Teilen

بين دخان الورشة

last update Veröffentlichungsdatum: 19.08.2026 17:26:01

تسللت أشعة الشمس الأولى هشة ومترددة عبر السقف المعدني المتهالك لمنطقة الورش القديمة في القطاع الصناعي المهجور. لم تكن شروقاً دافئاً بريئاً، بل كانت ضوءاً بارداً كشف زيف الليل، وفضح الندوب الغائرة على جدران المباني ومخلفات الزيوت والإطارات المحترقة التي تغطي الأسفلت الخشن. كان الهواء مشبعاً برطوبة البحر القادمة من الميناء القريب، تمتزج برائحة الحديد الصدئ، والوقود غير المحترق، ودخان الشوامين البعيدة التي بدأت تنبثق في أفق المدينة الرأسمالية.

اتكأ ريان على حاجز الرصيف الخرساني المتقشر أمام الورشة رقم ثمانية، ينظر إلى امتداد الشارع الفارغ بعينين يحاصرهما الإجهاد، لكنهما تتوقدان بجموح غير مألوف. كانت أصابعه تتململ بحركة إرادية ممتنعة، تبحث عن علبة سجائره الفضية التي تركها تهرب منه فوق طبلون الـ GTR المتوقفة خلفه. كانت السيارة تنبعث منها حرارة المحرك الخافتة، وصوت طقطقة المعدن وهو يبرد ببطء، كوحش كاسر يستريح بعد معركة دامية على حافة الهاوية. لم يكن يرتدي بدلتيه الرسمية ذات القماش الإيطالي الفاخر؛ بل سترة جلدية سوداء امتصت غبار الجبل، وقميصاً قطنياً داكناً التصق ببدنه بفعل الأدرينالين الذي لم يهدأ بعد في عروقه.

على بُعد أربعة أمتار منه، كانت رين تنحني داخل كابينة محرك سيارتها الـ S15. لم تبدُ عليها أي علامة من علامات الإرهاق رغم أنها خاضت للتو سباقاً ينزع الأرواح من الأجساد في "منعطف الموت". كانت قطرات العرق الممزوجة بشحم المحركات تتساقط من جبهتها لتستقر على خط فكها الحاد، وشعرها الغجري المتمرد يتدلى على جانبي وجهها كستار أسود ثائر. كانت تمسك بمفتاح شق مقاس أربعة عشر، وتشدّ براغي حامل التيربو بحركات سريعة، متناسقة، ومحترفة للغاية، صانعة إيقاعاً معدنياً منتظماً يتردد صداه في الساحة المهجورة.

رفع ريان زجاجة ماء معدنية باردة كان قد جلبها من صندوق سيارتها الخلفي، ورماها باتجاهها بخفة ودون سابق إنذار.

دون أن ترفع رأسها أو تتوقف عن حركة يدها الميكانيكية، امتدت يد رين اليسرى بسرعة خاطفة لتقبض على الزجاجة في الهواء ببراعة مذهلة. أدارت غطاءها بسنّيها، وجرعت نصفها دفعة واحدة وهي تنظر إليه بأسفل عينيها التحتيتين الداكنتين، قبل أن تمسح كمية الماء الفائضة عن شفتيها بظهر يدها الملطخة بالزيت الأسود.

— "الورثة المنعمون لا يستيقظون في السادسة صباحاً بين برك الزيوت وقطع الغيار المستعملة يا سيادة الوريث،" قالتها ونبرة السخرية التلقائية تعود لتستقر في حنجرتها، مرفقة بابتسامة حادة كالشفرة. "أم أنك خشيت أن أهرب بالمعدات والورشة قبل أن توقع عقد الرعاية الذي خسرته ليلة البارحة؟"

اعتدل ريان في وقفته، ودفع جسده عن السور الخرساني بثبات. دفع يديه في جيوب بنطاله الفاخر، وخطا خطوات متأنية ومحسوبة نحوها، تتناغم فيها هيبة رجال الأعمال مع خطورة متسابق يخفي مخالبه تحت الثياب العادية. توقف عند المصد الأمامي لسيارتها، ينظر إليها من الأعلى ببرود يتحدى شعلة التمرد المتقدة في عينيها.

