LOGINفي اللحظة الأخيرة... امتدت يد رهف بعفوية، وتمسكت بقوة بالحاجز الأبيض الممتد على طول الدرج. تأرجح جسدها بعنف، لكنها نجحت في منع نفسها من الارتطام بالدرجات. في الوقت نفسه، اندفع آدم نحوها دون تفكير. وما إن وطئت قدمه الدرجة الأولى من الاسفل...حتى انزلقت هي الأخرى. اختل توازنه، فسقط على إحدى ركبتيه، وأمسك الحاجز بيده قبل أن يهوي. قطب حاجبيه وهو يتمتم: "ما هذا...؟" لم يمنح نفسه ثانية إضافية... نهض فورًا، وتقدم بحذر حتى وصل إلى رهف. أمسك بذراعها بقوة، وجذبها إليه. استقرت بين ذراعيه، بينما كانت أنفاسها تتلاحق بصورة غير منتظمة. غريزيًا...وضعت يدها فوق بطنها. كان أول ما فكرت فيه... " طفلها " ضمها آدم إلى صدره وهو يتفحصها بقلق. "رهف... هل أنتي بخير؟" أومأت برأسها سريعًا ثم همست وهي ما تزال ترتجف: "أنا بخير..." ابتلعت ريقها ثم وقعت عيناها على بنطال ادم المبلل من ركبته فقالت: "هناك ماء على الدرج... قد تسبب في انزلاقنا." تركها آدم بحذر، ثم خطا خطوة إلى الخلف. وما إن لامست قدمه الدرجة...حتى انزلقت مرة أخرى. تراجع فورًا، وعيناه تضيقان بشك واضح. "لا..." قالها وهو يحدق في الأرض.
بعد نحو عشرين دقيقة... كانت رهف تجلس على أحد مقاعد الانتظار المقابلة لغرفة الطبيبة في العيادة الخاصة. ألقت نظرة على شاشة هاتفها... كانت تعلم أن آدم يحضر اجتماعًا مهمًا في هذا الوقت، لذلك لم تشأ أن تتصل به أو تشتت انتباهه. اكتفت بفتح نافذة المحادثة بينهما، ثم كتبت رسالة قصيرة. "أنا بانتظار دوري" أرسلتها، ثم أعادت الهاتف إلى حقيبتها. بعد دقائق... انفتح باب غرفة الكشف. خرجت إحدى المراجعات، ثم نادت الممرضة: "السيدة رهف." وقفت رهف، وعدلت حقيبتها على كتفها، ثم دخلت غرفة الطبيبة. أُغلق الباب خلفها..... في الممر الخارجي... تحرك شخص كان يقف بعيدًا وكأنه ينتظر هذه اللحظة تحديدًا. كان يخفي ملامحه بالكامل، كمامة سوداء تغطي نصف وجهه وقبعة صيفية عريضة تحجب عينيه. أما ملابسه الفضفاضة الداكنة، فقد أخفت ملامح جسده تمامًا. تأكد من خلو الممر ثم أخرج من داخل سترته زجاجة صغيرة تحتوي على سائل رغوي شفاف. انحنى بهدوء... وأفرغ محتواها على درجات السلم المؤدية إلى مدخل العيادة. انتشر السائل فوق الرخام اللامع، حتى أصبح من المستحيل ملاحظته بالعين المجردة. رفع رأسه، تأكد أن أحدًا لم يره ثم استدار
دخل كفاح، وإلى جانبه رغد... ارتفع حاجب رهف باستغراب، لم يكن يمر يوم في الآونة الأخيرة إلا وترى كفاح برفقة رغد. ابتسمت وهي تنهض من مقعدها لاستقبالهما: "أهلًا بكما... تفضلا." جلس الاثنان أمامها، ألقت رهف نظرة سريعة عليهما، ثم سألت بابتسامة: "ماذا تشربان؟" هز كفاح رأسه: "لا شيء، شكرًا." أغلقت رهف الملف الذي أمامها، ثم نظرت إليه: "إذن... هل أنهيت أمور رغد كما أخبرتني؟" أومأ كفاح: "نعم." ثم أكمل : "سجلت الشقة باسمها، وستبدأ العمل معي في الشركة ابتداءً من الأسبوع المقبل... واليوم سأشتري لها سيارة." اتسعت ابتسامة رهف وهي تلتفت إلى رغد: "مبارك... بداية جديدة تستحق الفرح." ابتسمت رغد بخجل، ثم قالت بصوت منخفض: "أشعر أحيانًا أنني أصبحت عبئًا عليكما." هزت رهف رأسها فورًا ومدت يدها تربت على يدها برفق: "لا تقولي هذا مرة أخرى." ابتسمت بحنان: "أنتِ أختنا." ساد صمت قصير... وخلاله لاحظت رهف أن كفاح قد طأطأ رأسه دون أن يتكلم. اختفت الابتسامة عن وجهها: "كفاح..." رفع رأسه إليها. "هل أنت بخير؟" ابتسم سريعًا: "أنا بخير." لكن رهف لم تقتنع، كان هناك شيء يخفيه خلف تلك الابتسامة. ا
في المساء... كانت رهف تجلس إلى جوار آدم على الأريكة في غرفة صاله واسعه داخل الڤيلا، تستند برأسها إلى كتفه بينما يحيطها بذراعه. أمامهما، كانت شاشة التلفاز تعرض البث المباشر لمقابلة عباس الداغر. ساد الصمت بينهما حتى انتهت المقابلة. وبمجرد أن انطفأت الشاشة، تنفست رهف براحة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة عفوية. همست دون أن تشعر: "الحمد لله... أخيرًا استيقظ من غيبوبته." أدار آدم رأسه إليها ببطء، و انعقد ما بين حاجبيه: "كنتِ تعلمين؟" ارتبكت رهف للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تعبث بأصابعها: "أ... أجل." رفعت عينيها إليه وأضافت بهدوء: "أخبرنا فارس منذ فترة... لكنه طلب أن يبقى الأمر سرًا حتى يرحل بسلام او يعود من غيبوبته" مال آدم برأسه قليلًا: "أخبرنا؟" أومأت: "أنا... وكفاح." ظل ينظر إليها لثواني، ثم قال بلهجه اختلط فيها الفضول بشيء من الغيرة الخفيفة: "يبدو أن علاقتك بفارس الداغر مميزة حتى يثق بك إلى هذا الحد." ضحكت رهف، ثم وخزته بإصبعها في كتفه: "لا تبدأ." رفعت حاجبها وهي تبتسم: "قلت لك... لم أكن وحدي." ابتسم آدم أخيرًا، لتزول ملامح الجدية عن وجهه. لكن فجأة... شهقت رهف
ارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا و قال: "لم يحافظ على الشركة فقط..." صمت لحظة..... "...بل حافظ على اسم عائلتنا أيضًا." نظر فارس إلى والده بصمت، بينما ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه. تابع الصحفي: "وهل يعني ذلك أنك ستعود لإدارة المجموعة بنفسك؟" أجاب عباس بثقة: "عدت... لأكمل ما بدأته." ابتسم الصحفي ثم أغلق الملف الذي أمامه.... ساد صمت قصير، نظر إلى الكاميرا...ثم عاد ببصره إلى عباس: "إذا سمحت لي... هناك سؤال أخير." أومأ عباس: "تفضل." أخذ الصحفي نفسًا عميقًا: "الحادث الذي أدخلك في غيبوبة لسنوات..." ساد الهدوء داخل المكتب....حتى المصور توقف عن الحركة. أكمل الصحفي: "حتى هذه اللحظة، لا أحد يعرف ماذا حدث في ذلك اليوم." تردد قليلًا، ثم سأل مباشرة: "هل كان حادثًا عرضيًا... أم أن هناك من حاول قتلك؟" ساد الصمت...ثبتت عدسة الكاميرا على وجه عباس. أما فارس... فاتجهت عيناه إلى والده، ينتظر الإجابة كما ينتظرها ملايين المشاهدين. لم يتغير وجه عباس، ظل هادئًا....تشابكت أصابعه فوق المكتب، ثم قال بصوت عميق: "ما حدث في ذلك اليوم..." توقف لثواني... "...ليس سرًا لأنني أخشاه." رفع بصره نحو
