مشاركة

الفصل 3

مؤلف: Leen hayek
last update تاريخ النشر: 2026-03-30 03:26:32

جلسوا صامتين للحظة، وكأن الكلمات الأخيرة لم تترك مكانًا للتنفس.

ريناتا كانت أول من تحركت، مدت يديها نحو شاهد برفق، وضعت راحة يدها على كتفه، نظراتها تفيض بالطمأنينة والدعم:

شاهد… أنت لم تكن السبب أبدًا. لم يكن في يدك شيء لتتحمله.

لم يرد، لكنه استدار قليلًا ليضع رأسه على كتفها، وكأن حضنها هو الملجأ الوحيد الذي بقي له. شعرت بتوتره يتلاشى قليلًا، لكن قلبه ظل مثقلاً بما اكتشفه.

توماس جلس بجانبه، يربت على ذراعه بحذر، صوته منخفضًا لكنه ثابت:

لقد عانيت كثيرًا… لكن الآن، تعرف الحقيقة. الأمر لم يعد بينك وبين والدتك، بل بينك وبين نفسك فقط.

سارة، التي جلست مقابلهما، نظرت إلى الأرض للحظة قبل أن ترفع عينيها لتلتقي بعيناه، وقالت بصوت خافت:

كل ما حدث… لم يكن خطأك. أنت لا تتحمل أي ذنب.

ابتلع شاهد زفرة عميقة، ثم رفع رأسه ببطء، وعيناه تتأملان السماء قبل أن تعود إلى وجوههم. بدا عليه الانكسار، لكنه كان هناك لمسة من الحرية، كأن جزءًا من ثقل ستة عشر عامًا بدأ يتلاشى.

ربما… حان الوقت لأتوقف عن لوم نفسي… – قال بصوت مبحوح، لكنه كان يحمل نبرة من الصراحة لأول مرة منذ سنين.

ريناتا ضغطت على يده، وكأنها تقول بلا كلمات: “لن تدع نفسك وحيدًا بعد الآن.”

لحظة الصمت التي تلت، لم تعد خانقة… بل كانت مليئة بإحساس بأن شيئًا جديدًا قد بدأ، شعور بالقبول… وربما، للمرة الأولى منذ زمن طويل، شعور بأن قلبه يمكن أن يلتئم.

في اليوم التالي عاد شاهد إلى البيت وجلس أمام والده سامر في غرفة المعيشة، الصمت يخيّم عليهما للحظة قصيرة.

نظر سامر إلى ابنه بعينين دامعتين:

أنا… آسف يا بني. لم أكن أعلم كيف أحميك… ولم أرد أن تشعر بالخذلان.

رفع شاهد رأسه، وابتسم ابتسامة هادئة، رغم كل الألم:

أعرف ذلك، أبي. وربما لم يكن هناك طريقة… لكنني… أريد أن نفهم بعضنا البعض الآن.

اقترب والده، ومد يده على كتف ابنه، وعيناه تحملان مزيجًا من الندم والحب:

أعدك أن أحاول… أن نبدأ من جديد، معًا.

أومأ شاهد برأسه، وفجأة شعر بأن جزءًا من العبء الذي حمله ستة عشر عامًا بدأ يخف.

لم تكن الكلمات كثيرة، لكن حضورهما معًا كافٍ لتشعر القلوب بالتصالح.

لم يكن يستطيع شاهد أن يترك الحزن والغضب يبعد والده عنه الذي يحبه أكثر من كل شئ.

في تلك الليلة،خرج شاهد مع ريناتا.

لم يكن خروجهما مجرد نزهة…بل محاولة صامتة

للهروب من ثقل الأيام الماضية.

جلسا متقاربين،أكثر من المعتاد،

وكأن كليهما يبحث في الآخر عن شيءٍ فقده مؤخرًا.

كانت ريناتا مستندة إليه،ورأسها على صدره،

بينما يحيطها بذراعيه بهدوء.

لم يتحدثا كثيرًا…لكن الصمت بينهما

لم يكن ثقيلًا هذه المرة.

فجأة،

بدأت قطرات المطر تتساقط.

رفعت ريناتا رأسها،ونظرت إلى السماء بابتسامة صغيرة،

ثم نهضت بخفة،كأن المطر كان دعوةً خاصة لها.