— "العقود كُتبت، أُعيدت صياغتها، وأُرسلت عبر بريد إلكتروني مشفر إلى الشؤون القانونية التابعة لفريقك قبل ساعة من الآن يا رين... الشروط كاملة كما طلبيتها، بلا نقص ولا تدخل من شركاتي،" قال ريان بصوت هادئ، منخفض، وعميق يحمل نبرة سلطة لا تُنازع. "أنا هنا لسبب آخر تماماً... سبب لا تملك دفاتر الشروط أي إجابة عنه."

أغلقت رين غطاء المحرك الثقيل بحدث مدوٍّ هزّ الساحة بأكملها، وأحدث صداً ميكانيكياً مرتفعاً جعل الطيور البرية تطير من على أسطح المستودعات المجاورة. استندت بظهرها على غطاء المحرك الساخن، وعقدت ذراعيها المغطاتين بآثار الزيت وبعض الخدوش القديمة أمام صدرها، ثم رفعت رأسها لتواجه نظراته الصارمة بنظرة تحدٍ أشد ضراوة.

— "وما هو هذا السبب الذي يجعل رجلاً يملك نصف عقارات هذه المدينة يترك برجه العاجي ليقف في موحلة الشوارع؟ هل جئت لتترجاني كي أعطيك دروساً خصوصية في كيفية الكبح دون أن تحترق فرامل سيارتك الفارهة عند المنعطفات الحادة؟"

اقترب ريان أكثر حتى باتت المسافة بينهما لا تتعدى بضعة سنتيمترات، يفرقهما البروز الأمامي لغطاء المحرك فقط. انحنى قليلاً متجاوزاً حواجزها الدفاعية، لتتلاقى أنفاسهما الباردة في هواء الصباح الرطب. تخلت عيناه الذهبيتان عن البرود المؤسسي، وحلت محلهما نظرة تحليليّة ثاقبة تزن كل إنش في تصرفاتها.

— "جئت لأعرف من أين تعلمتِ 'الكبح المزدوج' وزوايا الانزلاق المغلقة في منعطف أعمى يطل على الهاوية..." قال ريان بصوت حاد كالصلب، يحصي نفحات أنفاسها. "تلك ليست مهارة تُكتسب من الهواة الذين يقفزون فوق الحاويات ويصنعون الفوضى في الأزقة يا رين. تلك المهارة لا يملكها سوى متسابق محترف قضى سنوات في مضامير الموت المغلقة، أو شخص تدرب على يد رجل كان يرى في السيارات سلاحاً للقتل وليس وسيلة للتنقل. هناك اسم، أو ماضٍ مظلم، تخفينه خلف هذه البدائية المزيفة التي ترتدينها كدِرع."

تلاشت الابتسامة التهكمية عن شفتي رين لثوانٍ معدودة. انقبضت حدقتا عينيها، ومرّ في عمقهما ظِلّ قديم، غامض وداكن كليالي الجبال الشاتية، قبل أن تعيد فرض قناع الصلابة والمكابرة المعهود. رفعت يدها الملطخة بالطين والزيت، ووضعتها بثقل وثبات على منتصف صدره، مباشرة فوق موضع قلبه، لتستشعر ضربات نبضه القوية والتفتت إليه بنظرة تشع بالحدّة والتحدي.

— "الشارع لا يعلمك الفن والهندسة يا سيادة الوريث..." قالتها بصوت خفيض، لكنه يحمل وزناً يضاهي وزن الجبال التي تسابقا عليها. "الشارع يعلمك شيئاً واحداً فقط: كيف تنجو عندما يقرر الجميع دهسك. وعندما تكون الهاوية هي خيارك الوحيد المتبقي لتثبت وجودك، ستجبر سيارتك المتهالكة على الطيران رغماً عن قوانين الفيزياء... لا توجد أسماء في ماضيّ تخصك، ولا دروس يمكنك شراؤها بأموال عائلتك. إن أردت إجابات، فعليك أن تنتزعها مني على الأسفلت، لا أن تسأل عنها كصحفي يبحث عن عنوان مثير."

ضاغطاً على يده المعقودة، ابتسم ريان ابتسامة خفيفة مظلمة، وأمسك برفق ولكن بقوة لا تتزحزح بمعصم يدها المرفوعة على صدره. لم يبعد يدها، بل أمال رأسه نحوها أكثر، لتصبح عين بلمعان الذهب أمام عين بجموح الفحم.