مرّ شهر كامل منذ أن فتح عباس الداغر عينيه أخيرًا بعد غيبوبة طويلة. شهر واحد فقط... لكنه كان كافيًا ليخفي فارس هذا الخبر عن الجميع، حتى جاء اليوم الذي قرر فيه عباس بنفسه أن يعود إلى العالم الذي تركه خلفه. في ذلك الصباح، انطلقت سيارة فارس السوداء عبر شوارع سيئول، متجهة نحو شركة الداغر. توقفت أمام المبنى الزجاجي الشاهق، نزل فارس أولًا ثم فتح الباب الخلفي. ترجل عباس ببطء....كان يحمل عصاه بيده، لكن حضوره وحده كان كافيًا ليجعل كل من يراه يتوقف للحظة. دخل الاثنان إلى الشركة.... وفور أن خطا عباس داخل البهو، ساد صمت غير معلن. الموظفون الجدد تبادلوا النظرات. بعضهم همس: "من هذا؟" "هل هو أحد أعضاء مجلس الإدارة؟" "انظر إلى الطريقة التي يمشي بها..." لم يعرفوه..... لكنهم شعروا بشيء واحد..." الهيبة "... فمعظم موظفي الشركة تغيّروا خلال فترة غيبوبته، ولم يبقى من رجاله القدامى سوى سليم، مساعده الوفي الذي رفض مغادرة مكانه يومًا. فتح فارس باب المكتب الرئيسي، توقف عباس عند العتبة لثانية ثم دخل... عاد إلى المكان الذي حكم منه إمبراطوريته لسنوات. اقترب من مكتبه العريق، ولمس سطحه بأطراف أصابعه،
كانت ضحكة المرأة القادمة من الطابق العلوي حادةً بما يكفي لتشق صدر رهف نصفين. توقفت عند أول درجة من السلم، يدها ما زالت تقبض على ظرف المستشفى الأبيض، وأنفاسها متقطعة كأنها ركضت مسافة عمر كامل لا بضع خطوات. داخل الظرف ورقة واحدة فقط، سطر واحد فقط، لكنه كان كافيًا ليقلب حياتها: نتيجة إيجابية. وضع
وصلت رهف إلى بوابة الشركة الضخمه فتوقفت للحظة رفعت عينيها تتأمل المبنى الشاهق، الوجوه العابرة، السيارات المسرعة، وضجيج الحياة الذي بدا كأنه يستمر دون أن يعبأ بانكسار أحد. ثم هبط نظرها ببطء نحو نفسها. تأملت ثيابها ، وانسابت عيناها فوق جسدها الذي أهملته طويلًا، ويديها اللتين فقدتا نعومتهما تحت عب
انفتح الباب على استحياء، كأنّ الهواء نفسه يخشى أن يزعج سكون المكان. أطلّ سليم برأسه أولاً، ثم تقدّم بخطوات محسوبة، وصوته يحمل تردداً خفيفاً: "سيدي…" لم يرفع فارس رأسه فوراً، ظلّ قلمه يتحرّك فوق الأوراق كأنّه يحفر أفكاراً لا تُقال، ثم قال بنبرة هادئة تخفي ما تحتها: "تفضل يا سليم… ماذا هناك؟" ابتل
انتهى الاجتماع. بصوتٍ حازمٍ لا يقبل النقاش، أمر آدم الموظفين بالعودة إلى مكاتبهم، فتفرّقوا كأوراقٍ سحبتها ريح السلطة. بقي وحده لوهلة، يمدّ يده إلى هاتفه، وعيناه تلمعان بسخريةٍ باردة. ابتسم… تلك الابتسامة التي لا تحمل دفئًا، بل وعدًا بمواجهة. "أهذه لعبة جديدة يا رهف؟ من تظنين نفسك؟" همس بها لنفس