ابتعدت عنه قليلًا،وبدأت تدور تحت المطر،

بخطواتٍ خفيفة،وكأنها تعيش لحظةً لا تريد لها أن تنتهي.

تبعثر شعرها، والتصق ثوبها بها،

لكن ذلك لم يهمّها…كانت تبتسم فقط.

تدندن بصوتٍ خافت،

Can I go where you go

.Can we always be this close forever and ever

And ah, take me out, and take me home

You're my, my, my, my Love

هل يمكننا أن نبقى هكذا… إلى الأبد؟

وقف شاهد يراقبها،مأخوذًا بها كما لو أنه يراها للمرة الأولى.

اقترب منها ببطء،حتى وقف أمامها، دون أن يقول شيئًا.

نظرت إليه…وفي عينيها شيءٌ

لم يحتج إلى تفسير.

مدّ يده، وجذبها نحوه برفق،

ثم احتضنها. كان عناقًا هادئًا…

لكنه يحمل في داخله كل ما لم يستطع قوله.

اقترب قليلًا، وهمس عند أذنها:

"أحبك."

أغمضت عينيها، وكأن هذه الكلمة

أعادت ترتيب كل شيء داخلها.

للحظة…تذكّر.

كيف بدأت الحكاية أصلًا.

كان ذلك في يومها الأول في المدرسة…

حين دخلت الصف بهدوء، وجلست في زاوية بعيدة،

تحاول أن تبدو طبيعية، رغم كل الارتباك الذي كان واضحًا في عينيها.

لم يكن يعرفها…

ولم يكن ينتظر شيئًا.

لكنه، لسببٍ لم يفهمه آنذاك،

لم يستطع أن يبعد نظره عنها.

لم يكن حبًا…بل إعجابًا بسيطًا،

فضولًا خفيفًا،وشعورًا غريبًا

جعله ينتبه لكل تفصيلة فيها.

ابتسامتها،

طريقتها في ترتيب كتبها،

نظراتها السريعة حولها…

وكأنها تحاول أن تجد مكانًا لها

في عالمٍ جديد.

لم يتحدث إليها في ذلك اليوم،

اكتفى بالمراقبة من بعيد،

لكنه،دون أن يدرك،

كان قد بدأ أول خطوة…

نحوها.

عاد إلى الحاضر،فوجدها أمامه،

تحت المطر،

ليست تلك الفتاة الغريبة…

بل الفتاة التي أصبحت كل عالمه.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • تجمعنا الحياة مجددا    الفصل 66

    أريد أن تكون ريناتا معي." قالها شاهد بصوت منخفض. — "أتعلم يا أبي؟" "لقد وعدتني أن تجعل عيد ميلادي السابع عشر مختلفًا." "كنا نخطط للسفر إلى لاس فيغاس…" "ونسهر طوال الليل." ثم ابتسم بسخرية حزينة: "والآن سأقضيه هنا في تركيا… وحدي." — نظر سامر إليه طويلًا… ثم قال بهدوء: "ومن قال إنك وحدك؟" "هناك الكثير هنا يحبونك." — تنهد شاهد وأبعد نظره قليلًا: "أرجوك…" "لا تقل أولاد لينا." "علاقتي جيدة بميادة وحسام…" "لكنها ما زالت سطحية." — سكت سامر للحظة… ثم قال بابتسامة خفيفة: "إذًا ألا يكفيك وجودي؟" — نظر إليه شاهد مباشرة… ثم اقترب منه واحتضنه بصمت. — "أنت تعرف أنني أحبك كثيرًا." "لكن علاقتي بك وحدها لا تكفيني." "أنا بحاجة إلى أصدقائي…" "وإلى فتاة أحبها." — شد سامر على كتفه بحنان واضح. "أعلم." "وصدقني…" "كل شيء سيتحسن مع الوقت." — ثم ابتعد عنه قليلًا وأضاف محاولًا تغيير الجو: "والآن…" "ألن تخبرني ماذا تريد هدية عيد ميلادك؟" — مسح شاهد وجهه بيده سريعًا… ثم قال بهدوء: "سأفكر بالأمر… وأخبرك لاحقًا." — ابتسم سامر