— "لا تقلقي... سأنزعها. وسأنزع معها هذا الغرور الذي يتغذى على انتصار واحد في مضمارك المحبب. السباق القادم لن يكون في 'منعطف الموت' الذي تحفظين كل حجر فيه... بل سيكون في مضمار أختاره أنا، بقوانين أضعها أنا، وتحت أضواء تعري كل الأسرار التي تحاولين دفنها."

قربت رين وجهها منه أكثر، متجاهلة قبضته القوية على معصمها، وضغطت بإبهامها على فكه الصارم بقسوة تحدٍّ لا تهاب سطوته:

— "ضع قوانينك، اختر مضمارك، وجنّد كل حواسيب سيارتك الخارقة يا ريان... لكن تذكر دائماً؛ القيادة ليست بالأنظمة الذكية، بل بالجرأة على وضع القدم على دواسة البنزين عندما يصرخ الجميع بالهرب. ولن تملك هذه الجرأة أبداً ما دمت تخاف أن تلطخ بدلتك الإيطالية الفاخرة."

قبل أن يرد ريان على كلماتها المستفزة، دوّى في أرجاء المنطقة الصناعية صوت محرك ثقيل وجبار لسيارة دفع رباعي سوداء من طراز "كاديلات إسكاليد" بزجاج داكن مضلل بالكامل. اقتحمت السيارة ساحة الورشة بعنف، ودرفت برعونة لتتوقف على بُعد أمتار قليلة منهما، مالمس غبار الطريق أحذية الطرفين وأجزاء السيارات المتناثرة.

انفتح الباب الخلفي للسيارة الفارهة، وخرج منه رجل في أواخر الخمسينيات من عمره، ذو بنية ضخمة وجسد مشدود، يرتدي بدلة رسمية فاخرة وساعة نادرة. كان شعره الرمادي الممشط للخلف بدقة، وملامحه الحادة القاسية الخالية من أي مشاعر، تجسد الصورة الحية للوريث الأكبر ورئيس مجلس إدارة إمبراطورية "فانغ" المالية—والد ريان.

خطا الرجل بخطوات ثقيلة ومتقنة نحو ريان، وجانبه رجلان من الحراس الشخصيين الأشداء ذوي البنيات الضخمة، يتفحصون البيئة المتهالكة بشمئزاز واضح لم يحاولوا إخفاءه.

توقف والد ريان على بعد خطوات، ونظر إلى رين بنظرة تقييمية خاطفة تسودها الحقارة والازدراء، وكأنه ينظر إلى قطعة نفايات مشتعلة، قبل أن يحول عينيه القاسيتين نحو ابنه الوحيد ووريث عرشه التجاري.

— "ساعة واحدة تفصلنا عن اجتماع مجلس الإدارة الطارئ في البرج الرئيسي يا ريان..." قال الوالد بصوت رخيم يتضوع بالأمر الجازم والبرود المطلق. "الصحافة تبحث عنك، الشركاء الأجانب ينتظرون توقيعك على صفقة الميناء الجديد، وأنت تقف في جحر للعصابات وسائقي الشوارع المتهورين، تحيط بك الزيوت القذرة وتتداول الرهانات مع فتاة بلا قيمة؟ هل هذا هو المفهوم الذي تدار به إمبراطوريتنا؟"

ساد الصمت للحظات. كانت رين ترقب الرجل الكبير بعينين متسعتين تشتعلان بالكراهية الفطرية لرجال الطبقة المخملية الذين يظنون أن العالم مُلك لإشارات أيديهم. لم تتحرك، بل استندت مجدداً على سيارتها الـ S15، وجذبت سجائرها الرخيصة من جيب بنطالها، وأشعلت واحدة ببرود تكسره نظرة تحدٍ موجّهة للأب وابنه معاً.

التفت ريان إلى والده ببطء شديد. لم يظهر على وجهه أي ارتباك أو توتر، بل ارتدى قناع الوريث البارد في أجزاء من الثانية. مسح بيده القليل من الغبار الذي علق بسراويله، ثم نظر إلى والده بعينين فارغتين من أي خضوع.

