تجلس أمامه. "اقترب الموعد يا سارة... لقد وجد الفتى الرسالة." رفع نظره إلى الشاشة التي أظهرت وجه إلياس وهو يعبر الممر المضيء داخل المختبر. ابتسم للمرة الثانية منذ عشرين عامًا. لكن ابتسامته لم تدم طويلًا. ففي إحدى الزوايا المظلمة من الشاشة، ظهر ظل شخص مجهول يراقب إلياس من بعيد... شخص لم يكن من المفترض أن يكون حيًا بعد كل هذه السنوات. وعندها فقط، أدرك البروفيسور هارون أن السباق قد بدأبدأ التسجيل عند الساعة الرابعة وسبع عشرة دقيقة عصرًا.كان نيكو يجلس على كرسي خشبي، يميل إلى الأمام، ويحدّق في الصحفي بعينين جاحظتين. وضع أمامه كوب ماء، لكنه لم يشرب منه. بدلًا من ذلك، أخذ يراقب الفقاعات الصغيرة العالقة على حافته.دخل الصحفي، جلس، وفتح دفتره.الصحفي: هل تعرف لماذا طلبت مقابلتك؟نيكو: لأنك تشعر بالملل.الصحفي: عفوًا؟نيكو: الناس الذين يملكون عملًا حقيقيًا لا يأتون إلى هنا ليسألوا الغرباء عن حياتهم. أنت إما تشعر بالملل، أو أنك مدين لأحدهم، أو أن زوجتك طردتك من المنزل.الصحفي: أنا غير متزوج.نيكو: إذن الاحتمال الثالث مستبعد. جيد، لقد وفّرنا خمس دقائق.حاول الصحفي ألّا يضحك، ثم كتب شيئًا في دفتره.الصحفي: يصفك بعض الناس بأنك أحمق.نيكو: وبعضهم يصفني بأنني عبقري.الصحفي: وأنت ماذا تصف نفسك؟نيكو: رجلًا محاطًا بالأغبياء، لكنه لا يستطيع العيش من دونهم.الصحفي: أليست هذه مشكلة؟نيكو: بالطبع. تخيّل أن تكون الشخص الوحيد الذي يعرف كيف يصلح مولّد الكهرباء، بينما الجميع مقتنعون بأن ضربه بمطرقة سيجعله يعمل. والأسوأ أن أحدهم سيضربك بالمطرقة إن منعته!ضحك الصحفي هذه المرة، لكن نيكو لم
كان الغروب ينسحب بلون الصدأ فوق المدينة الميتة.على الطريق للمنطقة الصناعية، اعترضت الطريق ثلاث حاويات شحن محترقة. لم تكن هناك قبل أسبوع.نزل فكتور وأغلق باب الشاحنة بهدوء. خلفه ترجل أربعة من رجاله، أيديهم قريبة من السلاح دون أن يرفعوه.تقدم رجلان من خلف الحاجز. الأول ضخم، معطف عسكري فقد لونه، وندبة عريضة على حاجبه. الثاني يحمل بندقية قديمة موجهة للصدور.قال الضخم:فكتور.قال فكتور:توقعت أن ترسل أحدًا أقل قبحًا لاستقبالي، يا قاسم.لم يضحك أحد. قاسم زعيم السلاسل. لا يملك أكبر عصابة، لكنه يملك ما هو أخطر: طرق سرية، ومخازن مخفية، ورجال يبيعون المعلومة لمن يدفع.أشار قاسم لرجل معه. تقدم الرجل ووضع قطعة معدنية فوق صندوق خشبي.شارة قديمة برمز ذئب، إحدى زواياها مثنية.تغير وجه فكتور قليلًا.تعرفها؟شارة أحد رجالي.كان أحد رجالك. وُجدت قرب مستودع القمح الذي هاجمتموه قبل ثلاثة أيام. قُتل اثنان من حراسي.ساد الصمت.لم يأمر فكتور بأي هجوم على قاسم. لكنه يعرف أن بعض رجاله يتصرفون وحدهم إذا شموا وقودًا أو طعامًا.قال فكتور:لم أصدر هذا الأمر.وهل أصفق لأنك لا تعرف ما يفعله رجالك؟لا. تمنحني فرصة
حين يصبح كل ما بنوه مهددًا بالضياعمن فوق سطح المبنى الرئيسي، لم تعد إلياس تبدو كأنقاض.ألواح شمسية قديمة فوق السطح، بعضها أصلحه سامر بقطع انتزعها من مبانٍ بعيدة. تحتها تمتد أسلاك منظمة بعناية، بعد أسبوع كامل قضاه سامر يصرخ في كل من يمر بحذاء مبلل.وفوق صندوق الكهرباء، لافتة كتبها ريان:«ممنوع العبث. حتى لو كنت إلياس.»مر إلياس وقرأها، فأضاف تحتها بقلم فحم:«ويُمنع ريان من لمس الأسلاك أيضًا.»ومنذ ذلك اليوم، كلما انطفأ مصباح، تبادل الاثنان الاتهامات.في الأسفل، كانت الحياة قد عادت تصدر ضجيجها: رائحة خبز قرب المطبخ، طرق مطرقة في الورشة، وميرا تشتم جهاز الاتصال لأنه لا يلتقط.وليلى فتحت فصلها الصغير مجددًا. كانت تقول إن الأطفال الذين لا يعرفون إلا أسماء الأسلحة، يحتاجون أن يتعلموا أسماء أخرى.إلياس لم يكن يحب كلمة قائد. كان يقول:أنا فقط من يسمع الشكاوى.لكنه كان يسمعها كلها. ولهذا كان يخاف من الأيام الهادئة. تعلم أن الهدوء لا يعني أن الخطر ابتعد. أحيانًا يعني أنه يقترب بصمت.---كان سامر مستلقيًا تحت شاحنة قديمة.قال دون أن يرفع رأسه:المفتاح الطويل، بجانب قدمك.نظر ريان إلى ثلاث مفاتي