  • تجمعنا الحياة مجددا    الفصل 65

    جلس شاهد في غرفة أحمد… يقلب صفحات الكتاب أمامه بلا تركيز حقيقي. — وفجأة… رن هاتفه. — نظر إلى الاسم… ثم ابتسم مباشرة. "توماس." — أجاب بسرعة: "أهلًا." "كيف حالك أنت وسارة؟" — جاءه صوت توماس: "بخير." "لكن بدأت أظن أنك نسيتنا." "لم تتصل اليوم." — ابتسم شاهد بخفة: "كان يومًا طويلًا." "ولدي امتحان غدًا." "أنا الآن في منزل أحمد… يساعدني بالدراسة." — سكت توماس لحظة… ثم قال: "أحمد؟" — "أخبرتك عنه." "الذي يجلس معي في الصف." — "آه صحيح… تذكرته." ثم أضاف بمزاح: "إذًا أصبح لديك أصدقاء غيرنا؟" "لم أتوقع هذا منك." — ضحك شاهد بصوت خفيف… ثم قال: "لسنا أصدقاء لهذه الدرجة بعد…" "لكنه شخص جيد فعلًا." — سكت لحظة قصيرة… ثم أضاف بصدق: "وعائلته أيضًا لطفاء جدًا." — ابتسم توماس على الجهة الأخرى: "أنا سعيد لأجلك." "كنت بحاجة لشخص هناك." — في تلك اللحظة… دخل أحمد إلى الغرفة. — نظر إليه شاهد ثم قال: "سأتصل بك لاحقًا." "اعتنِ بسارة." — "حسنا إلى اللقاء" — أغلق شاهد الهاتف… ووضعه جانبًا. — ثم ن

  • تجمعنا الحياة مجددا    الفصل 64

    عاد شاهد إلى الصف… وجلس في مكانه. بعد لحظات… دخل أحمد وجلس بجانبه. — قال أحمد بهدوء: "يبدو أن علاقتك بقصي سيئة." — هزّ شاهد كتفيه: "ليس بسببي." ثم أضاف ببرود: "وبصراحة… لا أهتم." — قبل أن يرد أحمد… دخل الأستاذ إلى الصف. — مرّ الدوام سريعًا… وبعد انتهائه… أوصل شاهد أحمد إلى منزله. — وقبل أن ينزل أحمد قال: "سأنتظرك لتتناول الغداء معنا." — أومأ شاهد: "لن أتأخر." — أدار محرك السيارة… وعاد إلى المنزل. — دخل البيت مباشرة… "أبي…" "أريد الذهاب إلى منزل أحمد." "لدي امتحان غدًا… وسيساعدني في الدراسة فهناك قاعدة لا أفهمها." ثم أضاف: "وقد دعاني للغداء." — أجاب سامر بسهولة: "اذهب." "لكن لا تتأخر." — "حسنًا." — صعد شاهد إلى غرفته… أخذ حمامًا سريعًا… وغيّر ملابسه. — وفي الطريق… توقف عند محل حلويات… واشترى علبة ليأخذها معه. — ثم انطلق إلى منزل أحمد. — وقف أمام الباب… وضغط الجرس. — وبعد لحظات… فُتح الباب. — رفع شاهد نظره… وتوقف لثانية. — كانت فتاة تقف أمامه… شعرها الأسود منسدل عل