— "الشركة لم تسقط في غيابي لساعة واحدة يا سيادة الرئيس... والصفقة ستُوقع في موعدها تماماً دون نقص في أرباحك الصافية،" قال ريان بنبرة جافة ومحسوبة بالمليمتر، ثم التفت نحو رين من جديد، ونظر إلى السجائر المشتعلة بين شفتيها، واستقرت عينان في عينها ببريق أخير شق جدار جديته.

— "يبدو أن عالمي القاسي يطالب بي مجدداً ليذكرني بما أنا عليه..." قال ريان وهو يخطو خطوات نحو سيارة والد الضخمة، قبل أن يتوقف عند الباب المفتوح ويتطلع إلى رين عبر كتفه: "لكن تذكري جيداً يا رين... الجمعة القادمة عند منتصف الليل، المضمار سيكون حلبة 'السيرك المظلم' في ضواحي المدينة الشمالية. لا تفتحي الورشة فقط، بل صلي كي تستطيع سيارتك المتهالكة الصمود أمام ما أعده لكِ."

نفثت رين دخان سجارتها كثيفاً نحو وجهه والسيارات الفاخرة المحيطة به، ورفعت يدها الملطخة بالزيت لترسم له إشارة تحية متهكمة وسريعة:

— "احرص فقط على ألا يسحب والدك منك رخصة القيادة أو يخصم من مصروفك الشهري قبل ذلك الوقت يا سيادة الوريث... لأنني لن أرحمك عندما نلتقي عند خط البداية!"

انطلقت سيارة الدفع الرباعي السوداء مخلفة وراءها سحابة من الدخان والغبار الغفير، متبوعة بسيارة الـ GTR التي قادها أحد حراس والده. وقفت رين بمفردها في منتصف الساحة المهجورة، تنظر إلى أثر الإطارات الفاخرة المطبوعة على الأسفلت الخشن، وابتسامة تحدٍّ شرسة تضيء وجهها وسط العتمة والصدأ. لقد انتهى فصل، وبدأ فصلٌ أشد ضراوة؛ صراعٌ لم يعد مجرد رهان على ورشة أو سيارة، بل حرب إرادات بين عالمين لا يلتقيان إلا عند حافة الهاوية.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • ثمن الليلة الأخيرة   اعتبري نفسكِ قد ورّطتِ المليونير الخطأ في لعبتكِ

    عادت رين إلى كابينة الـ S15 وهي تنفث أنفاساً ممتلئة برائحة الثوم والنعناع والتوابل الحادة، مسحت يديها بسريعة في قماش بنطالها العملي، وأغلقت الباب الجانبي بضغطة قوية أحدثت صفيراً ميكانيكياً. في المقابل، جلس ريان خلف مقود الـ GTR، ينظر بنصف عين إلى البقعة الباهتة على كم سترته الجلدية السوداء، ثم يرفع عينيه إلى شاشات التشخيص الرقمية التي كانت تعرض استقرار حرارة المحرك.ألقى المنديل المعطر جانباً، وضغط زراً على عجلة القيادة ليُفعّل وضعية السباق "R-Mode"؛ انخفض ارتفاع السيارة بمليمترات، وقست المساعدات الهيدروليكية، بينما تحوّلت أضواء العدادات من الأزرق الهادئ إلى الأحمر القاني القاسي.وقف منظم السباق في المنتصف، رافعاً شعلة نارية برتقالية تهتز تحت نسيم الميناء المالح.في حلبة "السيرك المظلم"، لم يكن هناك متسع للخطأ. كان المسار عبارة عن حلبة مصممة بين ممرات شحن الميناء القديم؛ حوائط خرسانية سميكة على الجانبين، وحاويات صدئة تتوزع كعوائق متتالية، بينما يُصقل الأسفلت بطبقة ناعمة من الغبار الممزوج بالزيت تجعل الالتصاق أرضاً أمراً شبه مستحيل.أسقط المنظم الشعلة!الوثبة الأولى: هندسة مقابل جنونا