كان المطر يضرب سقف الورشة المعدني منذ الصباح.جلس نيكو منكفئًا على جهاز إرسال قديم. ساقه التي تعافت تؤلمه إذا طال جلوسه، فيعرج قليلًا. لم يعد يهتم. رفع قطعة نحاس صغيرة أمام عينيه.هيا يا عزيزتي، لا تفعلي هذا بي. أنا رجل مسالم وأنتِ مجرد قطعة نحاس. دعينا نحافظ على علاقة مهنية.سقط المسمار تحت الطاولة.حدق في الأرض.رائع. حتى أنتِ.في تلك اللحظة، طُرق الباب. ثلاث طرقات متباعدة.صوت رجل من الخارج:هل يمكنني الدخول؟تجمدت يد نيكو فوق الجهاز.يعرف هذا الصوت.رفع رأسه ببطء.الباب مفتوح.انفتح الباب، ودخل فكتور.---لم يتغير كثيرًا. نفس المعطف الداكن، وحذاؤه مليء بطين الطريق. فقط تعب جديد حول عينيه، وانحناءة خفيفة في كتفيه لم تكن هناك من قبل.وقف عند المدخل ولم يتقدم.ظل نيكو ممسكًا بقطعة النحاس. لم يرمش.قال ببرود متعمد:إذا كنت تبحث عن قطع غيار، فالمخزن في الجهة الأخرى.لم يجب فكتور.وإذا كنت تبحث عن طعام، فنحن لا نقدم وجبات مجانية. إلا للعجائز والأطفال ومن هم على وشك الموت. وفي حالتك أحتاج تقريرًا طبيًا.نظر إليه فكتور وقال:ما زلت تتكلم كثيرًا.توقفت يد نيكو لثانية واحدة فقط.ثم عاد لجها
كانت الليلة هادئة على نحو غريب.في الأسفل، كان الشباب يحركون المؤن قرب المبنى القديم الذي صار مقرًا. وصوت الحارس في الخارج يأتي متقطعًا مع الريح.في الطابق العلوي، كانت ليان تنظف بندقيتها.لا كرمز. كأداة عمل تنتهي وتعود.دخلت سلمى. حقيبة الإسعاف في يدها، والتعب في كل شيء آخر.وضعت الحقيبة على الطاولة وجلست. لم تقل شيئًا.قالت ليان دون أن ترفع عينيها:"يوم طويل؟"ضحكت سلمى ضحكة قصيرة."كلها طويلة."رفعت ليان رأسها ونظرت إليها."لكنهم لا يرون."قالت سلمى:"لا."صمت.قالت سلمى بعد قليل:"يعرفون أننا نحمل السلاح، ونخيط الجرح، ونخرج في المهمات. لكن لا أحد يسأل إذا كنا خائفات."ابتسمت ليان."لأن الخوف لا يليق بامرأة تحمل بندقية."ونظرت إلى يديها:"أول مرة أطلقتُ فيها النار، بقيت أرتجف حتى الفجر."نظرت سلمى إليها:"لم تقولي.""لو قلت، سيقولون: أنتِ القناصة. يجب أن تكوني أقوى. وكأن القوي لا يتألم."أطرقت سلمى. كانت الجملة تمسّها هي أيضًا."وأنا تعبت من كلمة الطبيبة.""أنتِ؟""نعم. إذا جُرح أحد نادوني. وإذا مات أحد نظر إليّ الجميع كأنني أنا من قتله. وإذا بكت فتاة دفعوها إليّ وقالوا: أنتِ تفهمي
هارون.. الرجل الذي تغيّرلم يكن اسم هارون يمرّ في مجلسٍ إلا وترك بعده صمتاً من الاحترام.قبل كل شيء، كان أستاذاً. باحثاً أفنى عمره بين رائحة المختبرات وغبار الكتب الجامعية، يؤمن بإيمانٍ بسيط وعنيد: أن العلم الذي لا ينحني ليخدم الإنسان، لا قيمة له.ثم جاءت الحرب.والحرب لا تغيّر الجميع بنفس الطريقة.هناك من فقد بيته، فصار بلا جدران.وهناك من فقد عائلته، فصار بلا قلب.وهناك من فقد عقله، فصار يهذي وسط الخراب.أما هارون، فقد فقد شيئاً آخر.فقد ثقته بالبشر.بعد أن سكتت المدافع، بدأ اسمه يتلاشى.في البداية كان يظهر كطيفٍ بين الناجين. يمرّ، يصلح مولداً كهربائياً متوقفاً، يعلّم امرأة كيف تنقي الماء الموحل بقطعة قماش ونار، ثم يختفي لأيام.ثم صارت أيام اختفائه أسابيع.ثم صارت أسابيع اختفائه شهوراً.حتى توقف الناس عن السؤال عنه.قال بعضهم: مات تحت الأنقاض.وقال آخرون: عبر إلى الشمال حيث لا تصل الحرب.وقال قلة: هو يعيش في بطن الأرض، داخل إحدى المنشآت القديمة التي لم يعد أحد يجرؤ على دخولها.ولا أحد كان يملك دليلاً واحداً.هارون الجديدالرجل الذي عرفه إلياس قبل الحرب كان هادئاً، دافئ الصوت، يحب أن