  • تجمعنا الحياة مجددا    الفصل 62

    دخل شاهد إلى الصف… كان أحمد جالسًا في مكانه. اقترب منه: "صباح الخير." — ابتسم أحمد: "أهلًا… صباح النور." ثم أضاف بنبرة خفيفة: "يبدو أنك حديث المدرسة اليوم." — رفع شاهد حاجبه: "حقًا؟ ولماذا؟" — ابتسم أحمد: "الجميع يتحدث عن الطالب الوسيم الجديد الذي جاء بسيارته يبدو أنه سيكون لك العديد من المعجبات — مرر شاهد يده في شعره بخفة: "أنا معتاد على هذا — ضحك أحمد: "اوووه ما هذا التواضع — قبل أن يرد… دخل الأستاذ إلى الصف. — "افتحوا كتبكم." — كانت حصة اللغة التركية. جلس شاهد ينظر إلى اللوح… لم يكن قادرا على فهم شي من القاعدة التي أمامه… — ومع نهاية الحصة… قال الأستاذ: "غدًا… امتحان في هذه القاعدة." — تجمدت ملامح شاهد للحظة… ثم التفت إلى أحمد: "لم أفهم شيئًا." — ابتسم أحمد بثقة بسيطة: "لا تقلق." "سأشرحها لك." — تردد شاهد لحظة… ثم قال: "هل يمكن أن آتي إلى منزلك بعد الدوام؟" — أومأ أحمد مباشرة: "بالطبع." "أهلًا بك." بعد مرور ساعة… أتى وقت الفسحة. — قال شاهد: "نذهب إلى الكافتيريا؟" — هزّ أحمد رأ

  • تجمعنا الحياة مجددا    الفصل 62

    رد بعد ثوانٍ: "أخيرًا اتصلت…" "حاولت الوصول إليك أكثر من مرة." — قال شاهد بهدوء: "كنت مشغولًا." — ضحك توماس بخفة: "بماذا؟" "هل بدأت تدرس من أول يوم؟" — سكت شاهد لحظة… ثم قال: "لا…" "لقد قررت ترك الشرب." — ساد صمت قصير من الطرف الآخر… ثم جاء صوت توماس بنبرة غير مصدّقة: "ماذا؟" "هل تمزح؟" — "لا." "تخلصت من كل شيء." — سكت توماس ثانية… كأنه يحاول استيعاب الكلام: "ولماذا الآن؟" — أجاب شاهد بهدوء: "لأنني… لا أريد أن أخسر الشعور الذي بدأ يعود لي." "بدأت أشعر بالهدوء الذي غاب عني منذ مدة" "ولا أريد أن أضيّعه." — تنهد توماس… ثم قال بنبرة أخف: "يعني… لن نتشارك كأسا معًا بعد الآن؟" — ابتسم شاهد ابتسامة خفيفة، : "لن تعود تلك الأيام." — سكت توماس لحظة… ثم قال: "حسنًا…" "إذا كان هذا ما تريده…" "أنا معك." — ثم أضاف بنبرة صادقة: "وإذا احتجتني… تعرف أين تجدني." — قال شاهد: "أعرف." "شكرًا." — أغلق الهاتف… وبقي ينظر إليه للحظة. ثم ذهب إلى الحمام ليستحم… ثم عاد إلى سريره ببطء. استلقى… ورفع ي

  • تجمعنا الحياة مجددا    الفصل 61

    دخلت ميادة غرفتها… وأغلقت الباب خلفها — وقف شاهد أمام الباب… طرق مرة… ثم مرة أخرى… "ميادة… افتحي الباب." لا إجابة. — كرر الطرق… لكن لا رد — في تلك اللحظة… مرت لينا من أمامه. توقفت ونظرت إليه: "ما الذي يحدث؟" — تنهد شاهد قليلًا: "تشاجرنا." - ولم تشاجرتما سألت لينا سكت لحظة… ثم أكمل: "قصي انتقص من أحد الطلاب…" "فرددت عليه." "لكن يبدو أنها شعرت أن كلامي موجه لها أيضا" — نظرت إليه لينا بتمعّن: "ماذا قلت؟" — خفض صوته قليلًا: "قلت له… إنه يعيش من مال والدي." — ساد صمت قصير… ثم قالت بهدوء: "شاهد…" "قد نختلف مع تصرفات قصي…" "لكن لا يصح أن تُهان كرامته." — أضافت بنبرة أعمق: "أبنائي لم يعيشوا نفس الحياة التي عشتها…" "لكن والدهم لم يقصّر معهم يومًا." — أنزل شاهد نظره قليلًا: "لم أقصد…" "لكنّه هو من بدأ." — أجابته بهدوء: "الرد لا يعني أن نصبح مثله." — سكتت لحظة… ثم قالت: "سأتحدث معه." — أومأ شاهد برأسه بصمت… ثم عاد إلى غرفته. — جلس شاهد على سريره… نظر إلى قنينة البيرة أمامه… التي ل

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status