  • ثمن الليلة الأخيرة   شورما في سيارة ريان

    قبل أن تشتعل أضواء حلبة "السيرك المظلم" بثوانٍ معدودة، وقبل أن تُسقط الفتاة الشعلة المضيئة لمعلنةً بداية السباق الفاصل، حدث ما لم يكن في حسبان أي ميكانيكي، أو متسابق، أو حتى حاسوب تكتيكي في سيارة الـ GTR.ارتفع صوتٌ غريب ومفاجئ من محرك سيارة الـ S15 الخاصة برين... لم يكن صوت فرقعة تيربو أو خلل ميكانيكي، بل كان صوتاً أشبه بمعدة جائعة تصارع من أجل الحياة!التفت ريان داخل كابينته المعزولة تماماً عن الضوضاء الخارجية، ورفع حجبيه باستغراب وهو يراقب رين عبر الزجاج الجانبي. كانت تضع يدها على بطنها، وتنظر إلى عداد الدوران بنظرة بؤس شديد لا تناسب إطلاقاً هيبة "ملكة الشوارع" التي هزمته في الجبل.وفجأة، فتحت رين باب سيارتها، وقفت على الأسفلت، وشارت بيدها نحو منظمي السباق قائلة بصوت عالٍ أرجعه صدى الحاويات:— "تأجيل خمس دقائق! السباق لن يبدأ وأنا أرى الطريق عبارة عن أقراص بيتزا متطايرة!"عمّ الصمت والحيرة بين جماهير المتسابقين، بينما فتح ريان باب سيارته الـ GTR وخرج منها بخطوات واسعة، مشدوهاً من هذا التصرف غير الاحترافي الذي يكسر كل أصول المواجهات.— "هل تمازحينني يا رين؟" هتف ريان بنبرة استنكار ص

  • ثمن الليلة الأخيرة   فلنلعب إذن يا رين

    توهجت المكاتب الزجاجية الشاهقة لبرج شركات "فانغ" في أفق المدينة، كعمود من ضوء بارد يشق ظلام الليل. في الطابق الأربعين، كان ريان يقف أمام الواجهة الزجاجية المطلة على أضواء الشوارع الممتدة في الأسفل كأنها شرايين من نار. ألقى بقميصه الرسمي جانباً، وطوى أكمام قميصه الأسود الخفيف، بينما كانت شاشات الحاسوب الحجمية خلفه تعرض الرسوم البيانية والأرقام التكتيكية لسباق الجبل السابق، بجانب خريطة ثلاثية الأبعاد لمضمار "السيرك المظلم".كان ذلك المضمار حلبة سباق شحن قديمة ومتهالكة في المنطقة الشمالية، مشهورة بمنعطفاتها الحلزونية الضيقة الممتدة بين الميناء والمستودعات العملاقة. لم تكن خطورتها تكمن في الهاوية كما في "منعطف الموت"، بل في العوائق المفاجئة، الجدران الخرسانية الصلبة، والتغير الفجائي في زوايا الرؤية تحت أضواء الفلورسنت الشاحبة.أخذ ريان رشفة من قهوته السوداء دون أن يبعد عينيه عن محاكاة مسار سيارة الـ S15 الخاصة برين. كان يقيس سرعة استجابتها عند الانعطافات، ويحلل شفرة القيادة التي تعتمدها. لم يكن يجهز سيارته بهدف الانتصار المجرد؛ بل كان يحاول التغلب على "عقلية" خصم لا يخشى الموت، مجرّداً إي

  • ثمن الليلة الأخيرة   بين دخان الورشة

    تسللت أشعة الشمس الأولى هشة ومترددة عبر السقف المعدني المتهالك لمنطقة الورش القديمة في القطاع الصناعي المهجور. لم تكن شروقاً دافئاً بريئاً، بل كانت ضوءاً بارداً كشف زيف الليل، وفضح الندوب الغائرة على جدران المباني ومخلفات الزيوت والإطارات المحترقة التي تغطي الأسفلت الخشن. كان الهواء مشبعاً برطوبة البحر القادمة من الميناء القريب، تمتزج برائحة الحديد الصدئ، والوقود غير المحترق، ودخان الشوامين البعيدة التي بدأت تنبثق في أفق المدينة الرأسمالية.اتكأ ريان على حاجز الرصيف الخرساني المتقشر أمام الورشة رقم ثمانية، ينظر إلى امتداد الشارع الفارغ بعينين يحاصرهما الإجهاد، لكنهما تتوقدان بجموح غير مألوف. كانت أصابعه تتململ بحركة إرادية ممتنعة، تبحث عن علبة سجائره الفضية التي تركها تهرب منه فوق طبلون الـ GTR المتوقفة خلفه. كانت السيارة تنبعث منها حرارة المحرك الخافتة، وصوت طقطقة المعدن وهو يبرد ببطء، كوحش كاسر يستريح بعد معركة دامية على حافة الهاوية. لم يكن يرتدي بدلتيه الرسمية ذات القماش الإيطالي الفاخر؛ بل سترة جلدية سوداء امتصت غبار الجبل، وقميصاً قطنياً داكناً التصق ببدنه بفعل الأدرينالين الذي

  • ثمن الليلة الأخيرة   3 منعطف الموت

    اشتعل الجو في أعالي "منعطف الموت". كان الهراء والثرثرة قد انتهيا تماماً، وحل محلهما الوقود والحديد وصرير الإطارات. وقف العشرات من شباب الشوارع والمحتصين حول الخط الأبيض المدهون حديثاً على الأسفلت الخشن، يترقبون المواجهة غير المتوقعة بين سيارة الـ GTR الحديثة ذات النظام التكنولوجي المعقد التي يقودها "ريان"، وسيارة الـ نيسان سيلفيا S15 المتهالكة ظاهرياً والمفخخة ميكانيكياً التي تقودها "رين".تقدمت فتاة تحمل شعلة مضيئة ووقفت بين الخطين. صدح صوت المحركات وهما يضغطان على دواسات البنزين في وضعية الوقوف؛ هدير الـ GTR كان عميقاً وقوياً ومرعباً كزمجرة وحش محبوس، بينما كان صوت الـ S15 حاداً ومجنوناً كأنفاس آلية تستعد للانفجار.أسقطت الفتاة الشعلة!انطلاقة الموتانطلقت السيارتان كأن صاعقة شقت ظلام الليل الجبلي. بفضل نظام الدفع الرباعي الفائق والتكنولوجيا المتطورة في سيارة الـ GTR، قفز ريان إلى الأمام بفارق نصف سيارة في الثواني الأولى، تاركاً خلفه سحابة كثيفة من الملح والدخان. كان عقله يعمل كحاسوب؛ ينظر إلى عداد الدوران، يحسب قوة التماس مع الأرض، ويراقب خط السير بثبات سردي صارم.لكن رين لم تكن تق

  • ثمن الليلة الأخيرة   قواعد اللعبة

    ​ساد الصمت جنبات المستودع المهجور المتآكل، صمتٌ ثقيل لا يقطعه سوى صوت محرك الـ "GTR" وهو ينبض ببطء مفرغاً حرارته المرتفعة، وصوت أنفاسهما المتضاربة التي كانت تصارع للعودة إلى إيقاعها الطبيعي. كانت رائحة الملح القادمة من الميناء القديم تتسلل عبر النوافذ المكسورة للمبنى، تمتزج برائحة المطاط المشتعل والوقود عالي الأوكتان التي ملأت كابينة السيارة الضيقة.​لم تبعد رين عينيها عن عينَي ريان. كانت نظرته مثبتة عليها بتركيز حاد، كأنه مهندس يحاول فك شفرة خلل مفاجئ اقتحم نظامه المعقد، أو رجل أعمال يستكشف خديعة لم يقرأها في أي عقد. لقد سحبت هذه الفتاة البساط من تحت قدميه، وسلبت منه السيطرة المطلقة لعدة دقائق متواصلة—وهو الأمر الذي لم يستطع أي رجل أعمال أو متسابق محترف فعله من قبل.​كسر ريان الصمت أخيراً. أرجح ظهره للورا ليحاذي المقعد الجلدي الفاخر، ثم أخرج علبة سجائر فضية محفورة برمز عائلته من جيب بدلتيه الرسمية التي باتت مجعدة وممتلئة بغبار الشوارع. سحب منها سجارة واحدة، وأشعلها بقدحة ذهبية بهدوء مناقض تماماً لجنون المطاردة التي خاضاها للتو تحت إطلاق صفارات دوريات الشرطة.​قال وهو يراقب تصاعد الدخ

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status